دموع الحسين ودموعنا

 دموع الحسين (عليه السّلام) ودموعنا(*)

نزار حيدر

 

هل هي دعوة لقتل الحسين وأهل بيته وأصحابه الميامين (عليهم السّلام) كلّ يوم وفي كلِّ أرض ؟ أينما وجدناه وأينما حلّ وارتحل ؟

هل هي دعوة لفسح المجال أمام يزيد بن معاوية ليحكم الناس في كل عصر ومصر ؛ ليعيد الكرّة فيقتل ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) السبط الشهيد ؟

شخصياً ، لا أدري بالضبط ماذا عنى الشعراء بشعرهم , ولكن دعوني هنا أن افترض ما عنوه من خلال رؤيتي للحدث المهول الذي شهدته أرض كربلاء الطاهرة ظهيرة يوم العاشر من المحرم عام (61) للهجرة ، من خلال ما يمكنني أن استقرأه من قول الشعراء .

دعونا نبدأ من دمعة الحسين (عليه السّلام) في ذلك اليوم ، وهي الدمعة التي تختلف بمعانيها كلّيّاً عن دمعة العقيلة زينب (عليها السّلام) في نفس اليوم بفارق ساعات من الزمن فقط ؛ فالحسين (عليه السّلام) بكى قاتليه ، أمّا زينب (عليها السّلام) فقد بكت الحسين (عليه السّلام) .

لكلِّ دمعة إذاً رسالة تختلف عن الاُخرى , فلماذا بكى الحسين (عليه السّلام) أعداءه ؟ وما هي الرسالة التي أراد أن يبعث بها عبر التاريخ إلى كلِّ الأجيال التي سترث الأرض من بعده ؟ ولماذا بكت زينب (عليها السّلام) أخيها الحسين (عليه السّلام) ؟ وهل من رسالة في دمعتها ؟

لقد بكى الحسين (عليه السّلام) أعداءه لأنهم (مظلومون) ؛ ظلموا أنفسهم فباؤوا بالخزي في الدنيا وأشدّ العذاب في الآخرة . فالحسين (عليه السّلام) لم يبكِ ظالماً أبداً . وإلى هذا المعنى تشير الآية القرآنية الكريمة : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى‏ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى‏ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ) .

لقد اختار لهم ربّهم الدنيا والآخرة فخسروا الاثنين ، واختار لهم الحياة فاختاروا الموت ، واختار لهم السعادة فاختاروا الشقاء ، واختار لهم الحرية والعزة والكرامة فاختاروا العبودية والذل والمهانة ؛ ولكلِّ ذلك باؤوا بغضب من الله تعالى ، (أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ) بظلمهم أنفسهم . فكانت دمعة الحسين (عليه السّلام) عليهم من أجل تنبيههم إلى ذلك , ولإلفات وعيهم إلى الحقيقة .

لقد سعى الإمام (عليه السّلام) كثيراً وطويلاً لردع أعدائه عن ارتكاب فعلتهم الشنعاء ، وبذل جهداً كبيراً من أجل ذلك ، من خلال الحوار المباشر تارةً , وعقد الاجتماعات السرّيّة والعلنيّة ، والخطب العامة ، والجدال بالتي هي أحسن تارةً اُخرى ، حتّى لا يعتذر أحد منهم يوم القيامة بالجهل بالاُمور ، أو إنّه لم يكن على علم بحقيقة الأحداث .

لقد حاول الإمام الحسين (عليه السّلام) رفع الغشاوة عن بصائر الناس وإطلاعهم عن الحقيقة كاملة ، كما حاول أن يضعهم أمام الأمر الواقع بكامل وعيهم ومعرفتهم . لماذا ؟ لأنه يحب الإنسان الذي كرّمه الخالق (جلّ وعلا) ، فكان يكره أن يكون سبباً لشقاء الإنسان مهما كانت هويته وديانته وانتماءه وعنصره وجنسه ؛ ولذلك قاتله (عرباً) أقحاحاً ، و(مسلمين تعرفهم بسيماهم) و(رجالاً أشدّاء) .

فيما استشهد معه وبين يديه (مسيحيِّون) ، ونساء وأطفال ؛ لأنّ القضية لم تكن قضية سلطة يتقاتل عليها الفريقان أبداً ، كما إنّها لم تكن قضية قوميّة أو مذهبيّة أو عنصريّة أو حتّى دينيّة ، وإنّما كانت قضية إنسانيّة مقدّسة تجلّى فيها معسكران ؛ أحدهما يمثّل الحقّ ، فيما يمثّل الآخر الباطل .

أحدهما يمثّل الإنسان وقوى الخير التي أودعها الله فيه ، والثاني يمثّل كلَّ قوى الشر التي في داخل الإنسان ، كما في الآية المباركة : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا) ؛ ولذلك لم يغلق الإمام الحسين (عليه السّلام) بابه بوجه أحد من الناس أبداً ، بغضّ النظر عن دينه أو قوميّته أو جنسه , فكان باب الله تعالى ، وسفينة النجاة لمَن شاء وأحبّ أن يركبها ؛ ليحيا حياة طيبة في الدنيا ، وينجو بها يوم الفزع الأكبر .

لقد بكى الإمام الحسين (عليه السّلام) على قاتليه قبل أن يتورّطوا بدمه الزكي ، وهو يرى فشل كل محاولاته الإنسانيّة والدينيّة التي بذلها من أجل إنقاذهم من النار بسببه ، وهم الذين تمثّلوا بقول الله (عزّ وجلّ) : (أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النّارِ) .

كانت دمعة الإمام الحسين (عليه السّلام) إنسانيّة حاول بها إنقاذ الإنسان من الجهل والظلالة , وسوء المنقلب والعاقبة ، إلاّ أنّ القوم فهموا الرسالة بالمقلوب ، وفسّروها خطأً عندما تصوّروا بأنّه يبكي نفسه ؛ لأنّه قريباً سيغدو مقتولاً .

إنّ دمعة الإمام الحسين (عليه السّلام) على قاتليه في عاشوراء تجلي البعد الإنساني في ثورته المباركة وحركته الخالدة في أبهى صوره ، وإلاّ بالله عليكم ، هل رأيتم أو سمعتم قتيلاً يبكي على قاتليه ؟

ولأنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) إنسانيّة ورساليّة فهو لم يستعجل القتال ؛ إذ لم يكن هدفه القتال لذاته ، وإنما من أجل الإنسان . فإذا كان المنطق والحوار والخطاب طريقاً إلى حماية الإنسان من نفسه الأمّارة بالسوء ، فلماذا اللجوء ـ إذاً ـ إلى السيف ؟

لقد حاول الإمام الحسين (عليه السّلام) استفراغ كلِّ طاقته في الحوار قبل أن يردّ على رسل القوم (النبال) التي صوّبوها باتّجاه معسكره ليستعجلوه القتال . ولو كان الإمام لا يحب الإنسان لاستعجل القتال ؛ ليعجّل بقاتليه إلى النار كما يفعل من يكرهون الإنسان ، ويحبّون توريطه من خلال استدراجه إلى مكامن الخطأ والجريمة .

أمّا الإمام الحسين (عليه السّلام) فقد سعى إلى تنبيه الإنسان إلى خطئه وجريمته ، في محاولة إنسانية منه لإنقاذه من براثن الجريمة . إنّه فعل إزاء قاتليه ما فعله أبوه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) الذي ظل يحاور (الخوارج) حتّى عدل عن مقاتلته عشرات الآلاف منهم كما تذكر ذلك كتب التاريخ .

فبالكلمة حقن الإمام (عليه السّلام) دماء مغفّلين ، وبها حاول الإمام الحسين (عليه السّلام) ذلك ، وبها يحاول المصلحون الإنسانيّون . فالمصلح يوفّر على الناس دماءهم ، والمصلح لا يحب الولوغ في دماء الناس ؛ ولذلك فهو لا يوفّر جهداً لتحريم دم الإنسان وصونه من الهدر .

لا زال هناك متّسع من الوقت والجهد والوسائل غير السيف والقتل ، على العكس من الطغاة والمجرمين الذين يبدؤون خطوتهم الاوُلى نحو الهدف بهدر الدم الحرام , وإزهاق الروح المحترمة . وهنا يكمن الفارق الكبير بين المصلح والمجرم ؛ فالأوّل هدفه حياة الإنسان ، أمّا الثاني فهدفه ممات الإنسان . الأوّل يموت هو ليحيا الإنسان ، والثاني يموت الإنسان ليحيا هو ، وشتّان ما بين الاثنين .

فالمصلح يبدأ بالكلمة وقد ينتهي إلى السيف إذا اضطّر إلى ذلك ، أمّا الظالم فيبدأ بالسيف وينتهي إليه . إنّه يبدأ بالدم وينتهي اليه ، يبدأ بأرواح الناس وينتهي إليها .

قد يقول قائل ، ويسأل سائل : ألم يكن الإمام (عليه السّلام) على علم بعنادهم وغيّهم وضلالتهم ؟ فلماذا ـ إذاً ـ حاول وعظهم ونصيحتهم ؟

ويأتي الجواب من القرآن الكريم : (مَعْذِرَةً إِلَى‏ رَبّكُمْ) كما أجاب المؤمنون الذين استنكر عليهم بعضُ قومهم وعظهم للكافرين ، بقولهم مستنكرين : (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ) . هذا من جانب ، ومن جانبٍ آخر فهي رسالة إلى الأجيال والتاريخ ، ودرس للجميع ليمارسوا الوعظ والإرشاد حتّى مع أعدى أعدائهم وأشدهم ضراوة ـ فما بالك بالمغفّلين الذين يعادون المرء عن جهل ؟ ـ قبل أن يقع السيف بين الطرفين ؛ من أجل إلقاء الحجة أوّلاً , ومن أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجهل والتورّط بالدم الحرام من جانب آخر .

لعل من هذا المعنى يمكن أن نستنبط المفهوم الذي عناه الشعراء ؛ فهو دعوة متكرّرة لكلّ جيلٍ وعصر للحيلولة دون قتل الإمام الحسين (عليه السّلام) كلّ يوم ، ودون تكرار الحدث الذي شهدته كربلاء , على كلّ أرض ، من أجل إنقاذ الإنسان من التورّط في الجريمة .

إنها دعوة صادقة من الإمام (عليه السّلام) لمنع أعدائنا ، وقبل ذلك أعداء أنفسهم ، من المغرّر بهم الذين غسلت ماكينة الدعاية الاُمويّة المضللة عقولهم , وأماتت ضمائرهم , وحطّمت تفكيرهم , من ارتكاب مثل هذه الجريمة المروعة التي سيحجزون بسببها مقعدهم في قعر جهنم ؛ لأنّ الإمام (عليه السّلام) ـ وهو الرحمة الربانية للبشر ـ يكره أن يكون سبباً لدخول إنسان واحد النار ؛ لجريمة يرتكبها بحقه ، فكيف يمكن ذلك ؟

كيف يمكن أن نحول دون تكرار الحدث المأساوي ؟ وكيف يمكننا أن نمنع من تكرار الجريمة ؟ وكيف يمكننا أن نكون ممّن يحفظ الإمام الحسين (عليه السّلام) من القتل ويصون الدماء من أن تراق ظلماً على الأرض ؟ وكيف لنا أن نكون ممّن ينتصر للحسين (عليه السّلام) قبل أن يُقتل ، ولكربلاء قبل أن يسيل عليها دم السبط ، وللآل والأصحاب قبل أن يُقتلوا بسيف البغي ، وللهاشميِّين والهاشميّات قبل أن يأخذونهم سبايا إلى الشام ؟

الجواب : في معرفة أسباب وقوع الحدث المهول . فمن خلال إزالتها بعد معرفتها نحول دون تكرار الحدث . فعندما تساس الاُمّة براعٍ مثل يزيد الذي قال عنه الإمام الحسين (عليه السّلام) مخاطباً الوليد بن عتبة والي المدينة عندما رفض إعطاءه البيعة : (( ... ويزيد فاسق ، فاجر , شارب الخمر ، قاتل النفس المحترمة ، معلن بالفسق والفجور )) . عندما تساس الاُمّة بمثل هذا فعلى الإسلام السّلام .

وعندما ينزو على منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجل كمعاوية بن أبي سفيان فعلى الإنسان السّلام .

وعندما يتسلل الإعلام الاُموي إلى كلِّ مكان ؛ إلى البيت والمدرسة والمسجد والسوق وإلى مخادع الناس فعلى الحرية والكرامة والعزة السّلام .

دعونا أوّلاً نمنع من انعقاد سقيفة في الاُمّة ، ثم نجاهد للحيلولة دون أن ينزو على السلطة حاكم كمعاوية بن أبي سفيان يُحَوّل الناس إلى عبيد , والمال إلى دولة بين الأغنياء ؛ فيحرم منه فقراء الاُمّة ويتخم آخرين ، ويُسخّر خزينة البلاد لتحقيق رغباته الذاتية ونزواته الشخصية ، فيصرفها لشراء الذمم وصناعة الدعاية السوداء المضللة , واختلاق الأحاديث والروايات الباطلة على لسان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , كل ذلك من أجل تحويل الحكم الإسلامي إلى مُلكٍ عضوض يتوارثه الطلقاء وأبناء الطلقاء ؛ فيحكم الاُمّة باسم الإسلام ـ مثلاً ـ رجلٌ كيزيد الذي يشرب الخمر , ويلعب بالقرود , ويقتل النفس المحترمة ، ثمّ يدعو له أئمة المسلمين من على منابر الجمعة كخليفة !

أية مهزلة في التاريخ هذه ؟! بل أية مهزلة على مر التاريخ هذه ؟!

ففي كلِّ يوم لنا يزيد حاكماً , وفي كلِّ يوم لنا معاوية خليفة للمسلمين , وفي كلِّ يوم لنا سقيفة , وفي كلِّ يوم لنا فتاوى تكفيريّة ودعاية سوداء تضلل الناس وتغسل الأدمغة , وأخيراً تقتل الحسين (عليه السّلام) .

هنا مربط الفرس إذاً ، فإذا حكم البلاد رجل كيزيد علينا أن نستعد لسماع نبأ قتل الحسين (عليه السّلام) ، وإذا اعتلى منبر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) رجل كمعاوية الذي قال للمسلمين في أول خطبة جامعة في مسجد الكوفة : يا أهل الكوفة ، أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجون ؟ ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم وألي رقابكم ، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون . ألا إنّ كلَّ دمٍ اُصيب في هذه مطلول ، وكلَّ شرط شرطته فتحت قدميَّ هاتين .

إذا اعتلى منبر الرسول (صلّى الله عليه وآله) رجل كهذا فعلى الاُمّة أن تتوقع قتل الحسين (عليه السّلام) بين لحظة واُخرى . لذلك إذا أردنا أن لا يتكرر المشهد الكربلائي في كلِّ يوم وفي كلِّ أرض علينا أوّلاً أن نمنع سقيفة , ولا نقبل بمعاوية خليفة أو يزيد حاكماً ، وأن نقاطع الإعلام الاُموي ولا نصغي إلى أقوال المرجفين في المدينة ، ونسير بركب الإمام الحسين (عليه السّلام) مهما غلا الثمن وكبرت التضحيات ؛ فالحياة بلا كرامة موتٌ في الدارين ، والموتُ بعزٍّ حياةٌ في الدارين ، أليس كذلك ؟

كذلك على الاُمّة أن تقف مع الحسين (عليه السّلام) حيّاً ولا تنتظر أن يُقتل فتبكيه ميتاً ، وهذا يتطلب منها أن تنصره وتنتصر له فارساً قبل أن يترجّل من على صهوة جواده .

كيف ؟ إنّ الحسين (عليه السّلام) قيمٌ ومبادئ وأفكار ومناقبيات ورسالة ، إنّه ليس مجرد ثائر من أجل سلطة ، أو مغامر من أجل حكم ، أبداً . وإلى هذا المعنى أشار (عليه السّلام) بقوله : (( ألا وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً , ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، فمن قبلني بقبول الحقِّ فالله أولى بالحقِّ ، ومَن ردّ عليَّ هذا أصبر حتّى يحكم الله بيني وبين القوم بالحقِّ وهو خير الحاكمين )) .

هدف الحسين (عليه السّلام) إذاً كان الإصلاح أوّلاً وأخيراً ، إصلاحُ ما فسد من حال الاُمّة على يد الحكومات والأنظمة التي تعاقبت على الحكم من بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وإصلاح ما أفسدته القوى الاجتماعيّة التي ملكت المال والإعلام وتالياً السلطة .

لقد جاد الإمام الحسين (عليه السّلام) بأغلى ما عنده من أجل تصحيح مسار الاُمّة وإعادتها إلى جادّة الصواب والحقِّ , والعدل والإنصاف ، من أجل أن تحيا حرّةً كريمةً وسعيدةً بين اُمم الأرض .

إنّ نتيجة حكم السلطات الظالمة للاُمّة يمكن تلخيصه بما يلي :

 أوّلاً : تغيير مسار النظام السياسي ، من نظام يعتمد الشورى والانتخاب والبيعة والتداول السلمي للسلطة إلى نظام يعتمد الوراثة في اعتلاء السلطة ، وأخذ البيعة بالعنف والإكراه ، وتالياً القتل والاغتيال والتآمر كأدوات يعتمدها المتصارعون على السلطة للفوز بها .

وبقراءة سريعة لتاريخ المسلمين ، والنماذج الكثيرة التي ترويها كتب السيرة والخلفاء والسلاطين يتّضح لنا هذا المعنى جلياً ، لدرجة أنّه يزكم الاُنوف بفضائحه ، ويخجل منه المرء الذي يكره الانتساب إلى مثل هذا التاريخ (المهزلة) .

 ثانياً : محو القيم الإنسانيّة التي اعتمدها الإسلام في العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وبين الناس أنفسهم ؛ صغيرهم وكبيرهم ، غنيّهم وفقيرهم ، عالمهم ومتعلّمهم ، نسائهم ورجالهم ، وبين أركان الحكم أنفسهم ؛ كقيم المساواة والرأفة , ومبدأ تكافؤ الفرص والتكافل الاجتماعي , والحرية والكرامة , والصدق والتسامح , والتعاون على البر والتقوى والإيثار , وغير ذلك من المعاني والقيم السامية التي جاء بها الإسلام العظيم .

لتحلّ محلّها ـ في ظل الأنظمة الفاسدة والمستبدة ـ سياسات الأثرة والإقصاء , والتمييز العنصري والطائفي والعشائري , والعبودية والإكراه , وروح الانتقام والذلة وغيرها من السياسات التي دمّرت الاُمّة فتقهقرت إلى الوراء ؛ لتصبح في آخر القافلة الإنسانيّة , وفي نهاية مسيرة البشرية .

لقد عنى الشعراء ـ إذاً ـ أنّ كل يوم هو زمن مفتوح للصراع بين الحقِّ والباطل ، وأنَّ كلَّ أرضٍ هي ساحة مفتوحة لهذا الصراع ، وأنّ على أهل الحقِّ أن يواجهوا الظلم صغيراً قبل أن ينمو ويكبر فيتمكّن من قتل الحسين (عليه السّلام) ، وبذلك فقط يمكنهم أن يحولوا دون تكرار تراجيديا كربلاء بكلِّ فصولها المهولة وتفاصيلها المرعبة والأليمة .

أمّا دمعة زينب (عليها السلام) فقد حملت رسالة اُخرى ، إنها رسالة الرفض الأبدي للظلم ، وصرخة المظلوم في قصور الظالمين ؛ لتهدم أواوينها وتدمّر قلاعها . إنّها رسالة الاحتجاج على القتل ، وسلاح المستضعفين في مواجهة سلاح التضليل ، ووسيلة المظلوم لاستنكار الظلم ، وأداة المقهور لاستنهاض الاُمّة الغافلة والناس النيّام , والرعاع المغفّلين , والعامّة الجاهلة , والصفوة التي أعماها الطمع وأسال لعابها المال الحرام والحضوة الزائفة عند السلطان .

إنها الرسالة التي لا يمكن لظالم ، مهما اُوتي من قوة وجبروت ، أن يحجبها عن الفضاء الخارجي ؛ ولذلك امتدت هذه الرسالة الزينبيّة عبر التاريخ , وستظل ممتدة إلى قيام الساعة ؛ إذ سيفشل الظالمون في إخماد أوارها مهما فعلوا . ولنا في التاريخ أكبر دليل وأنصع برهان .

ولقد صدقت ابنة عليٍّ العقيلة زينب (عليهما السّلام) عندما خاطبت الطاغية يزيد في مجلسه بالشام قائلة : فكد كيدك , واسعَ سعيك , وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا , ولا تُميت وحينا , ولا تُدرك أمدنا , ولا تدحض عنك عارها ، وهل رأيك إلاّ فند , وأيامك إلاّ عدد , وجمعك إلاّ بدد .

إنها الرسالة التي فضحت زيف الحاكم الجائر ، وكشفت عن حقيقة الاُمور التي بذل الظالم من أجل التستّر عليها الشيء الكثير ، وسخّر لها جيوش (المثقّفين) و(الإعلاميِّين) و(فقهاء البلاط) و(وعّاظ السلاطين) من المأجورين والموتورين ، من الذين يتبعون المطامع . إنها شجاعة الرسالة , وبطولة أهل الحق , وصمود الثائرين , وقدرة المظلومين .

من هنا افهم ، إذا أردنا أن نحول دون تكرار الحدث المأساوي علينا أن نحتفظ بالدمعتين ساخنتين ؛ فهما رسالتان تكمل الواحدة الاُخرى ، وهما جناحا ثورة السبط الشهيد سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) .

ينبغي علينا ان لا ننخدع بما يقوله المشككون الذين يحاولون انتزاع حبّ الحسين (عليه السّلام) من قلوبنا ؛ فالدمعة رسالة وليست عواطف فحسب ، وإنها معانٍ سامية وقيم عظيمة ومناقبيات خلاّقة مَن يتنازل عنها سيتنازل عن الحسين (عليه السّلام) ، ومن يفرّط بها سيفرّط بكربلاء ، ومن يغفل عنها سيغفل عن الهدف والوسيلة في آن واحد .

لنحذر من نسيان الدمعتين وما حملتا من رسالتين تاريخيّتين عظيمتين ؛ من أجل أن لا ننسى الحسين (عليه السّلام) وثورته الإنسانيّة ، وبالتالي من أجل أن نتذكّر أنفسنا , فلا ننسى حالنا وواقعنا وما نحن عليه من وضع لا يُحسد عليه ؛ فالحسين (عليه السّلام) عَبرة (بفتح العين) وعِبرة (بكسر العين) , فلا يمكن أن نعيش الحسين (عليه السّلام) بواحدة أبداً ؛ فالعَبرة (بفتح) جزء من العِبرة (بكسر) , والعكس هو الصحيح ، وهما متلازمتان لا تفترقان أبداً ما دامت السماوات والأرض .

ـــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 

 

طباعة الصفحةاعلى