عنصر التخلّص (الربط) في الخطابة الحسينيّة

 

عنصر

التخلّص (الربط) في الخطابة الحسينيّة

أهمّيته وأنواعه

                                                                                 بقلم : عبد الهادي الطهمازي

التخلّص : إمّا مأخوذ من خَلُصَ , أي صفى الشيء وزال عنه ما كان فيه شائبة من غيره ، وتميَّز عنه(1) ، وعليه قوله تعالى : ( فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً )(2) , أي تميّزوا عن غيرهم , وإمّا بمعنى الخلاص , أي الوصول(3) . وعلى كلا المعنيين فالاستعمال صحيح ، وهو أفضل من كلمة الربط التي تُستعمل على ألسنة الخطباء ؛ فهذه أقرب إلى العامية .

وفي الاصطلاح الأدبي هي : الانتقال ممّا شبب ـ تعلق ـ الكلام به , من تشبيب أو غيره ، إلى المقصود مع رعاية الملاءمة بينهم(4)

وبسط ابن الأثير القول في المثل السائر في شرحه وبيانه ، فقال: وهو أنْ يأخذ مؤلّف الكلام في معنى من المعاني , فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره ، وجعل الأوّل سبباً إليه ؛ فيكون بعضه آخذاً برقاب بعض , من غير أنْ يقطع كلامه ويستأنف كلاماً آخر ، بل يكون جميع كلامه كأنما اُفرغ إفراغ(5) .

 والمقصود بالتخلّص في الخطابة الحسينيّة هو انتقال الخطيب من الموضوع ؛ معرّجاً على شاهد تاريخي أو أدبي من واقعة يوم عاشوراء وما يرتبط بها ، أو تذكير بمصيبة شهادة أحد المعصومين (عليهم السّلام)(6) . ولا يراد بالتخلّص كلّ الفقرة التاريخية (المصيبة) التي يستعرضها الخطيب في آخر المحاضرة وقبل النعي ، وإنّما المقصود بها كيفية الانتقال من الموضوع إلى فقرة الشاهد التاريخي (المصيبة) . ويكفي أن يكون التخلّص بكلمة أو فكرة معينة دالّة على الانتقال من الموضوع إلى الشاهد التاريخي .

ولا شك أنّ كيفية التخلّص وصحة إتقانه تُعدُّ من أهمِّ سمات الخطيب البارع ، ودليل نجاحه في خطبته يكمن في جودة تخلّصة من موضوعه معرّجاً على شاهد له من واقعة الطفِّ . وقد لا أكون مبالغاً إن قلت : إنّ المستمع يبقى طوال المحاضرة يفكّر في كيفية تخلّص الخطيب من الموضوع وانتقاله إلى الشاهد التاريخي .

أهميّته

للتخلص في الخطابة الحسينيّة أثر بالغ في نفسية المستمع وتهيئته عاطفياً ؛ لأنه كالجسر الذي يربط بين الموضوع وبين الشاهد التاريخي (المصيبة) ، فلا بدّ أن يكون الجسر سليماً محكماً حتّى تتحقق عملية العبور بنجاح ؛ إذ قد يكون الموضوع التي يتناوله الخطيب أثناء المحاضرة علمياً أو تاريخياً أو أخلاقياً أو اجتماعياً ... وبالتالي فإنّ أذهان السامعين تكون قد تطبَّعت على استقبال نمط معين من الموضوعات ، وربما تكون هذه الموضوعات علميّة أو فكرية بعيدةً كلّ البعد عن الجانب العاطفي ، وعنصر التخلّص في الخطابة الحسينيّة يهتم بالدرجة الأساس بالإثارة العاطفية . وبتعبير أدق أنّ التخلّص هنا هو انتقالة من أجواء الفكر والمعرفة إلى أجواء الإثارة والعاطفة .

فإذا كان التخلّص ضعيفاً غير منسجم مع الموضوع ، احتاج الخطيب إلى وقت طويل لإيصال المستمعين إلى ذروة العاطفة واستدرار الدمعة ، وأسوأ من ذلك أن ينهي الخطيب موضوعه ثم يقول : إنّه سيعرج الآن إلى فاجعة الطفِّ لينقل صورة منها . والعكس بالعكس ؛ فكلّما كان التخلّص منسجماً مع الموضوع ، متضمناً لعنصر من عناصر الإثارة العاطفية , أو المفاجأة ، أو لنكتة دقيقة ، أو التفاتة لطيفة كان التأثير في السامع بليغاً ، وسهلت بذلك مهمّة الخطيب الحسيني في استدرار الدمعة وتهييج الجمهور عاطفياً .

وهذا هو شأن التخلّص عموماً ، وقد التفت علماء البيان لهذه الحقائق فيه ، يقول الخطيب القزويني في شرح الإيضاح : إنّ السامع يكون مترقباً للانتقال من التشبيب(7) إلى المقصود كيف يكون ؛ فإذا كان حسناً متلائم الطرفين حرّك من نشاط السامع ، وأعان على إصغائه إلى ما بعده ، وإنْ كان بخلاف ذلك كان الأمر بالعكس(8) .

ومن هنا ـ أي من قوة الانسجام والتلائم بين الموضوعين ـ قسَّموا التخلّص إلى الحسن وغيره ؛ ( فحسن التخلّص هو أن يستطرد الشاعر ـ المتكلّم ـ المتمكّن من معنى إلى معنى آخر بتخلّص سهل يختلسه اختلاساً رشيقاً ، دقيق المعنى ، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأوّل إلاّ وقد وقع في الثاني ؛ لشدة الممازجة والالتئام والانسجام بينهما حتّى كأنهما اُفرغا في قالب واحد ، ولا يشترط أنْ يتعيّن المتخلص منه ، بل يجري ذلك في أيِّ معنىً كان )(9) .

ونظراً لأهمّيته ودوره التأثيري العميق في الكلام , والربط بين المعاني , ( ذهب أصحاب الإعجاز إلى أنه وجه من وجوه الإعجاز ـ القرآني ـ ، وهو دقيق خفي يخفى على غير الحذّاق من ذوي النقد . وهو مبثوث في الكتاب العزيز من أوّله إلى آخره ؛ فإنك تقف من الكتاب العزيز على مواضع تجدها في الظاهر فصولاً متنافرة لا تعرف كيف تجمع بينها ، فإذا أنعمت النظر وكنت ممّن له دربة بهذه الصناعة ، ظهر لك الجمع بينهما ، كقوله سبحانه وتعالى: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً )(10) .

فإنك إذا نظرت إلى قوله تعالى : ( وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) وجدت هذا الفصل مبايناً لما قبله , حتّى تفكر فتجد الوصل بين الفصلين في قوله : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) , فإنه سبحانه أخبر بأنه أسرى بمحمّد (صلّى الله عليه وآله) ليريه من آياته ، ويرسله إلى عباده كما أسرى بموسى من مصر حين خرج منها خائفاً يترقّب ؛ فأتى مدين وتزوّج بابنة شعيب ، وأسرى بها فرأى النار ، فخاطبه ربه وأرسله إلى فرعون وآتاه الكتاب , فهذا الوصل بين هذين الفصلين .

وأمّا الوصل بين ما ذكرت وبين قوله تعالى : ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ) , فقد كان على بني إسرائيل نعمة عليهم قدماً حيث نجّاهم في السفن ؛ إذ لو لم ينجِ أباهم من أبناء نوح لما وجدوا ، وأخبرهم أنّ نوحاً كان شكوراً ، وهم ذرّيته ، والولد (على) سرِّ أبيه ؛ فيجب أن يكونوا شاكرين كأبيهم(11) .

أنواع العلاقات في التخلّص

لا بدّ أن يكون في التخلّص من الموضوع الذي يتناوله الخطيب الحسيني في المحاضرة ، إلى الشاهد التاريخي أو الأدبي من مشاهد واقعة كربلاء المؤلمة , نوعٌ من العلاقة أو النسبة ، ويجدر بالخطيب عند إعداده للمحاضرة أن يفكّر في كيفية التخلّص كثيراً ، وأن يكتشف العلاقة بين أصل الموضوع وبين الشاهد التاريخي الذي يصل به إلى فقرة المصيبة ؛ لأنها من أدقّ الفقرات وأهمها وأكثرها تأثيراً في الجمهور كما أشرنا .

وعليه أن يتأمّل بدقة في العلاقة أو النسبة بين موضوعه وبين الشاهد التاريخي أو الأدبي ، يقول ابن الأثير : وينبغي لك أيّها المتوشّح لهذه الفضيلة أن تصرف إليه ـ التخلّص ـ جُلَّ همَّتك ؛ فإنّه مهمٌّ عظيم من مهمّات البلاغة(12) .

 فقد يكون بين الموضوع وبين الشاهد التاريخي التضاد أو المباينة ، أي لا علاقة بينهما . وبتعبير آخر : أنْ لا يجد الخطيب شاهداً أو مصداقاً لموضوعه في واقعة عاشوراء ، وهو من أعقد أنواع التخلّص ، فتنتابه الحيرة في كيفية التخلّص من موضوعه . ولنفترض أنّه كان يتحدّث عن الرياء ؛ فإنّه حينئذ لا يجد مصداقاً أو شاهداً له في واقعة عاشوراء ، لا في الحسين وأصحابه (عليهم السّلام) ، ولا حتّى في أصحاب عمر بن سعد ؛ فإنّه لم يُنقل إنّ أحداً من جيش عمر بن سعد قد صلّى في ذلك اليوم , أو قرأ القرآن , أو ابتهل لله ، أو كان صائماً لنقول أنه كان مرائياً في فعله , فكيف يخلص من هذا الموضوع إلى شاهد من شواهد واقعة الطفِّ ؟

من الواضح أنّ الحياة قائمة على مبدأين متضادّين ؛ مبدأ الخير ومبدأ الشرِّ ، الحقّ والباطل ، الحبّ والبغض ، الإيمان والنفاق ، العدالة والفسوق , وهكذا سائر المتضادّات والمتباينات . وهذه المعاني المتضادّة حاضرة في ذهن الإنسان دائماً ؛ فما ذُكرت الحرارة إلاّ وانتقل الذهن إلى البرودة ، وما ذكر السواد إلاّ وانتقل الذهن إلاّ البياض ، فإن لم يجد الخطيب ما يُنهي به كلامه فعليه أن ينتقل إلى الضدِّ , أو ما هو مباين لموضوعه فينتقل إلى الطرف الأخر من المتضادّين ، وهو هنا الإخلاص في المثال ؛ فيذمّ الرياء ويحذّر منه ... إلخ , ثم ينتقل منه إلى الإخلاص فيمدح الإخلاص لله عزّ وجلّ ؛ يحبِّبه إلى الناس ، ويذكر شاهداً من وقعة الطفِّ عليه ، وما أكثر شواهد الإخلاص وصوره في وقعة الطفِّ .

بل يمكن أن يكون للموضوع شاهد تاريخي من سنخه ، ولكن من باب التفنن والبراعة في التخلّص . الخطيب ينتقل إلى ما يضاده أو يباينه ، فإذا تحدّث عن السّلام ـ مثلاً ـ وأهميّته في التشريع الإسلامي ، ثم أسترسل في الكلام ، فإنه يريد بذلك حثَّ السامع على إفشاء السلام إتّباعاً لسنة النبي (صلّى الله عليه وآله) , ثم يأتي بالشاهد على ذلك من السياق نفسه , فيقول مثلا ً: ألا ترى أنّ أصحاب الحسين (عليه السّلام) كلّما خرج واحد منهم إلى القتال وقف بين يدي المولى (عليه السّلام) مخاطباً إيّاه : السّلام عليك يا أبا عبد الله . وبذلك يتخلّص من موضوعه إلى ذكر أنصار الحسين (عليه السّلام) أو أحدهم .

أو يعكس الأمر ؛ فيحثَّ السامع على إفشاء السّلام أوّلاً ، ثم ينهي عن بعض صور إفشاء السّلام ، فيقول في خاتمة الموضوع مثلاً : إنّ إفشاء السّلام مستحبٌّ في الشريعة المقدّسة ، ولكن لا ينبغي السّلام على المنحرفين والعتاة ؛ لأنهم لا يستحقّون هذا المعنى الشريف . ألا ترى أنّ مسلم بن عقيل (عليه السّلام) عندما اُدخل على ابن زياد لم يسلّم عليه ! ويتخلّص بذلك من موضوعه معرّجاً على أحداث قصة مسلم بن عقيل أو بعض تفاصيلها .

وقد تكون العلاقة بين الموضوع والشاهد هي السببيّة والمسببيّة ، والأمر هنا سهل للغاية ؛ حيث ينتقل من السبب إلى المسبب ، فمثلاً : إذا كان يتحدّث في موضوعه عن حبِّ الدنيا والجاه ، وطلب الرئاسة الدنيوية ولو بالطرق المنحرفة ، أمكنة التخلّص إلى عمر بن سعد وسعيه الحثيث على الظفر بملك الري وإنْ كان ثمن ذلك قتل ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

 وقد تكون العلاقة بين الموضوع والشاهد هي الكلية والجزئية ، ويسهل الخطب هنا أيضاً ؛ فما عليه إلاّ أنْ يأتي بمصداق للكليّات التي يتحدث عنها ، فمثلاً : إذا كان موضوعه الولاء لآل البيت (عليهم السّلام) , فذكر عناصر الولاء ؛ من وجوب معرفتهم (عليهم السّلام) ، ووجوب طاعتهم ، والنصيحة لهم ، ووجوب نصرتهم ، وإظهار المحبة لهم ... ، فيسترسل هنا في الحديث عن محبّة آل البيت (عليهم السّلام) بالمقدار الذي يسمح به وقت المحاضرة ، ثم يعرض للسامع صوراً من المحبّة والولاء لهم ؛ فيذكر نموذجاً أو نموذجين من صور المحبة والولاء لهم (عليهم السّلام) , وليكن آخرها حبُّ عابس بن شبيب الشاكري للحسين (عليه السّلام) ، وتمثّلات ذلك الحب في أفعال وأقوال عابس (رض) .

وقد تكون العلاقة بين الموضوع وبين الشاهد التاريخي الذي ينقله الخطيب هي المشابهة ، سواء أكانت المشابهة في المواقف ، أو في الأقوال ، أو في ذات الأشخاص ... إلخ ، وفي هذه الصورة ما عليه إلاّ أن ينتقل إلى الشبيه لحضوره في أذهان السامعين تلك اللحظة ، ومن أمثلة ذلك : انطلق أحد الخطباء في محاضرته من قوله تعالى : ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ )(13) .

فتحدّث عن الدعاء وأهميّته كمقدّمة بشكل موجز ، ثم تعرَّض لمقاطع الآية الشريفة بالشرح والتوضيح ، ثم خلُص إلى قصّة إسكان إبراهيم الخليل (عليه السّلام) لبعضٍ من ذرّيته في مكّة ، وهم زوجته هاجر وولده إسماعيل (عليهما السّلام) ، ثم تركهم بأمر الله وانصرف عنهما ، فنفذ ماء وغذاء هذه المرأة المؤمنة ، وأشرف إسماعيل (عليه السّلام) ـ وهو طفل رضيع ـ على الهلاك عطشاً حتّى ضجّت الملائكة بالدعاء لهاجر وولدها إسماعيل ، ثم نقل صورة الطفل الرضيع العاطش إلى رضيع أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، وبذا يكون التخلّص مناسباً ومؤثراً .

وعلى مثل ذلك يمكن أن تقاس بقيّة أنواع العلاقات إن كانت ، وهي لا تخفى على الخطيب اللبيب .

 

مراعاة أمرين

ثم يجدر بالخطيب أن يلاحظ في التخلّص أمرين بالغي الأهميّة :

الأمر الأوّل : أن يتأمّل الخطيب في موضوعه جيداً ليرى أيَّ جانب من جوانبه أكثر إثارة للعاطفة فيؤخّره ليختم به ؛ لأنّ التخلّص في الخطابة الحسينيّة يستهدف إثارة العاطفة أكثر من أيّ شيء آخر .

ولتوضيح الفكرة اُقدّم لك بعض الأمثلة : سمعت أحد الخطباء وقد تكلّم في موضوع عرض فيه بالحديث عن أعمام النبي (صلّى الله عليه وآله) , فبدأ بأبي طالب (عليه السّلام) ، ثم الحمزة ، ثم العباس ، ثم أنهى مجلسه بأصحاب الحسين (عليهم السّلام) , فكان التخلّص من الموضوع بلا علاقة واضحة ، خالياً من الإثارة العاطفية . ولو أنّه كان قد أنهى حديثه عن العباس بن عبد المطلب بذكر قصة أسره في معركة بدر ، حيث اضطره المشركون للخروج معهم فوقع أسيراً بأيدي المسلمين ، وكانوا قد ضيَّقوا وثاقه ، فكان العباس يئنّ تلك الليلة من تلك القيود ، وكان صوت أنينه يبلغ مسامع النبي (صلّى الله عليه وآله) , فجفا النوم عينَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فقال له أصحابه : يا رسول الله , ما لك لا تنام ؟ فقال : سمعت أنين العباس في وثاقه(14).

ثم كان لذلك الخطيب أن يخلص لقيود الإمام زين العابدين (عليه السّلام) وقوله ليزيد بن معاوية : (( ما ظنّك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) لو رآنا على هذه الحال ؟ )) (15) . وكان له أيضاً أن يختم بذكر الحمزة بن عبد المطلب ، وقصة استشهاده في اُحد ، لكان ذكره أكثر ترقيقاً للقلوب ومهيِّجاً للمشاعر ، ثم يخلص لأصحاب الحسين (عليه السّلام) كما يريد .

وقد وقعت شخصياً بهذا المطب ذات مرة ؛ إذ تحدّثت عن ثمرات الإيمان بالله ، وختمت المجلس بأنّ من ثمار الإيمان أنّ المؤمن يتمنى الموت ، ويحب لقاء الله عزّ وجل ، بل قد يسعى للشهادة في سبيل الله , ومصداقه في الطفِّ من أظهر المصاديق . ولكن كنت قد تحدّثت قبل هذه الثمرة عن ثمرة اُخرى ، وهي أنّ المؤمن يرجو من الله تعالى ما لا يرجوه الكافر ، وذكرت بعض القصص الدالة على الرجاء من الله تعالى ، فرقَّ المستمعون ، ثم ذكرت رجاء الحسين (عليه السّلام) في يوم الطفِّ ومقطعاً من دعائه (عليه السّلام) :

(( اللهمَّ أنت ثقتي في كلِّ كربٍ ، ورجائي في كلِّ شدة , وأنت لي في كلِّ أمرٍ نزل بي ثقةٌ وعدّةٌ . كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد ، وتقلُّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك وشكوته إليك ؛ رغبة منّي إليك عمّن سواك ، ففرّجته وكشفته ، وأنت وليّ كلِّ نعمة ، وصاحب كلِّ حسنة ، ومنتهى كلِّ رغبة ))(16) .

فضجّ الناس بالبكاء أثناء إلقاء هذه الفقرات ، ولكن بعد أن انتقلت عنها إلى الثمرة الاُخرى التي ذكرتها ، أي حبّ لقاء الله , جفَّت دموع السامعين ، وفتر المجلس بعد أن كان في قمّة فورته وعاطفته .

الأمر الثاني : لا بأس باستعمال بعض الألفاظ العامية المؤثّرة والمهيِّجة هنا ؛ فإنّ بعض الألفاظ العامية لا تلعب دورَها الألفاظُ الفصيحة في التأثير في نفس السامع . فانظر مثلاً قول الشاعر وهو يصف حرمانه وذلّه في غربته , وبُعده عن أهله :

متخافقُ الأطمارِ أبسطُ بالسؤال يداً نديّهْ

صفراءَ من ذلٍّ وحمَّى

ذلُّ شحَّاذٍ غريب

بين العيون الأجنبيّهْ

بين احتقار وانتهار وازورار .... أو خطيّهْ

والموت أهون من خطيّه(17) .

فإن كلمة (خطيّة) في هذا المقطع الشعري لا تلعب دورها أي كلمة فصيحة في قوة التأثير والتهييج العاطفي . ومثلاً يقول الخطيب عند قول الشاعر :

 لـكن الـماضي قليلٌ بالذي قد أقبلا      فاتّخذ درعينِ من عزمٍ وحزمٍ سابغَينْ

 فيعلّق الخطيب على هذا البيت الشعري : نعم , قُتل أبيك أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وسمُّ أخيك الحسن (عليه السّلام) ، وكُسر ضلعُ اُمّك الزهراء (عليها السّلام) , كلّه هذا قليل إزاء ما سيأتي من مصائب ، ولا بأس أن يكون ذلك بالعامية .

 

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين

 

للتواصل مع الكاتب ارسل على

altahmazi@yahoo.com

 
(1) ـ المفردات في غريب القرآن ـ الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني ـ مادة خلص .
(2) ـ سورة يوسف / 80 .
(3) ـ تاج العروس ـ السيد محمد مرتضى الزبيدي 9 / 272 .
(4) ـ الإيضاح في علوم البلاغة ـ جلال الدين محمد بن عبد الرحمن (الخطيب القزويني) 1 / 393 .
(5) ـ المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ـ عز الدين علي بن محمد بن الأثير الجزري 2 / 244 .
(6) ـ ويعبّر عن الشاهد التاريخي الذي يأتي به الخطيب في آخر المحاضرة في العرف العامي (الكوريز) .
(7) ـ ذكر التشبيب هنا من باب المثال .
(8) ـ الإيضاح في علوم البلاغة ـ الخطيب القزويني 1 / 393 .
(9) ـ خزانة الأدب وغاية الأرب ـ تقي الدين علي بن عبد الله (ابن حجة الحموي) 1 / 329 . 
(10) ـ  سورة الإسراء / 1 ـ 3 .
(11) ـ تحرير التحبير في صناعة الشعر ـ عبد العظيم بن عبد الواحد (ابن أبي الإصبع العدواني ) 1 / 91 .
 (12) ـ المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ـ ابن الأثير الجزري 2 / 244  .
(13) ـ سورة إبراهيم / 37 .
(14) ـ الطبقات الكبرى ـ محمد بن سعد 4 / 13 .
(15) ـ مثير الأحزان ـ محمد بن جعفر بن أبي البقاء (ابن نما الحلي) / 78 .
(16) ـ الإرشاد ـ الشيخ محمد بن محمد بن النعمان (المفيد) 2 / 96 .
(17) ـ من قصيدة (غريب على الخليج) لبدر شاكر السيّاب .
 
الفهرس

 

طباعة الصفحةاعلى