ضروريّات الخطابة

ضروريّات الخطابة

 بقلم : الشيخ عبد الهادي الطهمازي

للخطابة ضروريّات لا بدّ أن تكون متوفّرة , وإلاّ فإنّ الخطابة من دونها ستكون فاشلة . وبعض هذه الضروريات تعود للخطيب , بمعنى أن تكون متوفّرة فيه , وبعضها يعود للموضوع التي يتناوله الخطيب في الخطبة , وبعضها يعود للمكان وأجهزة الصوت والجمهور الحاضرين .

وهذه الضرورات كثيرة وعديدة , ولا يمكن تناولها في مقال واحد ؛ لذا سنبدأ أوّلاً بضروريات الموضوع التي يتناوله الخطيب على المنبر .

 

أوّلاً : يجب اختيار الموضوع

قد يتصوَّر البعض أنّ عملية اختيار الموضوع عملية سهلة وبسيطة , لا بل يصل الأمر بالبعض أن يرتقي المنبر وهو خالي الذهن عن أي فكرة , فإذا بدأ بالمقدمة (صلّى الله عليك يا سيدي ويا مولاي ... إلخ) شرع في التفكير بما سيقوله للناس إذا انتهى من هذه المقدمة .

ومن المؤكّد أنّ هذا التفكير السريع المرتجل لن يحقق الأغراض التي اُقيم من أجلها المنبر الإسلامي عامة والمنبر الحسيني خاصة .

 

ثانياً : لكي يكون الموضوع مقبولاً لدى الجمهور يجب أن يلبّي حاجة الناس الفعلية , ويعالج مشاكل الساحة ؛ سواء أكانت اجتماعيّة أم عقديّة أم سياسيّة . . . إلخ , فلا يكون الخطيب في وادٍ والناس في وادٍ آخر , والمهم أن يمسّ الموضوع حياة الناس وحاضرهم .

في أول أيام سقوط النظام السابق سادت الفوضى أرجاء العراق , وكان من أبرز الظواهر التي أفرزها الفراغ الأمني هي ظاهرة نهب الدوائر والمؤسسات الحكوميّة , والتي هي بالتالي ملك الشعب .

وفي أحد الليالي جاءني خطيب وطلب ارتقاء المنبر بعد صلاة العشاء , فطرت بذلك فرحاً , وظننت أنه سيعالج المشاكل التي أفرزها سقوط النظام , ويضع بعض النقاط على الحروف , لكني فوجئت بموضوع محاضرته الذي خصصه عن عدالة الصحابة , فتذكرت المثل الشعبي العراقي : (يخوط بصف الاستكان) !

 

ثالثاً : يجب أن يكون للخطيب هدف من وراء صياغة الموضوع ؛ لأنّ عدم تحديد هدف معين يقصده الخطيب في ذلك الموضوع يحوّلها إلى خطبة جوفاء , ويدعه يتخبط فيها تخبّطاً عشوائياً ؛ فيغدو الخطيب كالخشبة الطافية على وجه الماء تتقاذفها الأمواج يميناً وشمالاً .

فمن أهم ضرورات موضوع الخطبة أن يعرف الخطيب ماذا يريد أن يقول للناس . والهدف في الخطابة هو كالنية في الصلاة , بحيث لو سُئل هذا الخطيب : ماذا كنت تقصد بمحاضرتك هذه ؟ لأجاب وعلى الفور مختصراً لها بنصف سطر أو أقل .

ويمكن أن يعلن عن الهدف في مقدمة المحاضرة , ويمكنه أن يلقي استنتاج الهدف منها على عاتق الجمهور .

 

رابعاً : وحدة الموضوع , وأعني أن يكون للموضوع محور واحد يدور حوله الكلام , ولا تكون المحاضرة عبارة عن كشكول من موضوعات مشتتة لا يرتبط بعضها مع البعض الآخر بأي رابط عضوي .

واعتقد أنّ عدم استفادة الناس كثيراً من مدرسة المنبر الحسيني تكمن في هذه النقطة , فلو كان لكلِّ الخطباء موضوع محوري واحد يدور حوله الكلام لما وجدنا زاوية لم يُسلّط عليها الضوء وفي شتى مجالات الفكر الإنساني .

لكن ما يؤسف له حقاً أنّ عدداً غير قليل من الخطباء يفتقد خطابهم إلى التركيز ووحدة الموضوع ؛ فيبدأ حديثه بموضوع رقم واحد مثلاً , وتنتهي محاضرته بموضوع رقم مئة .

إنّ تشتت موضوع الخطيب وافتقاده للوحدة والتركيز أشبه شيء بدعوة شخص على وجبة طعام , فإذا حان وقت تناول الطعام أخرج للضيف لقمة خبز واحدة , وملعقة رز واحدة , وتمرة , وقطعة حلوى و ... ليخرج الضيف في النهاية وهو لا يدري ما هو نوع الطعام الذي تناوله .

وجمهور الخطابة مع الأسف يخرج هكذا في أغلب الأحيان , فهم لا يدرون عن أي شيء كان حديث الخطيب , وعن أي موضوع دار !

وفي الواقع إنّ هذه هي مشكلة الكثير من الخطباء ؛ فمحاضرته ليست إلاّ مجموعة استطرادات يجرُّ بعضها بعضاً .

 

خامساً : الإعداد والتحضير الجيد , فيجب أن يقرأ الخطيب كثيراً حول الموضوع , ويعد ورقة ولو على مستوى رؤوس أقلام كما يقال .

وفي هذا السياق ينصح المتخصصون في فن الخطابة بألاّ تقل القراءة عن عشر ساعات إذا أراد الخطيب أن يتحدّث لمدة ساعة واحدة .

أما ما نسمعه من البعض بأنه إذا جلس على المنبر فالحسين (عليه السّلام) سيأتيه بالموضوع , فذلك مما لم ترد فيه آية ولا رواية .

وللشيخ مرتضى المطهري (رحمه الله) في الملحمة الحسينيّة كلام ثقيل بحق مَن لا يعد موضوعه من الخطباء قبل ارتقاء المنبر ؛ إذ يعتبر ذلك خيانة للإسلام والمسلمين .

 

سادساً : أن يقسّم الموضوع على وفق القواعد المتبعة في الخطابة ؛ فيبدأ أوّلاً بمقدمة على سبيل التمهيد للموضوع , ويجب أن تكون هذه المقدمة قصيرة وذات مساس مباشر مع أصل الموضوع , ومركّزة , ويجب أن ينمّقها بأجمل العبارات وأفصحها .

ثمّ يدخل في العرض ؛ فيبدأ بعرض موضوعه الذي يريد الحديث حوله , ويبيّنه للجمهور بشكل واضح , ثمَّ يأتي بالمعلومات التي تؤيّد ما يهدف إليه , ثمّ يخلص إلى خاتمة يربطها بقضية الحسين (عليه السّلام) إن كانت المحاضرة خطبة حسينيّة .

فمثلاً لو أراد أن يشرح آية من الكتاب العزيز , أو حديثاً شريفاً , فعليه أوّلاً أن يبيِّن الجو العام للآية , وبتعبير آخر : الموضوع الذي تدور حوله الآية ؛ فقد تتناول موضوعاً عقدياً , أو أخلاقياً , أو تربوياً , أو سياسياً .. فيشير إلى أنّ الآية تدور حول تلك القضية أو المسألة .

ثمّ يبدأ بتقسيم مقاطعها إلى ثلاثة أو أربعة أقسام إن كانت الآية أو الحديث طويلين نسبياً , وعلى طريقة التفسير التجزيئي التي كان ينتهجها المرحوم الشيخ أحمد الوائلي (قدّس سرّه) .

ثمَّ يشرح كلَّ مقطع من هذه المقاطع , ويأتي بالأدلة على أنّ هذا هو المقصود في هذا المقطع من الآية . والأدلة هنا هي رأي المفسّرين , ويدعم الرأي بالشواهد التاريخيّة , أو ببعض القصص القصيرة , أو أبيات شعر زيادة في التوضيح والبيان , ويستمر بهذه الطريقة حتّى ينتهي موضوعه بعد أن يربطه بحادثة كربلاء .

ويجب أن لا يسترسل في شرح مقطع أو إتيان الشواهد عليه على حساب المقاطع الاُخرى ؛ فإنّ ذلك يُعدّ خللاً كبيراً اُلاحظ أنّ البعض قد وقع فيه ؛ حيث يفتتح المحاضرة بآية , ثمّ يكرس جهده على مقطع منها أو جانب من جوانبها ويهمل الباقي , وهذا يخالف المنهجيّة العلميّة ؛ فإنّ الآية أو الحديث الذي يبدأ به المحاضرة هو عنوان للمحاضرة , وينبغي أن يكون العنوان متطابقاً مع المعنوَن , وإلاّ فلا داعي لذكر المقطع الذي لا يريد أن يتحدّث عنه من الآية أو الحديث .

نعم لا بأس إن كان يتبع منهجيّة اُخرى في التعاطي مع النص القرآني , كأن يستنبط موضوعاً من الآية ثمّ يكرّس كلَّ المحاضرة حول ذلك الموضوع , فمثلاً قوله تعالى : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) يمكن أن يتناول من خلاله موضوع الإنذار في الشريعة ؛ فيعرّفه في اللغة وفي الاصطلاح , ولكن باُسلوب خطابي لا اُسلوب محاضرة علميّة وكأنه يلقي درساً على مجموعة من الطلاب , ثمّ يبيّن فائدته وأهمّيته , ثمّ يعرّج على قصة نزول الآية مثلاً , وهكذا .

 

سابعاً : التنظيم , ونقصد به أن تكون الأفكار والمعلومات التي يلقيها إلى الجمهور متسلسلة , يسلّم كل جزء منها إلى الجزء الآخر بشكل سلس وواضح .

فيبدأ مثلاً بالأسباب , ثمّ النتائج , أو يعرض الفكرة ثمّ يأتي عليها بالشاهد أو الدليل , ويقدّم الدليل القوي على الدليل الضعيف , ويقدّم القضايا التي تحتاج إلى تأمّل وتفكير , ويؤخّر القضايا المثيرة للعاطفة إلى آخر المجلس , وهكذا .

 

ثامناً : الوضوح , وهو من أهم خصائص الاُسلوب الخطابي ؛ إذ يجب أن يكون الخطيب واضحاً في عرض الفكرة على الجمهور , ويصوغها بعبارات شيّقة جذابة بعيدة عن التكلّف واللّف والدوران .

وقد استمعت لبعض الخطباء , وكلّما حاولت الإصغاء بصورة جيدة فإني لم أتمكن أن أفهم منهم شيئاً ؛ وذلك بسبب فقدان تعبيراتهم للوضوح , وافتقاد التنظيم المشار إليه آنفاً .

 

تاسعاً : من الضروري أيضاً الاستشهاد في الخطابة بآي الذكر الحكيم كلّما حانت مناسبة لذلك , وكذلك الاستشهاد بما ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) , وما ورد عن آله الأطهار (عليهم السّلام) ؛ فإنّ ذلك يعزز الثقة بما يقول الخطيب , ويضفي على أجواء المحاضرة حالة من الروحانيّة والارتباط بالدين وقادته .

وفي هذا السياق يجب أن يقرأ الآية بدقة ولا يلحن فيها ؛ فإنّ تلاوة الآيات القرآنية بشكل غير صحيح نحوياً أو لغوياً يضعف مكانة الخطيب في نفوس السامعين .

كما يجب الاستشهاد بأقوال أصحاب الاختصاص , كلٌّ في مجال اختصاصه ؛ فإن كان يتناول مسألة فقهية ذكر قول الفقهاء فيها , وإن كانت طبّية أورد كلام الأطباء كشاهد على ما يقول , وهكذا .

 

عاشراً : الأدلّة التي يمكن أن يسوقها الخطيب لإثبات رأي أو دعوى معينة على قسمين : أدلة علميّة وأدلة خطابيّة . وتعتمد الأدلة الخطابيّة على التهويل , واستعمال المفردات والتراكيب ذات الجرس الرنان والجلبة , بينما تعتمد الأدلة العلميّة على المنطق والاستدلال الممنهج .

فمثلاً إذا أراد الخطيب أن يثبت دعوى استحباب البكاء على سيد الشهداء أبي عبد الله (عليه السّلام) بالدليل العلمي , فإنه يعمد إلى القرآن والسنة النبوية الشريفة , والفطرة الإنسانية السليمة لإثبات جواز البكاء أو استحبابه .

أمّا في الدليل الخطابي فإنه يعمد إلى التهويل , فيقول مثلاً : هذا الحسين سيد شباب أهل الجنة , وريحانة رسول الله , وخامس أصحاب الكساء كيف لا يجوز البكاء عليه ؟! فلو جرت دموعنا كالميزاب لما وفينا بحقِّ هذا الرجل العظيم ... إلخ .

ولا بأس بالجمع بين النوعين من الأدلة , فمن الناس خصوصاً الأوساط المثقفة مَن يؤثر فيها الدليل العلمي , أمّا مَن كان قليل الحظ من التعلم فإنّ الدليل الخطابي هو الذي يؤثر فيه أكثر .

وللحديث تتمة . 

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين

 

 

طباعة الصفحةاعلى