عاشوراء لكلّ العصور

عاشوراء لكلِّ العصور(*)

 السيد كريم الجزائري

كربلاء قضية متجذّرة في الوعي الإسلامي ، ساهمت في تشكيل الوعي الحركي الثائر على الظلم والفساد ، وباتت مع تقادم الزمن أكثر رسوخاً في وجدان الاُمّة . وبعبارة اُخرى إنّها تلك الواقعة التي قفزت فوق الزمان والمكان ، مستمدة من نور مشكاة النبوة رمزيتها ، ومن لون البذل عنفوانها ؛ فاستحالت نهجاً يحمل شعلة متوقّدة تسمو بالإنسان في آفاق العزّة والكرامة ، وتعبّر في مدلولاتها عن محورية الصراع الدائر بين الاستكبار والاستضعاف ، وبين رمز العدالة والتفاني في اللهّ ورمز الاستغراق في حطام الدنيا الفانية .

في كُلّ سنة لنا ذكرى مع أجواء عاشوراء ، وفي كُلّ سنة نستعيد في وعينا وحياتنا كربلاء ، لكن قيمة عاشوراء وكربلاء الذكرى أنّ لها لقاء في كُلّ زمن مع الاُمّة ، تمدها وتعطيها من حيويتها ، وتدفعها إلى المواقع المتقدمة في مسيرة الحياة الكريمة ؛ فتعيش الاُمّة آفاق الإمام الحسين (عليه السّلام) , تلك الآفاق الواسعة الرحبة التي لا تعيش في الدوائر الضيقة ، بل تشمل العالم الإسلامي كله .

فالحسين (عليه السّلام) كان ينظر من خلال آفاق جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي عاش الرسالة في كُلّ آفاق العالم ؛ لأنّ الله أرسله رحمة للعالمين . ومن هنا كان يطرح دوماً , وفي كُلّ موسم لعاشور ـ كتبيان لأهمية ثورة كربلاء ودورها الرائد ـ شعار أنّ الإسلام (محمّدي الوجود حسيني البقاء) ؛ نظراً لأهمية الدور الذي قام به الحسين (عليه السّلام) من خلال ثورته .

فقد استطاع هذا الإمام (عليه السّلام) أن يعيد تصويب المسار بعد أن بدأ الانحراف السريع نتيجة لإبعاد الإسلام عن ساحة الحياة ، أو على الأقلّ بتحويله إلى شكل ورسم بلا مضمون . وهذه الصورة عبّر عنها الحسين (عليه السّلام) آنذاك عندما قال : (( ألا وإنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمان ، وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلاله ، واستأثروا بالفيء ، وعطّلوا الحدود ، وأنا أحقّ من غيّر )) .

الحركة الحسينيّة لم تكن انتحاريّة :

يصف بعض الباحثين ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) بأنها مأساة إنسانيّة مروعة ، ويرى آخرون أنّها أشبه بعملية انتحاريّة لم تبلغ أهدافها ، بل أسفرت عن نتائج مأساويّة مؤلمة لا تزال علامة فارقة في جبين الإنسانيّة ، ولطخة عار في تاريخها . بيد أنّ هذا التحليل يبدو سطحياً وساذجاً , وهو مبتنٍ على رؤية قاصرة لأهداف الثورة ومقاصدها ونتائجها .

ويؤسف أنّ بعض علماء المسلمين لم يوفّقوا لإدراك أبعاد تلك الثورة ، وبليغ دروسها ، وعظيم عطائها ، وكانوا أقصر نظراً من الزعيم الهندي الشهير غاندي القائل : تعلمتُ من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر .

ويظهر للمتأمّل أنّ أساس الاشتباه لدى هؤلاء هو في نظرتهم لمفهومي النصر والهزيمة ، هذه النظرة الضيّقة التي تحدد مفهوم النصر بمقدار النجاح العسكري فحسب ؛ الأمر الذي لم يتحقق في نهضة الحسين (عليه السّلام) , ما يجعل منها حركة فاشلة وفق المقياس المذكور .

لكنّ النظرة المذكورة لمفهوم النصر غير صحيحة ، بل هي مجترئة ومشوّهة ولا تلامس الحقيقة ؛ فالحقيقة التي يدركها البصير والمتابع لحركة النهضة الحسينيّة , وتداعياتها ونتائجها على الواقع الإسلامي , ماضياً وحاضراً , هي أنّ دماء الحسين (عليه السّلام) ساهمت في تغيير مجرى التاريخ الإسلامي , وأيقظت الضمائر الميتة ، وحررت إرادتها ، وخلقت حركة وعي في الاُمّة الإسلاميّة كان من نتائجها حركات التمرد ، وثورات الغضب والانتقام التي تلاحقت وتتالت ؛ حيث نجد بعد عام من ثورة الحسين (عليه السّلام) أنّ المدينة تثور على يزيد ، وتطرد واليه وجميع الاُمويِّين , وفي السنة الثانية تثور مكّة المكرمة أيضاً على يزيد الطاغية , ويصبح حكم الاُمويِّين مهدداً بالسقوط بعد موت يزيد ، ونمو وتطور حركة عبد الله بن الزبير ، والمختار بن عبيدة الثقفي .

وبعد ذلك أخذت الثورات تتوالى ؛ حيث ظهرت ثورة التوابين والتي تعتبر أثراً مباشراً لثورة الحسين (عليه السّلام) , حيث كانت شعاراتهم : (يا لثارات الحسين) .

ولم تهدأ هذه الثورة حتّى تكون ثورة المختار ، والذي قام من أجل الثأر لدماء الحسين (عليه السّلام) ، ويتمكّن المختار من عمل عسكري مهم وعمل سياسي أهم ؛ أمّا العمل العسكري فهو القضاء على الجيش الاُموي ، وقتل عبيد الله بن زياد الذي كان يقود هذا الجيش . والعمل السياسي هو تصفية الكوفة من جميع قتلة الحسين (عليه السّلام) ، ومن أنصار الاُمويِّين .

وقد استمر هذا التحرك والرفض في الاُمّة حتّى تمّت الإطاحة بالحكم الاُموي بعد عدة عقود من الزمن . هذا من جهة . ومن جهة اُخرى فإنّ الحسين (عليه السّلام) أصبح مثلاً أعلى لكلّ الثوّار والمناضلين من أجل التحرر والانعتاق من نير الظالمين والمستبدين . وعندما يغدو المرء ملهماً للثوّار فهذا دليل انتصار لا هزيمة ، وعندما تزلزل دماءه الزكية عروش الظالمين فهذا دليل نصر مؤزّر لا مأساة مروّعة .

ولكنّ السؤال هنا : ما هي النقاط والوسائل التي أكّد عليها الإمام (عليه السّلام) في نهضته ، وكان لها الدور والتأثير البالغ في ضمير الاُمّة وإرادتها ، ثمّ كان لها هذا التأثير البالغ في جميع الأجيال والعصور ؟

في معرض الجواب على هذا السؤال يجدر بنا أوّلاً أن نعالج العناوين التالية :

1 ـ دراسة دوافع الثورة الحسينيّة ، وأسباب هذه الحركة التي قام بها الإمام الحسين (عليه السّلام) .

2 ـ الجواب على السؤال الذي لا زال موجوداً في كثير من أذهان الدارسين والباحثين عن ثورة الحسين (عليه السّلام) ، هذا السؤال هو : لماذا لم يكن هدف الحسين (عليه السّلام) هو الوصول إلى السلطة ؟ ثمّ الأهمّ من ذلك ، لماذا لم يتحقق للحسين (عليه السّلام) أن يصل إلى تغيير الحكم والإطاحة بنظام يزيد بن معاوية ؟

وبصدد الجواب على هذا السؤال نفسه لا بدّ لنا من :

1 ـ أن نتعرّف على الشروط الأساسيّة العامة التي يجب أن تتوفر في الثورة الناجحة .

2 ـ الفحص على وجود هذه الشروط الأساسيّة أو توفّرها في ثورة الحسين (عليه السّلام) وعدم توفّرها .

3 ـ إذا وجدناها متوفّرة في ثورة الحسين (عليه السّلام) ، يطرح السؤال نفسه مرة اُخرى , وهو : لماذا لم تتمكّن ثورة الحسين (عليه السّلام) من أن تحقّق هدف الإطاحة بحكم يزيد على الرغم من أنّها كانت تستجمع الشروط التي لا بدّ لكلّ ثورة ناجحة أن تستجمعها ؟

دوافع الثورة الحسينيّة :

إنّ التفسيرات التي تُطرح عادة في تبيين دوافع الحركة الحسينيّة يمكن تصنيفها إلى صنفين :

الصنف الأول : 

التفسيرات التي اُعطيت من بعض المستشرقين ، من بعض المسلمين ، من بعض الحكّام أنفسهم في زمن الإمام (عليه السّلام) وبعده ؛ قسم من هذه التفسيرات نصنّفها ونجعلها في عداد التفسيرات الباطلة ؛ لأنّها ناتجة من أغراض ونوايا سيّئة نجد بذورها منذ زمن الحكّام الاُمويِّين ، وقد نجد الباحثين المتأخرين قد تأثّروا بتلك الكلمات التي يجدونها مبثوثة في بعض الكتب التاريخيّة .

وقسم من هذه التفسيرات الباطلة قد تكون ناتجة من أنّ أصحاب التفسير والتحليل التاريخي لقضية الحسين (عليه السّلام) , وهم بعيدون كُلّ البعد عن مدرسة أهل البيت (عليهم السّلام) , عن حقيقة الأئمة ومعنى الإمامة .

ويمكننا هنا أن نشير إلى تفسيرين مشهورين في هذه القائمة ؛ قائمة التفسيرات الباطلة والمنحرفة ، ربما يجدها الإنسان في بعض الكتب التاريخيّة , وبعض الدراسات الاستشراقية .

التفسير الأول : ثورة الحسين (عليه السّلام) صراع قبلي :

فُسّرَت الحركة التغييرية للحسين (عليه السّلام) في بعض كتب التاريخ , وبعض كتب الاستشراق على أساس أنّ حركة الحسين (عليه السّلام) كانت حركة قبلية (عشائريّة) ، تعبّر عن الصراع المحتدم بين قبيلتين قرشيتين كانتا تتصارعان على السلطة والهيمنة قبل الإسلام ، واستمرّ هذا الصراع بينهما إلى ما بعد الإسلام ؛ ذلك هو الصراع بين بني هاشم وبني اُميّة .

وحاول هذا التفسير أن يستشهد لما ذهب إليه ببعض الأشعار والقصائد , وقد أنشدها بعض الشعراء من مثل الأخطل وغيره , أو بعض الأشعار التي ذكرها بعض السلاطين والحكّام الجاهلين أنفسهم ؛ كشعر يزيد(**) الذي يقول فيه :

لـيت أشـياخي بـبدرٍ شهدوا       جزعَ الخزرج من وقع الأسلْ
لأهـلّـوا واسـتهلوا فـرحاً      ثـمّ  قـالوا يـا يزيد لا تُشلْ
لـعبت هـاشمُ بـالملك فـلا      خـبرٌ  جـاء ولا وحيٌ نزلْ

كما استشهدوا بواقع المجتمع الإسلامي آنذاك الذي كان يسوده النظام القبلي رغم مجيئ الإسلام ؛ حيث بقيت هذه العشائر وأعرافها , ومزاجها وطبيعتها لها الدور البالغ في تسيير الاُمور الاجتماعيّة والسياسية للاُمّة .

الحقائق الثابتة ترفض هذا التفسير :

لا يمكن قبول هذا التفسير ؛ للأسباب التالية :

1 ـ إنّ هذا التفسير يتنافى مع أصل العقيدة الإسلاميّة ؛ لأنّه يبتني على قاعدة ترفض الإيمان بحسب الحقيقة ، وتعتبر الحسين والأئمة والرسول الكريم (صلوات الله عليهم) منطلقاتهم منطلقات من هذا القبيل ، وهذا يرجع إلى عدم الإيمان بنبوة الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وإمامة الأئمة (صلوات الله عليهم) فيما كانوا يفصحون عنه ويبيّنونه من رسالة ومن قيم كلِّها ترفض بشدّة أمثال هذه المقولات .

إذاً فمن ناحية المعتقد هذا تفسير يتنافى مع أصل العقيدة الإسلاميّة فضلاً عن العقيدة الخاصة في حقّ أهل البيت (عليهم السّلام) الذين طهّرهم الله وأذهب عنهم الرجس . وهذا معنى من معاني الرجس أن يكون دوافعه ومنطلقاته عشائريّة قبائليّة جاهليّة .

2 ـ أمّا من الناحية التاريخيّة ، فعندما يراجع الإنسان التاريخ يجد أنّ هذا التفسير لا يمكن أن يُقبل حتّى لو قطعنا النظر عن الجانب العقائدي في هذه المسألة . فملاحظة التاريخ ودراسة ما وقع في التاريخ الإسلامي دراسة موضوعية علمية تكشف للإنسان بأقلّ التفاتة أنّ هذا الصراع بحسب الحقيقة لا يمكن أن يكون صراع بين قبيلتين , وأنّ دوافعه الحقيقية إحساسات عشائريّة أو قبائليّة أو شيء من هذا القبيل .

كيف وأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ بحسب تاريخه ـ هو أوّل من عارض هذه الفكرة ، وطبّقها في حقّ نفسه وفي مجتمعه ؛ حيث جعل من سلمان الفارسي محمّدياً , بينما جعل عمّه أبا لهب كافراً ، فهل هناك ما هو أوضح من هذا دلالة على أنّ عمل النبي (صلّى الله عليه وآله) وسلوكه وتفكيره لم يكن عشائرياً ؟

3 ـ لو كانت المسألة مسألة قبيلة وعشيرة لكان ينبغي على الإمام الحسين (عليه السّلام) أن ينهض بعشيرته قبل أن ينهض بالغرباء البعيدين عنه . كان ينبغي أن ينهض في موطن عشيرته وهو الحجاز ، بينما المسألة لم تكن كذلك ؛ فلا الحركة بدأت من موطن تلك العشيرة , ولا المتحركين بهذه الحركة كانوا من أصحاب هذه العشيرة .

ذلك أنّ أصحاب الحسين (عليه السّلام) سواء كانوا من حيث الانتماء القبلي , أو من حيث الانتماء القومي أو الشعوبي ، أو من حيث الانتماء لمستوى الثقافة , أو مستوى الوضع الاجتماعي ، بل وحتّى من حيث الانتماء المذهبي يمثّلون نماذج وعيّنات متعددة ومختلفة ؛ حيث نلاحظ أنّ هناك اختلافاً عظيماً بين هؤلاء ، ولا يمكن أن تجمع كُلّ هؤلاء أو توحّدهم قضية الصراع القبلي .

إذاً هذا التفسير مرفوض ؛ وذلك للأسباب التالية :

أوّلاً : عقائدياً ، باعتبار أنّه يخدش في قضية الإيمان بنبوة الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) .

ثانياً : علميّاً من خلال مراجعة وقائع التاريخ .

ثالثاً : الإمام الحسين (عليه السّلام) ومن خلال تصريحه الأوّل والذي يحدد فيه هوية تحركه التغييري ، بيّن أنّ خروجه لم يكن إلاّ لطلب الإصلاح في اُمّة جدّه ، وهو هدف رسالي مبدئي ، وليس هدفاً قبلياً أو عشائرياً .

وللحديث تتمة وصلة .

ـــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
(**) لا يخفى أنّ حقيقة هذه الأبيات هي لعبد الله بن الزِّبعرى , وقد تمثّل بها يزيد بن معاوية بعد مقتل الحسين (عليه السّلام) . (موقع معهد الإمامين الحسنين)
 

 

طباعة الصفحةاعلى