الشعائر الحسينيّة (المأتم)

 
 

 الشعائر الحسينيّة

(المأتم)(*)

المأتم : هو المجلس الّذي تُعدّ فيه مصائب إنسان ، وهو بطبيعته ساذج يتلوّن بلون المصائب الّتي تُعدّ فيه ، ولون الإنسان الّذي تُعدّ مصائبه .

ومآتم الإمام الحسين (عليه السّلام) : هي المجالس الّتي تُعقد لسرد مصائبه فيها ، وإقامته للحسين موجبة لإقامة ثورته حيّة خالدة ، وتفسير خططها وأهدافها ، والظروف والملابسات الّتي دفعتها إلى الوجود حتّى تبرز إلى الأذهان ، كما برزت إلى الوجود .

ولولا المآتم الّتي أقيمت على الإمام الحسين (عليه السّلام) منذ استشهاده حتّى اليوم ، لما استطاعت تلك الثورة المحدودة أن تفتح المجال لأهدافها الكبيرة ، ولما استطاعت اجتياح حكومة بني أميّة ، وحكومات تلتها وورثت انحرافها .

فثورة الحسين (عليه السّلام) كأيّة حركة ناجحة لو استدرجها التاريخ في صيغة حادثة وقتيّة ، لم تقدر على إحراز مكاسبها الكثار ، وإنّما قدرت في الماضي وتقدر في المستقبل بواسطة المآتم الكثيرة الّتي تُقام لها ، وإلحاح الشروح والتعليقات على بسط فلسفتها وأبعادها ؛ فانتصر لها دعاة وتألّب حولها روّاد فعاشوها وأحيوها مرّة ثانية وثالثة ، وتوارثوها جيلاً عن جيل ، واستدرّوا من ركائزها وقيمها ما يلائم ظروفهم ، ويعالج قضاياهم الحيّة ؛ لتكون ثورة كلّ جيل ، وقضيّة كلّ ساعة حتى تقدر على التلاقح والإنتاج ؛ لأنّ الحسين (عليه السّلام) لم يكن إمام جيل ، بل إمام الأجيال إلى يوم القيامة ، فلا بدّ أن تكون كافة أعماله وأقواله ـ وفي مقدّمتها ثورته ـ عالميّة خالدة ، تعالج المشاكل اليوميّة والدائميّة إلى يوم القيامة .

وإغلاق ذلك الجيل على ثورة الحسين (عليه السّلام) أكبر جريمة تجاه شخص الإمام (عليه السّلام) ؛ لأنّه يعني تحديد شخصيّته ، وبالتالي تحديد رسالته الّتي من أجلها خُلق ، ومن أجلها قُتل .

وقد يكون هذا الهدف من أهمّ العوامل الّتي كانت تدفع الأئمّة (عليهم السّلام) إلى إقامة المآتم بأنفسهم ، وإلحاحهم على الشيعة بإقامة المآتم على سائر أفراد أسرهم ، وعلى الحسين بالذات .

ـ فقد روى الشيخ يوسف بن حاتم ، تلميذ المحقّق الحلّي في ( الدر النظيم ) عن الإمام الرضا (عليه السّلام) أنّه قال : (( إنّي حيث أرادوا الخروج بي من المدينة جمعت عيالي فأمرتهم أن يبكوا عليّ حتّى أسمع ، ثمّ فرّقت فيهم اثني عشر ألف دينار ، ثمّ قلت : أما إنّي لا أرجع إلى عيالي أبداً ))(1) .

ــــــــــــــ
(1) عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) 2 / 217 ـ 218 ، ح 28 , بحار الانوار 49 / 117 ، ح 3 .

 الصفحة (2)

ـ وفي زيارته المأثورة : (( السلام على مَنْ أمر أهله بالنياحة عليه قبل وصول المنيّة إليه )) .

ـ وفي التهذيب للطوسي ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال : (( قال لي أبو جعفر : أوقف لي من مالي كذا وكذا ؛ لنوادب يندبنني عشر سنين بمنى أيّام منى ))(1) .

ـ وفي المجالس السَّنِيّة : حكى دعبل الخزاعي ، قال : دخلت على سيّدي ومولاي علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) في أيّام عشر المحرّم ، فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب ، وأصحابه من حوله ، فلمّا رآني مقبلاً ، قال لي : (( مرحباً بك يا دعبل ، مرحباً بناصرنا بيده ولسانه )) .

ثمّ إنّه وسّع لي في مجلسه ، وأجلسني إلى جنبه ، ثمّ قال لي : (( يا دعبل ، أحبّ أن تنشدني شعراً ؛ فإنّ هذه الأيام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت ، وأيام سرور كانت على أعدائنا ، خصوصاً بني أميّة . يا دعبل ، مَنْ بكي أو أبكى على مصابنا ـ ولو واحداً ـ كان أجره على الله . يا دعبل ، مَنْ ذرفت عيناه على مصابنا ، وبكى لما أصابنا من أعدائنا ، حشره الله معنا في زمرتنا . يا دعبل ، مَنْ بكى على مصاب جدّي الحسين غفر الله له ذنوبه البتة )) .

ثمّ إنّه نهض وضرب ستراً بيننا وبين حرمه ، وأجلس أهل بيته من وراء الستر ؛ ليبكوا على مصاب جدّهم الحسين ، ثمّ التفت إليّ وقال : (( يا دعبل , ارث الحسين ، فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً ، فلا تقصّر في نصرتنا ما استطعت )) .

قال دعبل : فاستعبرت وسالت عبرتي ، وأنشأت أقول :

 أفـاطمُ لو خلت الحسين iiمجدلاً      وقـد  مات عطشاناً بشطّ iiفراتِ
 إذن لـلطمتِ الـخدَّ فاطمُ 
iiعنده      وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجناتِ
(2)

ـ وفي جلاء العيون عن السيّد ابن طاووس : ولما رجعت نساء الحسين وعياله من الشام ، وبلغوا إلى العراق قالوا للدليل : مرّ بنا على طريق كربلاء . فوصلوا إلى موضع المصرع ، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد وردوا لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام) , فوافوا في وقت واحد ، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد ، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد , وأقاموا على ذلك أيّاماً(3) .

ـــــــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 6 / 146 .
(2) المجالس السنيّة 1 / 38 ، المجلس التاسع عشر .
(3) جلاء العيون 2 / 272 ، ب الوقائع المتأخّرة عن قتله , بحار الأنوار 45 / 146 .

الصفحة (3)

ـ وفي جلاء العيون أيضاً عن زرارة ، قال : أوصى أبو جعفر بثمانمئة درهم لمأتمه وكان يرى ذلك من السنّة ؛ لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : (( اتّخذوا لآل جعفر طعاماً فقد شغلوا ))(1) .

ـ وفي تاريخ الطبريّ : وأقبل الناس إلى عبد الله بن جعفر الطيّار يعزّونه ، فأقبل على جلسائه ، وقال : الحمد لله (عزّ وجلّ) على مصرع الحسين ، إلاّ تكن آست حسيناً يدي فقد آساه ولدي(2) .

ـ وفي رياض الأحزان : وأقامت أمّ البنين زوجة أمير المؤمنين العزاء على الحسين ، واجتمع عندها نساء بني هاشم يندبن الحسين وأهل بيته ، وبكت أمّ سلمة ، وقالت : فعلوها ملأ الله قبورهم ناراً(3) .

ـ وفي تاريخ الطبري والبداية لابن كثير ، واللهوف وأمالي الصدوق : لمّا خطبت زينب (عليها السّلام) في مجلس يزيد هزّت مَنْ في المجلس حتّى راح الرجل يحدّث جليسه بالضلال الّذي غمرهم ، فلم يرَ يزيد مناصاً من أن يخرج الحرم من المجلس إلى خربة لا تكنّهم من حرّ ولا برد ، فأقاموا فيها ينوحون على الحسين ثلاثة أيّام(4) .

ـ وفي محاسن البرقي ، باب الإطعام للمآتم : لمّا قُتل الحسين بن علي (عليه السّلام) لبسنَ نساء بني هاشم السواد والمسوح ، وكنَّ لا يشتكين من حرّ ولا برد ، وكان علي بن الحسين يعمل لهنَّ الطعام للمأتم(5) .

ـ وروى الكليني عن الصادق (عليه السّلام) : (( لمّا قُتل الحسين أقامت امرأته الكلبيّة عليه مأتماً , وبكت وبكين النساء والخدم حتّى جفّت دموعهنّ وذهبت ، فبينا هي كذلك إذ رأت جارية من جواريها تبكي ودموعها تسيل , فدعتها ، فقالت لها : ما لك أنت من بيننا تسيل دموعك ؟ قالت : إنّي لمّا أصابني الجهد شربت شربة سويق .

قال : فأمرت بالطعام والأسوقة فأكلت وشربت , وأطعمت وسقت ، وقالت : إنّما نريد بذلك أن نتقوّى على البكاء على الحسين ))(6) .

ـ وفي البحار عن الكافي : وأمّا الرباب فبكت على أبي عبد الله حتّى جفّت دموعها ، فأعلمتها

ـــــــــــــــ
(1) جلاء العيون 3 / 30 ب في أحوال محمّد بن علي الباقر(عليه السّلام) .
(2) تاريخ الطبري 5 / 466 (أحداث سنة 61 هـ) .
(3) راجع بحار الأنوار 45 / 124 ، ب 39 .
(4) راجع تاريخ الطبري 5 / 462 أحداث سنة 61 هـ ؛ اللهوف 1 / 82 المسلك الثالث في الأمور المتأخّرة عن قتله , البداية والنهاية لابن كثير 8 / 211 سنة إحدى وستين وذكر مقتل الحسين .
(5) المحاسن للبرقي 2 / 195 ، ب 25 ، ح 1564 .
(6) الكافي 1 / 466 ، ح9 , بحار الأنوار 45 / 170 ، ب39 ، ح18.

الصفحة (4)

بعض جواريها بأنّ السويق يسيل الدمعة ، فأمرت أن يصنع لها السويق ؛ لاستدرار الدموع .

ـ ولم يكتفِ الأئمّة وأهل البيت (عليهم السّلام) بإقامة المآتم على شهدائهم ، حتّى وجّهوا شيعتهم إلى إقامة المآتم عليهم (عليهم السّلام) . فعن الإمام الباقر (عليه السّلام) أنّه قال : (( رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكرا في أمرنا ؛ فإنّ ثالثهما ملك يستغفر لهما ، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلاّ باهى الله تعالى بهما الملائكة ، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر ؛ فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا ، وخير الناس من بعدنا مَنْ ذاكر بأمرنا ، ودعا إلى ذكْرِنا ))(1) .

ـ وعن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال للفضيل بن يسار : (( تجلسون وتتحدّثون ؟ )) . فقال : نعم . قال : (( إنّ تلك المجالس أحبّها ، أحيوا أمرنا ، فرحم الله مَنْ أحيا أمرنا ؛ فإنّ مَنْ جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب ))(2) .

وفي كامل الزيارات لابن قولويه عن مالك الجهني أنّ الباقر (عليه السّلام) قال وهو يبين وظيفة من أراد زيارة الحسين عليه السلام يوم عاشوراء وهو بعيد عن كربلاء : (( ليندب الحسين (عليه السّلام) ويبكِه ، ويأمر مَنْ في داره بالبكاء عليه ، ويُقم في داره مصيبته بإظهار الجزع عليه ، ويتلاقون بالبكاء بعضهم بعضاً بمصاب الحسين (عليه السّلام) ، فأنا ضامن لهم إذا فعلوا ذلك على الله (عزّ وجلّ) جميع هذا الثواب ))(3) .

 ويبدو من بعض الأحاديث أنّ ندبة النساء محبوبة في الشرع على المعصومين جميعاً ، وإن كان الرجال الأجانب يسمعون أصواتهنّ ، فقد أوصى الإمام الباقر (عليه السّلام) باستئجار النادبات حتّى يندبنه في منى ، حيث يختلط الرجال والنساء في سفح واحد ، ويتطلّعون جميعاً إلى كلّ صوت غير معتاد يرتفع ، بل إنّ من هدف الإمام أن يسمع الرجال أصوات النوادب ليكتشفوا ظلامته فيبلغوها إلى مختلف الشعوب ؛ ويثيروها حرباً شعواء على الحكّام الجائرين ، الّذين اغتصبوا حقّه ، ثمّ عمدوا إليه فقتلوه بالسمّ ظلماً .

وإنّ زينب الكبرى لم تتحاش أن ترفع صوتها بالنياحة على أخيها الشهيد في كلّ مناسبة حتى بين الأعداء ، ففي يوم الحادي عشر من المحرّم ، كما روى المفيد وابن طاووس ، أنّ القوم لمّا مرّوا بالنسوة على مصارع قتلاهنّ ، صحن وضربن وجوههنّ . قال الراوي : فوالله لا أنسى زينب بنت عليّ وهي تندب الحسين ، وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب : وا محمّداه ! فأبكت كلّ عدوّ وصديق ، حتّى جرت دموع الخيل على حوافرها(4) .

ــــــــــــــــ
(1) أمالي الطوسي / 228 , بحار الأنوار 1 / 200 ، ب4 ، ح 8 .
(2) وسائل الشيعة 10 / 391 ، ح2 .
(3) كامل الزيارات / 325 ـ 332 ، ب71 ، ح 9.
(4) راجع الحديث مفصّلاً في اللهوف 1 / 57 , منتخب الطريحي 2 / 470 ، ب1 ، المجلس العاشر .

الصفحة (5)

وفي بعض الروايات : ثمّ إنّ سكينة اعتنقت جسد الحسين وجعلت تندبه ، فاجتمعت عدّة من الأعراب حتّى جرّوها عنه(1) .

 وقال الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) في زيارة الناحية : (( فلمّا نظرنَ النساء إلى الجواد مخزيّاً ، والسرج عليه ملويّاً ، خرجن من الخدور ناشرات الشعور ، على الخدود لاطمات ، وبالعويل داعيات ))(2) .

 وفي مقتل الخوارزمي : وا محمّداه ! وا جدّاه ! وا نبيّاه ! وا عليّاه(3) !

 وفي حديث حمّاد الكوفي أنّ الصادق (عليه السّلام) قال له : (( بلغني أنّ قوماً يأتونه من نواحي الكوفة وناساً من غيرهم ، ونساءً يندبنه ، وذلك في النصف من شعبان ، فمن بين قارئ يقرأ ، وقاصّ يقصُّ , ونادب وقائل يقول المراثي )) . فقلت له : نعم جُعلت فداك ! قد شهدت بعض ما تصف . فقال : (( الحمد لله الّذي جعل في الناس مَنْ يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا ، وجعل عدوّنا من يطعن عليهم من قرابتنا وغيرهم ، يهدرونهم ويقبّحون ما يصنعون ))(4) .

وفي هذا الحديث تشجيع سافر لنوادب يندبن الحسين في مجتمع الرجال في النصف من شعبان .

 وقد يستدلّ المانعون عن الشعائر الحسينيّة بأنّ صياح النساء بمسمع الرجال الأجانب حرام ؛ لأنّ صوت المرأة عورة .

 والجواب : أنّ المحرم من صوت المرأة كما قال سبحانه وتعالى : (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ إن اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعرُوفاً)(5) . فالتغنّج بالكلام الّذي يجعله مثيراً حرام وليس مطلق الكلام ، وإلاّ لما أذِنَ الله به لنساء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) اللواتي رفعن فوق مستوى بقيّة النساء في هذه الآية الكريمة في قوله (عزّ وجلّ) : (وإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب)(6) . فمجرّد سؤال متاع من أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) غير ضائر ، وإنّما يحظر سؤالهنّ بلا حجاب ؛ لمكان حظر النظر إلى وجه المرأة ، لا لمكان حظر الاستماع إلى صوتها .

على أنّ السيرة النبويّة المقدّسة طافحة بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان يسمع النوائح من

 ـــــــــــــــ
(1) راجع اللهوف ـ لابن طاووس 1 / 58 , بحار الأنوار 45 / 59 ، ب 37 .
(2) راجع زيارة الناحية .
(3) مقتل الخوارزمي 2 / 37 .
(4) كامل الزيارات / 37 ـ 539 ، ب108 ، ح 1 , بحار الأنوار 98 / 73 ، ب27 ، ح21 .
(5) سورة الأحزاب / 32 .
(6) سورة الأحزاب / 53 .

الصفحة (6)

الأسر المفجوعة فيعزيهنّ ، ويترحّم على أمواتهنّ ، وقد أمر بإقامة النائحة على عمّه حمزة سيّد الشهداء ، وعندما ناحت عليه عمّته صفيّة وابنته فاطمة شاركهما في البكاء والحنين في ساحة معركة حنين ، بمحضر جمع من الأصحاب الّذين رووا ذلك الحادث .

وإنّ فاطمة الزهراء (عليها السّلام) كانت تندب أباها ليلاً ونهاراً ، حتّى تضايق منها أهل المدينة فبعثوا إليها عليّاً ؛ ليقول لها إمّا أن تبكي ليلاً وتسكت نهاراً ، وإمّا أن تبكي نهاراً وتسكت ليلاً .

بل يستفاد من عدد من الأحاديث أنّ صراخ النساء على قتلى الطفّ كان محبوباً عند أهل البيت ، حتّى شمله دعاء الإمام الصادق (عليه السّلام) في حديث معاوية بن وهب بقوله (عليه السّلام) : (( وارحم تلك الصرخة الّتي كانت لنا ))(1) .

وفي القاموس : الصرخة : الصيحة الشديدة . فهي بإطلاقها شاملة للنساء ، كما تشمل الرجال .

وروى الصدوق في العيون أنّ دعبل بن علي الخزاعي لمّا أنشد الرضا (عليه السّلام) تائيّته المشهورة ، وانتهى إلى قوله :

أفاطمُ لو خلتِ الحسينَ مجدلاً       وقد ماتَ عطشاناً بشطِّ فــراتِ

إذن  للطمتِ الـخدَّ فاطمُ iiعنده      وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجناتِ(2)

لطمت النساء وعلا الصراخ من وراء الستر ، وبكى الرضا (عليه السّلام) بكاءً شديداً حتى أُغمي عليه مرتين(3) .

وفي الكامل عن أبي هارون المكفوف قال : دخلت على أبي عبد الله (عليه السّلام) , فقال لي : (( أنشدني )) . فأنشدته ، فقال : (( لا ، كما تنشدون ، وكما ترثيه عند قبره )) .

قال : فأنشدته :

اُمرر على جدثِ الحسيـ     ـنِ وقـل لأعـظمه iiالزكيّه

 فبكى ، فلمّا بكى أمسكت ، فقال : (( مر )) . فمررت ، ثمّ قال : (( زدني )) .

فأنشدته :

مـريمُ  قومي واندبي iiمولاكِ      وعلى الحسينِ فاسعدي ببكاكِ

 فبكى ، وتهايج النساء(4) .

وروى في الكامل أيضاً عن عبد الله بن غالب قال : دخلت على أبي عبد الله (عليه السّلام)

 ــــــــــــ
(1) كامل الزيارات / 228 ـ 229 ، ب40 ، ح2 .
(2) المجالس السنيّة 1 / 38 ، المجلس التاسع عشر .
(3) راجع عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) 2 / 263 ـ 267 ، ب66 .
(4) كامل الزيارات / 210 ـ 211 ، ب33 ، ح5 .

الصفحة (7)

فأنشدته مرثية الحسين (عليه السّلام) ، فلمّا انتهيت إلى هذا الموضع :

فيا لبلية تكسو حسيناً   بمسفاة الثرى عفر التراب(*)

صاحت باكية من وراء الستر : يا أبتاه(1) !

وإنّ فاطمة الزهراء (عليها السّلام) لمّا خرجت إلى المسجد ؛ لتعلن احتجاجها على أبي بكر ، أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء ، وبعد أن أتمت خطابها انعطفت على قبر أبيها وأخذت قبضة من تراب القبر وشمّتها ، ثمّ أنشأت تقول :

مـاذا على مَنْ شمَّ تربةَ iiأحمدٍ     ألا يشمَّ مدى الزمان غواليا(2)

إلخ .

وروي أنّها خرجت في اليوم الثامن من وفاة أبيها إلى قبره وصرخت فتبادرت النساء ، وخرجت الولائد والولدان ، وضجَّ الناس وجاؤوا من كلّ مكان , واُطفئت المصابيح ؛ لكي لا تبين صفحات النساء .

وعند وفاة أمير المؤمنين (عليه السّلام) خرجت زينب وجميع النساء , وشققن الجيوب ، ولطمن الخدود ، ووقعت الصيحة فيهنّ ، حتى جاء الناس يهرعون ، وصاحوا صياحاً عظيماً ارتجّت له الكوفة بأهلها .

فهذه الأحاديث دليل على جواز ندبة النساء بمحضر من الرجال الأجانب ؛ لفعل فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، وتقرير عدد من المعصومين ؛ لفعل حرمهم وغير حرمهم . بالإضافة إلى ورود الأدلّة على جواز الإصغاء إلى صوت المرأة بلا ضرورة مطلقاً .

ففي الكافي عن أبي بصير قال : كنت جالساً عند أبي عبد الله (عليه السّلام) إذ دخلت علينا اُمّ خالد , الّتي كان قطعها يوسف بن عمر ، تستأذن عليه ، فقال أبو عبد الله (عليه السّلام) : (( أيسرّك أن تسمع كلامها ؟ )) . قال : فقلت : نعم . قال : فأذن لها ، وأجلَسني على الطنفسة . قال : ثمّ دخلت فتكلمت ، فإذا امرأة بليغة(3) .

ولو كان الاستماع إلى صوت المرأة بلا ضرورة حراماً ، لما سمح الإمام لإبي بصير أن يستمع إليها .

وحتّى لو كان الإصغاء إلى صوت المرأة حراماً ، لا يحرم المأتم الّذي يرتفع فيه صوت النساء فيصغي إليه الرجال الأجانب , بل يظلّ المأتم مستحبّاً ؛ لأنّ حرمة الخارج المقارن لا

 ــــــــــــــــ
(*) تجدر الإشارة إلى أن هذا البيت ورد في مصدره المذكور بهذا النحو :

فـيا لـبليّة تسقوا iiحسيناً      بمسقاة الثرى غير الترابِ

وليس له معنى , وما أثبتناه هو من مصدر آخر . (موقع معهد الإمامين الحسنين)
(1) كامل الزيارات / 209 ـ 210 ، ب33 ، ح 3 .
(2) راجع كتاب الاحتجاج 1 / 131 .
(3) الكافي 8 / 101 ، ح 71 .

الصفحة (8)

يغيّر عنوان المقارن به .

وقد روى الكافي صحيحاً عن زرارة قال : حضر أبو جعفر (عليه السّلام) جنازة رجل من قريش وأنا معه ، وكان فيها عطاء , فصرخت صارخة ، فقال عطاء : لتسكتنّ أو لنرجعن . قال : فلم تسكت ، فرجع عطاء . قال : فقلت لأبي جعفر (عليه السّلام) : إنّ عطاءً قد رجع . قال : (( وَلِمَ ؟ )) . قلت : صرخت هذه الصارخة ، فقال لها : لتسكتنّ أو لنرجعنَّ , فَلم تسكت , فرجع . فقال : (( امضِ بنا ، فلو أنّا إذ رأينا شيئاً من الباطل مع الحقّ تركنا له الحقّ ، لم نقضِ حقّ مسلم ))(1) .

فالمآتم الرجاليّة والنسائيّة تجوز ، بل تستحبّ على نمط واحد وإن استلزمت سماع الرجال الأجانب صراخ النساء الأجنبيّات .

ــــــــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
(1) الكافي 3 / 171 ، ح 3 .
 
الفهرس

 

طباعة الصفحةاعلى