فلسفة استحضار الألم والتفريط بقيمته

 

الشعائر الحسينيّة

فلسفة استحضار الألم والتفريط بقيمته(*)

 

فاتن نور

 

لو تأمّلنا بعض غايات الإنسان , مثل : النجاح ، السّلام ، الشهرة ، النفوذ ، الثراء ، طلب العلم والمعرفة... إلخ سنرى أنّ كلَّ غاية من تلك الغايات لا بدّ وأن ترتبط بغاية الغايات (السعادة) ، فهي الغاية التي تدور في فلكها مجمل غايات الإنسان , وبغضّ النظر عن مدى نجاح تلك الغايات ، صغرت أم كبرت في تحصيل تلك الغاية الاُم .

ولا يبدو هناك من قيمة ترصد لأية غاية إنسانيّة ما لم تحقق شكلاً من أشكال السعادة , أو تشق درباً نحوها . أترك للقارئ تأمّل غاياته ، فردية كانت أم جماعيّة ، وتتبُّعها ليرى في أي رافد تصبُّ , أو لأي رافد تتّجه .
تُفهم السعادة وتُستشعر بمحورين أساسيين , هما : الألم والغبطة .

قد تبدو السعادة للوهلة الأولى أكثر التحاماً بالغبطة ، كما تبدو أكثر ابتعاداً عن الألم ، ولكن لو صدّقنا بأنّ الغبطة لا تستشعر ما لم نستشعر الألم ، فهذا يعني أنّ السعادة كغاية لا تُدرك إلاّ بعد حدوث الألم أو استشعاره . وإذا كانت السعادة غاية الوجود ، والغبطة ضرورية لتحصيل السعادة ، وإذا كان الألم ملزماً لاستشعار الغبطة ، فهل هذا يعني أنّ غاية الإنسان بالنتيجة هي استحضار الألم لبلوغ السعادة ، وأنّ الغبطة حلقة وصل بين الألم والسعادة ؟
قد تبدو صورة الطرح ضبابيّة , وقد تقود إلى فهم الإنسان فهماً مازوشياً , ولكنّها صورة عرجت على الألم كمحور رئيس في حياة الإنسان , وهذا قد ينصف الموضوعية .
كي نقترب من الصورة بدون تشوّش لا بدّ من مثال : فلنأخذ الشعائر الحسينيّة ؛ كوننا نحتفي بذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السّلام) بواقعة الطفِّ ، ولما في هذه الذكرى من استحضار مهيب للألم .


لنبدأ ببعض التساؤلات :
ـ ما الغاية من نبش التاريخ ؟

ـ ما الهدف من استحضار فاجعة من فواجعه ، وتسويقها في كرنفال ديني قوامة الألم والمظلوميّة ؟
ـ ألا يبدو من المؤلم استحضار الألم سنوياً بمواكب جرّارة ، ثمّ التبعثر والعودة دونما غبطة لنصل إلى غايتنا الاُمّ , أو نتمسك بأحد أذيالها أو خيوطها ؟! ما القيمة هنا ؟
سوف لا أخرج البيضة من جيبي وادّعي أنها بيضة تلك الدجاجة ؛ لذا سأقف على قيمة ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) , ومن أفواه خطباء الطائفة المعنيّة ومرجعياتها ؛ لنرى وبموضوعية لا بأس بها فيما إذا كانت الشعائر الحسينيّة بنمطيّتها التقليدية المعروفة تنسجم وتتفق مع روح الثورة أم لا ، تتقاطع مع قيمها أم تنحرف عنها ؟
ـ ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) ثورة ضد الظلم والاستبداد , تتوارثها الأجيال لاستقاء الدروس واستخلاص العبر ...

سأتفق مع هذا الطرح , وأسأل : بأية قيمة خرجنا من تلك الدروس والعبر , والظلم يحفّنا ؟
هل حققنا غبطة ما بكسر شوكة ظالم ؟ أما ترى أنّا استحضرنا ألم الفاجعة التي حطّت بتلك الثورة وما حفّها من ظلم ونسينا غبطة التصدّي كدرس ؟!
تلك الجموع لا تبكي الحسين (عليه السّلام) بقدر ما تبكي الظلم الذي أنهك أجسادهم ، وبدّد أحلامهم ، وهو القاسم المشترك بينهم وبين كل مظلوم . هم يستحضرون ألم هذا الظلم بقديمه وجديده , ويتمرغون به دونما غبطة .

أَوَليست أقدامهم غائرة في مستنقع الظلم وبأبشع صوره وهم يحتفون بقيمة رجل تحرّك ضد الظلم وخرج عليه ؟ أين غبطة تحرّكهم وخروجهم ؟!
ـ أوّل ثورة إسلاميّة وحركة إنسانيّة ضد استغلال الدين لأغراض الاستبداد السياسي والقهر الجماعي هي تلك الثورة الغرّاء ؛ ثورة إمامنا الحسين (عليه السّلام) .
أحسنت , هذا ما سأقوله لمن يطرح هكذا طرح . ولكن قبل أن تنظر في المرآة لترى من يستغل الدين ، انظر من حولك وتبصّر كمسلم . انظر في أحوال العراق ، لبنان ، فلسطين ، مصر ، إيران ... إلخ . انظر محلّياً وإقليمياً وعالمياً علّك تقف على حجم استغلال الدين ، بل استنفاذه لأغراض كتلك التي ذكرت .

ماذا أنجزتم , وأي درس استقيتم والاستغلال يتضخّم ويتدفّق في تيارات ومجالس عليا ، عصابات ومافيات دينيّة ؟

هل استحضرتم ألم الاستغلال وفواجع الثورة عليه ، وتقاعستم عن استحضار معاوله ؟

هل حقّقتم أية غبطة بتحطيم معول ؟

هل اقتربتم من غبطة النهوض بالدين لا استغلاله ؟
ـ وبعد ثورة الحسين (عليه السّلام) لم تكن هذا وذاك وحسب , فهي ثورة نهضويّة إصلاحيّة ضد الفساد الإداري ، ضد الاستحواذ على بيت المال وتبديد أموال المسلمين ، ضد استلاب الحقوق وانتهاب الأرزاق ...
حسناً ، لقد ثار الحسين (عليه السّلام) لانتزاع بيت المال من الطامعين ، ثار من أجل العدالة الاجتماعيّة ، من أجل الحرية والكرامة . لم يقف مكتوفاً أمام مليشيات الأسواق السوداء ، ولا متفرّجاً على عصابات النهب والتهريب ، ولا منتظراً فرجه من الله تعالى أمام الكروش المتخمة والبطون الخاوية .

إن كنّا قد اغتنمنا العبرة والدرس , أين غبطة الإصلاح إذاً ؟!

تلك الجموع المليونيّة قد حققت تعايشاً مميزاً مع كل ما رفضه الحسين (عليه السّلام) وخرج عليه ثائراً ، فأي غبطة معرفيّة , وأيّة قيمة إنسانيّة بمثل هذا التقهقر ؟!
ما ذكرته هو بعض ما يُطرح من فوق المنابر ، بعض ما يُكتب ويُدرّس ، بعض ما حفظناه على ظهر قلب كقيم لا نقوى على تفعيلها ، لا بل لا نقوى على خطِّها ولصقها على الجدران .

وأكتفي بهذا القدر ؛ فكلّ ما يُطرح على نفس الشاكلة ، وردّه على نفس المنوال .
لعلّنا ندرك بأنّ قيمة الثورات الإنسانيّة من قيمة ما تُحدثه من أثر في الوعي الجمعي والوجدان العام ، وما يُحدثه هذا الأثر من يقظة تلهب العقل وتثريه ، وتحركّه لصياغة الواقع بشكل أفضل .

وإذا كانت ثورة الحسين (عليه السّلام) متشبّعة بكلِّ ما قد يُحدِث مثل هذا الأثر , ومن وجهة نظر الطائفة المعنيّة على أقل تقدير , فهل يبدو من الإنصاف لديها أن يختصر الاحتفاء ، وتختصر الشعائر بصور التظلّم والتركيز على المظلوميّة ، وتُختزل بعروض تتمركز حول الافتتان بحب أهل البيت (عليهم السلام) ؟

هل أحدث مثل هذا التركيز والاختزال الأثر المذكور , وصاغ للطائفة واقعاً أفضل منذ استشهاد الحسين (عليه السّلام) لغايته , أم أنّه أحدث تورّماً مأساويّاً بالأثر الوجداني للثورة على حساب أثرها في الوعي , وتأثيرها في إيقاظ العقل وتحريكه لتفعيل القيم التي ثار من أجلها الحسين (عليه السّلام) على أرض واقعنا السقيم ؟
أية غبطة من تورّمٍ كهذا لم يبقِ من حيّز مفتوح في الفنار الحسيني للإثراء بفعاليات ثقافيّة هادفة , وأنشطةٍ جادة تستهدف انتزاع قيمة الثورة من قوالبها الخطابيّة المكرّرة , وصياغتها بقوالب الفعل والتغيير بحركات الإصلاح والنهضة ، أو التوعية للتحرك بهذا الاتّجاه بحلقات التثقيف والتنمية الفكرية لصناعة الحدث , وكلِّ ما يستنهض الجموع ويشحذ هممهم يستقطب ويستثمر طاقاتهم لاستئصال مرارة الواقع ، أو السعي الحثيث لاقتناء مباضع الاستئصال بعد التعرف على الصحيح منها ؟

تُرى , كم تنحرف الشعائر الحسينيّة بأنساقها المأساويّة الموضوعة عن أهداف ثورة الحسين (عليه السّلام) وقيمها , وفي أي أثر تتخندق ؟
كم تغترف من الشحن العاطفي والسير العكسي على درب الحسين (عليه السّلام) باستحسان الظلم واستحباب التعايش معه ؛ كون الحسين (عليه السّلام) مات مظلوماً ؟

كم تقترب من الإفراط باستحضار الألم والتفريط بقيمته ؟

تساؤلات كثيرة أخشى أن لا تحمل إجاباتها غبطة الصدق .

لا يُستحضر الألم من أجل الألم , بل يُستحضر من أجل الخروج بقيمة ، وكلُّ قيمة تُحدِث غبطة , والغبطة تصلنا بغايتنا الاُمّ أو تعبّد لنا إحدى دروبها الشائكة .

كلُّ درب نعبّده هو احتفاء مهيب بكلِّ ثورات الإنسانيّة من أجل الإصلاح والنهضة . فكم درب عبّدنا أو سنعبّد بشعائر تحمل ثقل الألم ولا تستحضر غبطته !

ـــــــــــــــــــــ

(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .

 

 

 

طباعة الصفحةاعلى