التميميون من أصحاب الحسين (ع)

 
 

التميميّون من أصحاب الحسين (عليه السّلام)

بقلم : الشيخ عبد الهادي الطهمازي

بنو تميم من القبائل العربيّة الكبيرة والغنيّة عن التعريف ، ويرجع نسب هذه القبيلة إلى تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان . كانت تسكن هذه القبيلة في زمن الجاهليّة وشطراً من صدر الإسلام في أرض نجد من جزيرة العرب , (دائرة من هناك على البصرة واليمامة حتّى يتّصلوا بالبحرين ، وانتشرت إلى العذيب (عذيب الهجانات) من أرض الكوفة ، ثمّ تفرّقوا في الحواضر)(1) .

ولبني تميم في العصور القديمة وحتّى حالياً بطون كثيرة ، أشهرها : بنو سعد بن زيد مناة رهط الأحنف بن قيس ، وبنو مجاشع ، وبنو دارم ، وبنو اليربوع ، وبنو رياح رهط الحرِّ بن يزيد الرياحي ، وبنو سليط ، وبنو اُسيد ، وبنو العم ، وغيرهم الكثير الكثير .

موقف بني تميم من أحداث كربلاء

قد يبدو عدد الشهداء من بني تميم مع الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء قليلاً ، خصوصاً أنّ الكثير من بطون هذه القبيلة كانت تسكن على مقربة من موضع استشهاده (عليه السّلام) ، ولكن لو قايسنا نسبة مشاركتهم مع عدد أصحابه (عليه السّلام) لوجدناها نسبة كبيرة ؛ إذ يشكل التميميّون نسبة 14 % من أصحابه . كما وأنّ بعض الأصحاب لم ينسبهم المؤرّخون وأرباب المقاتل إلى عشيرة معينة ، واكتفوا بذكر أسمائهم , وما يدرينا لعلّ بعضهم ينتسب لهذه القبيلة .

ولا نريد الدخول في تفاصيل أحداث كربلاء ، أو نلتمس الأعذار لهذه القبيلة أو تلك ، ولكن هناك حقائق في التاريخ لم تأخذ نصيباً كافياً من البحث والتحقيق . ومن هذه الحقائق أنّ الجيش الذي أعدَّه عبيد الله بن زياد لحرب الحسين (عليه السّلام) لم يكن كله من أهل الكوفة ، وإنّما الإعلام الاُموي هو الذي أوحى بذلك ، وأعطى هذه الصورة للكوفة وأهلها ، وادَّعى بأنها قتلت ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن قصد وعمد ؛ تشويهاً لسمعة الكوفة خاصة , والعراق عامة ؛ لأنه كان ولا يزال مهد التشيع لآل البيت (عليهم السّلام) .

وقد عمل الكتّاب والمؤلّفون من ذوي الاتجاهات المتعارضة مع خط آل البيت (عليهم السّلام) على ترسيخ هذه الفكرة في أذهان أبناء المذهب وغيرهم على حدٍّ سواء ، كما عمل عمّال بني اُميّة وخصوصاً عبيد الله بن زياد الذي بذل جهداً استثنائياً لرسم هذه الصورة عن الكوفة وأهلها .

وكانت وراء هذه الحملة الإعلاميّة أهداف عديدة ، منها :

1 ـ تبرئة بني اُميّة وعمَّالهم من تبعات قتل الحسين (عليه السّلام) ، والإيحاء بأن الذي فعل ذلك هم شيعته وشيعة أبيه .

2 ـ كانت محاولة من ابن زياد لتعزيز موقعه في البلاط الاُموي ، وليظهر نفسه بمظهر القائد والسياسي المحنك الذي تمكّن من تغيير اتجاهات الكوفة من الولاء لآل البيت النبوي إلى الولاء لآل البيت الاُموي .

3 ـ رسالة تطمين للقواعد الموالية لبني اُميّة خصوصاً أهل الشام ، مفادها : إنّ خصومكم وأندادكم بالأمس ـ أهل الكوفة ـ غدو اليوم تبعاً لكم وسيفاً بأيديكم .

4 ـ كما استهدفت هذه شنَّ حرب نفسيّة ضدَّ القواعد الجماهيريّة الموالية لآل البيت (عليهم السّلام) في كلِّ الأمصار , بهدف تحطيم معنوياتهم ، وإشعارهم بالضعف والهزيمة بإظهار الكوفة مهد التشيع بهذه الصورة السلبيّة القاتمة .

إنّ عبيد الله بن زياد رغم بطشه وقسوته وجبروته ، ورغم العقوبات الشديدة التي هدّد بها كلَّ مَن يرفض الخروج لحرب الحسين (عليه السّلام) , ورغم كلِّ الجواسيس والعيون التي بثّها لعدِّ أنفاس جماهير الكوفة ورصد تحركاتهم ، ورغم الحرب النفسيّة الشرسة التي ملئت القلوب خوفاً وذعراً ، ورغم كلِّ الوعود البرّاقة من جانب آخر بزيادة عطاءات أهلها عشرات الأضعاف ، إلاّ أنّه لم يتمكّن من جمع أكثر من عشرين ألف مقاتل(2) ، ولم يكن كلهم من أهل الكوفة كما سنرى .

لقد كانت تخرج جماعات من الناس إلى معسكر بن زياد ، لكنهم كانوا يتفرّقون في الطريق قبل الوصول إلى كربلاء . ذكر المؤرّخون أنّ القائد يكون على ألف مقاتل , لا يصل إلى كربلاء إلاّ ومعه ثلاثمئة أو أربعمئة أو أقل من ذلك ؛ فقد كانوا يفرُّون كراهة منهم لذلك الوجه(3) .

فالمئة ألف الذين أرسلهم عبيد الله بن زياد لم يصل منهم إلى كربلاء سوى عشرين ألف على تقدير المؤرّخين ، وثلاثين ألفاً وفق الروايات الواردة عن آل البيت (عليهم السّلام)(4) .

مَن هم قتلة الحسين (عليه السّلام) ؟

قد يتساءل القارئ الكريم : إذا كان موقف أهل الكوفة سلبياً لا مع ولا ضدَّ الحسين ، فمن الذي قتل الحسين (عليه السّلام) ؟

يمكن تقسيم الذين خرجوا لحرب الحسين (عليه السّلام) إلى أربع طوائف :

1 ـ جند الشام الذي كان مرابطاً في الكوفة ؛ فالحكومة الاُمويّة لم تكن مطمئنة لأهل الكوفة ، وكانت تخشى وثبتهم في أي لحظة ؛ لذا كانت هناك قطعات من جيش الشام ترابط بشكل مستمر في الكوفة وحولها .

قال ابن أعثم في الفتوح بعد أن أورد خطبة ابن زياد التي وعد فيها بزيادة العطاء للمقاتلين : ثمّ نزل المنبر ، ووضع لأهل الشام العطاء فأعطاهم , ونادى فيهم بالخروج إلى عمر بن سعد ليكونوا عوناً له على قتال الحسين(5) .

وبعض أسماء هؤلاء الشاميِّين معروفة في التاريخ كالحصين بن نمير السكوني أحد قادة عمر بن سعد يوم العاشر من المحرم .

2 ـ بعض الجماعات التي كانت تسكن الكوفة ، وهي ليست من أبناء قبائل الكوفة , بل من قبائل اُخرى كقريش وغيرها . ومن هؤلاء عمر بن سعد ورهطه ، وعمرو بن حريث المخزومي ، ومسلم بن عمرو الباهلي صاحب القربة التي أبى أن يسقي مسلم بن عقيل منها , وغيرهم .

3 ـ بعض منافقي الكوفة من الساعين وراء الشهرة والثروة والجاه ؛ كشبث بن ربعي , وشمر بن ذي الجوشن , وسنان بن أنس , وقرّة بن قيس وأشباههم .

4 ـ جماعات من المستغَلّين إعلاميّاً ونفسياً من فاقدي البصيرة ، وبعض حديثي السن من الشباب الذين ولدوا بعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ولم يتسنَ لهم معرفة فضل آل البيت (عليهم السّلام) وحقهم عن كثب .

وقد تعرّض هؤلاء لعمليّة غسيل دماغ من قبل ولاة بني اُميّة الذين أشاعوا سبَّ آل البيت (عليهم السّلام) والانتقاص من قدرهم وجلالتهم في الكوفة . ومن أمثال هؤلاء الغلمان المغرر بهم بلال بن طوعة ، ورضي بن منقذ العبدي وأقرانهما ؛ فالذين شركوا في دم الحسين (عليه السّلام) من أهل الكوفة بكلِّ أطيافها وتركيبتها القبليّة هم من هذا القسم والقسم الثاني .

لكن ما لا يُنكر أنّ أهل الكوفة كانت تعتريهم حالة من الضعف والخور والتردد في أمرهم ، والخوف من بطش بني اُميّة ، لكنهم سرعان ما شعروا بالندم بعد استشهاد الحسين (عليه السّلام) , واستجمعوا قواهم وعادت لهم بصيرتهم الغائبة ؛ فتوالت ثوراتهم ضدَّ بني اُميّة مع سليمان بن صرد الخزاعي والمختار الثقفي وزيد بن علي (عليه السّلام) , بل وحتّى ثورة العباسيِّين كان المحرك الأساس لها دم الحسين (عليه السّلام) , ومشاعر الندم التي ملئت قلوب أهل الكوفة .

ومن التميميِّين الذين ذُكروا في شهداء الحسين (عليه السّلام) :

1 ـ جرير بن يزيد الرياحي

عدَّ في الزيارة الرجبيّة المنسوبة للإمام الصادق (عليه السّلام) من الشهداء ، لكن استقرب بعض العلماء أنه تصحيف للحرِّ بن يزيد(6) ، إلاّ أنّ اسم الحر ورد في الزيارة نفسها(7) ؛ فالاحتمال قائم بين أن يكون المصحِّف ذكر الحر مرتين ؛ مرة باسمه , واُخرى باسم جرير ، وبين أن يكون جرير هذا أخاً للحر كان معه ، والله العالم بحقيقة الأمر .

2 ـ الحجاج بن يزيد السعدي

وقد ورد اسمه والسلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة المنسوبة للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) باسم الحجاج بن زيد ، لكن الشيخ السماوي في كتابه إبصار العين ذكره باسم الحجاج بن بدر السعدي(8) .

ولا يهم اسم أبيه طالما وأنّ الاتفاق قائم على أنه من بني سعد البصرة ، حمل كتاباً إلى الحسين (عليه السّلام) من مسعود بن عمرو الأزدي ؛ جواباً على كتاب الحسين (عليه السّلام) إليه وإلى غيره من زعماء البصرة الذين دعاهم لنصرته ، وبقي بعد ذلك في كربلاء مع الحسين (عليه السّلام) حتّى يوم العاشر من المحرّم .

 3 ـ الحرُّ بن يزيد الرياحي

أحد القادة المشهورين والفرسان المبرّزين من بني رياح بن يربوع ، ورد اسمه والسلام عليه في الزيارتين ؛ الناحية والرجبيّة , وذكرته كل المصادر .

لم يكن الحر ممّن راسل الحسين (عليه السّلام) من أهل الكوفة ، بل كان قائداً على ألف فارس أرسلهم عبيد الله بن زياد لاعتراض الحسين ومنعه من الدخول إلى الكوفة ، فالتقى بالحسين (عليه السّلام) عند جبل ذي حسم ، وأخذ يسايره ويمنعه من التوجه حيث أراد حتّى نزل الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء .

والحق إنّ الحر كان مؤدّباً في خطابه مع الإمام (عليه السّلام) بالرغم من أنه كان على رأس جيش جاء لمضايقته ومنعه من الوصول إلى الكوفة . وكان يصلّي وأصحابه بصلاة الحسين (عليه السّلام)(9) .

وبعد ما رأى الحرُّ يوم العاشر غيَّ عمر بن سعد ، ودعوت ابن زياد الباطلة ، تاب قبل نشوب المعركة والتحق بمعسكر الحسين (عليه السّلام) , وقاتل قتال الأبطال . وقد نُقلت بعض أراجيزه الحماسيّة في ذلك اليوم , منها :

 إنّي أنا الحرُّ ومأوى الضيفِ     أضرب في أعناقكمْ بالسيفِ

 عن خير مَن حلَّ بوادي الخيفِ    أضربكم ولا أرى من حيفِ(10)

ثمّ شدَّت عليه الرجّالة فصرعته ، فاحتمله أصحاب الحسين (عليه السّلام) حتّى وضعوه بين يديه أمام الفسطاط الذي كانوا يقاتلون دونه ، وكان به رمق ، فجعل الحسين (عليه السّلام) يمسح الدم والتراب عن وجهه ، وهو يقول : (( أنت الحر كما سمّتك اُمّك ، أنت الحرّ في الدنيا ، وأنت الحرّ في الآخرة )) .

ورثاه بعض الأصحاب , وقيل : علي بن الحسين (عليه السّلام) :

 لَنعم الحرُّ حرَّ بني رياحِ    صبورٌ عند مشتبك الرماحِ

 ونعم الحرُّ إذ واسى حسيناً     فجاد بنفسه عند الصياحِ(11)

4 ـ سعد بن حنظلة التميمي

قال ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب : ثمّ برز سعد بن حنظلة التميمي مرتجزاً :

 صبراً على السيوف والأسنّهْ    صبراً عليها لدخول الجنّهْ

 وحور عينٍ ناعماتٍ هنّهْ     يا نفس للراحةِ فاجهدنَّهْ

 وفي طلاب الخير فارغبنَّه(12)

 

وذكره العلامة المجلسي في البحار نقلاً عن محمد بن أبي طالب في مقتله ، وأورد الأبيات المذكورة(13) .

وقال الشيخ محمد مهدي شمس الدين : إنّ التصحيف بينه وبين حنظلة بن أسعد الشبامي بعيد جداً(14) .

5 ـ شبيب بن عبد الله النهشلي

أبو عمرو النهشلي , ورد ذكره والسلام عليه في الزيارتين ، وهو من تميم البصرة(15) .

قال السيد الأمين في أعيان الشيعة : وكان فارساً شجاعاً , عابداً متهجداً .

قال الشيخ هبة الله بن نما الحلي : حدّث مهران مولى بني كاهل ، قال : شهدت كربلاء مع الحسين (عليه السّلام) ، فرأيت رجلاً يقاتل قتالاً شديداً ، لا يحمل على قوم إلاّ كشفهم ، ثمّ يرجع إلى الحسين (عليه السّلام) وهو يرتجز ويقول :

 أبشر هُديت الرشد تلقى أحمدا    في جنّة الفردوس تعلو صعّدا

فقلت : من هذا ؟

فقيل : أبو عمرو النهشلي , وقيل : الخثعمي . فاعترضه عامر بن نهشل أحد بني اللات بن ثعلبه فقتله واحتزّ رأسه .

وكان أبو عمرو هذا متهجداً كثير الصلاة(16) .

وأورد الشيخ علي منفرد اسماً آخر من التميميِّين مع الحسين (عليه السّلام) , وهو :

6 ـ عمرو بن ضبيعة التميمي

كان فارساً شجاعاً واعياً من أهل الكوفة ، كان مع عمر بن سعد , فلمّا رأى ردَّ الشروط على الحسين (عليه السّلام) ، ومنعهم إيّاه من الرجوع , انتقل إلى الحسين (عليه السّلام) .

وورد اسمه في زيارة الناحية(17) . 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم قبائل العرب ـ الدكتور عمر كحالة 1 / 126 .
(2) قال ابن نما في مثير الأحزان / 37 ، عند ذكره لعدد جيش عمر بن سعد : ومدَّ عمر بن سعد بالعساكر حتّى تكمّلت العدة لست خلون من المحرم عشرين ألفاً .
وقدَّر ابن أعثم الكوفي عددهم باثنين وعشرين ألف مقاتل , ما بين فارس وراجل . انظر : الفتوح 5 / 90 .
ونقل الشيخ محمد هادي اليوسفي هذا العدد (عشرون ألفاً) عن الطبري في تاريخه ، وعن الشيخ المفيد في الإرشاد . انظر : موسوعة التاريخ الإسلامي 6 / 130 الهامش .
(3) قصة كربلاء ـ علي نظري منفرد / 224 .
(4) انظر ما روي عن الحسن (عليه السّلام) (( ... ولكن لا يوم كيومك أبا عبد الله ؛ يزدلف إليك ثلاثون ألفاً يدَّعون أنهم من اُمّة جدِّنا ، وينتحلون دين الإسلام ... ))(أمالي الصدوق / 177) .
(5) الفتوح ـ أحمد بن أعثم الكوفي 5 / 89 .
(6) مستدرك علم رجال الحديث ـ الشيخ علي النمازي 2 / 129 .
(7) انظر أنصار الحسين (عليه السّلام) ـ محمد مهدي شمس الدين / 157 .
(8) أنصار الحسين (عليه السّلام) ـ محمد مهدي شمس الدين / 212 .
(9) انظر الفتوح ـ أحمد بن أعثم الكوفي 5 / 76 .
(10) قصة كربلاء ـ الشيخ علي نظري منفرد / 309 .
(11) قصة كربلاء ـ الشيخ علي نظري منفرد / 310 .
(12) مناقب آل أبي طالب ـ محمد بن علي ابن شهر آشوب 3 / 251 .
(13) بحار الأنوار ـ العلامة محمد باقر المجلسي 45 / 18 .
(14) أنصار الحسين ـ الشيخ محمد مهدي شمس الدين / 89 .
(15) مستدرك علم رجال الحديث ـ الشيخ علي النمازي 8 / 427 .
(16) أعيان الشيعة ـ السيد محسن الأمين 2 / 389 .
(17) قصة الكوفة ـ الشيخ علي نظري / 288 .
 
الفهرس

 

طباعة الصفحةاعلى