الثورة الحسينيّة أسبابها ومخطّطاتها

 
 

الثورة الحسينيّة

أسبابها ومخطّطاتها(*)

وصف جماعة من المتعصّبين لبني اُميّة خروج الإمام الحسين (عليه السّلام) على يزيد بأنّه كان من أجل الملك والظفر بخيرات البلاد ، وهذا الرأي يعبرعن حقدهم على الإمام (عليه السّلام) بما أحرزه من الانتصارات الرائعة في نهضته المباركة ، التي لم يظفر بمثل معطياتها أيّ مصلح اجتماعي في الأرض .

وقد يكون لبعضهم العذر لجهلهم بواقع النهضة الحسينيّة ، وعدم الوقوف على أسبابها .

لقد كان الإمام (عليه السّلام) على يقين بإخفاق ثورته في الميادين العسكرية ؛ لأنّ خصمه كان يدعمه جند مجندة ، اُولو قوّة ، واُولو بأس شديد ، وهو لم تكن عنده أيّة قوّة عسكرية ليحصل على الملك ، ولو كان الملك غايته ـ كما يقولون ـ لعاد إلى الحجاز ، أو مكان آخر حينما بلغه مقتل سفيره مسلم بن عقيل ، وانقلاب الكوفة عليه ، ولعمل حينئذ من جديد من أجل ضمان غايته ، ونجاح مهمّته .

لقد كان الإمام (عليه السّلام) على علم بأنّ الأوضاع السائدة كلّها كانت في صالح بني اُميّة ، وليس منها ما يدعمه ، أو يعود لصالحه .

يقول ابن خلدون : إنّ هزيمة الحسين كانت أمراً محتّماً ؛ لأنّ الحسين لم تكن له الشوكة التي تمكّنه من هزيمة الاُمويّين ؛ لأنّ عصبية مضر في قريش ، وعصبية قريش في عبد مناف ، وعصبية عبد مناف في بني اُميّة ، فعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس لا ينكرونه .

لقد كانت ثورة الإمام (عليه السّلام) من أجل غاية لا يفكّر بها أولئك الذين فقدوا وعيهم واختيارهم ، فقد كان خروجه على حكم يزيد من أجل حماية المثُل الإسلاميّة ، والقيم الكريمة من جور الاُمويّين الذين حملوا معول الهدم .

يقول بعض الكتاب المعاصرين : ويحق لنا أن نسأل ماذا كان هدف الحسين (عليه السّلام) ، وماذا كانت القضية التي يعمل من أجلها ؟ أمّا لو كان هدفه شخصيّاً يتمثّل في رغبته في إسقاط يزيد ؛ ليتولى هو بنفسه الخلافة التي كان يطمح إليها ، ما وجدنا فيه هذا الإصرار على التقدّم نحو الكوفة ، رغم وضوح تفرّق الناس من حوله واستسلامهم لابن زياد ، وحملهم السلاح في أعداد كثيرة لمواجهته والقضاء عليه .

إنّ أقصر الناس نظراً كان يدرك أنّ مصيره لن يختلف عمّا آل إليه فعله ، ولو كان الحسين بهذه المكانة من قصر النظر لعاد إلى مكة ؛ ليعمل من جديد للوصول إلى منصب الخلافة .

ولو كان هدفه في أوّل الأمر هو الوصول الى منصب الخلافة ، ثمّ لمّا بلغه مصرع ابن عمّه قرّر مواصلة السفر للثأر من قاتليه ـ كما يزعم بعض الباحثين ـ استجابة لقضية أهله وأقاربه ، لو كان هذا هدفه لأدرك أنّ جماعته التي خرجت معه للثأر وهي لا تزيد على التسعين ؛ رجالاً ونساءً وأطفالاً ، لن تصل إلى شيء من ذلك من دون أن يُقضى على أفرادها جميعاً ، بغير أن يضحّي هو بنفسه ضحية رخيصة في ميدان الثأر .

ومن ثمّ يكون من واجبه للثأر أن يرجع ؛ ليعيد تجميع صفوف أنصاره وأقربائه ، ويتقدّم في الجمع العظيم من الغاضبين والموتورين .

فالقضية إذاً ليست من أجل الثأر ، والهدف لم يكن هدفاً شخصياً ، وإنّما الأمر أمر الأمّة ، والقضية كانت للحقّ ، والإقدام إقدام الفدائي الذي أراد أن يضرب المثل بنفسه في البذل والتضحية ، ولم يكن إصرار الحسين على التقدّم نحو الكوفة بعد ما علم من تخاذل أهلها ونكوصهم عن الجهاد ، إلاّ ليجعل من استشهاده علماً تلتفّ حوله القلّة التي كانت تؤمن بالمثل ، وتلتمس في القادة مَنْ ينير لها طريق الجدّ في الكفاح ، ويحرّكً ضمائر المتخاذلين القاعدين عن صيانة حقوقهم ورعاية مصالحهم .

هذا هو الواقع المشرق الذي ناضل من أجله الإمام الحسين ، فهو لم يستهدف أيّ مصلحة ذاتية ، وإنّما استهدف مصلحة الأمّة وصيانتها من الاُمويّين .

تخطيط الثورة

ودرس الإمام الحسين (عليه السّلام) أبعاد الثورة بعمق وشمول ، وخطّط أساليبها بوعي وإيمان ، فرأى أن يزجّ بجميع ثقله في المعركة ، ويضحّي بكلّ شيء ؛ لإنقاذ الأمّة من محنتها في ظلّ ذلك الحكم الأسود ، الذي تنكّر لجميع متطلّبات الأمّة .

وقد أدرك المستشرق الألماني ماريين تخطيط الإمام الحسين لثورته ، فرأى أن الحسين قد توخّى النصر منذ اللحظة الأولى ، وعلم النصر فيه ، فحركة الحسين في خروجه على يزيد ـ كما يقول ـ إنّما كانت عزمة قلب كبير عزّ عليه الإذعان ، وعزّ عليه النصر العاجل ، فخرج بأهله وذويه ذلك الخروج الذي يبلغ به النصر الآجل بعد موته ، ويحيي به قضية مخذولة ليس لها بغير ذلك حياة .

لقد أيقن أبو الشهداء (عليه السّلام) أنّ القضية الإسلاميّة لا يمكن أن تنتصر إلاّ بفخامة ما يقدّمه من التضحيات ، فصمّم بعزم وإيمان على تقديم أروع التضحيات . وهذه بعضها :

1 ـ التضحية بنفسه : وأعلن الإمام (عليه السّلام) عن عزمه على التضحية بنفسه ، فأذاع ذلك في مكّة فأخبر المسلمين أنّ أوصاله سوف تتقطّع بين النواويس وكربلاء ، وكان في أثناء مسيرته إلى العراق يتحدّث عن مصرعه ، ويشابه بينه وبين أخيه يحيى بن زكريا ، وأنّ رأسه الشريف سوف يُرفع إلى بغي من بغايا بني اُميّة ، كما رُفع رأس يحيى إلى بغي من بغايا بني إسرائيل .
لقد صمّم على الموت ، واستهان بالحياة ؛ من أجل أن ترتفع راية الحقّ ، وتعلو كلمة الله في الأرض ، وبقي صامداً على عزمه الجبار ، فلم يرتهب حينما أحاطت به الجيوش الهائلة ، وهي تبيد أهل بيته وأصحابه في مجزرة رهيبة اهتز من هولها الضمير الإنساني ، وقد كان في تلك المحنة المرة من أربط الناس جأشاً ، وأمضاهم جناناً ، فلم ير قبله ولا بعده شبيهاً له في شدّة بأسه ، وقوّة عزيمته ، كما لا يعرف التاريخ في جميع مراحله تضحية أبلغ أثراً في حياة الناس من تضحيته (عليه السّلام) ، فقد بقيت صرخة مدوية في وجوه الظالمين والمستبدّين .
2 ـ التضحية بأهل بيته : وأقدم أبو الشهداء (عليه السّلام) على أعظم تضحية لم يقدمها أيّ مصلح اجتماعي في الأرض ، فقد قدّم أبناءه وأهل بيته وأصحابه فداءً لما يرتأيه ضميره من تعميم العدل ، وإشاعة الحقّ والخير بين الناس .
وقد خطّط لهذه التضحية ، وآمن بأنّها جزء من رسالته الكبرى ، وقد أذاع ذلك وهو في يثرب حينما خفّت إليه السيّدة اُمّ سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) تعذله على الخروج ، فأخبرها عن قتله وقتل أطفاله .

وقد مضى إلى ساحات الجهاد وهو متسلّح بهذا الإيمان ، فكان يشاهد الصفوة من أصحابه ، الذين هم من أنبل مَنْ عرفتهم الإنسانية في ولائهم للحقّ ، وهم يتسابقون إلى المنيّة بين يديه ، ويرى الكواكب من أهل بيته وأبنائه ، وهم في غضارة العمر وريعان الشباب ، وقد تناهبت أشلاءهم السيوف والرماح ، فكان يأمرهم بالثبات والإخلاد إلى الصبر قائلاً : (( صبراً يا بني عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً )) .
واهتزت الدنيا من هول هذه التضحية التي تمثّل شرف العقيدة ، وسموّ القصد ، وعظمة المبادئ التي ناضل من أجلها ، وهي من دون شك ستبقى قائمة على مرّ القرون والأجيال تضيء للناس الطريق ، وتمدّهم بأروع الدروس عن التضحية في سبيل الحقّ والواجب .
3 ـ التضحية بأمواله : وضحى أبيّ الضيم بجميع ما يملك فداءً للقرآن ، ووقاية لدين الله ، وقد هجمت بعد مقتله الوحوش الكاسرة من جيوش الاُمويّين على مخيمه فتناهبوا ثقله ومتاعه ، حتّى لم يتركوا ملحفة أو إزاراً على مخدّرات الرسالة إلاّ نهبوه ، ومثّلوا بذلك خسّة الإنسان حينما يفقد ذاتياته ويُمسخ ضميره .
4 ـ حمل عقائل النبوّة : وكان من أروع ما خطّطه الإمام العظيم (عليه السّلام) في ثورته الكبرى ، حمله لعقائل النبوّة ومخدّرات الرسالة إلى كربلاء ، وهو يعلم ما سيجري عليهنَّ من النكبات والخطوب ، وقد أعلن ذلك حينما عذله ابن عباس على حملهنَّ معه إلى العراق ، فقال له :
(( قد شاء الله أن يراهنَّ سبايا )) . لقد أراد (عليه السّلام) بذلك أن يستكمل أداء رسالته الخالدة في تحرير الأمّة وإنقاذها من الاستعباد الأموي .
وقد قامت تلك السيّدات بدور مشرق في إكمال نهضة أبي الشهداء (عليه السّلام) ،
فأيقظنَ المجتمع بعد سباته ، وأسقطنَ هيبة الحكم الأموي ، وفتحن باب الثورة عليه ، ولولاهنَّ لم يتمكّن أحد أن يتفوّه بكلمة واحدة أمام ذلك الطغيان الفاجر ، وقد أدرك ذلك كلّ مَنْ تأمّل في نهضة الإمام ودرس أبعادها .

وقد ألمع إليها بعض العلماء والكتاب ، وفيما يلي بعضهم .
يقول الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (رحمه الله) في كثير من مؤلفاته : إن الغاية من خروج الإمام بعائلته إلى كربلاء هي إكمال نهضته وبلوغ هدفه في تحطيم دولة الاُمويّين . يقول : وهل تشكّ وترتاب في أنّ الحسين (عليه السّلام) لو قُتل هو وولده ، ولم يتعقّبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحدّيات لذهب قتله جباراً ، ولم يطلب به أحد ثاراً ، ولضاع دمه هدراً ، فكان الحسين يعلم أنّ هذا علم لا بدّ منه ، وأنّه لا يقوم به إلاّ تلك العقائل ، فوجب عليه حتماً أن يحملهنَّ معه ؛ لا لأجل المظلومية بسبيهن فقط ، بل لنظر سياسي وفكر عميق ، وهو تكميل الغرض ، وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد ، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسلام وتعود الناس إلى جاهليتها الأولى .
ويقول الاُستاذ السيّد أحمد فهمي : وقد أدرك الحسين أنّه مقتول ؛ إذ هو يعلم علم اليقين قبح طوية يزيد ، وإسفاف نحيزته ، وسوء سريرته ، فيزيد بعد قتل الحسين ستمتد يده إلى أن يؤذي النبي (صلّى الله عليه وآله) في سلالته ، من قتل الأطفال الأبرياء ، وانتهاك حرمة النساء ، وحملهنَّ ومَنْ بقي من الأطفال من قفرة إلى قفرة ، ومن بلد إلى بلد ، فيثير مرأى أولئك حفيظة المسلمين ، فليس ثمة أشنع ولا أفظع من التشفّي والانتقام من النساء والأطفال بعد قتل الشباب والرجال ، فهو بخروجه بتلك الحالة أراد أن يثأر من يزيد في خلافته ، ويقتله في كرامته .

وحقّاً لقد وقع ما توقّعه ، فكان لما فعله يزيد وعصبته من فظيع الأثر في نفوس المسلمين ، وزاد في أضغانهم ما عرّضوا به سلالة النبوّة من هتك خدر النساء ، وهنَّ اللاتي ما عرفنَ إلاّ بالصيانة والطهر ، والعزّ والمنعة ، ممّا أطلق ألسنة الشعراء بالهجاء والذمّ ، ونفّر أكثر المسلمين من خلافة الاُمويّين ، وأسخط عليهم قلوب المؤمنين ، فقد قتله الحسين (عليه السّلام) أشدّ من قتله إيّاه .
ويقول الدكتور أحمد محمود صبحي : ثمّ رفض ـ يعني الحسين ـ إلاّ أن يصحب أهله ؛ ليشهد الناس على ما يقترفه أعداؤه بما لا يبرّره دين ولا وزاع من إنسانيّة ، فلا تضيع قضيته مع دمه المراق في الصحراء ، فيفترى عليه أشدّ الافتراء حين يعدم الشاهد العادل على كلّ ما جرى بينه وبين أعدائه .

وتقول الدكتورة بنت الشاطئ : أفسدت زينت أخت الحسين على ابن زياد وبني اُميّة لذّة النصر ، وسكبت قطرات من السمّ الزعاف في كؤوس الظافرين ، وإنّ كلّ الأحداث السياسية التي ترتّبت بعد ذلك من خروج المختار ، وثورة ابن الزبير ، وسقوط الدولة الاُمويّة ، وقيام الدولة العباسية ، ثمّ تأصّل مذهب الشيعة إنّما كانت زينب هي باعثة ذلك ومثيرته .
ونقول : ماذا يكون الحال لو قُتل الحسين ومَنْ معه جميعاً من الرجال إلاّ أن يسجّل التاريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه ، فيضيع كلّ أثر لقضيته مع دمه المسفوك في الصحراء .
هذه بعض الآراء التي تدعم ما ذكرناه من أنّ خروج الحسين (عليه السّلام) بعائلته لم يكن الغرض منه إلاّ بلورة الرأي العام ، وإيضاح المقاصد الرفيعة التي ثار من أجلها ، ومن أهمها القضاء على دولة الاُمويّين التي كانت تشكّل خطراً مباشراً على العقيدة الإسلاميّة .

وهناك رأي آخر أدلى به العلاّمة المغفور له الشيخ عبد الواحد المظفر ، وهو أنّ الحسين إنّما خرج بعائلته خوفاً عليها من اعتقال الاُمويّين وزجها في سجونهم . قال : الحسين لو أبقى النساء في المدينة لوضعت السلطة الاُمويّة عليها الحجر ، لا بل اعتقلتها علناً وزجتها في ظلمات السجون ، ولا بدّ له حينئذ من أحد أمرين خطيرين ، كلّ منهما يشلّ أعضاء نهضته المقدّسة ؛ إمّا الاستسلام لأعدائه وإعطاء صفقته لهم طائعاً ؛ ليستنقذ العائلة المصونة ، وهذا خلاف الإصلاح الذي ينشده ، وفرض على نفسه القيام به مهما كلّفه الأمر من الأخطار ، أو يمضي في سبيل إحياء دعوته ، ويترك المخدّرات اللواتي ضرب عليهنَّ الوحي ستراً من العظمة والإجلال ، وهذا ما لا تطيق احتماله نفس الحسين الغيور ، ولا يردع بني اُميّة رادع من الحياء ، ولا يزجرها زاجر من الإسلام .
إنّ بني اُميّة لا يهمّها اقتراف الشائن في بلوغ مقاصدها ، وإدراك غاياتها ، فتتوصّل إلى غرضها ولو بارتكاب أقبح المنكرات الدينية والعقلية .
ألم يطرق سمعك سجن الاُمويّين لزوجة عمرو بن الحمق الخزاعي ، وزوجة عبيد الله بن الحرّ الجعفي ، وأخيراً زوجة الكميت الأسدي ؟
وعلى أيّ حال ، فقد حطّم الإمام بخروجه لعائلته جميع مخطّطات السياسة الاُمويّة ، ونسف جميع ما أقامه معاوية من معالم الظلم ؛ فقد قامت عقائل الوحي بدور فعّال لبث الوعي الاجتماعي ، وتعريف المجتمع بواقع الاُمويّين وتجريدهم من الإطار الديني ، ولولاهنَّ لاندثرت معالم ثورة الحسين ، وذهبت أدراج الرياح .
إنّ من ألمع الأسباب في استمرار خلود مأساة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، واستمرار فعّالياتها في بث الإصلاح الاجتماعي على امتداد التاريخ ، هو حمل ودائع الرسالة وعقائل الوحي مع الإمام ، فقد قمنَّ بدور مشرق لبلورة الرأي العام ، فحملنَ راية الإيمان التي حملها الإمام العظيم ، ونشرنَ مبادئه العُليا التي استشهد من أجلها .

فقد انبرت حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله) وشقيقة الحسين ، السيّدة زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى ساحات الجهاد ، وهي تدكّ حصون الظالمين ، وتدمّر جميع ما أحرزوه من الانتصارات في قتل أخيها ، وتلحق بهم الهزيمة والعار ، وتملأ بيوتهم مأساة وحزناً .
لقد أقبلت قائدة المسيرة الحسينية عقيلة الوحي زينب (عليه السّلام) إلى ساحة المعركة ، وهي تشقّ صفوف الجيش ، تفتّش عن جثمان أخيها الإمام العظيم ، فلمّا وقفت عليه شخصت لها أبصار الجيش ، واستحال إلى سمع . ماذا تقول أمام هذه الخطوب المذهلة التي توالت عليها ؟ وقفت عليها غير مدهوشة ، لم تذهلها الرزايا التي تميد منها الجبال ، فشخصت ببصرها إلى السماء وهي تقول بحماسة الإيمان وحرارة العقيدة : اللّهمّ تقبل منّا هذا القربان .
وأطلقت بذلك أوّل شرارة للثورة على الحكم الأموي بعد أخيها ، وودّ الجيش أن تسيخ به الأرض ؛ فقد استبان له عظم ما اقترفه من الإثم ، وأنّه قد أباد عناصر الإسلام ، ومراكز الوعي والإيمان .
ولمّا اقتربت سبايا أهل البيت (عليهم السّلام) إلى الكوفة ، خرجت الجماهير الحاشدة لاستقبال السبايا ، فخطبت فيهم عقيلة الوحي خطاباً مثيراً ومذهلاً ، وإذا بالناس حيارى لا يعون ولا يدرون ، قد استحالت بيوتهم إلى مآتم ، وهم يندبون حظّهم التعيس ، ويبكون على ما اقترفوه من الجرم ، وحينما انتهت إلى دار الإمارة ، استقبلها الطاغية متشفّياً بأحطّ وأخسّ ما يكون التشفّي قائلاً : كيف رأيتِ صنع الله بأخيك ؟ .

وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود ، فأجابته بكلمات النصر والظفر قائلة : ما رأيت إلاّ جميلاً , هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم ، فتحاج وتخاصم , فانظر لمَنْ الفلج يومئذ ، ثكلتك اُمّك يابن مرجانة !
وأخزت هذه الكلمات ابن مرجانة ، فكانت أشقّ عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح ، ولمّا انتهت إلى الشام هزّت العرش الأموي بخطابها المثير الرائع ، وحقّقت بذلك من النصر ما لم تحقّقه الجيوش .
لقد كان حمل الإمام الحسين (عليه السّلام) لعائلته قائماً على أساس من الوعي العميق الذي أحرز به الفتح والنصر .

ــــــــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 
الفهرس

 

طباعة الصفحةاعلى