أحياء عاشوراء وإحياؤها .. إحياء للإنسان

أحياء عاشوراء وإحياؤها

إحياء للإنسان(*)

حيدر موسى العديل

احمرّت جلودهم ظمأ ودماً .. قطّعتهم الرماح والسيوف .. بدّدت أجسادهم وقع حوافر الخيول .. عفّرت خدودهم الأتربة والرمال .. وطوى التاريخ صفحتهم سنين طوال ، لكنَّهم ظلوا أحياء ، ووهبوا للناس الحياة .

َمنْ هؤلاء غير شهداء عاشوراء .. أحياء عاشوراء .

إذاً هكذا هم الشهداء ، يُقتلون ليهبوا لنا الحياة ، فاستحقّوا أن يكونوا أحياءً عند ربهم يرزقون ، واستحقّوا أن يكونوا أحياءً عندنا أبداً ما بقينا وبقي الليل والنهار ، فكان إحياء عاشوراء إحياء لنا وحياة لهم ؛ جزاء ما قدَّموه .

ولا عجب أن تقتحم عاشوراء كلّ هذا الطود المتراكم من السنين ، وتعْبُر حدودها الضيّقة إلى رحاب عالمية فسحة ، تحمل مفاهيم فكرية معقَّدة ومتغيِّرة ومختلفة ؛ فهذا مرجعه إلى مجموعة السمات والخصائص التي امتازت بها عاشوراء والتي جعلت منها يوماً نادراً في تاريخ البشرية .

فالسمة الأولى : كون عاشوراء نهضة وثورة إصلاحيّة وليست انقلابيّة ، والثورة من أكثر حلول التغيير جذرية وسرعة وقوة في التأثير ، شبيهة بالنواة في صغر حجمها ، لكنّها عندما تنفجّر تصدر طاقة تفوق أضعاف حجمها ؛ لذا فإنّ الطاقة التي تصدرها الثورة تقتحم حدود زمانها ومكانها إلى زمان ومكان آخر وأفسح تؤثِّر عليهما ، وتغيِّر من مسار ومفاهيم شعوب ذلك الزمان وذلك المكان .

لذا كان على البعض أن يفهم أنّه لا يوجد تصدير ثورة ، وإنّما هي حالة طبيعة في الثورة بأن تمتد خارج إطارها ؛ فهي لا تعترف بحدود الزمان وحدود الجغرافيا التي رسمها الإنسان لنفسه ، بل هي لا تعترف أيضاً بالاتجاهات الفكرية والدينية المختلفة ، وغير المتناغمة معها .

فالثورة الحسينيّة أثّرت على الكثير من المسيحيِّين والهندوسيِّين أمثال : غاندي ، كما أنّ الثورة الخمينيّة في عصرنا الحديث ألقت بظلالها على الشيعة والسنّة على حدٍ سواء ، وكما هي أيضاً ثورة يوليو جمال عبد الناصر ، والثورة البلشفية الروسية ، والثورة الفرنسية التي غيّرت الكثير من اتجاهات البشرية الفكرية والسياسية ؛ لذا كان ينبغي على مَن يحاسب إيران بحجة تصدير الثورة أن يحاسب فرنسا أيضاً ؛ لأنّ ثورتها لم تلتزم حدودها الجغرافية , ولم تمر عبر النقاط الجمركية !

السمة الثانية : أنّ عاشوراء وإن كانت نهضة من أجل الدفاع عن قيم الدين وثوابته ، لكنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) كشف في خطابه العاشورائي بأنّ ما نحن مقدمين عليه إنّما هو نابع ومتناغم أيضاً مع صميم الفطرة الإنسانيّة الداعية إلى رفض كافة أنواع الاستبداد السياسي . فخاطب (عليه السّلام) الأعداء قائلاً : (( ... إن لم يكن لكم دين , وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم )) .

من هنا كانت عاشوراء ملهِمة ومؤثِّرة للكثير من الثوَّار والشعوب بمختلف توجُّهاتهم الفكرية ، حتى قال غاندي : لقد طالعتُ بدقة حياة الإمام الحسين ، شهيد الإسلام الكبير ، ودقَّقتُ النظر في صفحات كربلاء ، واتضّح لي أنّ الهند إذا أرادت إحراز النصر فلا بدّ لها من اقتفاء سيرة الحسين .

هذا التأثّر والاقتفاء الذي يدعو إليه غاندي ، الهندوسي التوجُّه والفكر ، بلا شك سببه أنّ نهضة الإمام الحسين (عليه السّلام) كانت ذات خطاب فكري عام تفهمه كلُّ البشرية .

السمة الثالثة : صحيح أنّ هناك العديد من الثورات التي قامت ومجدّتها شعوبها سنين طوال ، لكنّها لم تحظَ من الاهتمام والانتشار والتعاطف كما حظيت به ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) . وحتى من ناحية الاستمرارية ؛ إذ إنّ هناك العديد من الثورات التي خَفَتَ صوتها وضعف تأثيرها ، بل واندثرت نهائياً مع تراكم السنين كما هو حال الثورة الروسيّة . وهذا بلا شك مرجعه إلى مدى متانة وقوة الأهداف الاستراتيجية التي تستند عليها الثورة ، فكانت أهداف الثورة الحسينيّة ذات ارتباط وثيق بالإسلام ، الدين الخاتم المحفوظ من قبل الله تعالى ، وكانت الثورة الحسينيّة إحدى الأدوات التي حفظ الله بها دينه ، فكان حري أن تُحفظ أيضاً تلك الثورة كما حُفظ القرآن الكريم وبقي .

لذا يقول الكاتب الانجليزي تشارلز ديكنز : إنْ كان الإمام الحسين قد حارب من أجل أهداف دنيوية ، فإنَّني لا أدرك لماذا اصطحب معه النساء والصبية والأطفال ؟ إذاً فالعقل يحكم أنّه ضحّى فقط لأجل الإسلام .

السمة الرابعة : من المهم ملاحظة عنصر القادة في جميع الثورات ، الذين غالباً ما يذاع صيتهم فور نجاح ثوراتهم ، في حين كان الإمام الحسين (عليه السّلام) ذا شخصية عظيمة وعريقة ومعروفة نَسَباً وتُقى . وشخصيته هي التي أضافت للثورة بُعداً وقيمة لا يمكن أن تضيفها شخصية اُخرى غيره . والشهادة التي نالها إنّما كانت جمالاً إلى ذلك الجمال ؛ وهذا ما يفسّر بقاء وامتداد ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) على الرغم من أنّها هُزمت عسكرياً ، لكن مكانة وعظمة الإمام الحسين (عليه السّلام) , وإخلاصه للهدف وتخطيطه المتقن جعلها تنتصر فكرياً ؛ ليأتي من بعده الثوَّار ويقتبسوا من ذلك الفكر المتوقِّد ويحقِّقوا به نصرهم العسكري .

والحقيقة أنَّنا حين نحيي عاشوراء نحيي في أنفسنا مجموعة من القيم والمفاهيم التي أحياها هؤلاء الأحياء الشهداء ، والتي نادراً ما تتكرَّر في تاريخ البشرية ، في ملحمة بطولية ثورية نهضوية وتغييريّة مثل ملحمة كربلاء . فعاشوراء تكتنز في ثناياها تعاليم متناغمة بين السلوك العملي والخطابي ، وهي بذلك تُلهم المستمعين إليها وتغذّيهم من مواقفها وقصصها الزاخرة .

فعاشوراء تُحيي في الإنسان مفهوم الحياة الصحيحة الكريمة ، القائمة على الحرية ورفض الاستبداد ، وعدم الاستسلام والرضوخ للمستبّدين ، أي ليس المهم فيها أن تحيا بقدر ما أنّ المهم فيها كيف تحيا فيها حياة الأحرار حتّى وإن كانت قيمة الحرية الوحيدة هي التضحية بالدم . فعبّر عن ذلك الإمام الحسين (عليه السّلام) بقوله : (( إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً )) .

ومن هذا المفهوم الكربلائي بالتحديد انطلق وانتصر (روح الله) ، حتّى قال : (كل ما لدينا من عاشوراء) . ومن هذا المفهوم انطلق وانتصر (نصر الله) , في حين أنّ الذين غابت عنهم تعاليم عاشوراء رفعوا شعار : (بدنا نعيش) ، بغضّ النظر إن كانت عيشتهم تلك عيشة الأحرار ، أو ما هو على الأرجح عيشة الأذلاّء العبيد للحاكم وإسرائيل وأمريكا .

يقول موريس دوكابري : يقال في مجالس العزاء : إنّ الحسين ضحّى بنفسه لصيانة شرف وأعراض الناس ، ولحفظ حرمة الإسلام ، ولم يرضخ لتسلُّط ونزوات يزيد . إذاً تعالوا نتَّخذه لنا قدوة ؛ لنتخلَّص من نير الاستعمار ، وأن نفضّل الموت الكريم على الحياة الذليلة .

أيضاً إنّ عاشوراء الحسين (عليه السّلام) أحيت في الإنسان مفهوم إمكانية التغيير ، فقط بتوفر العزيمة والإرادة ؛ سواء التغيير الفردي الذي جسّده الأنصار مثلاً في انتقال بعضهم من معسكر الأعداء إلى معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، أو التغيير الجماعي ، تغيير الاُمّة ، ذلك الذي جسّده الإمام الحسين (عليه السّلام) منذ انطلاقه من المدينة ومكّة ناحية كربلاء .

في حين كان يخشى ذلك الناس والصحابة في تلك المرحلة ، ممَّا جعلهم مكبَّلين وغير متصوِّرين لإمكانية الإصلاح ، فاستطاع الإمام (عليه السّلام) بثورته تلك كسر عقدة الخوف لدى الناس من بطش الطغاة ، بالضبط كما أنّ (حزب الله) استطاع أن يكسر عقدة الخوف والهزيمة من إسرائيل .

عاشوراء تُحيي في الإنسان وترسِّخ فيه مفهوم المشاركة ، خصوصاً بين الرجل والمرأة ؛ لأننا لا يمكننا للحظة أن نتصوَّر كربلاء من غير الحسين (عليه السّلام) , كما أنَّنا لا يمكننا أن نتصوَّر كربلاء من غير الحوراء زينب (عليها السّلام) . وهذا المفهوم بالتحديد ممَّا ينبغي قراءته واستيعابه بشكل جدِّي ، خصوصاً أنّ الدور الذي لعبته المرأة في كربلاء خطير وعظيم , وهذا يعني إمكانية الاعتماد عليها لتكون قائدة ومؤثّرة في الميادين الإنسانيّة المختلفة .

وفي عاشوراء يبرز بقوة مفهوم الحوار المنطقي الهادئ غير المتحامل ؛ سواء كان حوار الإمام الحسين (عليه السّلام) مع أنصاره والتشاور معهم ، أو حوار الإمام الحسين (عليه السّلام) مع أعدائه ، الذي يعكس مدى سلمية تلك الثورة التي خاضها ، وجعل أبواب الحوار مشرعة ما لم يعمل على إجهاضها الآخر ، وهذا ما فعله الاُمويّون حينما بدؤوا الإمام الحسين (عليه السّلام) بالقتال .

أمّا عن عاشوراء الأخلاق والقيم والمبادئ الإنسانيّة فهي ممَّا يصعب حصرها ؛ إذ لا تخلو خطوة أو كلمة أو لحظة من لحظات ذلك اليوم إلاّ وكانت متوّجة ومحمَّلة بكم وافر من المواقف الأخلاقيّة التي تغذِّي روح الإنسان ؛ سواء داخل معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، أو من جهة تعامل الإمام الحسين (عليه السّلام) مع أعدائه . وبالمقابل الطريقة الخارجة عن إطار الإنسانيّة التي تعامل بها الاُمويّون مع الإمام الحسين وأهل بيته وأنصاره (عليهم السّلام) .

من هنا يحقّ لنا بفخر أن نستذكر عاشوراء دون الالتفات لِمَا يقوله السفهاء منّا ومن غيرنا ، كما هو حقّ لبقية شعوب الأرض أن تحيي وتستذكر وتقدِّس عظماءها وبالطريقة التي تراها ؛ لأنّ الاُمّة الواعية هي التي لا تتنازل عن تأريخها ، خصوصاً عندما يمسّ كرامتها وحريتها ، وعندما يرتبط الأمر بالدفاع عن فكرها الذي آمنت به عن وعي وإدراك ، فكيف وهي ترى أنّ عظيمها الإمام الحسين (عليه السّلام) لا يماثله في العظمة عظيم آخر .

يقول الهندي تاملاس توندون : هذه التضحيات الكبرى ـ من قبيل شهادة الإمام الحسين ـ رفعت مستوى الفكر البشري , وخليق بهذه الذكرى أن تبقى إلى الأبد ، وتُذكر على الدوام .

شهداء عاشوراء هاهم إلى اليوم أحياء ، نستذكرهم واحداً تلو الآخر في أيَّام إحياء عاشوراء ؛ لأنّ ذكراهم إحياءٌ للإنسان ، أيّ إنسان , ذلك الذي يترجم مفاهيم عاشوراء ويخرجها من إطارها التاريخي إلى واقعنا الحالي . وما تبيان مظلوميّة هؤلاء الأحياء الشهداء ، وشحذ العاطفة تجاههم ؛ الأمر الذي دعا إليه أئمة الهدى (عليهم السّلام) ، إلاّ لترسيخ مبادئهم الثورية ، وإحياء قيمهم ومفاهيمهم الفكريّة والدينيّة والأخلاقية في نفس كل إنسان .

ـــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 

 

طباعة الصفحةاعلى