التأسي بالحسين التأسي بجميع أهل بيت النبوّة

 
 

الصفحة (1)

التأسي بالحسين (عليه السلام) مفتاح التأسي بجميع أهل بيت النبوّة (عليهم السلام)

نفتتح هذه المقالة باستعراض تجربة أحد كبار العلماء الربّانيين فيما يرتبط بموضوعها ؛ وهو التأسي بسيّد الشهداء (سلام الله عليه) وآثاره في التقرّب من الله (عزّ وجلّ) .

العالم المقصود هو آية الله الشيخ ( جعفر التستري ) ، فهو من نوادر مراجع التقليد الذين دخلوا سلك الخطابة الحسينيّة ، فلم تصدّه مهام الزعامة الدينيّة عن الجلوس على المنبر الحسيني وقراءة المصيبة الحسينيّة ، وبيان دقائقها ومكامن المواساة فيها .

وقد جُمعت بعض تقريرات مجالسه هذه ؛ إذ لم يكن في عصره أجهزة تسجيل صوتي ، وطُبعت مترجمة إلى العربية في كتابين ، هما : ( الأيام الحسينيّة ، وفوائد المشاهد ) ، إضافة إلى كتابه القيّم ( الخصائص الحسينيّة ) الذي ألّفه أساساً بالعربية ، وتحدّث في مقدّمته عن تجربته في هذا المجال ، وسننقل لكم شذرات ممّا كتبه .

قال (رضوان الله عليه) في خطاب وجداني مؤثّر : ( إنّي أمعنت النظر في الوسائل المتعلّقة بالأئمّة (عليهم السلام) ، فرأيت أجلها فائدة ، وأعظمها مثوبة ، وأعمّها نفعاً ، وأرفعها درجة ، وأسهلها حصولاً ، وأكثرها طرقاً‌ ، وأيسرها شرائط ، وأخفّها وأعمّها معونة ، (هي) ما يتعلّق بسيّد شباب أهل الجنّة ، ووالد الأئمّة السيّد المظلوم أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ، فرأيت له خصوصية في التوسّل إلى ‌الله قد تفرّد بها ، وامتاز في ذلك حتى عمّن هو أفضل منه ؛ فإنّ للتفاوت في الفضيلة مقاماً ، ولوحدتهم مقاماً ، نورهم وطينتهم مقام ، والخصوصيات مقام آخر .

فرأيت في الحسين (عليه السلام) خصوصية في الوسيلة إلى الله ، اتّصف بأنّه بالخصوص باب من أبواب الجنّة ، وسفينة للنجاة ، ومصباح الهدى .

فالنبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) كلّهم أبواب الجنّة‌ ، لكن


الصفحة (2)

باب الحسين أوسع ، وكلّهم سفن النجاة ، لكن سفينة الحسين مجراها في اللجج الغامرة أسرع ، ومرساها على السواحل المنجية أيسر ، وكلّهم مصابيح للهدى ، لكن الاستضاءة بنور الحسين أكثر وأوسع ، وكلّهم كهوف حصينة ، لكن منهاج كهف الحسين أسمح وأسهل ) .

لقد كتب آية الله التستري (رضوان الله عليه) كثمرة للحالات المختلفة التي عاشها قبل لجوئه إلى الوسيلة الحسينيّة وبعدها ؛ ولذلك جاءت عباراته مؤثرة ؛ لأنّها خارجة من قلب متّعظ عامل .

يقول (رضوان الله عليه) بعد الفقرة المتقدّمة عن خصوصية التأسي بسيّد الشهداء (عليه السلام) : ( فعند ذلك خاطبت النفس وشركاءها ، فقلت : هلمّوا إلى هذه الأبواب الحسينيّة فادخلوها بسلام آمنين ، (وهلمّوا) إلى مرساة هذه السفينة الحسينيّة فاركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إنّ ربّي لغفور رحيم ، ولتكتحل أعينكم بنور الحسين (عليه السلام) الناظر إليكم ، ثمّ ازدادوا شوقاً ، وصمموا العزم على ذلك ؛ لأنّي استشعرت من نفسي علائم الإيمان التي يئست منها سابقاً ، وعثرت بهذه الخصائص على الأعمال الصالحة .

إنّ التأسي بسيّد الشهداء (سلام الله عليه) يفتح للمؤمن التأسي الحقيقي بجميع أئمّة الهدى (عليهم السلام) ، وبالتالي بسيّدهم النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّ في واقعة كربلاء ‌المقدّسة تجلّت أخلاقياتهم جميعاً (عليهم السلام) ، ومثّلت أهدافهم السامية جميعاً ؛ ولذلك فإنّ مَنْ تترسّخت فيه روح النهضة الحسينيّة ، والمظلوميّة الحسينيّة ، وروح حمل همهما ، إنّما يكون حاملاً لجميع الأهداف الإلهية ، وساعياً لتحقيقها ؛ ولذلك كان أصحاب مولانا المهدي (عجّل الله فرجه) حسينيّين ، ويحملون شعار ( يالثارات الحسين ) ؛ لأنّهم أنصار خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) ، وهو المكلّف بتحقيق أهداف جميع الرسالات الإلهية .

ولربّ قائل يقول : كيف تنظرون إلى حضور روح النهضة الحسينية في جهاد أصحاب المهدي (عجّل الله فرجه) ، وكذلك في أنصاره ؛ سواء في غيبته (عليه السلام) ، أو في ظهوره ؟

فنقول : إنّ ثورة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هي امتداد لثورة الإمام


الصفحة (3)

الحسين (عليه السلام) ، وقضية الإمام المهدي (عليه السلام) هي امتداد لقضية الإمام الحسين (عليه السلام) ، بل إنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) سوف تتحقّق ثمرتها الحقيقية ونتاجها الحقيقي في زمن الإمام المهدي (عليه السلام) .

بمعنى آخر : إنّ قضية‌ الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته كانت لهما ثمرات وانعكاسات وآثار قصيرة المدى ، وبعيدة المدى .

أمّا الآثار التي هي قصيرة المدى ، فهي عبارة عمّا ظهر بعد انتهاء معركة عاشوراء ، واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه (رضوان الله علهيم) من تأجّج مشاعر الأمّة ، وإحياء ضميرها ، وتحرّر إرادتها بعد أن كانت خاضعة خانعة للطواغيت والظلمة والمستبدّين ؛ وذلك بكسر حاجز الخوف ، والقيام بسلسلة ثورات أدّت بالنهاية إلى الإطاحة بنظام الحكم الاُموي المستبد واندثاره .

فهذه الثورات كانت ملاصقة لثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ، وإن كانت طويلة المدى من حيث الزمن .

أمّا الآثار والنتائج التي كانت بعيدة المدى ، فهي عبارة عن حضور وتفاعل دم الإمام الحسين (عليه السلام) بقوّة في واقع المسلمين ؛ حيث لازالوا يعيشون واقعة الطفّ الأليمة في الزمن الماضي والحاضر والمستقبل , وسوف تعيش الأجيال القادمة نفس الروح التي عاشها مَنْ سبقهم من المسلمين ، من حضور التفاعل الحسيني بواقعهم .

ولو نظرنا إلى مدرسة‌ أهل البيت (عليهم السلام) لوجدنا أنّ دم الحسين (عليه السلام) يمثّل لهم القيمة الكبرى ، والدافع الكبير الذي يحرّكهم ويدفعهم نحو قضاياهم المصيريّة المهمّة .

فلو لاحظنا مثلاً الثورات التي حدثت في التاريخ الشيعي ، ولا سيما في زماننا الحاضر , نجد أنّ الذي ألهمها والذي حرّكها والذي جعلها تؤتي أُكلها ما هو إلاّ دم الحسين (عليه السلام) وثورته .

حيث كان شعار تلك الثورات شعاراً حسينياً ، ومنطلقاتها منطلقات حسينيّة ، وأهدافها أيضاً أهدافاً حسينيّة ، فهذه بعض ثمار الثورة الحسينية على الأمد البعيد .

لكن النتيجة الكبرى والثمرة الكبرى لثورة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)


الصفحة (4)

سوف تظهر عند قيام الإمام المهدي (عليه السلام) ، والذي يحقّق (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) فيها أهداف الثورة الحسينية التي لم تكتمل ، ألا وهي الإصلاح التام والشامل في اُمّة جدّه (صلّى الله عليه وآله) والعالم أجمع ، وأخذ الثأر بدم الإمام الحسين (عليه السلام) ممّن رضوا بقتله ، وهم أحفادهم ومناصروهم والسائرون على نهجهم .

ولهذا ليس من الغريب أو الصدفة أن يكون يوم خروج الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) يوم العاشر من المحرّم ،‌ أعني به يوم السبت العاشر من محرّم الحرام حسب ما صرّحت به بعض الروايات ؛ فإنّ فيه من الإيحاءات والبيانات والدلالات التي تبيّن وتوَضّح أنّ ثورة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هي ثمرة تلك الثورة المباركة ، والتي تحمل نفس الروح والأهداف الحسينية الفذّة .

فكما إنّ الإمام الحسين لم خرج إلاّ من أجل الإصلاح في الأمّة ، كذلك يكون خروج الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لا يكون إلاّ من أجل تحقيق العدل والإصلاح في الأرض بعد ما تُملأ ظلماً وجوراً .

وقد وردت أحاديث كثيرة حول ظهور الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) , منها هذا الحديث النبوي الشريف ، حيث يقول (صلّى الله عليه وآله) مشيراً فيه إلى الإمام الحسين (عليه السلام) : (( ابني هذا إمام ابن إمام ، أخو إمام ، أبو أئمّة تسعة ، تاسعهم قائمهم ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً ))(1) .

وبما أننا نتأسّى بهذه الروح الحماسية الحسينية من عدم الركون إلى الظلم والظالمين ، والوقوف في وجوههم ، لا بدّ لنا أن نتأسى بالأئمّة الباقين (عليهم السلام) لم ينهضوا كما نهض الإمام الحسين (عليه السلام) ، بل أمروا أتباعهم بالمداراة وحسن المعاشرة ؛ لما يرونه من عدم توفّر الظروف المناسبة للقيام بمثل ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ؛ ولأنّ روح الدين والعقيدة لا زالت قائمة بوجودهم ، كما هو الحال في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما اُغتصب حقّه ، حيث كان هو الحاكم الشرعي ؛ وذلك لرجعوهم إليه وأخذ الحكم الشرعي

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الرسائل العشر للشيخ الطوسي / 98 مسألة 29 .


الصفحة (5)

منه ، وأمّا مَنْ تربّع على كرسي الحكم ظاهراً فما هو إلاّ حاكم سياسي لا غير .

كذلك الحال في بقيّة الأئمّة (عليهم السلام) والحكّام الذين عاصروهم ، فهو لا يختلف عمّا كان في زمن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بحال من الأحوال ، حيث كانت الأحكام المستعصية تصدر فتاواها من الأئمّة (عليهم السلام) لسائر الناس ، بل في بعض الأحيان يضطر الحاكم إلى مكاتبة الإمام الذي يعاصره في مسألة قد ألمّت به فلم يعرف جوابها ، فيجبه ذلك الإمام بما هو حقّ .

كما إنّ الشرع والدين لم يصل إلى درجة ما وصل إليه في زمن الإمام الحسين (عليه السلام) حيث كاد أن يمحى من الوجود .

وبما إنّنا نعتقد أنّ نورهم واحد ، وهدفهم واحد وهو إصلاح الأمة ؛ فلذا وجب علينا الاقتداء بهم والسير على هديهم والتأسي بهم ، كما هو الحال في تأسّينا بالإمام الحسين (عليه السلام) .

فمتى ما توفّرت الظروف المناسبة للنهضة والقيام بثورة ، وأمرونا بها قمنا بذلك ، ومتى ما لم تتوفّر تلك الظروف ، ولم يأمرونا (عليهم السلام) بذلك لم نحرّك ساكناً ، بل نساير القوم بالمداراة وحسن المعاشرة ؛ للحفاظ على الثلّة المؤمنة حتى يحين الوقت .

 
الفهرس

 

طباعة الصفحةاعلى