الخطابة في واقعها القديم والحديث

 
 

الخطابة في واقعها القديم والحديث

حضور متجدّد(*)

مرّت وسائل الإعلام بتطورات جمّة من حيث الوسيلة والاُسلوب ، تزامنت طرديّاً مع تطور المجتمعات البشرية ، وكان لوسيلة الاتصال الأثر الكبير في جعل الكرة الأرضية زقاقاً ، يعرف مَنْ يعيش في أقصاه ما يحلّ بصاحبه في أدناه .

ولم تعد مقولة (القرية الكونية) (Global Village) التي قالها الكاتب الكندي البريطاني الجنسية (1882 ـ 1957م) (yndham Lewis) ، في كتابه (America and Cosmic Man) ، الصادر في العام 1948م ، قابلة للهضم المعرفي ، كما لم تعد مقبولةً المقولة نفسها التي قالها الأكاديمي الكندي (1911 ـ 1980م) (Herbert Marshall McLuhan) في كتابه (The Gutenberg Galaxy: The Making of Typographical Man) ، الصادر في العام 1962 ، في وصف تأثير عالم الاتصالات على تقريب المسافات ، نظراً للقفزات الكبيرة التي شهدها عالم الاتصالات والإعلام .

وبالقطع سيشهد العالم بعد فترة قصيرة نقلة كبيرة في عالم الاتصالات ، يجعل من الكرة الأرضية بيتاً واحداً وليس زقاقاً ، أي بيتاً عالمياً كونياً (Global House) خارجاً من إطار الحارة الكونية (Global Avenue) ، الذي هو عليه اليوم .

ولأنّ القفزات سريعة وكبيرة ؛ فإنّ بعض وسائل الاتصال أصبحت من الماضي مثل (التلغراف) ، لا تستعمل إلاّ في حدود ضيقة جدّاً ، وبعضها في طريقها لأن تصبح من الماضي رغم حداثة اكتشافها مثل (الفاكس) ، وبعض وسائل الإعلام صار حالها حال الإنسان تتطوّر من جيل إلى آخر ، فيقال : هذه الآلة أو البرنامج من الجيل الأول أو الثاني أو الثالث ، مثل برامج الحاسوب (الكمبيوتر) .

ولكن رغم التطوّر العلمي ، فإنّ أدوات إعلامية ووسائل اتصال تعاملت معها البشرية منذ القدم ، حافظت إلى يومنا هذا على بريقها ودورها الفاعل في عالم الإعلام ، ومن أبرزها (الخطابة) التي بقيت رغم المنافسة الشديدة ، الاُسلوب الذي لا يستغنى عنه مهما تنوّعت وسائل الإعلام والاتصال ، بوصفها الخامة الأولى لكل النتاج الإعلامي ، كان ولا زال .

هذه الحقيقة أدركها صاحب دائرة المعارف الحسينية ، آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي فقيّدها في دراسة مفصّلة ، جعلها مقدّمة تمهيدية لمجلد معجم خطباء المنبر الحسيني ، الذي صدر في العام 1420هـ (1999م) في لندن ، عن المركز الحسيني للدراسات ، في 540 صفحة من القطع الوزيري ، كواحد من 600 مجلد بدأت ترى النور منذ العام 1987 ، تحقق في نهضة الإمام الحسين في أكثر من ستين باباً ، ومئات العناوين الرئيسة ، وآلاف العناوين الفرعية ، وقد وجد رئيس محكمة الاستئناف العليا الشرعية الجعفرية في العاصمة البحرينية المنامة ، العلامة الشيخ حميد بن إبراهيم المبارك ، أنّ الدراسة تستحق إخراجها في إصدار مستقل .

كيف لا والموسوعة كما يراها القاضي المبارك أصبحت مرجعاً في هذا الباب ؟ لا على مستوى الشرق وإعلامه فحسب ، بل على مستوى الغرب وإعلامه كذلك .

فكان أن أعدَّ كتاب (الخطابة في دراسة نوعية شاملة لآية الله الكرباسي) ، في 256 صفحة من القطع المتوسط ، الصادر في بيروت عن بيت العلم للنابهين ، صدّره بمقدّمة تحت عنوان (المنبر الحسيني إلى أين ؟) ، انتقد فيه حال المنبر الحسيني بوصفه أصدق مصاديق الخطابة ، بلحاظ أنّ عطاء المنبر الحسيني في الوقت الحاضر لا يتقارب مع مقدار ما يُسخّر له من طاقات ، فالبون بينهما شاسع والمسافة كبيرة .

فالمجالس عبارة عن مكرّرات ، كما أصبحت المحاضرات على المنابر الحسينية في الغالب أشبه بالشعر الحماسي الذي ينفذ إلى الأحاسيس ، لكنّه لا يلامس الأذهان ، ولا يثير دفائن العقول ، وحتى لو حاول الخطيب أن يخرج عن المحفوظ المكرّر ؛ فإنّه يبقى في مستوى الضفاف ، أو قريباً من ذلك .

وهذا التكرار أشبه بالتكرار الذي تشهده خطب صلوات الجمعة في البلد الواحد ، وربّما في بلدان عدّة ، وفي جمعة واحدة .

لكن القاضي حميد المبارك رغم انتقاده للخطاب المرفوع من على المنابر؛ فإنّه يرى أنّ الخطابة والفقاهة عدلان لا يفترقان في خدمة الدين وأهله ؛ لخطورتهما على حدّ سواء ، ومن هنا يتبين ما للخطابة من دور عظيم لا يستهان به .

فإذا كان الفقيه هو العقل المدبّر للنهضة الدينية ، فالخطيب هو لسانها ، وإذا كانت المرجعية مؤسسة تشريعية ، فالخطابة مؤسستها الإعلامية .

يتعرّض الشيخ الكرباسي إلى تعريف (الخطابة) ، كما هو ديدنه في كلّ مصنّفاته التي دأب فيها على تعريف ما يرد من مصطلحات ؛ باعتبار أنّ التعريف اُسلوب أكاديمي علمي ، وبوابة إلى فهم الموضوع .

فيرى بعد أن استعرض عدداً من التعريفات أنّ الخطابة بوصفها من الفنون تعني قدرة التكلّم مع الناس بشكل يفي بالغرض المطلوب ، وكلّ خطبة منتصبة على ثلاث قوائم ؛ الخطيب ، والجمهور ، والمادة .

وهو ما ذهب إليه من قبل الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس (384 ـ 322 ق م) (Aristotle’s) ، عندما حدّد عناصر الخطابة بالخطيب والموضوع والسامع . ولمّا كان لفظ (المنبر) كما يراه المصنّف مفردة عربية ، لصيقة بالخطيب كمرقى ؛ فإنّه تعرض إلى تعريفها وشرحها ، وبيان تاريخ نشأتها ، وبخاصّة في العهد الإسلامي الأوّل .

وتحت عنوان (تاريخ الخطابة) وصف المصنّف الخطابة بكونها أقدم من الشعر ، وحسب تعبير الأكاديمي المصري الراحل الدكتور (أحمد محمد الحوفي) في كتاب (فن الخطابة / 41) : (لقد حفظها خطّ آشور المسماري ، وقيّدها خطّ الفراعنة الهيروغليفي ، ثمّ رواها تاريخ اليونان السياسي والأدبي منذ القرن السابع قبل الميلاد ، وبها أخضع بوذا (563 ـ 483 ق . م) الجموع الهندية لتعاليمه ، وكان لها مكانها العظيم في مجامع العرب قبل الإسلام ، وفي أسواقهم الأدبية بنوع خاص) ، على أنّ كتب التاريخ تنسب إلى النبي آدم (عليه السلام) أنّه أوّل مَنْ أنشأ الشعر ، وذلك عندما علم بمقتل ابنه هابيل ، فأنشد :

تـغيّرت  البلاد ومَنْ عليها      ووجـه الأرض مغبرٌّ iiقبيحُ
فـها أنا بعدما هابيل 
iiأمسى      قتيلاً لا السقيم ولا الصحيحُ
تـغيّر  كل ذي طعم 
iiولون      وقـلّ  بشاشةً وجهٌ iiصبيحُ

ولأنّ الخطابة تمتلك حين المخاطبة خصوصية متميّزة وأهمية كبرى ؛ فإنّه ( في الإسلام تنوعّت الأغراض ، وقد استعملها الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الدعوة إلى الدين ، وفي المناسبات الإسلامية العامّة والدينية الخاصّة ؛ ولأهمية الخطبة فقد جعلها الإسلام جزءاً من العبادة في بعض الموارد ، وصبغها بصبغة الوجوب كخطبة الجمعة والعيدين ؛ ولهذا أصبحت الخطبة في الإسلام مميّزة ، وازدهرت أكثر من الشعر ، وأصبح لها شأن هامّ في مجالات العمل الإسلامي ، بل وسائر المجالات ) .

ويرجع ابن رشيق أبو علي الحسن القيرواني (1000 ـ 1071م) في كتاب (العمدة 1 / 66) ذلك إلى أن (الخطابة في عصر الدعوة صارت فوق الشعر ؛ لأنّ الشعر اتّجر به ، وأصبح مكسباً للشاعر ؛ فلذلك أصبحت منزلة الخطيب أرفع من منزلة الشاعر في تخليد المآثر وحماية العشيرة) ؛ ولهذا اشتهر القادة في العصر الإسلامي الأوّل بحسن الخطابة .

وكما يقول المؤرّخ اللبناني الدكتور عمر فرّوخ (1906 ـ 1987م) في كتابه (تاريخ الأدب العربي1 / 256) : (فكان الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، والخلفاء الراشدون ، وأمراء الجيوش ، وولاة الأمصار والقضاة ، من الخطباء ضرورة ، غير أنّ بعضهم كان أخطب من بعض .

فعلي بن أبي طالب كان خطيباً موهوباً فوق عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب ، ولا غرو فكلام علي يأتي في مراتب البلاغة بعد القرآن والحديث) .

وقراءة الدكتور فرّوخ الفاحصة ، تعود بجذورها إلى قول الإمام علي (عليه السلام) في النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) ، وأهل بيته (عليهم السلام) : (( وإنّا لأمراء الكلام ، وفينا تنشّبت عروقه ، وعلينا تهدّلت غصونه )) .

وبعد أن يورد المصنّف جملة من خطب قادة الإسلام ، يفصّل القول في موضوع (الخطابة الحسينية ومراحل تطوّرها) ، فيؤسس للخطابة الحسينية ومراحلها التي عدّها سبع مراحل .

تبدأ المرحلة الأولى مع استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) في كربلاء المقدّسة ، في العاشر من شهر محرّم الحرام من سنة 61 للهجرة .

وكان رائد الخطابة في هذه المرحلة الإمام السجّاد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (27 ـ 95هـ) ، وهو أوّل مَنْ أسس لها وأصّلها .

ومن النساء السيّدة زينب بنت علي بن أبي طالب (6 ـ 62هـ) ، والسيّدة أمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب (9 ـ 61هـ) ، والسيّدة فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب (51 ـ 117هـ) ؛ حيث كانت خطاباتهم في الفترة التأسيسية (تطير بسرعة فائقة في آفاق البلاد الإسلامية بجناحين ؛ جناح العطف والتظلّم ، وجناح فضح الظلم والظالم ، وبهذا الشكل تأسس جهاز الإعلام الحسيني) .

وفي الفترة الانتقالية من المرحلة الأولى انعقدت رابطة قوية (بين الخطابة الحسينية والمجالس الحسينية ، فمتى ما انعقدت المجالس تواجدت الخطابة ، وكان المؤسس لهذه المجالس في الفترة التأسيسية والخطيب متحدين) .

وفي هذه الفترة (انضم الرثاء المنظوم إلى الرثاء المنثور ؛ ليشكّل ظاهرة جديدة في الخطابة الحسينية) ، وظهرت أيضاً جماعة المنشدين والنائحين ، وبإزائهم ظهر عدد من الخطباء المحدّثين والقصّاصين والنادبين .

وتأسيساً على ذلك (ربّما تمكنّا من القول بأنّ نواة الخطابة التقليدية نشأت في هذه الفترة) .

وفي الفترة الثالثة ، وعلى عهد الحكم العباسي أُصيبت الخطابة الحسينية بنكسة ؛ نتيجة لقيام خلفاء بني العباس باضطهاد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .

وتبدأ المرحلة الثانية بغيبة الإمام المهدي المنتظر (ولد 255هـ) في العام 329 هجرية ، وقد مهّدت دولة المهدي الفاطمي في تونس ، ودولة الأدارسة بالمغرب ، والدولة العلوية بطبرستان ، والدولة الحمدانية في سوريا ، الأرضية لنمو وتطوّر الخطابة .

وتبدأ المرحلة الثالثة من أوائل القرن السابع الهجري ، وتنتهي في أواخر القرن التاسع ، وفيها (ظلت الخطابة الحسينية بين مدّ وجزر ؛ تبعاً لسياسة النظام الحاكم في هذه المنطقة أو تلك) ، حيث كانت تدول دولة وتقوم أختها مكانها ، ولكن ما يلفت النظر أن (الخطابة الحسينية في هذه المرحلة تطوّرت من ناحية أخرى ، وهي أنّها عُقدت في بيوت الموالين ، وتوسّعت رقعتها جغرافياً ، ويُعد هذا أول عهدها بالبيوت) .

وتبدأ المرحلة الرابعة من أوائل القرن العاشر الهجري أو قبله بقليل ، وتنتهي تقريباً في القرن الثالث عشر الهجري ، حيث عمد عدد من الخطباء إلى وضع كتب للخطباء يقرأون منها ؛ لسدّ النقص في عدد الخطباء ، ولمواكبة الازدياد في عدد مجالس الخطابة الحسينية ، فكان كتاب (روضة الشهداء) للكاشفي (ت 910هـ) و(المنتخب) للطريحي (979 ـ 1085هـ) ، وغيرهما ، وفي هذه المرحلة تطوّرت الخطابة على يد الخطيب السيّد حسن آل طعمة الحائري (ت 1270هـ) من القراءة في الكتاب إلى القراءة عن ظهر قلب .

وتبدأ المرحلة الخامسة من منتصف القرن الثالث عشر الهجري ، وتنتهي بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري ، وراح الخطباء في هذه المرحلة ، التي شهدت حركة الاستعمار الأوروبي للبلدان العربية والإسلامية ، بالتعرّض إلى المسائل السياسية والحياتية اليومية ، ومناقشة الأفكار الغريبة والواردة ، وكان من رواد هذه المرحلة الشيخ كاظم السبتي (ت 1342هـ) ، وهو الذي أحدث فن الربط بين الموضوع الذي يبدأ به الخطيب وبين المراثي الحسينية ، والمسمّى بالگوريز .

وعلى غرار معاهد الخطابة التي اشتهر بها الأزهر والزيتونة ؛ أُنشئت معاهد خاصة بالخطابة الحسينية في عدد من البلدان الإسلامية ، مثل مدرسة الواعظين في مدينة لكهنو الهندية على يد السيّد نجم الحسن الرضوي (1279 ـ 1357هـ) ، ومدرسة الواعظين في لاهور الباكستانية في العام 1370هـ على يد السيّد مرتضى حسين اللكهنوي (1341 ـ 1407هـ) ، والشيخ يوسف حسين اللكهنوي (1319 ـ 1408هـ) ، ومدرسة الكتاب والعترة في كربلاء المقدّسة في العام 1381هـ على يد الفقيه السيّد محمد الشيرازي (1347 ـ 1422هـ) ، ومعهد الخطابة في النجف الأشرف على يد الشيخ محمد رضا المظفر (1322 ـ 1390هـ) ، ومؤازرة الشيخ محمد شيخ الشريعة (1322 ـ 1398هـ) .

وتبدأ المرحلة السادسة من بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري ، حيث الحقبة الزمنية التي بدأت فيها الأوطان الإسلامية تستقل عن الاستعمار الغربي ، وفيها تصدّى الخطباء للأفكار الهدّامة التي خلّفها الاستعمار .

وفي هذه المرحلة ، (بل منذ بداية المرحلة السابقة بدأت الخطابة الحسينية تتّجه نحو العمق الفكري والممارسة السياسية ، كما كانت على عهدها الأوّل في مرحلة الإنشاء) . ومن روادها السيّد صالح الحلّي (ت 1359هـ) ، وخطيب ثورة العشرين ضدّ الاستعمار البريطاني للعراق في العام 1920م ، الشيخ محسن أبو الحبّ الصغير (ت 1369هـ) ، والشيخ أحمد الكافي (ت 1398هـ) في ايران ، الذي استخدم المنبر لمهاجمة سياسة نظام الشاه الذي فتح الباب أمام التيارات العقائدية والفكرية المضادة للإٍسلام .

والمرحلة السابعة والأخيرة هي مرحلة مستقبلية (يفرضها التطوّر العام في كلّ مرافق الحياة والتي لابد وأن تلبّي حاجة المجتمعات المختلفة ، والشرائح المتنوّعة من كافة طبقات الناس) . ويأمل المصنّف أن يتحوّل مشروع الخطابة إالى مؤسسة عالمية تتحقق فيها عناصر (التخصص ، والإقناع العلمي ، والتطبيق العملي ، واللغة ، والوسائل الحديثة) .

وحتّى تُعجم الحروف المهملة بالنقاط ، فإنّ المصنّف وضع برنامجاً لتأسيس نقابة عالمية للخطباء والمبلغين تنهض بمؤسَسَة الخطابة ، وترعى الخطباء في حياتهم وبعدها ، مهّد له بعدد من الاجتماعات المستفيضة مع عدد من رواد المنبر الحسيني من جنسيات مختلفة جرت في لندن ، وقفت عليها ودوّنت محاضرها ، ولو شِيء للبرنامج أن يأخذ طريقه إلى محيط التطبيق ، لشهدنا نقلة نوعية في عالم الإرشاد والتبليغ الإسلامي .

ويتطرّق المصنّف في عناوين مختلفة إلى (التفنن في الخطابة) بحيث يكون الخطيب مفوّهاً يجذب إليه قلوب الناس وعقولهم ، ويتحدّث عن (الخطابة ودورها الإعلامي) ، مشيراً إلى الإعلام في العصر اليوناني ودور أفلاطون (427 ـ 347 ق.م) (Platon) وسقراط (470 ـ 399 ق.م) (Socrates) ، ثمّ دور العرب في سوق عكاظ ، ودور الخطابة في العهد الإسلامي ، وفي أوروبا القديمة والحديثة .

ويستفيض المصنّف في بيان نشأة وسائل الإعلام ، والمخاطبة من إذاعة وتلفزيون وقنوات فضائية ، ويشير إلى (دور الخطباء في التبليغ) ، وفاعليتهم في تبصير الناس بحقيقة الإسلام وأهل بيت النبوّة ، مشيراً إلى ما تركته مجالس الإرشاد الحسينية من تأثير بين العشائر العراقية السُنّية والشيعية .

ويتحدّث عن (مسؤولية الخطيب وموقعه) ، وما ينبغي له قوله للناس ، ويتحدّث عن (مكانة الخطيب) ، التي ينبغي ألا تضيع بعدم مراعاة الخطيب لمجلسه الخطابي ومستمعيه.

ويتحدّث عن (أصناف الخطباء) ، فيقسمهم إلى الخطيب المثالي ، والخطيب المأجور ، والخطيب المرائي ، والخطيب المهني ، والخطيب التبركي (من البركة) ، واضعاً بعض الأسس في كيفية (التعامل مع الخطيب) .

ويتحدّث عن (المخاطَب) الذي يرتاد مجلس الخطابة ، فهو إمّا عالم رباني ، أو رجل متعلّم ، أو امرؤ معتاد ، أو إنسان مغرور ، أو شخص ناقد .

ويتحدّث عن (الأجواء الخطابية) التي تُقام فيها مجالس الخطابة ، وهي إمّا مناخ طبيعي تتوفّر فيه الحرية والأمن ، أو مناخ تعسّفي يخلو من الحريات ، أو مناخ مقيّد ، أو مناخ استثنائي تفرضه الأزمات ، أو مناخ أجنبي خارج دائرة العالم الإسلامي ؛ حيث ينبغي للخطيب مراعاة الجو العام في كلّ بلد من هذه البلدان .

ويتطرّق إلى (المادة الخطابية) بوصفها من أركان الخطابة ، حيث يعتبر القرآن الكريم المادة الأولى للخطيب المسلم ، تليها السُنّة الشريفة ، ثمّ الحوادث الواقعة ، وسيرة الأنبياء والأئمة والأولياء ، وأخيرا الأدب .

ويتحدّث عن العلاقة بين (العلم والخطابة) ، منتقداً الفوارق التي أوجدها البعض بين الخطيب والعالم على أنّهما صنفان ، مع أنّهما يمتحان من مصادر مشتركة .

وفي عناوين مستقلة يتحدّث المصنّف عن (الخطيب الحسيني ومواصفاته) التي تدور في فلك المؤهّلات الجسمية والنفسية ، والممارسة العملية والتحصيل العلمي .

ويشدّد المصنّف على أن تكون اللغة العربية هي الأساس في التعليم والتعلّم ؛ ليكون الخطيب قادراً على تطويع اللغة العربية في خطاباته ؛ لاستئناس المستمعين للنصوص بلغتها الأم .

ومن جملة المواصفات الإيمان والعمل ، والتقوى والإخلاص ، والاُسلوب والأخلاق ، والصفاء والتواضع ، والأمانة والصبر والشجاعة .

كما تحدّث في (الخطيب ومرادفاته) عن مرادفات كلمة الخطيب ، من قبيل الواعظ والمرشد ، والذاكر والمبلّغ والمدّاح ، وغيرها .

ويرى الشيخ الكرباسي في (نوعية الخطابة) على خلاف ما كان يرى الخطيب الراحل الدكتور أحمد الوائلي (1927-2003م) ، أن السياسة هي من صلب الخطابة ، ولا مجال (لإبعاد السياسة عن المنبر الحسيني بحجّة أنّ السياسة لابد لها من اختصاص ، وهذا خارج عن اختصاص الخطباء ؛ ذلك أنّ (حكم السياسة حكم سائر العلوم التي لابد للخطيب أن يكتسبها ؛ حتى يمكنه توعية الناس سياسياً فيما إذا احتاجت الأمّة إلى ذلك) .

ويؤيّده القاضي المبارك في ذلك ، حيث (بدأ المنبر الحسيني سياسياً حين استخدمه الإمام الحسين (عليه السلام) والسيّدة زينب (عليها السلام) ، وسيبقى يحافظ على نمطه ما وجد في ذلك ضرورة) .

وتحت عنوان (الوسائل التطبيقية) ، يشير الكتاب إلى مجموعة وسائل تطبيقية ذكرها الخطيب والباحث الأميركي ديل كارنيجي (Dale Carnegie 1988 ـ 1955م) في كتابه (الخطابة) ، مع ذكر توصيات عدد من المختصين في مجال فن الخطابة .

وحتى يتكامل موضوع الخطابة فصّل المصنّف القول في زي الخطيب ، وشفّعه بصور توضيحية ، وشدّد في (لغة الخطيب) على أن تكون اللغة العربية هي المحور ، ولاسيما في نقل الآيات القرآنية ؛ إذ إنّ الترجمة لا تفي بالغرض ؛ لأنّ القرآن فيه ظاهر وباطن ، وتفسير وتأويل ، وكذا الحال مع الأحاديث الشريفة .

وأفرد المصنّف في (آراء حول الخطابة والخطيب) مجموعة من أقوال المختصين حول موضوع الخطابة الحسينية ؛ باعتبار أنّ التبليغ والإرشاد من عمل الأنبياء والرسل ، وبلحاظ أن (الخطابة الباب المشرع لدخول القلوب والعقول) كما يؤكّد المعد .

ويعدّد المصنّف في (إحياء المجالس الحسينية) الأيام والمناسبات التي اعتاد المؤمنون فيها إقامة مجالس الخطابة ، ناهيك عن شهري محرّم الحرام وصفر ، ويقسّم في (طبقات الخطباء) درجات الخطباء بلحاظ قربهم وبعدهم من فن الخطابة وأصولها إلى ثلاث درجات ؛ الطبقة المتقدّمة ويشكلون حسب إحصائيات المصنّف نحو 10 في المئة ، والطبقة المتوسطة ويشكلون نحو 75 في المئة ، والطبقة البدائية ويشكلون نحو 15 في المئة.

وإلى جانب هذه الطبقات الثلاث من الخطباء ، هناك (المنشد والرادود) ، وينقل المصنّف في (شكوى) ، وهو العنوان الأخير من عناوين الكتاب ، شكوى طبقات من المجتمعات من أداء عدد من الخطباء الذين يسيئون استخدام أعواد المنبر ، وابتعادهم عن مواكبة تطوّرات الحياة ، وعدم مراعاتهم لاحتياجات المحيط الاجتماعي الذي يعملون فيه .

والكتاب في حقيقة الأمر يصلح ، على ما فيه من تفاصيل وتفريعات ، أن يكون منهاج دراسة وعمل للخطابة والتبليغ والإرشاد في المعاهد العلمية والدينية وكلّيات الشريعة .

ــــــــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 
الفهرس

 

طباعة الصفحةاعلى