دراسة في أسباب الفشل وعوامل النجاح

 
 

 معاهد الخطابة الحسينيّة

العوائق والمنطلقات

 دراسة في أسباب الفشل وعوامل النجاح(*)

 

تمهيد

إنّ من الاُمور الهامّة التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار هو أن لا نجامل على حساب الحقيقة ؛ وإلاّ فلن نتقدّم شبراً في خدمة الإسلام .

والحقيقة وصحة الفكرة وصواب الرأي ليست من الاُمور الخاصّة بالكبار (كبار السن ، أو كبار العلم) ؛ فإنّ ما يكتبه الشاب بصدق ومعاناة يكون في الغالب أقرب إلى كبد الحقيقة ممّا يكتبه الكبار الذين كثيراً ما تشوّش المداراة وكثرة الحسابات والاعتبارات رؤيتهم ، وتعقل ألسنتهم .

ومن الواضح أنّ تجربة إنشاء المعاهد والمدارس التي تُعنى بشؤون الخطابة الحسينيّة وإعداد الخطيب في النجف الأشرف تجربةٌ جديدة ؛ لذا فهي بحسب طبيعة أي عمل جديد يكتنفها الكثير من المصاعب والعقبات ، وعدم الوضوح في الرؤية ؛ لقلّة الخبرة أوّلاً ، وعدم وجود نماذج ناجحة من هذه المعاهد ثانياً ، ولأسباب اُخرى عديدة .

بل إنّ المعاهد التي أُنشئت لهذا الغرض في أماكن اُخرى ، حيث توجد الحوزات العلمية , لم تحقق النجاح المطلوب ، ولم تجنِ الثمرة المرجوة منها ، وهو ما يشير إلى وجود خلل أو مجموعة كبيرة من الأسباب تقف عقبات في الطريق ، وهي تؤدّي بالتالي إلى فشل هذه المحاولات وجعلها عديمة الجدوى ، أو عقيمة عن الإنتاج في أغلب الأحيان .

أوّلاً : أسباب الفشل

يعود فشل المعاهد ومدارس الخطابة الحسينيّة ، وعدم تحقق المأمول منها إلى عدّة أسباب نذكرها تباعاً :

أ ـ المناهج

إنّ المناهج الدراسية المعتمدة في هذه المعاهد والمدارس تفتقر إلى الموضوعية , وأقصد بها الواقعية ، أي إنّها لم تأخذ حاجة الخطيب الفعلية في مناهجها .

ومردّ ذلك إلى أنّها غير موضوعة على أساس علمي سليم ، نابع من ملاحظة حاجة الخطباء للمواد الدراسية ، كما أنّها لم تأخذ بنظر الاعتبار الهدف والغاية من الخطابة ؛ فإنّ الغاية والهدف من ممارسة الخطابة هي إقناع الجمهور , بما يلقيه الخطيب على مسامعهم ، واستمالتهم إلى قبول تلك الآراء والأفكار ، وتبنّيها من قبل الجمهور ، ثم العمل على طبقها .


الصفحة (2)

ويمكن أن يتحقق ذلك بوضع المناهج على أساس علمي , من خلال القيام بدراسات إجرائية ، واستطلاع آراء الطلبة الراغبين في الانضمام إلى هذه المعاهد ، وخصوصاً آراء الخطباء ذوي الكفاءة والمستوى العلمي والثقافي الجيد ، الذين يتمتّعون بمستوى جيد من الوعي , ثمّ تُجمع هذه الآراء وتدرس دراسة جيدة ، وتنقّح بنظرة فاحصة ، وبموضوعية وواقعية شاملة ، بحيث تلاحظ في هذه المواد الدراسية ظروف الزمان والمكان والثقافة الاجتماعية المعاصرة .

إنّ مناهجنا بشكلها وصورتها الحالية أخذت بنظر الاعتبار النجاحات التي حققتها الأجيال السابقة من الخطباء ، وهذه النظرة قد لا تكون صحيحة ؛ لأنّ شروط النجاح وعوامله قد تختلف من حال إلى حال ، ومن زمان إلى آخر .

كما يمكن أن يتحقق النجاح لهذه المناهج , بحيث تكون نافعة من الناحية العملية والنظرية للخطيب ، بأن نستفيد ثانياً من مناهج بعض المعاهد والمدارس التي تشترك في بعض جوانبها مع مدارس الخطابة .

فالخطابة عمل إعلامي من دون شك ، فالمفروض حينئذ أن نطّلع على مناهج المعاهد والكليات الإعلامية ـ إن صح التعبير ـ ؛ لنرى ما ينفعنا منها في مجال عملنا ، أي وضع المناهج لمدارس الخطابة .

وهكذا نتفحّص كلّ ما له صلة بالخطابة من قريب أو بعيد ؛ لنستثمره في اختيارنا للمناهج الدراسية ، وهذا هو أحد جوانب الخلل في مناهجنا ؛ إذ إنّ موادنا الدراسية في معاهد الخطابة ومدارسها , لا تتجاوز ما هو مألوف ومعروف عندنا تدريسه في الحوزة العلمية .

وإذا تجاوزنا هذه النظرة قليلاً , سعينا لوضع مواد دراسية اُخرى تفتقدها الحوزة ، مثل علوم القرآن والتأريخ ، وكل ما هو موجود أمام أعيننا ، وأمّا ما غاب عن أذهاننا أو لم نألف تدريسه , فهو غير مأخوذ بالحسبان .

إنّ الخلل في اختيار المناهج الدراسية ، وانتقائها بشكل عشوائي وغير سليم ، بالشكل الذي وصفت قبل قليل , خلّف مشكلة مع المتقدّمين للدراسة في هذه المدارس أو المعاهد , وتتلخّص في أنّ الطالب الذي ينتمي إلى هذه المعاهد لا يجد ما يريد من الدروس التي يكون هو بحاجه ماسّة إليها غالباً ، وأمّا ما لا يريده من المواد الدراسية كالتي درسها في الحوزة مثلاً ، أو التي يقدر على اكتسابها خارج نطاق هذه المعاهد , اعتماداً على المطالعة الخارجية ، كعلوم القرآن ، والإسلام يقود الحياة وغيرهما , فإنه يجده أمامه ، وتُفرض عليه دراسته في هذه المعاهد .


الصفحة (3)

وأنا هنا لا أتحدّث عن الطلبة ذوي المستويات العلمية والثقافية والفكرية المتدنية ؛ فإنّ هؤلاء لا يميّزون أصلاً بين ما ينفعهم وبين ما لا ينفعهم . فلو ألقيت على مسامع أحدهم حديثاً , ثم كتبه وذهب ليلقيه على مسامع الناس , تصوّر أنّ هذا هو النجاح الذي ما بعده نجاح ، إني لا أتحدّث عن هؤلاء أبداً .

ثمّ إن هذه المناهج والمواد الدراسية على فرض قبول الطالب بها ، وإبداء رغبته في دراستها ، لا تنفعه في الغالب ؛ لأنّها علوم تلقينية يزق بها الطالب زقاً ، فهو كوعاء للحفظ فقط ، إن أُعطي شيئاً حفظ بعضه وأهمل الكثير منه .

وما لم يُدرّس من العلوم في هذه المعاهد , فهو غير قادر على تحصيلها من منافذ اُخرى ؛ لأسباب منها عدم الالتفات لأهمية ذلك العلم أو الفن , أو لضعف الإدراك عنده ، أو لضعف همّته ونشاطه , أو غير ذلك ، ما يجعله بالتالي ـ بتعبير جريء ـ يتخرّج من هذه المعاهد أو المدارس ببغاء يردد ما أُلقي على مسامعه .

إنّ المهم في المناهج أن تكون ممّا يحرّك فكر الطالب ، وينمّي فيه روح الإبداع ، ويولّد لديه القدرة على التفكير والاستدلال ، والابتكار والتفنن على المستوى النظري ، أي عند إعداد الخطبة , والمستوى العملي ، أي حال الإلقاء ، وليس المهم في المنهج أن يكون حشواً يُملأ به رأس الطالب .

وثمّة خلل آخر في هذه المناهج ، وهو أنّها لم تأخذ التفاوت العقلي ، ولا المستوى الدراسي للطلاب في نظر الاعتبار ، فالذكي يقرن مع الأقل ذكاءً في مادةٍ واحدة ، وطالب المقدّمات مع طالب البحث الخارج .

ولقد خلق هذا الخلل في التنظيم وتوزيع المواد الدراسية مشكلة اُخرى ، وهي شعور الطالب ذي المستوى الجيد والعقلية الناضجة بالإحباط وخيبة الأمل ؛ لقرنه مع تلاميذ تلاميذه في درسٍ واحد .

وإذا ما راعى الأستاذ حال الأدون في المستوى الفكري والعلمي في عرض مادته على الطلاب ، فلا شك أنّه قد غمط حقّ ذي الكفاءة الجيدة .

وإن راعى حال الطلبة الأذكياء والمتقدّمين في المستوى العلمي ، خرج الأقل كفاءة من دون فائدة ، والسبب في ذلك واضح , وهو إمّا ضعف استيعابه ، أو عدم تحصيله للمقدّمات اللازمة ؛ ليكون قادراً على الفهم والاستيعاب .

إنّ البناء يفترض أن يبدأ من الأساس ، ثمّ توضع فوقه اللبنات العليا ,


الصفحة (4)

ولكنّنا نرى في معاهدنا العكس ، حيث تقوم مناهجنا بتشييد البناء العلوي , وتدع الركائز التي ينبغي إن يُعتمد عليها .

ولزيادة هذه الفقرة شرحاً وتوضيحاً لابد من بسط الكلام فيها ؛ لتتجلّى حقيقة الأمر ، ونكتشف الخلل الكبير في المناهج الدراسية في معاهد ومدارس الخطابة .

فنقول : لا شك أنّ الخطابة علمٌ وفن , فالقواعد والاُصول تمثّل الجنبة العلمية منها ، وتطبيق هذه القواعد ومراعاتها تمثّل الجانب الفنّي في ممارسة الخطابة .

فقواعد واُصول الخطابة تُعدّ البناء الأساسي في سلّم مواد المنهج الأساسي ، ومتى ما وجدنا فراغاً في بحثٍ من بحوث هذا الفن ، أو كان البحث غير مستوفٍ لكل جوانب الموضوع , يجب أن نقوم حينذاك بسدّ هذا الفراغ ، بوضع مادة دراسية واسعة ومستوفية ؛ لتغطية ذلك النقص .

 مثلاً : يُذكر في كتب فن الخطابة بحث كيفية إعداد الخطبة ، ولكنّ هذا البحث ليس بكافٍ ولا وافٍ ، بحيث ينتفع الخطيب منه بشكل كامل ، فلا بدّ حينئذٍ من سدّ هذا النقص ، بوضع مادةٍ دراسية تستوفي كلّ جوانب إعداد الخطبة ، أو كتابة موضوعها .

وهنا تجب الاستعانة بمناهج البحث العلمي أو الأدبي ؛ لسد هذا النقص ، وإعطاء التصوّر الكامل للخطيب لكيفية إعداد موضوع خطبته .

وهكذا باقي المواد الدراسية ، ولكنّ هذه المادة الأساسية الهامّة (فن الخطابة) مغفولٌ عنها تماماً في معاهدنا ، وإن عوّضت بشيء فهو لا يسمن ولا يغني من جوع .

إنّ الكتب التي وضعت في فن الخطابة واُصولها , إذا لاحظتها فستجد أنّها غالباً تبحث في المواضيع التالية : تعريف الخطابة ، وبيان أهميتها ، ونبذة تأريخية عنها ، وأقسام الخطب وغير ذلك .

وفي هذه المعلومات نفع للطالب ؛ إذ هي تثري ثقافته في المهنة التي يمارسها ، ولكنّ المهمّ غير هذا ؛ لأنّ المهمّ فيها هو أركان الخطابة الثلاثة ، وهي :

أوّلاً : الخطيب

وينبغي أن تتحقق في الخطيب سماتٌ ثلاث :

الأولى : تكوينية

أي ما يرتبط بشخصية الخطيب من ناحية الصوت ، وصحة النطق بالألفاظ ـ أي سلامة اللسان من العيوب ـ والفطنة والذكاء ، والمظهر الخارجي له بعامّة .

ويجب أن تراعى هذه الاُمور في اختبارات الشخصية ، والمقابلات التي تسبق قبول الطالب في هذه المعاهد ؛ ليُعرف اتصافه بهذه السمات أو عدم اتصافه ,


الصفحة (5)

ولكنّ معاهدنا لا تنظر إلى هذا الجانب في شخصية الخطيب أصلاً ، بل المدارس الدينية والحوزوية عامّة لا تنظر إلى هذا الجانب ، ولا تعير المقابلات الشخصية أيّ أهمية ؛ لذا تجد الكثير بين طلاب العلوم الدينية ممّنْ لا يجيد القراءة والكتابة ، فضلاً عن مراعاة درجة الذكاء والنباهة .

وعلى الإجمال نرى هذا الجانب ـ السمات التكوينية ـ مغفولاً عنها تماماً .

وبديهي أنّ أيّ شخص ينضمّ إلى هذه المعاهد , وهو فاقد لهذه الصفات كلاً أو بعضاً ، محكوم عليه بالفشل لا محالة . وإن أجرت بعض المعاهد الدينية مقابلات شخصية للمتقدّمين , فغالباً ما يكون ذلك على أيدي أُناس غير متخصّصين .

الثانية : سمات أخلاقية

وليس المقصود هنا أن توضع في المناهج المعتمدة في معاهد الخطابة ومدارسها كتب الأخلاق المتعارفة ؛ لتدرّس للطالب ، فهذه الأخلاقيات العامّة ـ إن صحت التسمية ـ ينبغي أن يتحلّى بها كل مسلم , ولكن المفروض أن يدرس الطالب أخلاقيات العمل التبليغي والدعوي ، وأخلاقيات وأبجديات العمل الاجتماعي ؛ ليعرف كيفيّة التعامل مع المجتمع ، وبتعبير جامع الأخلاقيات الخاصّة بالخطيب والمبلغ .

وإذا جئنا لكتب فن الخطابة فسنجدها مفتقرة لهذا الجانب مما يتعلق بشخصية الخطيب ، وحينئذٍ يجب علينا سدّ هذا الفراغ ، بوضع مادةٍ دراسيةٍ في الأخلاق .

 إنّ معاهدنا عندما تقوم بتدريس مادة الأخلاق تهتمّ بتدريس الأخلاقيات العامّة ، أي إنّها تهتمّ بما هو موجود وعلى مرمى البصر , وما يلفت النظر أنّ مكتباتنا العامّة والخاصة مليئة بكتب الأخلاق ، ككتاب (الأربعون حديثاّ) ، و(مكارم الأخلاق) ، و(أخلاق أهل البيت) وغيرها كثير .

وهذه الكتب وافرة وفي متناول أيدي الطلبة أوّلاً ، وهي ليست كتباً معدّة مناهج للتدريس ثانياً ، والخطيب قد لا يحتاج إلى دراستها ؛ لأنّه تكفيه مطالعتها كلّها أو بعضها .

 وعلى أثر ذلك غدت هذه المادة الدراسية للأسف حجر عثرة , ومصدر قلق وإرهاق للطالب ؛ لأنّها تحصيل حاصل كما يُقال ، خصوصاً لطالب الحوزة المُجد .

نعم ، هذه يمكن أن تدرّس للخطيب غير المرتبط بدراسة الحوزة ، أمّا طالب الحوزة على مستوى اللمعة مثلاً , فتدريسه مثل هذه الكتب إهدار لوقته .

الثالثة : سمات علمية

 العلوم التي يحتاجها الخطيب قسمان :


الصفحة (6)

القسم الأول : مجموعة من العلوم والمعلومات العامة التي تدخل بشكل مباشر في صياغة مادته الخطابية ، أي تدخل في تكوين وإعداد الخطبة (المحاضرة) ؛ إذ ينبغي أن يكون الخطيب واسع الاطّلاع ، ملمّاً بكثير من العلوم والمعلومات في المجالات المختلفة ؛ كالتفسير والعقائد ، والتاريخ وسير الرجال ، والأخلاق والفلسفة ، والرجال والفقه .

وإجمالاً : يجب أن يكون ذا ثقافة عالية ملمّاً بعدد وافر من العلوم والفنون والآداب ؛ ليكون موفّقاً في إعداد محاضرات ترضي ذوق الجمهور ، وحاجته العلمية والثقافية ، بشرط أن تكون مأخوذة من منابع سليمة صافية .

والملاحظ أنّ معاهدنا الخطابية تركّز على هذا القسم من العلوم فقط , وتبذل له جل جهدها ، بل تنحو بعض المدارس منحىً متطرّفاً عندما تقوم بتدريس دورة تفسير ، أو تضع ضمن مناهجها شرح كتاب نهج البلاغة ، إضافة إلى الرجال والفقه ، والعقائد والأخلاق ، وغيرها , ظنّاً أنّه كلّما تزوّد الطالب بهذه العلوم والمعلومات تمكّن من ناحية الخطابة ، وأصبح فيما بعد خطيباً مصقعاً ، ولكن هذا خطأ فاحش ، وقعت فيه جلُّ معاهد ومدارس الخطابة تقريباً ؛ إذ مع عدم وجود الموهبة ، والقدرة على الابتكار والوعي ؛ للاستفادة من هذه العلوم والمعلومات في وقت الحاجة إليها , لا تنفع ولو لُقّن الطالب ألف كتاب وكتاب .

فالطالب الفاقد للوعي أو قليل الذكاء لا تنفعه هذه العلوم والمعلومات على كثرتها ، وذو العقل والوعي يكفيه أقل القليل منها .

فما الفائدة إذاً في تضييع الوقت والجهد لتحصيلها , ومعظم الطلبة الجيدين ذوي المستويات العلمية والفكرية والثقافية الجيدة , لا يرون وجهاً لتضييع وقتهم الثمين ، واستهلاك جهدهم في دراستها ؛ لإمكانية تحصيلهم لها من غير التزام بحضور إلى الدرس ؟

 فيقتصر حينئذ حضور دروس المعاهد على الطلبة الذين يتميّزون بالكسل وحب الراحة ، وأخذ المعلومة الجاهزة ، وهؤلاء أسفاً لا ينفعوننا بشيء حتّى لو أمضينا أعمارنا في رعايتهم .

وتغيب عن هذا الحقل كمشكلة اُخرى مفردات التثقيف العام ، والقضايا المعاصرة التي لها مساس مباشر بحياة الأمّة ، أو التي تسير الحركة الثقافية في المجتمع نحوها ، فالطالب يتخرّج وهو لا يعرف شيئاً عن العولمة مثلاً , كمفردة من مفردات التثقيف العام الذي ينبغي أن يُطرح على صورة محاضرات تثقيفية ، ولا يعرف شيئاً كذلك عن الغزو الثقافي وكيفية مواجهته ، ولا مفردات القاموس السياسي أو الاجتماعي ، فلا شيء عن مفهوم الحرية أو التطرّف ، أو التعصّب أو وسائل التأثير في الرأي العام ، وغيرها .


الصفحة (7)

بل حتّى المفاهيم الإسلاميّة غائبة لا تدرّس ، وإن أغلب طلبة حوزاتنا لا اطّلاع لهم على مثل هذه المعلومات والقضايا البتة .

القسم الثاني : مجموعة من العلوم التي لا تدخل في بناء المادة الخطابية الملقاة للجمهور بشكل مباشر ، بل تُعدّ من مكمّلات الخطابة ، وتدخل في تحسين المادة (الموضوع) ، وأداء الخطيب وكفاءتة ، وزيادة قدرته على التأثير في الجمهور . وعدم دخولها في موضوعات الخطابة مباشرةً لا يعني عدم أهميتها .

ومن بين هذه العلوم : النحو والصرف ، والبلاغة والاُصول .

ومن المفترض أن يكون الطالب قد أتقنها عند دراسته في الحوزة الشريفة ، لكن يُؤسف أنه في مجال التطبيق لا نجد لها أثراً إلاّ عند القليل منهم ؛ إذ يلاحظ اللحن عند أغلب الخطباء بشكل يخرم الأذن .

كذلك نرى الكثير منهم يفتقرون إلى أبسط الأساليب البلاغية ، ولا ينكر هذه الحقيقة إلاّ مكابر .

والمشكلة أنّ هذه العلوم التي يجب أن تركّز عليها معاهد الخطابة , خصوصاً النحو والبلاغة ، ولا سيما البلاغة الحديثة ، لا نجد لها في مواد مناهجها شيئاً يُذكر .

ويحتاج الخطيب في هذا القسم من العلوم أيضاً إلى معلومات وفنون اُخرى تسهم في تعميق تأثيره في الجمهور ، وهي كثيرة وتستحق التأمّل والبحث عن أهميتها ، ودورها كمادة دراسية في مناهج معاهد الخطابة ، وأذكر منها ما يخطر ببالي الآن :

 أ ـ أساليب الدعوة والتبليغ

يُؤسف أنّنا لا نرى لهذه المادة وتدريسها في معاهد الخطابة أثراً ، مع أنّ أهميتها من الوضوح بمكان ، وأنه يُمكن وضع كتاب ، أو كتيب على الأقل , في هذا المجال ، على أنّ هنالك محاولات كثيرة موجودة يمكن جمعها والاستفادة منها ، وتنقيحها ومطابقتها مع ما يطرحه القرآن الكريم من أساليب في الدعوة ، واستنباط أساليب اُخرى من سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) العطرة والأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) ؛ ليعرف الخطيب والمبلغ كيف كانوا يمارسون الدعوة إلى الله (عزّ وجلّ) وتبليغ أحكامه , فتُجعل هذه الأساليب كقواعد واُصول في عملنا التبليغي ، ولا بأس بالاستفادة من مناهج معاهد أو كليات اُخرى , إن كانت تتضمّن مثل هذه المادة الدراسية .

فلماذا يتكبّر بعضنا على بعض ؟! فإذا وضعت مدرسة ما مادة دراسية في مناهجها , تركتها المدرسة الاُخرى تكبّراً واستعلاءً .

ب ـ مرتكزات العمل الإعلامي وسمات الشخصية الإعلامية الناجحة ,


الصفحة (8)

وهذا اللون من المعلومات لا تجد له أثراً في معاهدنا ، رغم أهميتها التي لا أظن ّأنّها تخفى على أحد .

ج ـ علم النفس الاجتماعي

إنّ هذا العلم يدرس سلوك الإنسان من حيث تأثيره في الآخرين ، وحينئذ فمن الأهمية بمكان أن يطّلع الخطيب ولو على بعض الأبواب الهامّة فيه ، كالرأي العام ووسائل التأثير فيه ، والاتجاهات والدعاية ، والحرب النفسية ، والتجمّع وسماته ، وسايكلوجية الجمهور ؛ لأنّ سلوك الفرد يختلف عن سلوكه في الجماعة ، وبالتالي سلوك الجماعة يتباين ويختلف عن سلوك الأفراد .

فما هي خصائص الجماعة مثلاً ليمكن للخطيب أن يستثمر هذه الخصوصيات في تحقيق هدفه والوصول إلى غاياته ؟

د ـ مناهج البحث

إنّ الطالب يدخل معاهدنا بمناهجها الحالية ؛ لتُلقي على رأسه كُوَماً من الكتب والعلوم ، ولكن هلاّ يعلم كيف يستفيد منها ، وكيف يجمعها ، وكيف ينظّمها ؟ وما هي سمات التفكير العلمي ، ومن أين يأتي بفكرة الموضوع ؟ وما هي مقوّمات موضوع البحث ، وما هي آليّات البحث العلمي والأدبي ؟ إلى غير ذلك .

 ومعاهدنا أسفاً في غفلةٍ تامّة ، وجهلٍ مطبقٍ عن مناهج البحث .

هـ ـ علم النفس

وخصوصاً باب العمليات العقلية منه . صحيح أنّ الطالب درس المنطق في الحوزة ، ولكن ذلك ليس بكافٍ ؛ لأنّه لم يعرف به شيئاً عن طرق التفكير السليم ، ولا عوائق وموانع الاستدلال ، ولا شيئاً عن نظريات التعلّم ، ولا عن التذكّر والنسيان ، ولا عن الانتباه ومشتتاته مثلاً , إلى غير ذلك من عشرات البحوث القيّمة .

والخلاصة أنّ مثل هذه المعلومات والعلوم التي هي حاجة فعلية للخطيب ، ولا يحصل عليها الطالب بسهولة , مفقودة في معاهد ومدارس إعداد الخطباء , في حين أن العلوم والمعلومات التي يحصل عليها بيسر وسهولة , يجدها حاضرة أمامه ويجبر على دراستها .

والطالب الذي يدرك جيداً أنّ مقدّماته الفكرية والعلمية تسمح له باستيعاب مطالب كتاب (علوم القرآن) ، أو (الأربعون حديثاً) ، أو (المدرسة القرآنية) مثلاً , يرى أنّه من العبث تضييع وقته في أخذ دروس كهذه ؛ إذ هو قادر على تحصيلها من غير ارتباط بدرس .

الصفحة (9)

ثانياً : الخطبة

ذكرنا أنّ أركان الخطابة ثلاثة أحدها الخطيب ، وقلنا : إنّه يجب أن تتوفّر فيه سمات تكوينية وأخلاقية وعلمية ، وقد مرّ الكلام في ذلك مفصلاً . والآن نتحدّث عن الركن الثاني ، ألا وهو الخطبة .

ومشكلة معاهدنا في هذا المجال أنّ الطالب يدخل إلى هذه المعاهد ويتخرّج منها وهو لا يعرف أي شيء عن أنواع الخطب ، ولا عن أجزاء الخطبة ؛ ليسلسل موضوعه على طبقها .

والأدهى من ذلك أنّه لا يُعلّم شيئاً عن الاُسلوب الخطابي ولا خصائصه ، ولا عن كيفية إعداد الخطبة كما مرّ .

فأيّ خطيب متخرّج هذا الذي لا يعرف كلّ هذا أو بعضه ؟ وأيّ معهد خطابة ذاك الذي لا يركّز على مثل هذه المعلومات الهامّة للخطيب ؟

ثالثاً : الجمهور

الجمهور ركيزة أساسية من ركائز الخطابة ، وبدون جمهور مستمع لا تكون هناك خطابة ، وللجمهور أثر كبير في نجاح الخطيب والخطبة معاً ، وآية ذلك اطّراد الأداء عند أغلب الخطباء مع كثرة الحضور ؛ إذ يزداد الخطيب تألّقاً مع ازدياد عدد جمهوره ، ويضعف مستواه تبعاً لضعف الحضور وقلته . هذا من جهة , ومن جهة اُخرى تكون وظيفة الخطيب هي إقناع الجمهور بما يلقيه على مسامعهم ، واستمالتهم إلى ما يدعو إليه ، وبالتالي يكون الهدف الأساسي والوظيفة العظمى للخطيب , هي التأثير في الجمهور سلباً أو إيجابياً بما يعرض عليهم من أفكار أو معلومات أو غير ذلك .

وإجمالاً نقول : إنّ وظيفة الخطيب هي التأثير في الجمهور ؛ لإقناعه واستمالته إلى اتّخاذ الموقف المطلوب ، والسلوك الذي يريده الخطيب أن يتحقّق منهم خارجاً .

فالتأثير متبادل بين الجمهور والخطيب ، فهو يؤثر فيهم بالإقناع لما يقول ، وهم يؤثرون في زيادة حماسه وتألقه .

ولضبط التعامل مع الجمهور يحتاج الخطيب إلى مجموعة اُخرى من العلوم والفنون ، إضافةً لما ذكرناه فيما سبق . منها على سبيل المثال :

1 ـ فن الإقناع

لا شك أنّ إقناع الآخرين برأي أو فكرةٍ أو معتقد لا يحدث اعتباطاً ، بل لذلك وسائل وأدوات ، بعضها فطريّة قد يحصل عليها بعض الناس هبةً من الله تعالى ، فيكون موهوباً وذا قدرة على إقناع الآخرين بهذه الموهبة الربّانية .


الصفحة (10)

وفي قبالة ذلك هناك طرق فنيّة ووسائل , إمّا لزيادة نسبة الإقناع ، أو لتعليم الفاقد لهذه الموهبة بعض الوسائل والأساليب .

وهناك كتب تتحدّث عن هذا الفن ، فأين معاهدنا من هذا الفن وتدريسه لطلبتها ؟ وهل يعرف القائمون عليها شيئاً عنه أم لا ؟

 2 ـ فن الإلقاء

لا أحسب أنّ نجاح شخص ما في عملية الإلقاء الخطابي أو اللفظي ، أو بتعبير آخر (توجيه الرسائل الإعلامية) , مسألة عادية متاحة لكل أحد إذا تركنا الموهبة جانباً ؛ فليس كلّ الخطباء يمتلك استعداداً وموهبة كبيرة في الإلقاء ، كما أنّ مَنْ يتصفون بهذه الموهبة يختلفون فيما بينهم نسبياً , فمنهم مَنْ يمتلك ناصية هذا الفن فطرياً إلى درجة عالية ، وهناك مَنْ هو دونه ، والمطلوب تطوير هذه المواهب فضلاً عن تعليم مَنْ لا يمتلك منها شيئاً .

ومعاهدنا لا تعير أيّ أهمية لهذا الفن ، بل ربّما يُفاجأ بعضهم بوجود كتب أو دراسات عن شيء كهذا .

3 ـ النفوذ

وبغية زيادة التأثير في السامع لا بدّ أن يكون الخطيب نافذاً ومهيمناً على المستمع ؛ ليتعمّق تأثيره فيه . وغير خافٍ أنّ للنفوذ آليات ، فما هي هذه الآليات ؟ وكيف يتسنّى للطالب تحصيلها ؟

4 ـ العلاقات العامة

وهي جزء من مباحث علم النفس الاجتماعي التي يجب التركيز عليها .

إنّ الخطيب عندما يذهب إلى بلدة ما ليمارس فيها الخطابة ، فلا شك أنّه سيمارس وظائف اُخرى إلى جانب الخطابة .

والسؤال : هل التفتت معاهد الخطابة إلى هذه الوظائف وأعدّت لها العدّة ؟

الخلاصة : أعود هنا لأختصر مكامن الخلل في المناهج الدراسية في معاهد ومدارس الخطابة واُوجزها بما يلي :

1 ـ أنّ المواد الدراسية ومفردات المنهج الدراسي في هذه المعاهد لا يتجاوز المألوف تدريسه في الحوزة ، وإذا ما تجاوزها بشيء فإنّه لا يتجاوز إلاّ ما هو قريب منها إلى الأذهان التقليدية ، كالتاريخ والسيرة ، وعلوم القرآن والعقائد والأخلاق .

ولا أقول : إنّ هذه المواد ليس فيها فائدة البتة ، بل أقول : إنّ الطلبة الجيّدين قادرون على تحصيلها خارج نطاق الدرس ، ما يجعل بالتالي مقاعد الدراسة في معاهدنا مقتصرة على ذوي المستويات العلمية والثقافية الهابطة .


الصفحة (11)

2 ـ أنّ هذه المناهج الدراسية أخذت بنظر اعتبارها النجاحات التي حققتها الأجيال السابقة ، ولم تلتفت إلى فارق عنصر الزمن والتقدّم العلمي والثقافي ، وتعقيدات وسائل الاتصال الحديثة وأساليبها المتنوعة .

3 ـ أنّ غالب هذه العلوم تلقينية يُحشى بها رأس الطالب دون أن تحرّك فكره ، أو تنمّي فيه روح الإبداع ، أو تولّد لديه القدرة على الابتكار والتفنن على المستوى العملي والنظري .

4 ـ وجود الخلل التنظيمي المتمثّل بجمع الطالب الذكي مع البليد ، والقديم مع الجديد ، وممارس الخطابة سنوات مع المبتدأ .

5 ـ عدم أخذها فن الخطابة منطلقاً وأساساً لوضع المناهج المطلوبة والمناسبة , من خلال ملاحظة الفراغ الموجود فيها وسدّه بالمناسب من المواد الدراسية .

6 ـ أنها لا تقوم في وضع مناهجها على دراسات ميدانية ؛ لمعرفة حاجة الخطيب الفعلية للمواد الدراسية التي يحتاج إليها فعلاً .

2 ـ الأساتذة

العائق الآخر الذي يتسبب في فشل معاهد الخطابة ، وعدم تحقق المرجو منها , من تخريج مجموعة من الخطباء الأكفاء الذين يسهمون في رفد المنبر الحسيني بالتنوع الثقافي ، والارتقاء به إلى مستوى أفضل ممّا هو عليه الآن من ناحيتي الشكل والمضمون ، أو توسعة تأثيره في الجمهور وإقبال الناس عليه ، أو غير ذلك من الأهداف التي وجد من أجلها المنبر الحسيني ، وسعى أهل البيت (عليه السّلام) لترسيخه وتأصيل دوره في حياة الأمّة ، إن هذا العائق هم الكادر التدريسي الذي يقوم بالتدريس في هذه المدارس والمعاهد ، وهؤلاء ثلاثة أصناف :

أ ‌ـ الصنف الأول : مجموعة من العلماء وأهل الفضل ، وهم على درجة عالية من العلم والفضل والفقاهة ، وربّما يكون لبعضهم باع طويل في التفسير أو الأخلاق أو غيرهما من أبواب العلم المختلفة .

ووجود أمثال هؤلاء العلماء ضمن الكادر التدريسي في هذه المعاهد والمدارس يكسبها سمعة طيبة ، ويرفع درجة ثقة الطلاب المنتمين إليها بها .

وهؤلاء بلا شك لهم خبرة جيده في كثير من المجالات العلمية والثقافية ، بحسب الحقول العلمية التي يتقنونها , ولكنّ المشكلة تكمن في أنّ هؤلاء الأجلاّء لا يعرفون ماذا يريد الخطيب ، وأي مادة يفضّل ، وإلى أي شيء يطمح ؟ وما هي طبيعة المعلومات التي يحتاج إليها ؟

لذا تتبعثر جهودهم الجبارة للأسف في كثير من الأحيان وتذهب إلى غير وجهتها , إمّا لعدم حاجة الطلبة لمثل هذه المواد والمعلومات التي يلقونها على مسامعهم ، أو لعجزهم عن فهم واستيعاب مراداتهم الشريفة .


الصفحة (12)

ب ـ الصنف الثاني : وهم مجموعة من الأساتذة الأكاديميين الماهرين في تخصّصاتهم ، لكن المشكلة التي يواجهونها هي نفس ما يواجهه العلماء ، كما أنّ عدداً منهم ليس بمستوى الطموح ، ويشهد بهذا العديد من الطلبة الذين حضروا دروسهم .

على أنّ وضع هذه المعاهد زمام التدريس فيها بيد الأكاديميين , لا يخلو من أخطار على المستوى القريب والبعيد . أهونها ظهور انطباع عجز طالب الحوزة عن التدريس ، وضعف مستواه العلمي ، وبالتالي تابعية هذه المعاهد للأكاديميات ، واضمحلال صفة الحوزة فيها .

ج ـ الصنف الثالث : طلبة العلوم الدينية من الخطباء وغيرهم .

يتصوّر البعض أنّ مشاهير الخطباء هم الأكثر قدرة على التدريس في معاهد الخطابة ، وغرّ هؤلاء الذين يحملون هذا التصوّر الشهرة التي حققها أولئك الخطباء , ولكن الواقع غير ذلك ، وتشهد التجارب السابقة أنّ هؤلاء الخطباء لم يوفّقوا في إنشاء مدرسة للخطابة تتميّز بمواصفات جيدة , لا من الناحية الإدارية والتنظيمية ، ولا من ناحية المناهج المعدّة لتدريس الطلاب ، بل حتّى من ناحية التدريس المحضة , فأغلب الأساتذة منهم يُختارون على أساس المجاملات ، وعلى أساس السمعة والشهرة , بعيداً عن الموضوعية في هذا المجال , وأغلبهم أيضاً لم يدرس فنون الخطابة وأساليبها ، ولا الإلقاء ولا الإقناع ، ولا يعرف شيئاً عن العلوم الإنسانية ، كعلم النفس وعلم الاجتماع أو غيرها ، ولا يعرفون شيئاً عن مناهج البحث .

وإن عرف بعضهم شيئاً من هذا القبيل , فإنّه لا يعيره أيّ أهمية ؛ للاعتقاد السائد والطابع الغالب أنّ الخطيب ليس إلاّ مجرد (صوت) ، إن قدر على الأداء الشعري الملحون بشكل يهيج المشاعر ، فقد أصبح خطيباً بنظرهم .

وهذا أسفاً هو سبب ضمور خطابتنا وتراجعها . والحديث في هذا السياق ذو شجون ، وقد خصّصت لهذا الموضوع دراسة سبق نشرها تحت عنوان (تطوير المنبر الحسيني مسؤولية مَنْ) يمكن مراجعتها لمَنْ شاء .

وأقول إجمالاً بصراحة : إنّ هؤلاء لا يختلفون عن طلبتهم إلاّ قليلاً ، وإذا كان هذا حال مشاهير الخطباء , فما ظنّك بغيرهم ممّن لا علاقة لهم بالخطابة من طلبة العلوم الدينية ؟

فالنجاح العملي شيء ، وتحويل التجربة العملية إلى نظرية شيء آخر ، فليس كلّ كهربائي حاذق يصلح لأن يكون أستاذاً في الجامعة التكنولوجية أو المعاهد الفنية .

وإن تصورنا إمكانية ذلك في الخطابة ، فما هو إلاّ لجهلنا لاُصول الخطابة وقواعدها ، أو لاستسهال القضية كما مرّ ؛ لاعتبار الخطيب مجرد ناعية يستدرّ الدموع فحسب .


الصفحة (13)

3 ـ إدارات المعاهد والقائمون على تأسيسها

تُعدّ إدارات هذه المعاهد والقائمون على تأسيسها أحد أبرز أسباب فشلها ، بل يقفون عائقاً في كثير من الأحيان في وجه تطويرها ، وتحسين أوضاعها الإدارية والفنية ، ومن عدّة جهات :

الجهة الأولى :

التسلط الصارم على فرض إرادتها ووجهة نظرها ، وغلق آذانها عن الاستماع للنصيحة ، أو الاستفادة من المشورة , سواء أكان ذلك على مستوى وضع المناهج واختيار المواد الدراسية ، أم على مستوى اختيار الأساتذة أو اختيار الإدارات ، أم على مستوى وضع القوانين والنظم الإدارية .

وتنبع هذه المشكلة من تصوّر البعض أنّه يفهم في كلّ شيء ويستغني عن كل أحد ، والنتيجة النهائية هي تعثّر هذه المعاهد وتخبّطها ، وغياب الثمرة العملية منها .

الجهة الثانية :

ينتخب القائمون على هذه المؤسسات لإدارتها أشخاصاً من غير ذوي الاختصاص ، وممّن لا خبرة لهم في الخطابة وشؤونها وإن كانوا خطباء بالأصل .

فهؤلاء المديرون في كلّ المعاهد ليسوا من حاملي هموم المنبر الحسيني ، ولا من ذوي التفكير في تطويره ، أو الارتقاء به نحو الأفضل ، ولا هم من أولئك الذين يحملون همّ توعية إخوانهم الخطباء وتوجيههم الوجهة السليمة ، فلم يُسمع عن أحدٍ منهم أنّه تحدّث عن شيءٍ من ذلك ، أو فكر في إنشاء معهد للخطابة ، أو كتب أسطراً قليلة في مجلة أو صحيفة عن هموم المنبر والخطباء ومشاكلهم ، وحاجة الخطابة للتطوير ، أو لتوعية رواد المنبر ، وبالتالي فإنّ عملهم تشوبه عدّة معرقلات :

 منها : قلّة الخبرة في مجال الخطابة وانعدامها أحياناً .

ومنها : قلّة المعرفة بالخطباء واتّجاهاتهم ، وعدم استقراء وجهات نظرهم وحدود طموحاتهم .

ومنها : وهو الطامة الكبرى عدم تحقق الدافع الحقيقي ؛ ليدفعهم للحرص على هذه المعاهد ورعايتها والاهتمام بها ، وتكريس الوقت والجهد في خدمتها ، ممّا يفرز بالتالي أنّ عمل هذه الإدارات لا يخرج عن الروتين ، ويخلو من روح الخلق والإبداع ، ومواجهة المشكلات التي تعترض طريقها والتفكير الجدّي في حلّها .

ولا ينقضي تعجّبي من هؤلاء القائمين على هذه المعاهد والمدارس ، كيف لا يعيرون هذه المسألة أيّ أهمية ؟! فهم كمَنْ يقوم بأخذ وليد من حجر أمّه ؛ ليضعه في يد اُخرى ؛ لتعنى بتربيته .

 الجهة الثالثة : الأنظمة والقوانين المتّبعة في هذه المعاهد


الصفحة (14)

وتقف الأنظمة والقوانين التي تضعها هذه المعاهد عائقاً من جهة ثالثة في وجه تحقيق النجاح لنفسها ، فهي تلفّ بقوانينها الحبال حول عنقها ؛ لتخنق نفسها بنفسها ثم تموت بعد فترةٍ وجيزة .

وإن استمرت فلا تستمر إلاّ وهي هزيلة خاوية من الطلبة الأكفاء النابهين ، الذين يمكن أن يُعتمد عليهم في تحقيق نجاحات ونقلات موضوعية للخطابة والمنبر الحسيني ؛ إذ تقتصر على بعض طالبي النجاح الورقي (شهادة) ، أو بعض غير العارفين بمصلحتهم الحقيقية ، دون تحقيق نجاحٍ فعلي ، كالقفزة النوعية في الأداء ، أو في التأثير ، أو تطوير مستوى الإبداع الفكري للطلبة المتخرّجين ، أو حتّى في زيادة المستوى الثقافي ، أو في نموّ الوعي الاجتماعي ، أو السياسي للخطيب .

ويمكن إجمال فشل هذه الأنظمة ضمن نقاط :

1 ـ مدّة الدراسة :

قد نتصوّر أنّ إطالة المدة الزمنية للدراسة أنفع للخطيب ، وأن هذه المدّة الطويلة ستؤتي أُكُلها ولو بعد حين ، والحقيقة أنّ تطويل المدّة الزمنية للدراسة ربّما يدخل في مجال التهويل الإعلامي ، فلا يراد من هذه المدة الزمنية الطويلة إلاّ الدعاية الإعلامية ، والإيحاء إلى الآخرين بعمق الدراسة وأهميتها ، الأمرالذي يدل عليه طول الوقت .

ويدخل في هذا الباب أيضاً (التهويلِ الإعلاميِّ) التسمياتُ والعناوين أيضاً .

إنّ العمل إذا كان أكبر من الشعار المطروح فذلك ليس بمعيب ، بل هو دليل على الجدّية والتواضع ، ويكسبنا بالتالي ثقة الناس بنا .

أمّا إذا كانت شعاراتنا أكبر من طاقتنا ومستوى أدائنا العلمي ، فإنّ ذلك سيتسبب في فقدان ثقة الناس بنا ، وبما نعلن من شعارات , فيجب ألا نكون كما يقول أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( وقد أرعدوا وأبرقوا ومع هذين الأمرين الفشل ))(1) .

وعلى كلّ حال ، مدّة أربع سنوات أو ثلاث ، بل اثنتين بالنسبة لطالب الحوزة مدّة طويلة , لا يستحقّها درس الخطابة أو التدرّب عليها .

وأقصى مدّة ممكنة هي سنتان لا أكثر ؛ وذلك لأنّ طالب الحوزة ليس لديه هذا الفائض من الوقت , لتضييعه في أمر هو قادر على الحصول عليه بلا جهد أو مشقة .

فهناك المئات من الخطباء لم يدخلوا معاهد أو مدارس خطابة ، ومع ذلك لم يعدموا الحصول على مكانٍ أو أكثر لممارسة الخطابة فيه ,

ــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة / خطبة 9 .

الصفحة (15)

خصوصاً إذا كان ذا موهبة ونسبة جيدة من الذكاء ، إضافة إلى مواصلة الاطّلاع والتحصيل الثقافي .

وإذا ما وجد الطالب أنّ دروس معاهد الخطابة تشغلهم عن تحصيلهم الحوزوي ، وهم قادرون أساسياً على ممارسة الخطابة دون ولوج هذه المعاهد ، فسيجد أنّ من العبث تضييع وقته وجهده .

ويمكن استطلاع آراء الطلبة الجيّدين ؛ للتأكد من صحة هذا الفرض .

2 ـ عدم وجود مناهج تسدّ حاجتهم الحقيقية ، كما ذكرناه عند بيان الخلل في المنهاج الدراسي , فلا نعيد .

3 ـ اقتصار هذه المعاهد على قبول شريحة معينة من الخطباء الهواة ، كطلبة العلوم الدينية ولمراحل خاصّة فقط ، أو اشتراط الشهادة الأكاديمية ، بالإضافة إلى تحصيل الحوزة . ما أدّى بالتالي إلى حرمان شريحة واسعة من الخطباء ، خصوصاً ممّن هم خارج الحوزة العلمية .

والمشكلة أنّ هؤلاء أولى بالرعاية والاهتمام ؛ لقلّة تحصيلهم العلمي ، فهم إلى التثقيف والتوعية والتطوير أحوج من غيرهم ، لاسيما إذا عرفنا أنّهم يفرضون وجودهم في الساحة شئنا أم أبينا .

4 ـ عدم تنظيم شهادات معترف بها حوزوياً ، والأهم من ذلك اجتماعياً .

فنحن بحاجةٍ أوّلاً إلى تثقيف إعلامي واسع للمجتمع ؛ للتعاطي مع الخطباء المتخرّجين من هذه المعاهد ، وبيان ميزتهم على غيرهم ، وإثبات ذلك بشكلٍ واقعي وملموس ؛ ليشعر المستمع العادي البسيط وصاحب الحسينيّة , أنّ هناك فرقاً بين الخطيب المتخرّج من المعهد وغيره .

وإلاّ فإن كان الطالب يتخرّج من هذه المعاهد ، ثم يجلس على قارعة الطريق يطلب مجلساً ، أو يقبّل لحية هذا وذاك من أجل الحصول على مكان لممارسة الخطابة ، فما هي منفعته من الدراسة في هذه المعاهد إذن ؟

5 ـ خلوّ هذه المعاهد من اختبارات حقيقية للطلبة ، فالطلاّب يُقبلون بشكل عشوائي وبشروط عامّة ، من غير اختبار للشخص المتقدّم ؛ كمستوى ذكائه ، أو حفظه ، أو سعة اطّلاعه أو غير ذلك .

فعندما يدخل الطالب الجيد والذكي إلى هذه المعاهد , ويرى أشخاصاً دون مستوى المسؤولية ، وغير أهل لارتقاء المنبر ، فإنّه سينصرف حتماً عن هذه المدارس ، وإذا كان في دروس الحوزة مجبراً على التحمّل على مضض ، فما الذي يجبره على قبول هذه المفارقة هنا ؟


الصفحة (16)

أسباب اُخرى

هناك أسباب اُخرى تضعف درجة النجاح التي تحققها هذه المعاهد والمدارس ، منها على سبيل المثال :

1 ـ ضعف الدعم المادي والمعنوي

يُعاني جلُّ الخطباء من عدد من العوامل الضاغطة عليهم نفسياً واقتصادياً واجتماعياً ، حيث تؤدّي هذه الضغوط إلى تحطيم شخصية الخطيب وانهيار نفسيته ، ولا يجد مَنْ يتكفّل بتحمّل مثل هذه الأعباء أو التخفيف من أثارها السلبية ، كما لا يجد مَنْ يدافع عن حقوقه إذا هُضمت أو تعرّض إلى ضيم من هذا أو ذاك ، فالكثير من الخطباء يسامون الخسف إن كنتم لا تدرون أيّها السادة ، ويضطر بعضهم لاسترضاء هذا وذاك وإن كان ذلك يخالف مبادئه وقيمه .

ويفترض في معاهد الخطابة بوصفها بعض الأطراف المطالبة , أن تقوم بتخفيف بعض هذه الأعباء والضغوط التي يُعاني منها الخطيب .

فالخطيب يدخل المعاهد والمدارس ويخرج منها دون أن يلقى أيّ دعم مادي أو معنوي ، لا في أثناء فترة الدراسة ؛ لتكون حافزاً له يشجّعه على الاستمرار والحضور ، ولا بعد التخرّج أيضاً .

كما لا تضمن له مكاناً يقوم بأداء وظيفته فيه ، فيخرج من هذه المعاهد ليعود إلى نفس الحال الذي كان عليه قبل دخولها . فليت شعري ما فائدة الحضور واستهلاك الجهد الذي بذله طوال سنين حضور الدرس ؟!

إنّنا يجب أن نتعامل مع الطالب على أساس أنّ علينا مسؤولية تجاه الدين وتجاه المجتمع ، بتخريج خطباء أكفاء يخدمون المذهب والأمة ، شأننا في ذلك شأن الدولة ، ومن الخطأ أن نتعامل مع هذه القضية من منطلق المؤسسات الأهلية .

إنّ الدولة عندما تجد نقصاً في الجوانب التعليمية أو التربوية أو الإدارية أو الصناعية ، وهي بحاجة إلى تطوير مجتمعاتها , فإنّها تُنشئ المدارس والمعاهد التربوية والتعليمة وغيرها , وتُنفق على طلاّبها وتتكفل بتوظيفهم بعد التخرّج منها ؛ كل ذلك لحماية المجتمع ورعاية مصالحه والاستفادة من طاقات أبنائه ، والمفروض علينا كجهات حوزوية أن نشعر بهذه المسؤولية تجاه المجتمع ، وتجاه الإسلام ومذهب آل البيت (عليهم السّلام) .

فالطالب الأكاديمي يتخرّج في حالات الظروف الطبيعية ؛ ليجد وظيفةً تنتظره يأكل من دخلها قوته بكلّ عزٍ وكرامة ، حتّى إذا شاخ وهرم قامت الدولة بمنحه راتباً تقاعدياً إلى أن يصل إلى باب القبر .


الصفحة (17)

أمّا المتخرّج من معاهد الخطابة فما يجني من نفع ؟ فلا ضمان مادي ولا ضمان لحصوله على مكان للتبليغ ، فيعود كما كان أولاً يسترضي هذا وذاك ؛ ليرضى به خطيباً ويسمح له بارتقاء منبره .

وأعود لأكرّر هذه النقطة فأقول : إنّ من الخطأ أن نتعامل مع هذه القضية من منطلق المؤسسات والشركات الأهلية ، بل إنّ علينا واجباً تجاه الإسلام والمجتمع بتخريج خطباء أكفاء يدافعون عن الإسلام والمذهب .

وإذا كان ذلك واجبنا ، فيجب علينا أن ننفق عليهم حتّى يتخرّجوا ، ونهيئ لهم فُرَصاً ليمارسوا دورهم ، وإن لم تتح الفرصة دفعت له مستحقاته وهو جالس في بيته .

وبهذه الطريقة سارت الحوزة العلمية المباركة ، وشقّت طريقها عبر آلاف السنين ، ولولاها لما قُدّر لها النجاح والاستمرار .

 2 ـ المصالح الشخصية

ومن الأسباب التي تؤدّي إلى عرقلة مسيرة معاهد ومدارس الخطابة الحسينيّة ، وبالتالي فشلها ، هي المصالح الشخصية ؛ لأنّ فكرة إنشاء المعاهد تتقاطع مع مصالح قطاعات واسعة من داخل الحوزة وخارجها .

ومردّ ذلك إلى عدم استيعاب هذه المعاهد لبعض الشرائح من الخطباء ، خصوصاً مَنْ هم خارج الحوزة ، حيث يشعرون بالنفور من هذه المعاهد ؛ لعدم فتح أبوابها بوجوههم ، وبالتالي يسعون إلى إفشالها اجتماعياً ، كما حصل لمدرسة الشيخ المظفر (رحمه الله) منتصف القرن الماضي ، بطرقٍ شتى لا حاجة للدخول في تفاصيلها .

ومن هؤلاء بعض الخطباء المشهورين والناجحين وغيرهم ممّن هم موجودون على الساحة ؛ لأنّهم يأنفون من الانضمام إلى صفوفها كطلبة ؛ لأنّهم يشعرون أنّهم فوق أن يكونوا تلاميذ فيها .

كما لا يتاح لهم أن يكونوا من سلك الأساتذة فيها من جهةٍ اُخرى ؛ لأسباب مرّ شيء منها عند ذكر الصنف الثالث من الكادر التدريسي فراجع .

ويخشون من جهةٍ ثالثة على مكاسبهم الاجتماعية والمادية والمعنوية التي حققوها ؛ لأنّهم في حال نجاح هذه المعاهد وظهور تأثيرها على الساحة ، سيكونون خطباء بلا شهادة ، أو غيرمتخرّجين من معهد خطابة بشكل عام .

فخوفاً من أن يأتي اليوم الذي يطالب به الخطيب بشهادةٍ ؛ كي يرتقي المنبر ، يحاول بعضهم لا كلّهم إفشال العملية برمتها ،


الصفحة (18)

من خلال تنفير الطلبة من الانضمام إليها ، أو إشاعة الدعايات ضدّها ، وضدّ منتسبيها من طلبة ومدرسين ، أو غير ذلك من وسائل التسقيط والإلغاء ، والحرب النفسية التي يتفنن فيها بعض من لا دين لهم .

ثانياً : عوامل النجاح

تحدّثنا فيما مضى عن أسباب الفشل ، ولنأتِ الآن لنتحدّث عن عوامل نجاح معاهد ومدارس الخطابة الحسينيّة ، أو السبل الكفيلة لإنجاح هذه المشاريع .

وغير خافٍ أنّنا إذا أخذنا عوامل الإخفاق التي مرّ ذكرها بعين الاعتبار ، ثمّ عملنا بأضدادها ، وقمنا كذلك بخطوات اُخرى ربّما تكون قد غابت عن ذهن هذا القاصر ، يمكن أن نرى بسببها يوماً ما معاهد متكاملة تتكفّل بتخريج دفعات من الخطباء والمبلّغين الأكفاء ، الذين نأمل أن تترك بصماتهم في الساحة الدينية والاجتماعية أسس النجاح والتطوّر ، وتفعيل دور المنبر الحسيني في حياة الأمّة أكثر فأكثر .

لقد ترك العديد من الخطباء بصماتهم واضحة في طريق مسيرة المنبر الحسيني عبر التاريخ ، ولكنهم كانوا قلةً .

ونحن الآن في هذه المرحلة الحرجة من حياة الأمة ، حيث تنتشر وسائل الانحراف والتحريف ، واختطاف الهوية الثقافية للشعوب والأمم ، بحاجة إلى خطباء من طراز متقدّم وبعدد أكبر ؛ ليؤدّوا دورهم ، ويسدّوا الفراغ الذي خلّفه غياب عمالقة الخطابة ، أو بعضهم عن الساحة الاجتماعية ، بالسرعة التي تتناسب والتطور التقني في وسائل الاتصال الحديثة ، والتفنن في أساليب إقناع الجمهور والتأثير فيه ، وتوصيل الرسائل الإعلامية إليه بمهارة فائقة .

فالمطلوب منّا إزاء هذا مضاعفة الجهود في اتّجاه إعداد كوادر كفوءة تقوم بإيصال قيم الإسلام ومفاهيمه إلى الناس ، وبنفس الأساليب والتقنيات التي تستخدم في عصرنا هذا .

إنّ مفتاح نجاح هذه المعاهد والمدارس بأيدينا يا سادتي الكرام ، إذا نظرنا إلى القضية بجدّية أكبر ، وأعطيناها اهتماماً أوسع في دائرة اهتماماتنا ، وإنّها الجديرة بذلك ، وتستحق بذل الجهد وإنفاق المال ؛ لما يؤديه المنبر والخطابة الحسينيّة من وظيفة في حياة أبناء الأمّة ، فإنّهما الحجر الأساس في بناء الثقافة الإسلاميّة التي نريد أن تسود في أوساط اُمّتنا .

ولا أحسب أنّ دور المنبر وأهميته خافٍ على القارئ الكريم .

ومن غير تطويل يمكن إجمال عوامل النجاح فيما يأتي :

أ ـ إنشاء مدرسة كبيرة للخطابة تستوعب جميع شرائح الخطباء من داخل الحوزة وخارجها ، فالخطباء غير الحوزويين كثر ولا زالت لهم سوق رائجة في المجتمع ، خصوصاً بعد أن ارتدى العديد منهم الزي الحوزوي ، حتّى بات المرء لا يعرف الحوزوي من غيره .


الصفحة (19)

وهؤلاء يجب أن ينالهم أحد أمرين ؛ إمّا منعهم بكلّ وسيلة ممكنة من ارتقاء المنبر ، وهو حلّ غير واقعي ويفرز العديد من الإشكالات ، أو دعوتهم لدخول معاهد لخطابة ومدارسها ، ووضع مناهج خاصّة بهم ، بحيث تُقرّر لهم دراسة سنتين أو ثلاث سنين تمهيدية ، قبل دخولهم إلى الدراسة في المعاهد الأساسية ، يدرسون في هذه السنوات التمهيدية الفقه والتجويد ، وتصحيح قراءتهم للقرآن ، وعلوم العربية وغير ذلك ؛ ممّا يسهم في تطوير قدراتهم وأدائهم الخطابي .

وينبغي ألاّ نعمّم هذه الخطوة ؛ لتصبح هذه المدارس التمهيدية مأوىً للعاطلين والطالبين للشهرة بأيّ ثمن ، بل يجب الاقتصار فيها على مَنْ تلبّس منهم بممارسة الخطابة فعلاً ، ويُختار المتقدّم اختياراً دقيقاً .

إنّ الخطباء ممّن هم خارج الحوزة أولى بالرعاية لسببين :

الأوّل : وجودهم الدائم بين أبناء المجتمع في القرى والأرياف وغيرها ، وتفرّغهم لممارسة الخطابة ، خلافاً لطالب الحوزة الذي يشغل وقته بالتحصيل العلمي ، ولا يتاح له الاختلاط بالمجتمع إلاّ في المناسبات وأيّام العطل الدينية .

الثاني : أنّ طلاب الحوزة قد أخذوا ولو قدراً يسيراً من العلوم في الحوزة ، بخلاف الخطيب من غيرهم ، وإن كان عدد لا بأس به منهم أفضل كثيراً من بعض الخطباء الحوزويين كما لمست ذلك شخصيّاً .

وينبغي أن تستوعب هذه المدرسة الممارسين للخطابة وغيرهم من طلاب الحوزة العلمية ؛ فهناك الكثير من طلبة الحوزة لا يعوقهم شيء عن ارتقاء المنبر إلاّ بعض القضايا البسيطة ، كالجرأة على مواجهة الجمهور وغيرها ، ممّا يمكن بالتدرب والممارسة تجاوزه بسهولة .

ويجب أيضاً أن تستوعب المستويات العلمية المتقدّمة ، والمبتدئين في دراسة الحوزة ، بحيث تنظّم هذه الشرائح إلى فئات ، وتوضع المناهج المناسبة لكلّ شريحة على حدة ؛ ليأخذ كلّ ذي حقّ حقّه ، ويخرج الجميع باستيعاب ما ينقصه ، وسدّ حاجته العلمية أو الفكرية أو الثقافية فيه .

ب ـ تأهيل كادر تدريسي كفوء يمتلك أفراده الحرص على نفع إخوانهم الطلبة ، يمتاز بالإخلاص والتفاني في خدمة الإسلام ، وسعة الأفق الفكري والذكاء والنباهة , فيُدخَلون دورات تأهيلية ؛ لتدريبهم على طرق التدريس الناجحة ، وإطلاعهم على فنون الخطابة الحديثة .


الصفحة (20)

وبتعبير أوضح يجب إعداد دورة سريعة خاصّة ؛ لتأهيل الأساتذة الذين يفضّل أن يكونوا من الخطباء ، ومن المتقدّمين في المستوى العلمي الحوزوي ، بالشكل الذي وصفنا أعلاه .

ج ـ وضع مناهج دراسية على أسس علمية ، بالشكل الذي وصفنا في فقرة الخلل في المناهج فلا نعيد .

د ـ دعم طلبة هذه المعاهد مادياً ومعنوياً ؛ لتشجيعهم على حضور دروسها ؛ لأنّ الحضور في دوام مسائي يشكّل عبئاً إضافياً على الطالب ، فما لم توفّر له حوافز لتشجيعه على الحضور ، فإنّه سيتوانى عن الانضمام لهذه المدارس والمعاهد .

وقد بينّا فيما سبق شكل الدعم المادي والمعنوي فراجع .

هـ ـ تقديم شهادات للمتخرّجين معترف بها حوزوياً ، وتشجيع أصحاب الحسينيات والمجالس على الاستفادة من الطلبة المتخرّجين من هذه المعاهد دون غيرهم .

وإذا ما سرى هذا التقليد سنتين أو أكثر غدا ظاهرة عامّة ، ممّا يشجّع الخطباء والهواة على الانضمام إلى صفوف طلبة هذه المعاهد .

وعلى كلّ سيكون الطالب المتخرّج من هذه المعاهد أفضل حالاً من غيره ، وإن كانت بشكلها الحالي ، فضلاً عمّا لو تحسّنت من ناحية المناهج والأساتذة والتنظيم وغيرها .

هذا كلّ ما يدور في خلدي الآن من تصوّرات لأسباب فشل معاهد ومدارس الخطابة وعوامل نجاحها .

أسأل الله أن أكون قد وُفّقت في رفد هذه المؤسسات ببعض الأفكار البسيطة التي آمل أن ينظر فيها مَنْ هم أهل ، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أُنيب .

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين

ــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 
الفهرس

 

طباعة الصفحةاعلى