في عاصمة الخلافة

 في عاصمة الخلافة(*)

 

ابتهاجاً بقتل ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وسبي ذرّيتِهِ , وحملِ رؤوسِ قَتْلاهم إلى دمشق عاصمة الخلافة ، فقد أمر (الخليفة) يزيد بتزيين العاصمةِ وتعليقِ الزِّينةِ , وتسييرِ مجاميع مِنَ الرّاقصاتِ في الشّوارعِ وهُنّ يرقُصْنَ على أنغامِ الطّبول والدّفوف(1) .
واجتاز موكبُ السّبايا والرّؤوسِ شوارعَ المدينة حتّى وصل إلى بلاط يزيد الذي كان مَزْهوّاً بقتله للحسين (عليه السّلام) ، وقد وضع على رأسه تاجاً مُكلّلاً بالدُّرِّ والياقوت , ودعا إليه (أشرافَ) أهلِ الشّام وأجلسَهُم حوله(2) .
ثمّ جيء برؤوس الشُّهداء يتقدّمها رأسُ الحسين (عليه السّلام) ، وكان بِيَدِ يزيد قضيبٌ , فجعل يضربُ به فَمَ الحسين (عليه السّلام) ، فقال رجلٌ من أصحابِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يُقال له : أبو بَرزة الأسلمي : أتنكتُ بقضيبكَ في ثغرِ الحسين ؟! أما لقد أخذَ قضيبُكَ مِن ثغرِهِ مَأخذاً لربما رأيتُ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) يرشفُهُ . أما إنّكَ يا يزيد تجيء يوم القيامة وابنُ زياد شفيعك ، ويجيء هذا يوم القيامة ومحمّد (صلّى الله عليه وآله) شفيعه(3) .
لقد قُتل عددٌ من آل اُميّة وهم مُشركون في واقعة بدر كما هو معلوم ، وظلّ الحقد يغلي في قلوب أفراد هذه الاُسرة حتّى وصل الأمر إلى يزيد الّذي ما أن وضع رأس الحسين (عليه السّلام) أمامه حتّى تمثّل بأبيات شاعر من مشركي قريش هو ابن الزّبعرى , يتحسّر فيه على قتلى المشركين ببدر , وهي:

لَـيْتَ أشـياخي بِبَدْرٍ iiشَهدوا      جَزعَ الخزرج مِن وقعِ الاسلْ
لأهـلّـوا واسـتَهَلّوا فـرحاً      ثـمّ قـالوا يـا يزيدُ لا 
iiتُشَلْ

قال عامر الشعبي : وأضاف يزيد على تلك الأبيات بيتين هما :

لـعبت  هـاشِمُ بـالمُلْكِ iiفَلا      خَـبرٌ  جـاءَ ولا وحيٌ iiنزلْ
لَـستُ مِن خندف إن لم 
iiأنتَقِمْ      مِـن بـني أحمدَ ما كانَ فعلْ(4)

وقد رافقَ وصول سبايا آل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى دمشق أيضاً حملة إعلاميّة مضلِّلة ، تقول: إنّ اُولئك السّبايا خوارج خرجوا على (الخليفة الشرعي) يزيد فقتلهم وجيء بنسائهم وأطفالهم . وأشاعوا ذلك بين الجماهير ، وأمروها بإظهار معالم الزِّينة والفرح .

وقد صدّق بعض الناس ذلك , حتّى إنّ بعض المؤرِّخين رووا الواقعة التالية : اُتيَ بحرمِ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) حتّى اُدخلوا مدينة دمشق من باب يُقالُ له : باب توماء ، ثمّ اُتي بهم حتّى وقفوا على درج باب المسجد حيث يُقام السّبي ، وإذا بشيخ قد أقبلَ حتّى دنا منهم وقال : الحمد لله الّذي قَتَلَكُم وأهلَكَكُم وأراح الرِّجالَ مِن سَطْوَتِكُم, وأمْكَنَ أميرَ المؤمنين منكم .

فقال له عليّ بن الحسين (عليه السّلام) : (( يا شيخ , هل قرأت القرآنَ ؟ )) .

فقال : نعم ، قد قرأتُهُ .

قال (عليه السّلام) : (( فعرفتَ هذه الآية : (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى) ؟ )) .

قال الشيخ : قد قرأتُ ذلك .

قال عليّ بن الحسين (عليه السّلام) : (( فنحنُ القُربى يا شيخ . قال : فهل قرأتَ في سورة بني إسرائيل : (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) ؟ )) .

قال الشيخ : قد قرأتُ ذلك .

فقال عليّ (عليه السّلام) : (( نحنُ القُربى يا شيخ . ولكن هل قرأتَ هذه الآية : (وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْ‏ءٍ فَأَنّ للّهِ‏ِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى‏) ؟ )) .

قال الشيخ : قد قرأتُ تلك .

قال عليّ (عليه السّلام) : (( فنحن ذو القُربى يا شيخ . ولكن هل قرأتَ هذه الآية : (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً) ؟ )) .

قال الشيخ : قد قرأتُ ذلك .

قال عليّ (عليه السّلام) : (( فنحنُ أهل البيت الذين خُصِّصنا بآية الطّهارة )) .

فبقي الشيخ ساعة ساكتاً , نادماً على ما تكلّمه , ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال : اللّهمّ إنِّي تائبٌ إليك ممّا تكلّمتُهُ ، ومِن بُغض هؤلاء القوم . اللّهمّ إنِّي أبرأُ إليكَ مِن عَدُوِّ محمّد وآل محمّد مِنَ الجِنِّ والإنس .

ولنعد إلى مجلس يزيد لنشاهد ما وقع فيه عندما اُوقف عليّ بن الحسين (عليه السّلام) مع السبايا بين يدي يزيد ، فقال له يزيد : أراد أبوك وجدّك أن يكونا أميرين ، فالحمد لله الّذي أذلّهما وسفك دماءهما .

فقال عليّ بن الحسين (عليه السّلام) : (( يابنَ معاوية وهند وصَخر ، لم يَزلْ آبائي وأجدادي فيهم الإمرة مِن قَبلِ أن تولدَ ، ولقد كان جدِّي عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) يوم بدر واُحُد والأحزاب في يدهِ راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأبوك وجدّك في أيديهما راياتُ الكفّار )) .

ثمّ جعل عليّ بن الحسين (عليه السّلام) يقول :

مـاذا  تـقولون إذ قالَ النبيُّ iiلكم      مـاذا فـعلتُم وأنـتُمْ آخِـرُ الاُممِ
بـعترتي  وبـأهلي بـعد 
iiمُنْقَلبي      مـنهم اُسارى ومنهم ضُرِّجوا iiبدمِ
ما كان هذا جزائي إذ نصحتُكُم لكم     أن تُخْلِفوني بسوءٍ في ذوي 
iiرحمي

ثمّ قال عليّ بن الحسين (عليه السّلام) : (( ويلك يا يزيد ! إنّك لو تدري ما صنعتَ وما الّذي ارتكبتَ من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذاً لهربتَ في الجبالِ , وفَرَشتَ الرّمادَ ، ودعوت بالويلِ والثُّبورِ . أن يكونَ رأسُ الحسين بن فاطمة وعليّ (عليهما السّلام) منصوباً على باب المدينة وهو وديعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيكم ! فأبشر بالخزي والندامة غداً إذا جُمِعَ الناسُ ليومٍ لا ريبَ فيه )) .
فالتفتَ حبر من أحبار اليهود , وكان حاضراً , فقال ليزيد : مَنْ هذا الغلامُ يا أمير المؤمنين ؟

فقال : هذا صاحبُ الرّأسِ هو أبوه .

قال : ومَنْ هوَ صاحبُ الرّأسِ يا أمير المؤمنين ؟

قال : الحسين بن عليّ بن أبي طالب .

قال : فمَنْ اُمّه ؟

قال : فاطمة بنت محمّد .

فقال الحبر : يا سبحانَ الله ! هذا ابنُ بنتِ نبيِّكم قتلتُموه في هذه السِّرعةِ ؟! بِئْسَ ما خلفتُموهُ في ذُرِّيّتِهِ ! واللهِ لو خلّف فينا موسى بن عمران سِبْطاً مِن صُلبِهِ لكنّا نعبدُهُ مِن دون الله ، وأنتم إنّما فارقكم نبيِّكم بالأمس فوثبتُم على ابن نبيِّكم فقتلتُموه ّ سوأةً لكم مِن اُمّة !

فأمرَ يزيد به فَوُجِئَ بحلقِهِ ثلاثاً ، فقام الحبر وهو يقول : إنْ شِئتُم فاقتلوني ، وإنْ شِئتُم فَذَروني ، إنِّي أجدُ في التوراة : مَن قَتَلَ ذرّيةَ نبي فلا يزال مغلوباً أبداً ما بقي ، فإذا ماتَ يُصليه اللهُ نارَ جَهنّم(5) .
وقد روى بعض المؤرِّخون خطبة للعقيلة زينب بنت عليّ (عليهما السّلام) خاطبت بها يزيد وهو في بلاطه , ينفِّسُ عن أحقاده برؤيته أبناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مكبّلين بالقيود والأصفاد , يلبسون الرّثّ من الثِّياب . وهي : الحمدُ لله ربّ العالمين وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين . صدق الله سبحانه حيث يقول :
(ثُمّ كَانَ عَاقِبَةَ الّذِينَ أَسَاءُوا السّوءى‏ أَن كَذّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)
.

أظننتَ يا يزيد أنّكَ أخَذتَ علينا أقطارَ الأرضِ وآفاقَ السّماء ، فأصبحنا نُساقُ كما تُساقُ الاُسارى ، أنّ بنا على اللهِ هَواناً وبك عليه كرامة , وأنّ ذلك لِعظمِ خَطَرِكَ عنده ؟ فشمختَ بأنفِكَ , ونظرتَ في عِطفِكَ , جَذلان مسروراً ، حين رأيتَ الدُّنيا لكَ مُسْتَوْسِقة , والاُمورُ مُتّسِقة ، وحين صفا لكَ ملكُنا وسُلطانُنا ! فمهلاً مهلاً ، أنسيتَ قولَ الله تعالى : (وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) .
أمِنَ العَدْلِ يابنَ الطُّلَقاءِ تَخديرُكَ حَرائِرَكَ وإماءَكَ ، وسوقُكَ بناتِ رسول الله سبايا ، قد هُتِكَتْ سُتُورُهُنّ ، واُبدِيَتْ وُجُوهُهُنّ ، تحدو بهنّ الأعداءُ مِن بلد إلى بلد ، ويَسْتَشْرِفُهُنّ أهلُ المناهلِ والمعاقلِ ، ويتصفّحُ وُجُوهَهُنّ القريبُ والبعيدُ ، والدّنِيُّ والشّريفُ ، ليسَ مَعَهُنّ مِن حُماتِهِنّ حميٌّ , ولا مِن رِجالهنّ وليٌّ ؟! وكيفَ يُرتجى مُراقبةُ مَنْ لفظ فوهُ أكبادَ الأزكياء ، ونبتَ لحمُهُ مِن دماءِ الشُّهداء ؟! وكيفَ يُستبطَأُ في بُغْضِنا أهلَ البيتِ مَن نظرَ إلينا بالشَّنَفِ والشَّنَآنِ، والإحنِ والأضغانِ ؟!

ثمّ تقول غيرَ مُتأثِّم ولا مُسْتَعْظِم :

لأهلّوا واستهلّوا iiفَرَحاً      ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشَلْ

مُنحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيِّدِ شبابِ أهلِ الجنّةِ تَنكُتُها بِمِخْصَرَتِكَ ! وكيفَ لا تقول ذلك وقد نكأتَ القُرحةَ , واسْتأصَلْتَ الشأفَةَ بإراقَتِكَ دماءَ ذرّية محمّد (صلّى الله عليه وآله) , ونجومِ الأرضِ مِن آلِ عبد المطلب ! وتهتفُ بأشياخِكَ زَعمتَ أنّكَ تُناديهم ! فَلَتَرِدَنَّ وَشيكاً مَوْرِدَهُم , وَلَتَوُدَّنَّ أنّكَ شُلِلْتَ وَبَكُمْتَ ولم تَكُنْ قُلتَ ما قُلْتَ ، وفَعَلْتَ ما فَعَلْت .
اللّهمَّ خُذْ لنا بِحَقِّنا ، وانتَقِمْ مِمَّن ظَلَمَنا ، واحلُلْ غَضَبَكَ بِمَنْ سَفَكَ دِماءَنا وقَتَلَ حُماتَنا .
فوَالله ما فريتَ إلاّ جِلْدَك ، ولا حَزَزْتَ إلاّ لَحْمَكَ ، ولَتَرِدَنَّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما تحمّلتَ مِن سفكِ دماءِ ذرِّيّته , وانتهكتَ مِن حُرمَتِهِ في عترتِهِ ولُحْمَتِهِ ؛ حيث يجمعُ الله شملَهُم ، ويلمُّ شَعثَهُم ، ويأخذُ بحقِّهم , (وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
) .
وحسبُكَ باللهِ حاكماً ، وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله) خصيماً ، وبجبرئيلَ ظهيراً . وسيعلمُ مَنْ سَوَّلَ لَكَ ومَكَّنَكَ مِن رقابِ المسلمين بئسَ للظالمين بدلاً ، وأيّكم شرٌّ مكاناً وأضعفُ جنداً !
ولئن جرَّتْ عَلَيَّ الدّواهي مُخاطَبَتَكَ ، إنِّي لاستصغِرُ قَدْرَكَ , وأستَعْظِمُ تَقْريعَكَ ، وأستكْثِرُ توبيخَكَ ، لكنِ العيونُ عَبْرى ، والصّدورُ حَرّى .
ألا فالعجب كلّ العجبِ لِقَتلِ حزبِ اللهِ النُّجَباءِ بحزبِ الشّيطانِ الطُّلَقاء ! فهذه الأيدي تنطفُ مِن دمائِنا ، والأفواهُ تتحلّبُ مِن لُحومِنا ، وتلكَ الجثثُ الطّواهِرُ الزّواكي تنتابها العواسِلُ ، وتُعفرها اُمّهاتُ الفراعِلُ . ولئن اتّخذتنا مَغنماً لَتَجِدَنّا وشيكاً مغرماً ، حين لا تَجِدُ إلاّ ما قدّمَتْ يَداكَ , وما ربُّك بظلاّم للعَبيد ، وإلى اللهِ المُشتكى وعليهِ المُعَوّل .
فكِدْ كَيدَكَ ، واسْعَ سَعْيَكَ ، وناصِبْ جُهْدَكَ ، فوَالله لا تمحو ذِكْرَنا ، ولا تُميتُ وحيَنا ، ولا يَرحَضُ عنكَ عارُها ، وهل رأيُكَ إلاّ فَنَدٌ ، وأيّامُك إلاّ عَدَدٌ ، وجمعك إلاّ بَدَدٌ ، يومَ يُنادي المنادي ألا لَعنةُ اللهِ على الظّالمين .
والحمدُ للهِِ رَبِّ العالمين الّذي خَتَمَ لأوّلِنا بالسّعادةِ والمغفرةِ ، ولآخرِنا بالشّهادةِ والرّحمة ، ونسألُ الله أن يُكمِلَ لهم الثّوابَ ، ويوجِبَ لهم المزيدَ ، ويُحسِنُ علينا الخلافةَ ، إنّهُ رحيمٌ وَدودٌ ، وحسبنا الله ونِعْمَ الوكيل .
لقد روى بعض المؤرِّخين بدوافع مختلفة , منها الطّمع بما في أيدي حكّام الجور ، أو الخوف من ذكر الحقائق ، رووا روايات حاولوا بها تسويغ ما فعله يزيد من قتله ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحسين بن عليّ وأهل بيته وأصحابه النّجباء (عليهم السّلام) ، وزعموا أنّ يزيد قد لعنَ عُبيدَ الله بن زياد ، وأنّه كان يرضى منه بأقلّ مِن قتل الحسين (عليه السّلام) ، وما إلى ذلكَ مِن كلام سخيف يكذِّبه ما صدرَ مِن يزيد بعد قتل الحسين (عليه السّلام) .
فإذا كان يزيد متألِّماً لقتلِ الحسين (عليه السّلام) فلماذا إذاً أرسلَ رسالةً إلى عُبيد الله يأمرهُ بحملِ نساءِ الحسين (عليه السّلام) وصبيته إلى بلاد الشّام مكبّلين بالقيود ؟ ولماذا أقام الاحتفالات وملأ شوارع دمشق بالرّاقصات العازِفات على الدّفوف والصّنوج ؟ ولماذا وضعَ رأسَ الحسين (عليه السّلام) أمامه في طست وجعلَ يضربُ فَمَهُ الشّريفَ بقضيب كان في يده ؟ ولماذا تمثّل بأبيات عبد الله بن الزّبعرى ، وأظهر تشفِّيه من رسول الله محمّد (صلّى الله عليه وآله) في قتله لذرِّيّته الطّاهرة ؟
وعلى أيّةِ حال فقد استقرّ السجّاد (عليه السّلام) ومَنْ صاحَبَهُ مِن بقايا الفاجعة فترة في الشّام ، ثمّ سلكوا طريق العودة إلى المدينة ، واتّخذت رؤوس الشُّهداء طريقَها إلى كربلاء لِترقُدَ إلى جِوار الأجساد .
دخلَ السجّاد (عليه السّلام) المدينةَ وقد سبقه نبأ الفاجعةِ ، فَضَجّتِ المدينة بأهلِها ، واتّشحت بوشاحِ الحزن والغضبِ , وهي تسمع صوت الناعي (بِشْرِ بنِ حَذْلَم) يُردِّد :

يا أهلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لكم بها      قُتِلَ  الحُسينُ فأدمعي iمِدْرارُ
الجِسمُ  منهُ بكربلاءَ 
iiمُضَرَّجٌ      والرأسُ منهُ على القَناةِ iiيُدارُ

وهكذا عاشت المدينة الحُزنَ والغضبَ حتّى أعلنت ثورتَها ورفضها للحكم الاُموي بقيادة عبد الله بن حنظلة ، ودفعت الثمنَ باهِظاً بحبِّ الحسين والولاءِ لأهلِ البيت (عليهم السّلام) .

ـــــــــــــــــــــ
(*) تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقال قد اُخذ من موقع شبكة ومنديات المالكية , وهو مُقتبس من كتاب ثورة الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , للسيد لطيف القزويني , مع مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
1 ـ مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للخوارزمي 2 / 60 ـ 61 .
2 ـ المصدر نفسه ، وتاريخ الطبري 4 / 352 ، والفتوح ـ لابن أعثم الكوفي 3 / 152 .
3 ـ تاريخ الطبري 4 / 256 ، والكامل ـ لابن الأثير 4 / 85 ، ومقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للخوارزمي 2 / 58 ، وتاريخ ابن كثير 8 / 192 .
4 ـ مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للخوارزمي 2 / 58 ، وتاريخ ابن كثير 8 / 192 ، والفتوح 3 / 150 .
5 ـ الفتوح 3 / 153 ـ 154 ، ومقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للخوارزمي 2 / 71 .
 

 

طباعة الصفحةاعلى