قداسة كربلاء وتربتها

 
 

قداسة كربلاء وتربتها(*)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين , والصلاة والسّلام على نبينا محمّد وآله الطيبين الطاهرين , واللّعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين

البحث الأول : لمّا عرفت كربلاء سجدت على ترابها , واتّخذت سبحتي منه

أيّها الأطايب الكرام , كتبت مقالات سابقة كانت عناوينها : هكذا عرفت الإمام الحسين (عليه السّلام) , ولمّا عرفت الحسين انتسبت إليه , وهكذا عرفت كربلاء .

وحان الآن بيان واجبي تجاه تراب كربلاء التي ثوى فيها جدث الحسين (عليه السّلام) , فصار مرقده الطاهر فيها نوراً يشرق بالإيمان في قلوب المخلصين لله بدين النبي محمّد وآله الكرام (صلّى الله عليهم وآله) , وصار تراب كربلاء المتناقل بأيدي المؤمنين والأحرار الطيبين سبحة وتربة , مُلهم الهدى الحقّ لدين الله الصافي , ولتعاليمه الحقّة التي يُطاع بها سبحانه , من غير ضلال ولا شرك ولا نفاق .

وإنّكم عرفتم في ما ذكرت سابقاً أني اتّخذت منهج أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ديناً وعقيدة , وتعاليمه هدىً أتعبّد بها لله , وأطلب به ثوابه ورضاه , ثمّ إنّي أخلصت له الودّ والمحبّة كما أمر الله في آية المودّة , وأطعته في كلّ شيء عرّفه لنا بسيرته وسلوكه وعلمه وعمله ؛ لآية (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) , فاتّخذته إماماً لآية (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) , فكان لي قدوة واُسوة كجدّه رسول الله , وأبيه وأخيه , وأبنائه المعصومين (صلوات الله عليهم جميعاً) إلى يوم الدين ؛ فإنّ الله تعالى قال : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) ,


الصفحة (2) 

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( حسين منّي وأنا من حسين )) .

فطلبت ما يذكّرني برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسنّته , وسيرته وسلوكه , بتطبيق علمي وعملي , حقّاً غير مختلف به ولا فيه , وكلّ مَنْ خالفه يُعرف ضلاله وكذبه فيما يدّعيه , وواضحاً مستبيناً لكلّ ذي بصيرة بأقل تدبر في تأريخ الدين وسنة رسول ربّ العالمين وأقواله ؛ فوجدته بغيتي متجسّدة , بل بكلّ روح اليقين من النور الذي يشرق من نهج الحسين (عليه السّلام) وهداه وتعاليمه , حتّى كان الحسين (عليه السّلام) ـ بحقّ ـ كما ذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منه في كلّ شيء , حتّى في سلوكه وسيرته , بل كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الحسين (عليه السّلام) كما قال (صلّى الله عليه وآله) : (( وأنا من حسين )) , أي هو استمرار لدينه وهداه بكلّ معارفه , ومعلّم له بأوضح سبيل يعرفه كلّ حرّ وطيّب عرف ثورة الحسين (عليه السّلام) وتضحيته وإيثاره بأقل تدبّر .

ثمّ لمّا كنت أحبّ ذكر الله كثيراً وبإخلاص , وأرجو ثواب الله في اليوم الآخر كما علّمتنا الآية أعلاه , وحثّتنا لهدى الدين , اتّخذت خرز مسبحتي من طين تراب الحسين (عليه السّلام) في كربلاء ؛ لأذكر الله كثيراً عند تدويرها , بل سجدت عليه حمداً لله وشكراً في صلاتي , وأستعين بالله لأن يعرّفني هداه كما علمه الحسين الذي يحكي دين جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وبكلّ شيء من علمه وعمله , بل في كلّ آثاره التي خالطت تراب مثواه في كربلاء , وبهذا عرفت حرمة تراب كربلاء ؛ فسجدت على ترابها , واتّخذت سبحتي منه .

فيا إخوتي , ها أنا ذا أرجو أن أكون بحقّ قد تمسّكت بهدى الحسين (عليه السّلام) ؛ فإنّه بحقّ مَنْ عرف الحسين حقّ معرفته يعرف أنّه أسرع سبيل لمعارف الدين , وصراط مستقيم يوصل لهدى الله عند الآل أجمعين , أقصد رسول الله وآله الكرام الطاهرين , بأمر الله تكويناً وتشريعاً ؛ وذلك لِما فيه من خصوصية البيان الواضح لهدى الله , حتّى لا يمكن أن يشكل عليه بقيل ولا قال ؛ فإنّ الحسين (عليه السّلام) شهيد الحقّ , وخالط دمه تراب كربلاء من أجل طلب الإصلاح في اُمّة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وأبيه الإمام والولي والوصي علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) .

وذلك بعد أن استفحل الظلم والضلال , وشاع الفسق والفجور , وتجاهروا به حتّى عرفه الداني والقاصي , ولم يعُد مجال للسكوت عن الحقّ , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ارتكبه حكّام الجور الطغاة الظلمة , المتسلّطون على رقاب المسلمين وأتباعهم , فلم يكفِ الإنذار والبيان , ولا توضيح الهدى بخُطَب الكلام , بل لا بد لأن يشهر سيفه فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر , ويدعو لاستخدامه حتّى يُقام الإصلاح , فأقدم ـ روحي له الفداء ـ مع خذلان الصديق وقلّة الناصر , كما عبّر عنه في موقفه حين قدومه لكربلاء , بل قبله , ولكن حين قدم سقى هداه كربلاء .

فتصدّى لواجبه (عليه السّلام) ولو مع قلّة الناصر , وبما يرضي الله ويحبّ سبحانه ؛ ليقيم الإصلاح في اُمّة جدّه الكريم نبي الرحمة , وشيعة أبيه أمير المؤمنين الوصي الحقّ , فكان مخلصاً في إقدامه حتّى نال الشهادة بكلّ فخر وعزّ , رافضاً لأي خضوع للظلم والذلّ ؛


 الصفحة (3) 

ولهذا اتّضح لكلّ منصف وحرّ أبيّ أنّه مَنْ خالف الحسين (عليه السّلام) في هداه ومنهجه من أجل الدين فقد انحرف عنه في أيّ زمان كان , وأيّ مكان وجد .

وقد ضلّ عن الهدى , وطغى على الحقّ مَنْ تبع أعداء الحسين , وهكذا مَنْ خالف آله ؛ لأنّه منهم وهم منه , وكلّهم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في هداه وولايته المكتسبة بفضل الله سبحانه الذي يختار لتعريف دينه خير عباده , وأطيبهم وأطهرهم , فيجعلهم أئمّةً وولاة أمر ؛ لتدبير عباده وهدايتهم لحقائق معارفه , ويجعل بيدهم نور الصراط المستقيم والدين القويم , فكانوا هم المنعم عليهم ؛ فإنّهم آل محمّد (عليهم السّلام) .

ولكن للخصوصية التي ذكرتها خصّصت مقالي هذا لبيان معرفتي بالحسين (عليه السّلام) وبعض آثاره , وما أنار به العقول بسلوكه ومنهجه , وكيف دخل القلوب بفدائه وتضحيته , فتتبّعت آثاره التي تذكّرني بإقدامه وإيثاره , ومواقفه المعرّفة لحقّه بعلم وإيمان وعمل , والتي تمنح المجد والكرامة لمَنْ يتبعها بروحه وعقله وقلبه , وتسلك به الصراط المستقيم لمعرفة الحقّ من دين الله وهداه , وتطبيقه بكلّ يقين وإخلاص .

فلم أجد بعد عالم المعنى والعلم والهدى وتطبيقه ؛ لكي أطلب به الإصلاح والعدل , والإحسان ورضا ربّنا الرحمان , بل عبوديته بإخلاص , شيئاً يذكّرني بهدى الصراط المستقيم في كلّ لحظة وآن حين الذكر , وفي أوقات الفراغ , أو في الأماكن المقدّسة والمجالس , بل حتّى أثناء الصلاة فضلاً عن الجلوس مع الأحبّة , وفي النوادي والمقاهي والأسواق , إلاّ أن أسجد لله حمداً وشكراً على تربة شهدت كلّ الإخلاص لله والطاعة له حتّى الشهادة , وصُبغت بالإيثار والتضحية , وبكلّ شيء يبذل من أجله سبحانه .

فوجدت بحقّ أنّه يجب عليّ أن أسجد على تربة ثوى فيها أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) , وأن أتّخذ خرز مسبحتي التي أديرها حين ذكر الله على كلّ حال من ذلك التراب الطاهر ؛ فلهذا كان وما زال يرافقني في كلّ زمان ومكان شيء من تراب كربلاء , تربة وسبحة .
نعم يا إخوتي , سجدت على تراب كربلاء , فتعبّدت به لله في كلّ أوراد صلاتي وذكري ؛ فإنّي حين اُكبّر الله وأحمده واُسبّحه أرى واجبي أن أتّخذ مسبحتي من ذلك التراب الطاهر الذي قدّسه الإمام أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) حين ثوى فيه , فصارت كلّ ذرة فيه تطالب بالإصلاح والعدل والإحسان , وتذكّر كلّ مؤمن بحقيقة هدى الرحمان حتّى الشهادة في سبيل إعلاء كلمة الهدى .

وكلّ طيّب يريد أن يقتدي بمنهج أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) وتعاليمه , وتضحيته وإيثاره ؛ فيعرف برؤيتها الحقّ والهدى الإلهي , فيسعى لتطبيق معارف الله سبحانه الحقّة , وهداه الصادق حين يتذكّر معارف ومنهج أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) , فيكون ـ بحقّ ـ هذا السجود على تربة كربلاء والتسبيح بها تبليغاً لدين الله الواقعي بالموعظة الحسنة , وبالدليل العملي فضلاً عن البرهان العلمي .


الصفحة (4) 

نعم يا إخوتي , وجدت تراب كربلاء حين حلّ فيه منهج الحسين (عليه السّلام) ودمه وهداه في موقفه المشرّف الأبيّ في ذلك اليوم المشهود , عينَ الإخلاص لله , والصدق في طاعته , ورأيته بكلّ ذرّة وجزء وتركيب منه مذكّر بهدى الله سبحانه , وبتعاليمه الواقعية وصراطه المستقيم , فهذه كانت عندي حقيقة تراب كربلاء ؛ ولهذا تحققت وتيقّنت أنّه صار من واجبي أن أسجد عليه في صلاتي , وأُديره بيدي حين أذكر الله وحده لا شريك له في تعقيب الصلاة أو في وقت فراغي ؛ لأنّه يرفض الظلم والعدوان والطغيان , والفجور والفسوق , فضلاً عن الشرك والكفر والنفاق .

بل لكي أتذكر الحقّ والعدل والإحسان , وضرورة الإخلاص في طاعة الرحمان في كلّ الأحوال والظروف مهما كان الأمر ؛ لذا قرّرت بكلّ همّة ويقين علماً وعملاً أن ترافقني تربة كربلاء في حلّي وترحالي أبداً ما حييت , حتّى كاد أن يكون ذلك عندي ضرورة من ضرورات الدين من غير بدعة وتشريع , بل من أجل أن أعرف الله بإخلاص , وأعرف هداه وأذكره بحقّ كما يحبّ ويرضى أن يُطاع ويُعبد .

بل يا إخوتي الكرام , ساُوصي أحبّتي أن يضعوا في مساجدي السبعة ؛ جبهتي وكفَّي , وركبتَي وإبهامَي , بل وعلى مسامعي وعيني , وفي كفني ومثواي حين مماتي شيئاً من تربة كربلاء ؛ لعل الله يقبلني فيحشرني مع الحسين (عليه السّلام) وآله الكرام في الدنيا والآخرة . وأسال الله أن يحاسبني بنيتي هذه , ويُثيبني عليها بأحسن ثواب أعدّه لعباده الصالحين الذين رضي بإيمانهم وعملهم , وجعلهم شهداء وصدّيقين , وأن أكون مع الصادقين ؛ نبيّنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين .

نعم يا إخوتي الكرام , هذا إيماني واعتقادي بترابٍ ثوى فيه الحسين (عليه السّلام) ؛ فإنّي جعلت هدف السجود على تراب كربلاء هو الوصول لمعرفة الحقّ وأهله , والعدل والصلاح وتطبيقه , فضلاً عن المطالبة به ؛ فإنّه قد صار في كلّ ذرّة من ذلك التراب الطاهر في كربلاء تعليم واضح للتضحية , وبيان للإيثار والفداء من أجل الهدى والصلاح , والعدل والإحسان مطالبة وتطبيقاً ؛ لأنّه ثوى فيه رمز الحرية والإباء , والمقدّم كلّ وجوده وأهله وماله في سبيل إعلاء كلمة الله سبحانه .

بل صار حمل تربة كربلاء , تربة وسبحة , عين وحقيقة ذكر الله الحقّ بإخلاص , والسجود عليها غاية خضوع الإنسان للحقّ تعالى ؛ فلهذا تيقّنت أنّه تلخّص في تربة كربلاء كلّ معاني تطبيق الإصلاح والعدل والإحسان , من غير هوادة ولا توانٍ ولا مداهنة , بل لا لهو فيه ولا غفلة عنه ولا نسيان له .

وقد جاء في الأثر أنّها تسبّح لله من غير ذكر ؛ لأنّها معجونة بالإخلاص لله , بل الذاكر حين يديرها بيده أو يسجد عليها وهو ملتفت لمعنى علمه وعمله بالصورة والمعنى الذي ذكرت , يكون بحقّ خالصاً مجدّاً مجتهداً في رضا الله سبحانه , فيخرق دعاؤه وذكره وتسبيحه وشكره الحجب السبع , بل ينير كلّ ظلام حوله , فضلاً عن إفنائه عمى القلب فيجعله عين الإيمان , وفي العقل حقيقة البرهان لمحلّ معارف هدى الرحمان .


الصفحة (5) 

نعم يا إخوتي , إنّي أفهم في تراب كربلاء وتراكيب ذراته , وفي كلّ جزء من أجزائه , تعاليم ترفض الظلم والعدوان , ومعارف تنفّر من الجور والطغيان , وتبعد عن وساوس الشيطان , وهوى النفس الأمارة بالسوء وشهواتها الباطلة , وكلّ فكر سيِّئ يحاول أن يمليه كافر أو منافق , أو فاجر أو فاسق , وكلّ ضلال وباطل مما عليه الطغاة وأهل الجور من بني الإنسان ؛ ممّن تسمى بسلطان , أو خليفة , أو أمير مؤمنين , أو رئيس جمهورية , أو ملك , أو وزير , أو واعظ له أو تابع , وهو مخالف في سلوكه وتصرّفه لمنهج الحسين (عليه السّلام) وهداه .

ولذا صار يا إخوتي الكرام , تراب مثوى الحسين (عليه السّلام) في كربلاء ـ ليس لي وحدي ـ هدى للدين الحقّ , ومنهجاً ومذكّراً بالفداء والتضحية من أجل العدل , وكلّ تعاليم الله القيّمة وصراطه المستقيم , والذي يختصّ بالمنعم عليهم بحقّ , ومن سلك سبيلهم ؛ فإنّه يا أحبّتي , وأنتم أعلم بحقيقة ما أذكر وأقول ومعناه ، إنّ حمل تراب كربلاء كسبحة أو السجود عليه في الصلاة صار علامة للمتّقين , ومُعرّف لحقيقة الهدى للصالحين , ومعين عذب ينهل منه تعاليمه حقائق الدين ؛ فإنّ تراب كربلاء ـ كذكر الحسين وكربلاء ـ صار شعاراً للطيبين , فسجدوا عليه في صلاتهم ؛ يرجون به القرب من ربّ العالمين , وذكراً مضاعفاً لله في تسبيحهم فطهّرهم من كلّ ما يبعد عن الله , بل ما داموا حاملين له في فكرهم وعقلهم وقلوبهم فهم في ذكر الله وطلب القرب منه .

فلذا حقّ لهم أن يتّخذوا سبحتهم منه , فيقولوا : الله أكبر ؛ لتكبير ربّ العالمين من النقص , أو أن يُقاس به شيء في الذات والصفات فيحاط به علماً , ولا في الخلق والفعل والهدى التكويني والتشريعي ؛ فإنّه سبحانه ليس له شريك في الخلق , ولا في الهدى ندّ ؛ فإنّه تعالى أكبر من أن يخلق الإنسان ويتركه من غير إمام هادٍ بعد ختم النبوّة , ومن غير مُعرّف حقٍّ لمحل الهدى وأهله ؛ فإنّه عرفنا بالعلم والعمل وبآثار الطيبين الطاهرين كلّ وضوح لمنهجه ونور هداه , والذي يسعد ويتنعّم به الإنسان , خليفته في الأرض والجنّة إن أطاعه , وإلاّ يهوي في نار الجحيم إن عصى .

ولهذا أصبح تراب مثوى الحسين (عليه السّلام) في كربلاء أنور من الشمس في إشراقه لإيمان القلوب في كلّ مكان , بل استطال حتّى وسع الزمان , ينير الأحرار والطيّبين , وأهل الحقّ وطالبي العدل والصدق , فيميّزوا به الحقّ وأهله من الضلال وأهله على طول التأريخ , وفي أيّ مكان كانوا في صدر الإسلام أو بعده , وبأيّ مذهب تمذهبوا .

فلذا نحمد الله بسبحة ترابها مخلوط بالإخلاص الذي منحه لها الحسين (عليه السّلام) بعد أن نكبّره على ما أنعم علينا من الهدى , وأرانا الصراط المستقيم الحقّ , بِولي دين طاهر وإمام صادق طيّب , يعرّفنا معارف الله كلّها بتطبيق علمي وعملي ,


الصفحة (6)

وبكلّ سيرته وسلوكه , وبكلّ كلماته الداعية للصلاح والعدل والهدى , وبأعلى إخلاص , وبكلّ شيء من الأهل والنفس فضلاً عن المال والحلال , ومع ما له من الشرف والمجد والأصالة في كلّ وجوده , فيرينا فيه كلّ شيء من معاني دين الله وحقائق تطبقيه , والإخلاص فيه حتّى الشهادة الواقعية المخلصة المطيعة لله بحقّ وصدق , وعن معرفة بمحلّ الصلاح والهدى , والإقدام والإيثار والتضحية ومحلّها , ومن غير شك ولا شبة , ولا ضلال ولا باطل .

فسبحان الله حقّاً حقّاً , وإيماناً وتصديقاً , وعبودية ورقاً ! ما أعظم شأنه ! لم يهمل الخلق بعد خلقهم , بل هو الكامل وواهب الكمال , لا نقص في دينه ولا في هداه حتّى يوم القيامة , وبهذا صار لنا الحقّ أن نقدّس الله وبإخلاص وحده لا شريك له , ومتّخذين سبحة من تراب طاهر ثوى عليها حقيقة معنى الصلاة , والصلاح والفلاح , وحي على خير العمل , بل أشهد أن لا إله إلاّ الله , وأشهد أنّ محمداً رسول الله , وأنّ علياً ولي الله , وكلّ الشهادة المعرّفة والموصلة للدين الحقّ والفناء في طاعة الربّ , الهادي الرحمان , بل المحسن المنّان .

وبهذا عرفت تراب كربلاء فسجدت عليه , وأخذت سبحتي منه ؛ فإنّه بكلّ شيء فيه صورة ومنظر , وذرّات وتركيب , يُعلي كلمة الهدى , ويقوم بتعريف حقيقة الدين الحقّ ومحلّه وأهله , فوجب عليَّ أن أُخلص له علماً وعملاً , وبياناً وتذكيراً به للطيبين والأحرار , وأنصار الحقّ والعدل ؛ لأنّه يذكّرهم كما يذكّرني بالطاعة الحقيقة والإخلاص له حين معرفة حقّه , وهذا معنى الصدق من حقائق الإيمان وحبّ الرحمان , ومن باب أن يحبّ المؤمن لأخيه ما يحبّ لنفسه .

وبهذا حقّ لي ولكلّ مؤمن بعد المعرفة بحقائق الدين , وما يذكّر به أن يدير وأدير مسبحتي بتراب كربلاء الطاهر الذي كلّه إخلاص وإيثار , وجدّ واجتهاد , فأقول وبكلّ وجودي , وبمعنى الكلمة وبحقيقة الهدى : لا إله إلاّ الله , وحده لا شريك له , وسبحان الله , والحمد لله , ولا إله إلاّ الله , والله وأكبر , من أن يوصف حقّاً , ولا يؤدّي شكره أحد مهما عبد , أو ذَكر وذكّر , ولكن هذا جهدي بتوفيقٍ منه ذكرته بما يحبّ أن يُطاع به من الهدى الخالص والدين القيم , الذي لا شرك فيه ولا ضلال .

وأسأل الله أن تشهد لي هذه التربة المباركة الطاهرة , تربة كربلاء التي طهّرها الحسين (عليه السّلام) , ويشهد لي كلّ مَنْ رآها في يدي , وشاهد سجودي عليها , بأنّي طلبت معاني الهدى والدين الذي سكب عليها , والإخلاص الذي خالطها .

ولذا يا أعزّتي , حقّ لي كما حقّ لغيري من أهل مذهبي أن نسجد على تربة الحسين (عليه السّلام) حين الصلاة لرب العالمين , وفي كلّ سجدة شكر له وحده لا شريك له , وهكذا حين اُريد أن اُعدّ تكبير الله وحمده , وتسبيح الله وتهليله مئة أو أكثر , بل حتّى الألف وأكثر بسبحة من تربة الحسين (عليه السّلام) ؛ لأنّه فيها يُستنشق الإخلاص فيدخل المبدأ والعقيدة في الروح , وعن دليل راسخ في العقل قبل


الصفحة (7)

القلب , وفي اللبّ قبل الفؤاد ؛ فإنّ تراب كربلاء تراب ثوى فيه الإيمان فخالط ترابه , ولن يفارقه إلى يوم القيامة .

فلذا يا كرام , حقّ للمؤمنين وكلّ الأحرار والطيبين , وأنصار الهدى والعدل والحقّ السجودُ على تراب كربلاء , واتّخاذ سبحة خرزها من ذلك الإيمان الذي خالطها , والإخلاص الذي عجن فيها , وذلك من أجل معرفة الله وعبادته بما يحبّ ويرضى من الهدى , وتسبيحه وتقديسه بسبحة خرزها قد خالط ترابه ذلك المجد والشرف , والكرامة والإباء ؛ فإنّ السجود عليها والتسبيح بخرز من ترابها حقّاً يكون عملاً صالحاً يُرفع لمحلّ الكرامة بأسرع من البرق ونوره ؛ فإنّه بنور هداها يقتبس نور الله , وهداه ورضاه ؛ لأنّه دليل الإخلاص في جنب الله الذي ثوى في تراب كربلاء وخالطه إلى يوم الدين ؛ فلذا صار فيها حقائق من برهان معارف ذكر الله تعالى في كلّ ذرة من ذراتها .

فحقّ لي يا إخوتي , بعد أن عرفت الإمام الحسين (عليه السّلام) بهذه المعرفة أن أسجد على تربته في كربلاء , وأن أتّخذ مسبحتي من طين جفّف من قرب مثوى مرقده من كربلاء ؛ فإنّه طين الكرامة , وتراب العزّ الظاهر والباطن ؛ فإنّه طين يابس من تراب كربلاء .


الصفحة (8)

البحث الثاني : شرح وتذكرة بالأسباب الداعية لحمل تربة كربلاء سبحة وتربة

قد عرفتم يا إخوتي الكرام في المقالات السابقة , أهمَّ الأسباب التي جعلتني أحمل في فكري ويدي , وعلمي وعملي , تراب كربلاء كسبحة أذكر بها الله تعالى حين اُسبّح كبرياءه , وأحمده مقرّاً بكماله .

وتربة لتعظيم الله سبحانه فأحمده وأشكره , واستعين به ؛ لكي يسلك بي صراطه المستقيم , والتحلّي بكلّ تعاليم دينه القويم , حتّى أكون مع المنعم عليهم نبينا محمّد وآله الكرام , وصحبه النجباء (صلّى الله عليهم وآله) , لا من المغضوب عليهم ولا الضالين ؛ وذلك لكون تراب كربلاء ـ كما عرفتم ـ قد خالطه بكلّ ذرّة من ذراته صفاء وإخلاص ووفاء لله ودينه , والذي سقاه إيّاه أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) حتّى روى وأروى , وفي ذلك اليوم العظيم في الدين , والعزيز على قلوب المؤمنين عاشوراء كربلاء .

ذلك اليوم المشهود الذي ثار به الحسين (عليه السّلام) من أجل تعريف دين الله الحقّ , وإصلاح ما فسد من تعاليم جدّه رسول الله , حتّى جعل (روحي له الفداء) تراب كربلاء رمزاً مذكّراً بهدى الله بتطبيق علمي وعملي , بل صار برهاناً واقعيّاً معروفاً لمحل هدى الله , ودليلاً محكماً على ضرورة التحلّي بمعارف الله , بل والتجلّي بها والإشراق , فيجعلنا مطالبين وداعين كلّ الأحرار والطيبين للعلم والعمل بمعارف لله من أجل الله وأنفسهم ؛ ليعيشوا بكرامة وعزّ وإباء , فيكونوا مجاهدين بكلّ ما اُوتوا من قوّة من أجل سبيل الحقّ ؛ لإعلاء كلمة الله , ورافضين كلّ ما يبعد عن العدل والإنصاف والإحسان , وعن كلّ هدى الرحمان .

وبما ذكرنا سابقاً عرفتم يا إخوتي الكرام , شيئاً عن تراب كربلاء الذي أحمله ويحمله كرام المؤمنين الذين تحقّقوا معنى التسبيح به لله , والسجود عليه ؛ تعظيماً لله , فحملوه معهم من أجل نعيم أنفسهم , وسعادتهم الموافقة بحقّ لهدى الله وطاعته ؛ لأنّه ما فقد من الجهد في العبودية لله والطاعة , وجدّ في هدى الربوبية فيكون الإنسان عبد لله لا لهوى نفسه , مالك زمامه بما منحه الله من الكرامة والخلافة , فيكون من الربّانيين المالكين لزمام اُمورهم بالعدل والإحسان , والبعيدين عن وساوس الشيطان والشهوات , وكلّ ما يوجب لهم وعليهم الطغيان , فلا إفراط ولا تفريط في الدين , بل هي الشجاعة والعفّة , والعدالة والطريقة الوسطى من اُمّة وسطى يأمرون بالمعروف ويعملون به , وينهون عن المنكرن وينتهون عنه , فهذا عين الصلاح الذي سقاه الإمام الحسين (عليه السّلام) تراب كربلاء مع كلّ إخلاص .

فالأحرار والطيّبون ؛ لأنّهم عرفوا أنّ الدين الحقّ , والهدى الواقعي النازل من الله قد سقاه الحسين تراب كربلاء , اتّخذوا تربة السجود لله في الصلاة من تراب كربلاء , وخرز سبحتهم حين ذكر الله من تراب كربلاء , فحملوه معهم كمفسّر وعلامة للدين الذي يذكّر بالله , وبالتعاليم التي يُطاع بها الله بعد أن لم يمكن نقل غيره من الرمز والبيان الذي خصّت به كربلاء وعانقته بترابها , كما ولا يكون هذا المعنى والحقيقة في نقل غير تراب كربلاء , ولا له خصوصيات وصفاء وبيان الحقّ من الدين والهدى وأهله كما خصّ به تراب كربلاء , وبعد أن كاد الباطل أن يغلب المسلمين في ذلك الحين , وفي أيّ حين بما يفسده أهل الضلال والظالمين والطغاة .


الصفحة (9)

فلمّا عرف الأخيار والأحرار والمؤمنون هذا صار مستحباً مؤكّداً عندهم التسبيح والسجود على تراب كربلاء , بل حمله حتّى كاد أن يكون لهم واجباً , بل يرجون أن يحصلوا على ثواب تبليغ دين الله الحقّ حين حمله ؛ لما حلَّ فيه من معنى الإصلاح والمطالبة بالعدل , فتجاهروا بالتسبيح به حين ذكر الله , بل سجدوا عليه حين السجود لله , ويعتقدون أنّه الموعظة الحسنة , والبرهان , والوافي الذي به يتمّ تعريف هدى الله الواقعي الصادق , وأهله الصادقين أئمّة الدين الواقعيين المرضيين عند الله , وبكلّ دينهم الظاهر بعلمهم وعملهم , وسيرتهم وسلوكهم , والذي لخّصه حمل تراب كربلاء وأجمل تفصيله , فحمله المؤمنون تربة وسبحة .

بل يرى المؤمنون الخيّرون حين الحمل لتراب كربلاء , والسجود والتسبيح به لله وذكره أنّه تطبيق لدين الله بصورة مباشرة وغير مباشرة , علمية وعملية , ومع الإخلاص بدين الله من غير ضلال , وصافي عمّا يبعد عن الله وغضبه ؛ لأنّهم عرفوا كما عرفتم أنّ تراب كربلاء قد سكب عليه هُدى يعرف بحقّ دين الله وأهله الصادقين , ويبيّن أهل الباطل المدّعين لدين الله , وأعداء منهج العزّ والكرامة في كلّ زمان ومكان .

فهذه معاني العزّ والكرامة , والصفاء والوفاء لدين الله وأهله , وجدها المؤمنون الطيبون والأحرار معجونة بتراب كربلاء الحسين (عليه السّلام) , فتحقّقوا به ليأملوا أن يكونوا صادقين كالحسين وصحبه (عليهم السّلام) حين التوجّه به لله , بل يحكون بهذا إخلاصهم لله علناً , وكاشفين عن حقائق دينهم وإيمانهم المكتوم في وجدوهم سرّاً , وإيماناً وهدى منهم بكلّ حقائقه , وبأعلى إخلاص له , مقتدين بإمام هدى شرى منه الله نفسه , فباعه بأكرم إخلاص وأتمّه , ظاهراً وباطناً , وعلماً وعملاً في يوم عاشوراء كربلاء .

وبذلك صار عند المؤمنين والأحرار الساجد والمسبّح بتراب كربلاء والحامل له , إن كان مخلصاً لله بدين الحسين مع جدّ الحسين وصحبه , يكون مع الصدّيقين والصالحين وحسن اُولئك رفيقاً في الدنيا والآخرة , وله ثوابهم في رضا الله في محلّ الكرامة والمزيد ممّا لديه في جنّة الخلد , وبما لا عين رأت , ولا أذن سمعت .

فهذا تراب كربلاء أصبح رمزاً وبياناً لحقائق تعرف دين الله وأهله , حين التسبيح به لله وذكر الله , والسجود عليه شكراً وحمداً , وصلاةً ودعاء لله وحده لا شريك له .


الصفحة (10)

البحث الثالث : إنذار الطغاة بحقائق تراب كربلاء ، وعتاب لمَنْ هجر معارفه

ثمّ يا أخي الكريم ، بعد ما عرفت حقائقاً ناصعة البيان ، وكثيرة البرهان عن حقيقة السجود لله وذكره بسبحة ترابها من كربلاء ، لا أعتقد يفوتك تبكيت مَنْ أورد أمراً يشكل به على المؤمنين لسجودهم على تراب كربلاء ، وعلى تسبيحهم وذكرهم لله كثيراً بسبحة خرز ترابها من تراب كربلاء ؛ فإنّه حتماً تجيبه بما عرفت , وتضيف معارف أخرى فتقول كما أقول : ليذهب إلى الجحيم الأبدي مَنْ يرفض مبادئ العزّ والكرامة ، والشرف والإباء ، والإخلاص والهدى ، والعدل والإصلاح ، ويشكل على كلّ ما يُذكر بها .

وبالخصوص مَنْ يشكل على مَنْ يحمل تراب كربلاء الذي شهد يوم الوفاء لله , والإخلاص لدين الله وهداه السارية بروحه في ترابها ، والذي استخدمه الأباة والأحرار والمؤمنون تربة للصلاة ، أو سبحة لتقديس الله , ودعوة لمعرفة أهل دين الله الصادقين المصطفين الأخيار الأبرار .

ولذا يحقّ لي أن أقول بواضح البيان : مَنْ يشكل ولا يرضى بالمكنون الذي حواه تراب كربلاء كان كمَنْ قد حُرِمَ من معارف الله الحقّة ؛ لأنّه خالط فكره هوى أئمّة الضلال ، وطغاة الباطل قتلة الحسين وآله على طول التأريخ في الفكر والعقيدة والدين ، وحقائق روح الهدى الحقّ الذي عرفه آل الصراط المستقيم والنبأ العظيم ، وإن تظاهروا ببعض أعمالهم المخلوطة بفكرهم ورأيهم واستحسانهم ؛ فإنّهم حرموا معارفاً عرفها الحسين وآله ، فخسروا رحمة جدّ الحسين نبي الرحمة وربّه الرحمان الذي خصّهم بدينه القيّم ، فعاداهم كما عادوهم أيام الهجران لأئمّة الحقّ والهدى في أيام كان ما كان ، وحاربهم كما حاربوهم في سالف الزمان ، بل بيده وبقلمه وبحاسبه وفكره وكلامه الآن .

ولذا مَنْ لم يعرف الحسين وآله ، ولا هداهم ومعارفهم بحقّ المعرفة ، وكيف جاهدوا وجدّوا وتفانوا في كلّ مواقفهم من أجل دين الله ، وتعريفه بحقائقه على طول التأريخ ، لا يحبّ تعريفه وبيانه ، بل ولا تطبيقه كما طبّقه الحسين وآله (عليهم السّلام) بكل أبعاده وأهدافه ، وبكلّ تعاليم هداه الذي فيها تمام رضا الله ، وبكلّ ما


الصفحة (11)

فيه من طلب العدل والصلاح ، ورفض المنكر والطغيان ، والنهي لمَنْ يخرج عن تعاليم ربّنا الرحمان ؛ فلذا لم يحبّ ما أحبّوا فأشكل على مَنْ يسبّح لله بتراب كربلاء ، ويسخر ممّنْ يقدّس الله بسبحة تراب خرزها عجن بحقائق هدى الحسين ، ومنهجه الذي عانق ذرات تراب كربلاء ، فخالطه بإخلاص وتضحية وفداء ، فكان كمَنْ سخر فيما مضى من منهج الحسين وهداه حتّى ظنّوا قتلوه في سالف الزمان ، لكنّه هيهات أبى الله أن يتمّ نوره .

فهذا صرح شامخ يعلّم الهدى والإباء ، وقد خالط بحقّ دينه ومنهجه تراب كربلاء ، فصار شاهداً ليوم العدل والإصلاح ، وكلّ ما يوصل لرضا الله تعالى بإخلاص ؛ فلذا زاره المؤمنون وتعبّدوا لله بتربته حتّى عليها سجدوا تعظيماً لله ، وفي هُداه المسكوب فيها في يوم عاشوراء كربلاء ، فسبّحوا الله بسبحة خرز ترابها من كربلاء .
فلمّا جهل ذلك أعداء الحسين ، ومَنْ لم يعرف هُداه وتضحيته بإخلاص في سبيل دين الله ، حُرموا أهداف فداء الحسين من أجل طاعة الله ، ولم يعرفوا تعاليمه بحقيقة علمية وعملية توصل لرضا الله ، ولا غاية إيثاره من أجل تطبيق طاعة الله بما يحبّ ويرضى ، ومن غير مداهنة ولا تسويف .
ولمّا جهلوا معنى التسبيح بتراب كربلاء والسجود عليه خسروا كلّ هذه المعاني ، فلم يعانقوها بأرواحهم , ولا في دينهم , ولا في أهدافهم ، فدخل في فكرهم من مبادئ وأهداف حزب الشيطان شيء وأشياء في الخفاء ، وبان الضلال بتصرّفهم المعاند لآل رسول الله في أمور بالجلاء ، واتّضح الباطل بصريح مخالفتهم للحسين علناً .

وبقي الأحرار والطيّبون وكلّ المؤمنين الذين يبحثون عن الحقّ والهدى ، ويجدّون بتطبيق تعاليم الله الصادقة بكلّ حال ، وبكلّ ظرف مهما كان ، فطلبوا معارف الدين الحقّة من غير ضلال ، والخالصة من الشرك والنفاق ، والصافية عن كلّ باطل روّج له أئمّة الكفر والنفاق ، والشرك والجور والطغيان ، فوجدوا ، بل أقاموا بجدّ وصدق تقديس الله وذكره بالسجود والتسبيح بتربة كربلاء ؛ ولهذا كان وما زال مَنْ يمنع ويحرّم السجود على تراب كربلاء لم يعرف حقائقه ومعانيه .
فنحن السالكون سبيل نبي الرحمة وآله الكرام الذين بان هضم منهجهم بأوضح يوم وحالة في كربلاء الحسين ، فأبى إلاّ علوّاً وشموخاً ، وبياناً ورفضاً للظلم والعدوان ، وكلّ ما يأتي به غير الزمان , لم نسجد للتربة الحسينيّة المأخوذة من كربلاء في الصلاة ، بل نسجد عليها لنعبد الله ونطلب رضاه ، وكم فرق بين السجود على شي والسجود له .

نعم ، نسجد على تراب كربلاء لنعبد الله ، لا نسجد للتربة التي ترابها من تراب كربلاء ، فيكون صنماً بما هو ، كما يفعل الكفّار والوثنية ، ونقول لم يشكل تدبر هذا .

وأفهم معناه ، وأعرف الفرق بين الأمرين تجد


الصفحة (12)

وجه الإشكال عند مَنْ يشكل ، وما خلط فيه ، وحلّه ومعناه الحقّ عند أهل الهدى والإخلاص ؛ فإنّ مَنْ يسجد على سجّادة ، أو على الحصير ، أو على الفراش ، أو على الأرض عند الصلاة لم يسجد لها ، ولم يعبدها , ولم يجعلها صنماً ؛ فإنّ مَنْ يسجد لله بأمر الله على الأرض ، وعلى سجّادة وحصير ، لم يسجد لها بما هي أرض وحصير وسجّادة ، ولا عبدها , ولا اتّخذها صنماً أو وثناً ، بل هي محلّ للسجود يسجد عليه لله بأمر الله ، فما أحلى إن خالط محلّ السجود خلاصة الإيمان ، والإخلاص والطاعة والفداء من أجل الله كما عليه تراب تربة كربلاء !

ثمّ هل رأيت أو سمعت بعابد صنم يسجد عليه ؟! أم إنّه لا بدّ لمَنْ يريد أن يعبد شيئاً أن يضعه أمامه ، ويسجد له لا عليه ؟!
وإنّ السجود على تربة كربلاء والتي خالطها الفداء من أجل الله ، أبعد في الشبه عن السجود للكعبة التي يتوجّه إليها المؤمنون ويضعوها أمامهم , والسجود على تربة كربلاء أبعد عن سجود الملائكة لآدم (عليه السّلام) في الشبهة ؛ لأنّه (عليه السّلام) كان أمام الملائكة ولم يسجدوا عليه كما يسجد على الحصير والأرض مَنْ يصلّي ويعبد الله ، ولكن لكون السجود بأمر الله ، ومن أجل الله ، ولله وحده وبإخلاص جاز ، فصار مستحباً ، بل واجباً ، وحلّ وطاب وقُبل .

فتكرم بالرضا من الله مَنْ قبل عمله وإيمانه ، فكان عملاً صالحاً , وذكراً لله تعالى وحده لا شريك له ، وخسر الشيطان ومَنْ تبعه لعصيان أمر الله .
ثمّ ثانياً : نحن نشترط كما شرط الله في تعاليم الصلاة بأن يكون محلّ السجود على أجزاء الأرض الأصلية من حجر أو مدر أو ترابه ، وإن فُقِدَ فعلى نبات الأرض من غير المأكول والملبوس ؛ لكي لا تشتهيه النفس التي تفرّ إلى الله تعالى في الصلاة من زينة الدنيا وزخارفها .
وقد قال نبي الله (صلّى الله عليه وآله) : (( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) , وهذا الحديث يرويه صحيح البخاري ، وسنن البيهقي في باب التيمم كما نرويه في كتبنا ، وهم يقولون : يستحب السجود على الأرض , وتعفير الوجه بترابها ، فما أحلى التراب إذا كان قد خالطه الإيمان والإخلاص لله ، وطولب عليه بالعدل والصلاح والهدى من أجل الله ، فصار كلّه تضحية وإيثاراً وفداء لدين الله ، وتبليغاً وتعريفاً للحقّ من هدى الله ، فكان حقيقة محل تعاليم الله ، ومثوى الفداء من أهل دينه القيّم الطيبين الطاهرين .
ثمّ بعض مَنْ يخالف السجود على تراب كربلاء ولم يفهم حقائق معناه ، لهم ترتيب آخر عند الوقوف للصلاة ، فهم يكفرون بالتكتيف ، أي بوضع اليد اليمنى على اليسرى ، بثلاث أنواع :
الشافعي : رأيه أن توضع اليدين أحدهم على الأخرى فوق السرّة .

والحنفي : يتكتّف بوضع اليدين أحدهم على الأخرى تحت السرّة ، وفي رواية عن مالك


الصفحة (13)

يسبل مثلنا ، وفي كلّ هذا غرضهم يقولون : إنّ هذه الحالة لاحترام الله ومن أجل الله ، ولم يُسن بالتشريع من قبل في زمن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) .

فإن كان هذا من أجل الله ، فأي احترام أفضل من وضع الجبهة على الأرض ، وتعفير الوجه بالتراب الذي هو بأمر الله ، وعلى تراب تمّ وحسن فيه الإخلاص لله ، فحوى كلّ معاني هدى الدين ، ومع هذا متذكّرين قوله تعالى : (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)(1) .
فإنّ سجودنا على تراب كربلاء هو تراب تلك الأرض التي ترابها خالطه هدى الله حتّى اليقين ، وسكب عليها تعاليمه من الصدّيقين ، وسُقي بالإخلاص والتضحية والفداء ، وبأحسن معنى يعرّفنا محلّ هدى الله ، ودينه القيّم , وأهل الصراط المستقيم ، المنعم عليهم باختيار الله واصطفائه ، والذين أوجب المودّة والموالاة لهم فجعلهم أئمّة هدى وحقّ ، وكلّ هذا بأمر الله ؛ فإنّه إن كان كما يقول كلّ المسلمين يستحبّ السجود على الأرض ، فأيّ أرض أفضل وأحبّ للمسلم من أرض كربلاء التي تقدّست بدم سيّد شباب أهل الجنّة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، ومعه أهل بيته الطيبون الطاهرون وأصحابه المخلصون .

تلك الجماعة المباركة التي ثارت من أجل تعريف دين الله ، وفازت بالشهادة من أجل تعليم هُدى الله ، فقدّمت أرواحها وكلّ ما تملك من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومطالبة بالإصلاح ، ورافضة للظلم والطغيان , والجور والعدوان , فإنّها كانت نخبة طاهرة وليس على وجه الأرض شبيه بها ، ولم نسمع بمثلها في إخلاصها من أجل تعريف دين الله وحتّى الموت ؛ فإنّها من أجل الله قدّمت للدين الحنيف أنفسها ومالها وأهلها حتى سقوا بكلّ إيمان ، وبأظهر إخلاص لله تراب كربلاء .

فاتّخذ المؤمنون الذين آمنوا بمنهج الحسين وصحبه تربة لتعظيم الله من ذلك التراب الطاهر ، تراب كربلاء ، وسبحة يُذكر بها الله ؛ لأنّه تراب أبيّ محلّه صار في كربلاء ؛ فإنّه تراب ثوى فيه الحسين وآله , آل النبي الكرام وصحبهم النجباء ، فيقتدون بهم فيرفضون كلّ ضيم وهضم وظلم ، في كلّ حين وزمان ، فزاروهم في كربلاء , وحملوا معهم تراب كربلاء ، فكانوا منهم ومعهم في كلّ شيء دنياً وآخرة ، ومنهجاً وديناً ونعيماً ، ويخافهم الطغاة والظالمون حين ثورتهم بعد بيانهم ووعظهم في كلّ حين ، بتربة وسبحة من تراب الوفاء والعدل والهدى ، تراب كربلاء .

ــــــــ
(1) سورة طه / 55 .

الصفحة (14)

البحث الرابع : قسماً بالمقدّسات ، كربلاء مقدّسة قدّسها الحسين (عليه السّلام)

أقسم بالله وحده لا شريك له ، وبالقرآن العظيم ، وبوليّه الحسين ودمائه الطاهرة ، وبمواقفه المشرّفة ، وبجدّ الحسين وأبيه , وإخوته وبنيه ، لولا ما قدّم الحسين (عليه السّلام) من الضحايا الثمينة والقرابين المقدّسة في كربلاء ؛ لإحياء دين الله تعالى ، والذي بلّغه جدّه محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، حتّى ضحّى بنفسه الطاهرة ، وقدّم أهل بيته للسبي والأسر ، وأصحابه وأولاده وإخوته للقتل ، لما بقي للدين الإسلامي عمود ، ولما اخضرّ له عود ، ولما عُرِفَ له اسم ولا رسم ، ولمُحي كلّ أثر له على يد ماجن بني أميّة وسكّيرها ، المتجاهر بالفجور ، والمتظاهر بالفسق ، بل المروّج للكفر والإلحاد بكلّ تصرّف له ، فتجاوز علم وعمل المنافقين المتظاهرين بالدين من غير حقائقه ، فإذا كان ربّ البيت بالدف ناقراً ، كان شيمة أهل البيت الصفق والرقص .

فكيف بملعّب القرود , السكران , الزاني بمحارمه ، وما كان يروّج له من أعمال وعلوم تطمس معالم الدين ، وتصرف الناس عن هدى ربّ العالمين ؟!
ولكن هيهات ، قد أعدّ الله ورسوله هدى ومبدأً ، بل هدفاً وغاية ، هو الإخلاص لله (عزّ قدسه) بتعاليمه حتّى الشهادة والموت في سبيله ، فتتقدّس النفس الأبية عن الشين وما يهين في الدين ، ومن غير إجبار للناس على الطاعة ، بل قد تبيّن الرشد من الغي ، فكان المعدّ بأجمل بيان ، وأشرف شرح ، وبأعلى علم وعمل ظهر من الحسين (عليه السّلام) في عاشوراء كربلاء ، فكان أنور من الشمس حين تمخض .

وتلخص بالحسين (عليه السّلام) ثائراً مجاهداً ، وصابراً محتسباً ، ومقدّماً نفسه وأهله ، وكلّ ما يملك من أجل الله ودينه ، فثوى شهيد التقديس للدين على تراب كربلاء فقدّسه .
وبهذا الإقدام والبطولة ، والصمود والإيثار والتعليم شرح الحسين (عليه السّلام) محلّ الدين وتعاليمه ببيانه المكرّم المقدّس في كربلاء ، فجعل بصفاء نوره وخلوصه في طاعة الله يُعرف الحقّ ، وكلّ ما حلّ بالإسلام وأهله في أهم دور من تأريخه حين التدّبر بما حلّ بالحسين (عليه السّلام) في كربلاء ، فيعرف الحرّ وكل أبيّ كيف حرفوا الناس


الصفحة (15)

عن الهدى الواقعي للدين ، وكيف هُجرت تعاليم ربّ العالمين ، حتّى يُقتل ابن بنت نبي المسلمين ولو كان يطلب الإصلاح والعدل ، والهدى والفلاح في أمّة جدّه ، وشيعة أبيه وكلّ المسلمين ، فيرفضون مخدوعين مجبورين ، بل قسم منهم معاندون طاغون ، حتّى أذاقوه كأس الله الأوفى لمقامه الأرقى ، مقام الشهادة والإيثار والفداء للحسين وصحبه ، فثوى المقدّس سيّد شباب أهل الجنة في كربلاء شهيداً ، فقُدّس ترابها حتّى صارت كربلاء المقدّسة .
فأخذ من ترابها الأحرار ، والمؤمنون والثوار يقدّسون الله تعالى ويكبّرونه ، ويحمدونه ويسبّحونه وحده لا شريك له بتربة وسبحة منه ؛ لأنّ كربلاء تقدّست بالمقدّس الحسين الذي وهب ترابها التقديس لمَنْ يطلب التقديس لربّ العالمين , وذكره وحمده ، كإخلاص الحسين المقدّس من كلّ ما يشين ويذلّ ويهن ، فتسمّى أبيّاً شهماً غيرواً ، وبطلاً مغواراً مقداماً من المؤمنين .
وهذا التقديس للدين من علم وعمل أهل الضلال الذي سقاه الحسين كربلاء ، فصارت مقدّسة بخالص الهدى ، وتسقيه للمقدّسين لربّ العالمين ، كان كما قدّس أبيه الأكرم علي بن أبي طالب (عليه السّلام) النجف فصار النجف الأشرف ، وكما قدّس جدّه (صلّى الله عليه وآله) نبي الرحمة , السراج المنير , المدينةَ فصارت المدينة المنوّرة ، بل كما بنى وقدّس أبوهم إبراهيم وابنه إسماعيل (عليهما السّلام) مكّة فجعلها الله رمزاً لعبادته ، وصارت بالعلامة والجهة بيت الله فصارت مكّة المكرّمة .

وهكذا كان المسجد الأقصى حين بنى على الصخرة المباركة إبراهيم وبنوه من إسحاق وابنه يعقوب وبنوه الكرام فصارت بيت المقدس .
فهذه بيوت العبادة لله ، وشيء من مكارم قدسها ، وآثار الدين الحقّ ، وبيان لهداه وأهله تمّت لمَنْ حلّ بها نوراً وهدى ، وبتقديم القرابين وآثار الجهاد والصبر للمقدّسين فيها وبها .

ولكن كربلاء قربانها الصابر والصامد بها سيّد الشهداء ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، المقدّس ابن كلّ المقدّسين , الذي ورث قدسهم ، فكان وارث النبيّين كما يُزار في زيارة وارث ، ومَنْ تبعه وسار على نهج قدسه كان معه يحفّ بجدّه الكريم وآله الطيّبين الطاهرين من النبيّين وصحبه المنتجبين ، في المقام المحمود على موائد النور الإلهية ، تحت لواء الحمد في حضرة القدس مع كلّ المقدّسين الذين عرفوا حقائق التقديس في الدين فطبّقوها في الدنيا , فكانوا في الآخرة مقدّسين .
نعم كربلاء المقدّسة ، هكذا يعرفها المؤمنون ويرفقون بها التقديس بحقّ علماً ودراية ، ولا يلفظون كربلاء إلاّ بصفتها المقدّسة ، بل حقيقتها تقدّست بالمبادئ الحقّة ، فيقولون : كربلاء المقدّسة .

والتي سقى الحسين (عليه السّلام) ترابها في يومه المشهود ، والشاهد يوم عاشوراء كربلاء ، شهده المؤمنون بالوصف والذكر في كلّ مكان وزمان ، فكان بياناً للحقّ والهدى ، وتعريفاً لأهل الدين المقدّسين ، الحسين وآله وصحبه الذين كانوا معه ، أو الذين لحقوا به فصاروا معه مقدّسين ولو بعد حين ، بل صار موقف الحسين (عليه السّلام) المقدّس في يوم التقديس للدين على تراب كربلاء شرحاً مجملاً لمَنْ اكتفى ، ومفصّلاً لمَنْ أراد التفصيل لمنهجه ودينه ، فيراه في كلّ


الصفحة (16)

مجلس وزمان ومكان علماً وعملاً بتراب كربلاء الذي قدّسه الحسين (عليه السّلام) فضلاً عن ذكر يومه عاشوراء .
فلذكر ذلك اليوم الذي قدّسه الحسين (عليه السّلام) ، وللتراب الذي حوى قدسه ، حمل المقدّسون من تراب كربلاء المقدّس الذي شهد يوم التقديس للدين ، بل حلّ فيه ذلك التقديس ، فحملوا من ذلك التراب المقدّس الذي قدّسه الحسين (عليه السّلام) ، فكانوا بحقّ يحبّون التقديس ؛ فصدقوا بنيّتهم باتّباع منهج الحسين (عليه السّلام) وحبّ السير على هُداه ، وكلّ ذكر يذكر به وذكرى تعرفه ، فتقدّسوا مثله بدينه ومنهجه ، فكانوا مع المقدّسين في كلّ حين في الدنيا والآخرة .
فهذا حال مَنْ عرف المقدّسين الحقيقيِّين فرضي بمنهجهم ديناً ، وطبّق قدسه بروحه وعلمه وعمله فخلص من كلّ ما يشين في الدين ، فضلاً عن حبّ أعمال الطغاة والظالمين ، فكان مع مَنْ قدّسوا الله بالمنهج الحقّ للتقديس ، وبكلّ ما يوصل له حتّى بحمل تربته التقديس قد سقاها مقدّس في يوم التقديس ، فقدّس الله بها بذكر ودين خالي وخالص من كلّ ما يذلّ ويشين ، وقد رفض كلّ عمل للظالمين .

فبهذا المعنى حمل أهل التقديس تراب كربلاء فقدّسوا به الله ، وتقدّسوا والتحقوا بالمقدّسين .

كما ويبيّن ذلك اليوم والتراب المشهود لكربلاء ، المحمول بيد المؤمنين ، فيشهد على الظلم والعدوان ، والطغيان والانحراف عن الدين ، والتجاوز على هُدى ربّ العالمين في أعداء الحسين ومنهجه ، في كلّ مكان وزمان كانوا وحلّوا ، معاندين له رافضين لهُداه ودينه ؛ فإنّه مشهود عندهم بكلّ مَنْ ذكر تأريخ الدين ، وذكر به ذكر الحسين وما حلّ به ، بل لمّا لم يحمل تراب التقديس ولا حبّوا تعريفه كتربة وسبحة ، صار عليهم شاهداً ، وقد جعل الله الأرض واليد والرجل حين الختم على الأفواه تشهد ، وتُعرّف الإخلاص لربّ العالمين وعدمه ، ومنهجه وهُداه , ودينه حقّ أم باطل ، وسواء كان علماً أو عملاً .

فتعساً لمَنْ يرفض العدل والإصلاح الذي سقاه الحسين (عليه السّلام) تراب كربلاء فقدّسه ، ويقبل عمل الطغاة بعلمهم وبأعمالهم ، والتي سيرونها حسرات عليهم يوم (لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) .

نعم يا كرام ، أخذ المؤمنون والأحرار يقدّسون الله بتراب كربلاء المقدّسة في السجود عليه ، والتسبيح والذكر به لله وحده ، بل حين الحمل له ؛ لأنّه تراب مقدّس قد قدّسه الحسين (عليه السّلام) بهُداه الذي رواه إيّاها في عاشوراء ، طالبين بذلك الحمل والتسبيح والسجود لله ، والإخلاص والثبات على الهُدى والدين ، ومعرفة تعاليم ربّ العالمين من المقدّسين ، فتخلّصت تربة كربلاء للعارف بها بحقّ من فكر المبطلين والظالمين والطغاة .

فحقّ لهم حينئذ أن يقدّسوا الله ويذكروه تسبيحاً وذكراً بتراب كربلاء المقدّسة ، بل ويسجدوا له (عزّ قدسه) على تراب كربلاء ، معبّرين حين السجود له والذكر بالتسبيح له عن إخلاصهم بكلّ ما أمر به من دينه ؛ لأنّهم مقتدون بأئمّة الحقّ والهدى ، وعن بصيرة بدين المقدّسين .

فهذا تراب كربلاء الذي قدّسه الإمام الحسين (عليه السّلام) شاهد لهم في أيديهم ، يطلبون به التقديس لله (عزّ قدسه) ؛ لأنّه


الصفحة (17)

تقدّس بإخلاص في سبيله ، وبكلّ صفاء في تطبيق هُداه ، وبأعلى صوره وأوضحها وأجلاها ، وبالمقدّس أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) وارث كلّ المقدّسين ، وهُداه الذي بذله في الله على ترابها فصارت كربلاء المقدّسة .
ولذا ترى يا طيّب تراب كربلاء المقدّس سبحة وتربة بيد مَنْ يطلب التقديس لنفسه ، فيقدّس الله (عزّ قدسه) فينال من قدّسه مقام القدس ، ومحلّ الكرامة في الدنيا والآخرة .

فلا هوان ولا ذلّ له إن كان طالب معناه وهُداه بحقّ ، فيكون بمحل العلم والعمل بمقام ، هيهات منه الذلّة , أبى الله له ذلك ورسوله , وحجور طابت واُنوف أبيّه ، كما قال المقدّس أبو عبد الله الحسين على تراب كربلاء فقدّسه ، وتقدّس به المقدّسون الذين هم لربّهم يقدّسون .
فهذا الحسين المقدّس ابن المقدّسين الذين قدّسهم الله ، وتقدّس بهم كلّ مَنْ قدّس الله بهُداه ومخلص له بدينه ، وبهذا أبى الله تعالى إلاّ أن يتمّ نور دينه ، وكلّ تعاليمه بأروع فداء علمي وعملي ولو كره الكافرون والمشركون والمنافقون ، فيبقى مثوى الحسين (عليه السّلام) وتراب يحيطه في كربلاء المقدّسة رمزاً وبياناً ، وشرحاً وبرهاناً لحقائق هُدى الله المقدّس ، فلا يحرفه ولا يغيّره كلّ جناة العالم وفسقت الوجود ، فضلاً عن عتل بني اُميّة ، وزنيم آل زياد ، ومَنْ تبعهم في كلّ زمان ومكان ، ولو لم يتسمّوا باسمهم ولا يعرفونهم ، ولكن لهم سيرة الطغاة والظلمة ، وأهل الجور والعدوان ، والفسق والفجور .
فإنّه بحقّ أُقسم بكلّ المقدّسات إنّه لولا حسين الفداء والتضحية ، الذي آثر دينه بنفسه وبصحبه الأوفياء في موقفهم المشرف على تراب كربلاء ، فقدّسه من كلّ ما يشين ويحرف الدين ، لسرى مكر بني اُميّة وخداعهم وظلمهم ، وطغيانهم وفسقهم وفجورهم ، حتّى كادوا أن يطمسوا به معالم الدين ويمحوا قِيمه ، وتعاليمه وآثاره , وباسم الدين ؛ لأنّه فعلهم وعملهم ، وتعليمهم المخالف للحسين وجدّه وأبيه وأخيه (صلوات الله عليهم) من قبل ، صار بأمر حاكم المسلمين , الغاصب لخلافة المؤمنين ، والمتسمّي بأمير لهم ، حتّى فعلوا مَنْ أغواهم الشيطان ، وساروا على نهجهم فتبعوهم , والناس على دين ملوكهم ، ولا من رادع يمنعهم ، ولا وازع يدعو لإصلاح ما أفسدوه ، ولكانت أفكار الطغاة تسير عليها الأمّة كلّها ، ولصار المنكر معروفاً والمعروف منكراً .

ولكن هيهات ، أبى (اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) , أين ما كانوا ، وبأيّ اسم تسمّوا ؛ لأنّه قدّس دينه بالمقدّسين ، وبالخصوص بما عرفه في حينه الحسين (عليه السّلام) ، فقدّسه من كلّ ذلّ وفكر وظلم يهين تعاليم الدين ويحرّفها .
فحقّاً أقول ، وأُقسم بربّ العزّة والكمال ، والهدى المتعال ، وبكلّ حَسن ورحمة وجمال : فإنّه تعالى وتقدّس ، كيفما قرّر أن يوصل لنا هُداه ومعارف دينه ، وبأيّ اُسلوب أحبّ فهو عدل وحسن وهُدى ، حقّ يجب تطبيقه بكلّ ما عَلَم وهدى ، وما أجمله حين جعله ببيان حقيقة الإخلاص والصفاء الذي سجّله الإمام الحسين (عليه السّلام) بمواقفه ودمائه الطاهرة ، وإخلاصه المتفاني من أجل دين الله ، حتّى كادت ، بل صارت نهضته المباركة تيقظ المسلمين في كلّ زمان ومكان ، وتمنحهم


الصفحة (18)

الصبر والشجاعة ، والقوّة والصمود ؛ لمقاومة كلّ الجناة والطغاة في أيّ زمان ومكان كانوا ، بني اُميّة أو غيرهم ، ومَنْ صار على شاكلتهم في فكرهم وظلمهم .

فهذا فداء الحسين (عليه السّلام) قدّس الدين وخلصه من كلّ مَنْ يحاول محو أهداف هُدى ربّ العالمين ، ويفكّر بطمس قيمه وتعاليمه وآثاره الآن ، أو ممّن كان في سالف الزمان ، ممّن أمر بالمنع من ممارسة شعائره وتدوين آثاره , وبالخصوص سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وتحريم روايته , وتعريفه لمَنْ يدخل في الإسلام ، والذي فتحوا بلاده بإذن الله ، وبحجّة (يكفينا كتاب الله عن حديث رسول الله) ، وكأنّ كتاب الله عرّف كلّ حدود الصلاة والصوم والزكاة ، ولا يحتاج لبيان تطبيق العدل والإصلاح الذي سلكه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في اُمّته ، ولم يحتج للحقّ من تفسير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وشرحه وبيانه ، وكلّ تعاليمه وأقواله وسننه وخُلقه العظيم ، وكلّ تصرّف له من سيرته وسلوكه .

ولكنّهم اكتفوا ببدع يقيمون عليها حسب رأيهم واجتهادهم ، وقياسهم واستحسانهم , وهجروا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، بل حتّى حكموا وسلّطوا ابن آكلة الأكباد ، وأعدى أعداء الإسلام , وأشدّهم على المسلمين ، فاستغلّهم وتأمّر عليهم بكلّ خداع ومكر وحيلة ؛ فعرّف فكره وما يراه دين ، ولسرى هذا في كلّ المسلمين ، لولا الحسين وآله (عليهم السّلام) في يومه المشهود المقدّس ، الذي قدّس به الدين من حيل وأباطيل وضلال المنحرفين والطامعين والظلمة ، وما حملوه على المسلمين ، فعرف مَنْ يحبّ التقدّيس بحقّ هُدى المقدّسين عند الحسين فقدّس به ربّ العالمين .
ولهذا قسمت واُقسم بالله ودينه الحقّ ، وبروح كلّ الطيبين المصطفين الأخيار ، لولا الدماء التي سكبها الحسين (عليه السّلام) في مواقفه المقدّسة ، ولولا إخلاصه في تعريف دين الله الحقّ وأهله ، وما أقدم عليه في التصدّي ببيانه وخطبه ، وكلّ مواقفه من شرح حدود الحقّ ، والدعوة للإصلاح في دين الله والعدل والإنصاف فيه حتّى الجهاد بأهله وبكلّ ما يملك ، لما قام أحد كما قام به من التضحية والإيثار في منع كلّ أنواع الخلاعة والمجون ، والاستهتار والفسق والفجور ، والظلم والعدوان والطغيان ، والكفر والإلحاد والنفاق الذي كان يمارسه حكّام بني اُميّة ومَنْ تبعهم ، وبالخصوص كان الناس في أوّل الدين الإسلامي ولا يعرفون عنه شيئاً إلاّ ما عرّفه الحكّام ومَنْ وعظ لهم ؛ فإنّه كان مَنْ يدخل في الإسلام في أوّل عهده لا يعرف الدين إلاّ منهم .
فأقسم صادقاً لولا إقدام الإمام الحسين (عليه السّلام) وتضحيته في كربلاء ، وبما أشرق بتلك المواقف الكريمة من نور الوعظ والإرشاد ، وبيان الحقّ وأهله ، والضلال وأهله ، لما عرفت لتعاليم الإسلام من معلم حقّ صادق ، ولطُمست وغُيّرت أغلب تعاليمه كما غُيّرت وحرّفت الأديان السابقة ، ولكن لله في خلقه شؤون ، وبيان حقّ لتعريف إخلاص أوليائه ، وفي تعريف هُداه ودينه بالمخلصين في تعليمه وتطبيقه ، فاختار له بعد فترة من الغفوة في الاُمّة ؛ ليختبرها ويغربلها ، وليستبين الصادقون من المنافقين فيمَنْ يدّعي أنّه من أهل الدين ، فقدّم ربّ العزّة والكمال , واهب التقدّيس , للنفوس الإمام الحسين (عليه السّلام) , المقدّس ابن المقدّسين ؛ لإيقاظ الاُمّة ، وتقديس مَنْ يتبعه منها ، وبه بعث الهمم في رجالها على طول التاريخ ؛ لمقاومة الظلم والعدوان والطغيان , وكلّ أنواع الانحراف ؛ فإنّه كان الحسين (عليه السّلام) في تقديسه


الصفحة (19)

 للدين يرافق تحرّكه وثورته علم وعمل عظيم ، يجعل النفس الضعيفة الخانعة كبيرة أبية هاربة من حياة الذلّ ، ومجاهدة كريمة مطالبة بالعدل والإصلاح وتطبيق كلّ هُدى الله ؛ فإنّه (عليه السّلام) بإقدامه علّمنا كيف يتربّى العقل السليم فيعرف مناخ الضعة والمجون فيجتنبه ، وكيف يلقّن المؤمن نفسه دروس الإباء والشهامة والصمود فيحيا ويموت عليها .
وبهذا الدين المقدّس ، دين الحسين (عليه السّلام) , المقدّس ابن المقدّسين , يُعرف الحقّ وأهله ، وكيف يسير المؤمن في هُداه فيتقدّس . وكان تراب كربلاء المقدّسة الذي قدّسه الحسين (عليه السّلام) حين حلّ فيه فحمله المؤمنون بنيّة التقدّيس ، شاهداً لهم وعليهم حين يلزموه بيدهم سبحة فيقدّسون الله كتقديس المقدّسين ، أو يسجدوا عليه في صلاتهم تعظيماً وتقديساً ، وحمداً لله واستعانة به ؛ ليهديهم الصراط المستقيم ، والذي خصّه بالمنعم عليهم الذين طهّرهم بآية التطهير والإمامة والولاية فقدّسهم ، فيتقدّس مثلهم حين قبول مبادئ قدسهم ويتحقّق بها ، ولا يكون ضالاً ولا مغضوباً عليه كما يكون عليه كلّ مَنْ يرفض التقديس ولو بظاهره ، فيرفض تراب كربلاء المقدّسة جملة وتفصيلاً ، معنى وهُدى ، فضلاً عن الحمل بالفكر والعقيدة والدين ، وما حلّ به من مبادئ التقديس .
فهنيئاً لمَنْ قدّس الله بمبادئ المقدّسين ، وبكلّ ما يعرفه من آثارهم وهداهم ، ولو بحمل تربة وسبحة من تراب حلّ به المقدّس ابن المقدّسين الحسين في كربلاء المقدّسة ، فقدّس نفسه من كلّ ما يشين ، بل بترابها يقدّس الله فيكون من المقدّسين ومعهم في محلّ القدس عند ربّ العالمين .
 


الصفحة (20)

البحث الخامس : ثوى مقدّس في كربلاء فقدّسها ، وصار فيها رمزاً للحرية والكرامة مخلداً

يا أخي الكريم ، تدبّر في تقدير اُمم العالم لإكرام قومهم ؛ فقد جرت عادتهم حتّى صارت من أجمل وأحسن وأفضل سننهم ، وهي تعظيم زعمائهم ، وأبطال قادتهم ، والربانيّين فيهم ، والعدول والمصلحين في سيرتهم وسلوكهم في مجتمعهم وقومهم ؛ بحيث يقرّ ويذعن شعبهم وقومهم بفضلهم وشرفهم ، ومجدهم وكرامتهم من غير إجبار ولا إكراه .

فتراهم يعظموهم مفتخرين بما لهم من المواقف المشرّفة ، ويتسمون بأسمائهم تخليداً لهم ، بل يحكون قصصهم معتزّين بها ، ويرون ذكرهم وذكراهم عزّاً لهم ، ومن شرفهم وفخرهم وأصالتهم .
وأمّا الحكّام والطغاة ، والقادة الظلمة , ومَنْ يلعق قصعات أهل الجور والطغيان ، ترى قومهم ، بل أهلهم حين ذكرهم يلعنونهم ويتبرّؤون من أفعالهم ، ويرون ذكرهم مذلّة لهم ، وتأريخاً أسود مرّ بهم ، فلا يقيمون لهم وزناً ، ويمحون كلّ آثارهم ، وكلّ ما يذكّر بهم ؛ ليكونوا عبرة لمَنْ يأتي بعدهم ، فلا يقتدون بهم ، ولا تخليد لهم إلاّ بلعنة ومسبّة ترافق اسمهم وذكرهم .
وهكذا الاُمم والشعوب ، يفتخرون بشعرائهم وحكمائهم وعلمائهم ، وبكلّ مَنْ له خدمة عامّة لمجتمعه وشعبه بحقّ ، بشرط أن يروا خدمتهم من عزّهم وفخرهم ، وتبيّن وتوضّح قيمهم وقدرتهم ، وشرفهم وفهمهم ، فتحكي شيئاً من مجدهم وهمهم في الكمال والرقي ، فتراهم يذكرونهم بكلّ خير ، ويفتخرون بسرد قصصهم ، بل يحبّون الاقتداء بهم والكون مثلهم ، بل ويربّون أولادهم كتربيتهم وما يمكن من سيرتهم .

فشعبهم وقومهم , وكلّ مَنْ تربطه علاقة بهم يسعى بجدٍّ إلى تخليدهم ؛ فينقل مكارمهم ، فيكونوا رمزاً شامخاً في قلب ووجدان كلّ مواطني شعبهم ، بل قد يسري لغير شعبهم ولآلاف السنين ، فتمثّل مواقفهم ويحتذوا بها ، بل ينصروهم بالعلم والعمل ، وبالتذكار لهم والتذكير بهم بكلّ مناسبة ممكنة تشرّفهم .

فتراهم معتزّين بتضحياتهم ، ومقدّسين لمبادئهم ، ومقتصّين آثارهم ليعمروها ، ومقتدين بهداهم ، ومتّبعين لمناهجهم بالحياة الدنيا ، بل الربّانيّون يرجون من ربّهم أن يُحشروا يوم القيامة مع أئمّتهم الحقّ وأولياء دينهم ؛ لأنّهم اقتدوا وتأسّوا بهم , ونصروا منهجهم وطبّقوا هداهم .
فانظر يا أخي الكريم النفس ؛ لتتيقّن ما ذكرت في أحوال البلاد ، ومراسم العباد ، وشعوب العالم ، كيف يسعون مجدّين في إحياء جنود فقدوا في معارك لهم ، حتّى إنّهم بنوا للجندي المجهول المدافع عن قيمهم ووطنهم نصباً تذكارياً يزورونه ، ويقفون عنده بكلّ إجلال وإكرام وتقدير له ، مثمّنين له جهده الذي منحه لوطنه ، والعزّ في البقاء محرّراً كريماً ، أو حاول ذلك ولو لم يتمّ له ما أراد ، ولم يعرف عنه شيء .


الصفحة (21)

فإذا كان هذا حال الاُمم في تكريم جندي ، أو قائد لهم ، أو فرد مصلح في قومهم وشعوبهم , فكيف يجب أن يكون تكريم وتقدير واحترام مَنْ كان جندياً أبيّاً حقّاً ، وعنده كلّ الهدى وتعاليم الدين ، والعدل والإصلاح ، والنور والفلاح ، وقائد مقدام بكلّ نور الإيمان كالحسين (عليه السّلام) ؟!

وهل يوجد أفضل منه حتّى يُتّخذ قدوة في الإخلاص للدين والعقيدة ، ويخلد في النفس والروح فيكون لها اُسوة ، وفي اتّباع القيم والمبادئ الربّانية الحقّة التي زرعها في عقول الاُمّة ، ولبّ أفرادها المؤمنين هدى قيماً ، وإيماناً راسخاً بالمبادئ العالية ، والأهداف الغالية في العدل والصلاح والمطالبة به ، بل تعدّى فضله وقيمه , وتخليده وذكره لكلّ الأحرار من المخلصين لأوطانهم ومبادئهم وعقائدهم ؟
وأيّ جندي معلوم كالحسين (عليه السّلام) أعظم تضحية ، وأكثر فداء لمبادئ الدين الحنيف وإن جهله مَنْ خالفه في الدين والمذهب ؟ وأي بطل أكثر تفانياً من الحسين (عليه السّلام) لأحياء الإسلام وبيان حدوده ؟ وأيّ إنسان عنده موقف أفضل من مواقفه ، وفداء أكبر من فدائه ، وإيثار لدينه بكلّ أهله وماله ، ونفسه وعياله بين قتل وسبي مثله ؟
فحقّاً يجب أن يقرّ لأبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) كلّ منصف بما فدى دينه وربّه بروحه وماله وأهله ، فزرع أعظم تعاليم الصمود ، وطلب الصلاح والعدل والهدى في ضمير شعبه وقومه واُمّته , وكلّ مَنْ يأتي بعده ، ورفضاً للجور والطغيان والفساد بكلّ شكله ، مصرّاً على الفداء حتّى آخر قطرة من دمه وماله ، وحتّى بنيه وصحبه وأهله ، وكلّ ما يملك من أجل الإصلاح وطلبه ، فأثّر تعليمه بحقّ وعن بصيرة , وبكلّ إيثار وتضحية ممكنة ، فكان معلّماً لطلب العدل والإباء والإصلاح ، وإقامة حدود الهدى والإيمان ، ورفضاً لكلّ ظلم وطغيان , وجور وعدوان .
فإنّ سيّد شباب أهل الجنّة الحسين (عليه السّلام) (روحي له الفداء) كان قمّة في موقف التضحية والإخلاص ، وكلّ هذا الفداء الذي قدّمه كان خالصاً لوجه الله ، وبه أرى وعلّم كلّ منصف وحرّ وأبيّ قيمة الصلاح والعدل والهدى عن إيمان , فقدّم أكرم تعاليم وبطولة وصمود لكل شعوب الأرض ، فضلاً عن قوم أبيه وجدّه (صلوات الله عليهما) ، وذلك حين جمعه مفصلاً ، وسكبه شرحاً ومجملاً على أرض كربلاء ، فقدّسها يوم عاشوراء فصارت كربلاء المقدّسة .
نعم ، كانت تضحية الحسين (عليه السّلام) وفداؤه من أجل الله ؛ ليربّي عباده وقوم جدّه وشيعة أبيه ، فيسلك بهم تعاليم الصراط المستقيم والدين القويم ، وقد خلطه منهج ودين بكلّ حركة له في تراب كربلاء ، فصبغ ترابها ذلك الإباء والدعوة للحقّ والإصلاح بما لا مثيل له في البيان والإيضاح ، حتّى لم يبقِ عذراً لأحد يطلب الفضيلة والإباء أن ينكر حقّه ، أو يتجاهل هداه ودينه ، إلاّ


الصفحة (22)

أن يكون قد استحوذ عليه الشيطان ، وكان عميلاً بالخفاء أو علناً لأولياء الطغيان ، وشهوات النفس , وهوى المجون حتّى يذيق نفسه وقومه الحرمان .
ولما عرفت يا طيّب ، كان الحسين رمزاً عالياً في كربلاء ، فوجب على كلّ طيّب وحرّ تخليد ذكراها ومثواه ، وهكذا وفى له المؤمنون ، فجعلوا له مناراً شامخاً ، قد غطّوه بالذهب المصفّى اللمّاع ؛ ليلمع بالحقّ ويشرق بالصلاح ، فينير ضمير ووجدان كلّ حرّ يطلب النصف ؛ لتقييم العدل والإيمان والهدى ، فأبان الأوفياء من قومنا حقّ التخليد بأعلى بيان لكريم الإسلام وسيّد شبابه ، وبكلّ إنصاف , حتّى اتّضح لكلّ أهل الدين والدنيا أكمل تكريم للشرفاء الأمجاد , وأهل العزّ والفداء ، وبما لا يوجد مثله في كلّ اُمم العالم وأديان الدنيا .
وهذا المرقد المقدّس للحسين (عليه السّلام) في كربلاء ، فضلاً عمّا عرفت عن تخليد ذكره بترابه الطاهر ، حقّاً به يتمّ تخليد أهل الشرف والإباء , والسادة الكرماء في اُمّة الوجود كلّها ، حتّى كان الحسين (عليه السّلام) وزيارته , والجدّ في ذكره ، خلاصة لتكريم كلّ الأنبياء والنبلاء , والشرفاء والصلحاء ، والذين قدّموا كلّ شيء من أجل إعلاء كلمة الله وهداه ، فوفى له الشرفاء والأحرار المؤمنون بالذكر الجميل حتّى جعلوه يناطح الاُفق في أعلى السماء ، فيعكس نور الشمس والقمر ، بل نور العلم الربّاني والعمل الصالح إيماناً وهدىً , وعدلاً وصلاحاً ، ورفضاً للظلم والطغيان ، فعمّ كلّ حرّ وطيّب وطالب للحقّ والهدى والعدل والصلاح ، فلم يجهله أحد إلاّ أصمّ القلب وأعمى العقل .
وهذا فعل الشرفاء والأوفياء ، وأهل الله والأحرار الأطايب ، أعلوا وتفننوا في تكريم وتخليد وتمجيد رمز الحرية والعدل ، والمجد والشرف والغيرة , وكلّ صلاح ، وبكلّ ما يستطيعون ؛ فجعلوه رمزاً للعدل , وطلب الإصلاح والهدى , والدين والإيمان , ولو أبى الطغاة وامتعض الظلمة من فعل المؤمنين وحاربوهم بكلّ ما يقدرون .

بل وفى للحسين (عليه السّلام) الأحرار والمؤمنون ، فسجدوا لله على تراب كربلاء ؛ فإنّ السجود على التربة التي استشهد عليها الحسين (عليه السّلام) ، وسُكبت عليها دماؤه الطاهرة ، لهو عقد عهد مع الله تعالى ونبيّه الأكرم على أنّنا سائرون على نهج الحسين (عليه السّلام) في التضحية والفداء ، وطلب العدل والصلاح ، وعن إيمان بهداه ودينه الذي بتطبيقه نرجو بكلّ أملٍ رضا الله ، وبكلّ تعاليم دينه نقتدي إن شاء الله ، بل وكلّنا نيّة وعزم بالتأسّي والاقتداء به ، وعلى كلّ حال وظرف مهما كان ، بل وبتطبيق علمي وعملي لهداه بتوفيق الله .

فهذا ما يقصدون به من زيارة الحسين (عليه السّلام) وإعلاء منار هداه ؛ فإنّ هذا هو معنى السجود لله على تراب الإخلاص والفداء ، تراب كربلاء .

معناه أنّنا سالكون لسبيله في كلّ تصرّف لنا ، فضلاً عن تخليد ذكراه , وبناء رمز الحرية والعدل والصلاح عالياً منيراً يناطح اُفق السماء .

ونأمل من الله أن يوفّقنا ويرضى عنّا بكلّ صورة وحال ؛ للإرشاد والنصيحة للمسلمين والمؤمنين حين تعريف وبيان هداه ، وبكلّ صورة ولو بتربة نسجد عليها لله , أو سبحة نذكر بها الله تعالى .


الصفحة (23)

ولذا يا أخي الكريم ، هذا من التخليد والوفاء , صار حقّاً علينا أن نعرف تراب كربلاء المقدّسة الذي قدّسه الحسين ابن المقدّسين ؛ نبيّنا وأمير المؤمنين والأنبياء السالفين (عليهم السّلام) ، فنقف في اليوم خمس مرّات للصلاة , واضعين لهذه التربة الطاهرة أمامنا ، نتذكّر بها أنّه يجب علينا أن لا نخضع لظالم ولا لمعتدي ، و لا نداهن كافراً ولا مشركاً ولا منافقاً ، ولا نصادق قويّاً غاشماً لا يحبّ العدل ولا يعمل به ، ولا نصافح عدوّاً على باطل .
ولذا يا إخوتي ، حقّ التخليد لفداء الحسين (عليه السّلام) ودينه وتكريمه ، وأخذه قدوة واُسوة واجب الطاعة وبكلّ شيء ، حتّى كرّمنا تربته المقدّسة في كربلاء زيارةً .

وحين رؤيتنا لهذه التربة المقدّسة سبحة ، أو تربة للسجود عليها حين الصلاة ، فنتذكّر كلّ دين الله الخالص وهداه الحقّ ، وما يجب علينا وما لنا من الحقّ ، وبها نحبّ قيم العدل والإحسان بكلّ صوره ، فنتذكّر أنّ علينا أن نؤاخذ كلّ مَنْ يهضم المؤمنين ويضع من قدرهم ، ونهجر ، بل نقاوم وننكل بكلّ مَنْ يجبر المسلمين على الفسق والفجور والعصيان ، أو يضطرهم عليه ويدعوهم إليه ، ونقاوم كلّ مَنْ يحاول أن يكره الأحرار ويريد أن يقهرهم ويستعبدهم ويستعمرهم .
فإنّ هذه التربة الكريمة المقدّسة ، تربة كربلاء , تعلّمنا كيف يجب أن لا نصبر على الضيم والهضم ، ولا نطيق الطغاة والجبابرة في أيّ حكم ، ولا نرضى بالعدوان , ولا بسلب حقوق الناس ، ولا نحبّ الجور على أيّ فرد من بني الإنسان أين ما كان ، فهذا رمز الحرية والإباء في النفس ، وحبّ العدل والإحسان المقدّس الذي دعا له الحسين (عليه السّلام) ، ومات شهيداً من أجله وفداه بكلّ أهله وماله وولده .
فإذا كانت الصلاة لله تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتردع عن الحرام والخطيئة ، وتمنع من ارتكاب الآثام والآصار ، وتقف سدّاً أمام اقتراف الفجور والجناية ، فإنّ الصلاة على تربة كربلاء التي سكبت عليها الدماء الطاهرة ، تعطي الكمال للنفس , والوقاية والقوّة للروح ، فتعاهد الله تعالى على أن تتّصف بالصفات الحميدة ، والخصال الفاضلة التي تحلّى بها الأماجد الكرام من آل نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه واله) ، والبقية الباقية من أشراف أصحابه وأتباعه ، وبالخصوص سبط الرسول الحسين وريحانته , وامتداد وجوده وهدى دينه .
فالصلاة على تربة الحسين (عليه السّلام) والتسبيح بها , وزيارتها تخليداً لمبادئه وهداه ، تذكّرنا في كلّ يوم خمس مرّات , وفي كلّ مكان وزمان ، بل تشعرنا بكلّ ما اُوتي التبليغ من قوّة ، وفي كلّ يوم أربعة وثلاثين مرّة مع كلّ سجدة ، بتضحية أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) وصحبه الكرام ، خلاّن الوفاء للعقيدة ، وأصدقاء الصفاء للمبدأ ، فنتعلّم منهم السماحة والجود والكرم في سبيل النهوض بتعاليم الله بكلّ وجودنا ، تعليماً وتدريباً وتطبيقاً ، وإقامة لحدود الله تعالى في أصعب الظروف والأحوال ، وبتقديم الغالي والنفيس من أجلها .


الصفحة (24)

فالصلاة على تربة كربلاء ، أو التسبيح بسبحة من ترابها تجعلنا نعيش مع حواري الأصحاب ، واُولي الحجى مبدأً وديناً وغاية ، والخاصة من اُولي الألباب واُولي النهى الأكياس ، الذين عرفوا الحقّ فاتّبعوه ، وهجروا الباطل والضلال حين عرفوه ؛ فإنّه بحقّ عن علم وعمل وجهاد كانوا أبطال الهيجاء وفرسان النجدة المغاوير النجباء ، فصاروا اُسوة وقدوة .

فهذه معرفتنا بالحسين وصحبه في كربلاء ؛ فإنّهم كانوا ليوث الحرب والوعظ والإرشاد والنصيحة ، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، فحقّ علينا تكريمهم وتخليدهم حتّى السجود على ترابٍ ثوى فيه أبو عبد الله (عليه السّلام) لعبادة الله , وبنفس إخلاصه وفدائه ؛ فإنّ الحسين وصحبه وآله في كربلاء بحقّ كانوا من أجل هدى الله ودينه ، وتعليمه وتبليغه بكلّ ما أوتوا من قوّة , هم أصحاب البسالة والشجاعة والنخوة ، فحقّ لهم علينا تخليدهم والسير وفق هداهم ، والاقتداء بسيّدهم وقائدهم ، وزيارته والسجود والتسبيح بتربة أحاطته .
فإنّ شهداء كربلاء الذين صبغوا ترابها بقيمهم وبتفانيهم من أجل دينهم , بقيادة ولي المؤمنين وإمام الحقّ القائد الفذ بصدق ، قد لبّوا نداء إمامهم وقائدهم حين قال (عليه السّلام) : (( ألا من ناصر ينصرنا ؟ )) ، فجاؤوا مسارعين بكلّ فخر ، وملبّين طالبين الكمال والعزّ الأبدي ، والمجد الربّاني الدائم في نعيم الله ولو بالتضحية بالأرواح وبيعها لله ، فاشترى منهم سبحانه أنفسهم فخلّدهم ومجّدهم ، بل نشر ذكرهم حتّى مجّدهم المؤمنون والأحرار وخلّدوهم ؛ وذلك لعلمه بصدقهم الذي جاؤوا به لولي دينه ، مقدّمين الأرواح والنفوس وكلّ ما يملكون ، ومتسابقون بكلّ زهو لتقديم النجدة والنخوة للدين وأهله ، فوهبهم ربّ العزّة والكمال كلّ تقدير واحترام , وعلى طول التأريخ .

وكان لهم عند كلّ الطيّبين كلّ شموخ ، فكانوا عظماء عنده سبحانه في الملكوت الأعلى في أكرم منازل الصدّيقين والشهداء ، وهكذا كرّمهم عباده فزاروهم وسجدوا لله على ترابهم وسبّحوه به ؛ فإنّهم بحقّ كانوا أمجاداً شرفاء ، نالوا كلّ خير وبركة ونعيم ، والمقام الرفيع المكنون في جنان الخلد والنعيم الأبدي ، وفي جنان الروح , ولبّ النفوس الكريمة التي تطلب الحقّ بقدوة بان واتّضح صدقه وإخلاصه بما لا شك فيه ، ولا شبهة في دينه بحقّ وواقع .
فإنّ الحسين (عليه السّلام) وصحبه الذين سكبوا الشرف والمجد والكرامة والإباء على تراب كربلاء في ذلك اليوم العزيز ، بحقّ كانوا كباراً في الدين , وقدوة لكلّ المسلمين ، واُسٌّ ركين في التأسّي بفدائهم وصمودهم ، ومن أجل تطبيق الهدى الإلهي ، والدعوة والتبليغ لتعاليم الدين ، وبهذا نالوا الجزاء الأوفى ، والمكافئة العظمى في رضا الله ورسوله ، ودخلوا جنّة عرضها السماوات والأرض ، فضلاً عن كونهم اُسوة وقدوة للكرام ، ولمَنْ يطلب المجد من أهل الدنيا ؛ لأنّه يراهم بحقّ شرفاء عند قومهم ، وكلّ الأحرار والطيّبين والمصلحين ، والذين يبحثون عن اُولي الحسنى والعدل ، والإصلاح للاقتداء بهم , وللسير على سبيلهم .
ولهذا يا طيّب ، صار تراب كربلاء بكلّ صوره حملاً له وزيارة له ، والسجود لله عليه , والتسبيح به لله , مذكّراً بكلّ ذرّة منه بهذه البطولة والبسالة والصمود ، فهذه كربلاء منار العدل والصلاح قد قدّسها الحسين (عليه السّلام) ، وبالإيثار والفداء سقاها ،


الصفحة (25)

فزاروها الكرام والأوفياء ، وكرّموها في نفوسهم وعقولهم بأجمل الذكر ، وبالتأسي بقيم ومبادئ قد حلّت فيها ، وعن دراية وعلم وعمل قد عرف المؤمنون أنّه فيها ثوى المقدّس ابن المقدّسين ، الذي بان قدسه وهدى فعله عن يقين لكلّ الأحرار والطيّبين ، فصار فيها كلّ شيء ولو تراب يحمل مناراً ورمزاً من أجل كلّ خير وبركة يحبّ الإنسان الشريف أن يهبه لنفسه ولاُمّته ولمجتمعه ، فخلّدوه وقدّسوه وزاروه ، ووقفوا عليه وأمامه بكلّ تقدير واحترام .
ولهذا يا طيّب ، حقّ للمؤمنين والأحرار زيارة منار كربلاء ورمزها ، والتسبيح بترابها ، والسجود على ذلك التراب المصبوغ بالمعنى والروح بتلك الدماء الطاهرة والعقائد الكريمة الشريفة ، والتي تهب حياة الكرامة والعزّ للإنسان أينما كان .
فلهذه المعاني الكريمة والوفاء من الصالحين والشرفاء لقيم العدل والصلاح والإيمان صار ذلك المستحبّ المؤكّد السجود لله على تراب كربلاء ، واتّخاذ خرز سبحهم من ترابها ، وحمله معهم أينما حلّوا ، فضلاً عن زيارتها في المناسبات الكريمة ، وقصدها للتزوّد من الروح والمعنى , والهدى والإيمان الذي حلّ بها ، ولم يفارقها إلى يوم القيامة .

فتهب لمَنْ يقصدها ويحلّ بها المعرفة لأهل الهدى الحقّ والصراط المستقيم ، والدين الحقّ القيّم الذي نزّله على جدّ الحسين (عليه السّلام) ربُّ العالمين ، فيستمدّون بزيارتهم جدث الحسين وروح الإيمان في كربلاء العزمَ والنيّة الجادة ، والجهاد الواقعي للنفس والصبر ، والصمود والمثابرة لتطبيق الهدى عن إيمانٍ وجدٍّ ، ورفضاً لكلّ ما يغضب الربّ من الظلم والضلال ، والباطل والطغيان والعدوان .
وهذه المعرفة للعزّة والكرامة لتخليد رمز الدين والهدى والإيمان في كربلاء لم يعرفها المؤمنون والأحرار والاُباة والشرفاء فقط ، بل عرفها كذلك الطغاة والظلمة وأتباعهم , فخافوها ، وحرّموا زيارة كربلاء , ومنعوا من السجود على تراب كربلاء ، أو اتّخاذ سبحة للتسبيح لله بترابها ؛ لأنّه بحقّ يعلم ويطالب بالهدى الواقعي والإيمان الصادق بلا مداهنة وتسامح ، أو غضّ الطرف عن الفجور والطغيان ، فخافه الطغاة وأهل الفجور والعصيان فمنعوا منه ، وحرّموا الاقتراب من قدسه ما استطاعوا , حتّى أفناهم الحفاة والمشاة لذكر أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، ولو بصمتهم وأنسهم بالله وذكرهم لما حلّ بتراب كربلاء بالروح والمعنى ، فأخذوا يزرون بالظلمة حتّى أقصوهم ، وهم في حكمهم في معاقل يعتقدون أنها تمنعهم من الموت والذلّ , والخذلان والخسة في الطبع ، فلا يُكشف ظلمهم وخسيس طبعهم , ولكن تراب كربلاء أخذ يزري بالعملاء فيبتعدون عن المؤمنين والأحرار إلاّ بتملّق وخسّة طبع , وذلّة ظلم وخباثة , ولؤم شهده الاُباة وحكوه .
بل مبادئ هدى كربلاء كان يغمّ المتقاعسين فيثقل عليهم حملها ، بل لمسها بالروح والإيمان ؛ فيهجرونها ويقتربون من النفاق والشرك ، أو يقعون فيه مثل عملاء الظلمة والطغاة ، فيتكلّمون بغير مبدأ حقّ ولا رمز يكون مقياس لعلمهم وعملهم ، ولا أمر يصدّق دعواهم ومطالبهم ، ولا بيان حقّ يكون مناراً لهم ,


الصفحة (26)

ويصير صراطاً مستقيماً يسلك بهم للهدى الواقعي الذي لا يحاد عنه , فلا يتلاعبون بمقدّرات أنفسهم والناس وقومهم ، فيضلّون فكر مَنْ تبعهم ، بل بمصير أنفسهم وأهل ملّتهم ؛ فإنّهم ينطقون لا عن إيمان بهدى مجرّب ، ولا عن علم هدى له واقع مصدّق ، بل ولا تطبيق لهم كريم شامخ يحكونه بحقّ حتّى يقتدي به ويتأسّى به أهل بجدتهم ، ولا عندهم أمر حقّ يشتاق له الكرام والأحرار والطيّبون فيتّخذوه مبدأ وغاية وهدفاً فيسعون لتطبيقه أو الإيمان به ، فضلاً عن الموت من أجله والتفاني بكلّ شيء في سبيله ولخاطره .
ولكنّ النبلاء وأهل الحجى الطالبين للعزّ والمجد والكرامة يفتخرون بحمل تراب كربلاء ، فضلاً عن زيارتها والاقتباس من منهلها العلم والهدى والإيمان الذي حلّ بها ، فعانق ذكرها وترابها وأرضها وسماءها ، بل هم يتشرّفون بالسجود عليه للواقع من العدل والصلاح الذي حلّ فيه ، فيحبّون الكرامة في الكون فيه وزيارته ولو بالعمر مرّة ، ويحيون ذكراه بكلّ تفاخر وعزّ ، معلنين هذا لكلّ أهل الكون بكلّ صورة ممكنة ، فيستفيضون منه الشرف والكرامة والعزّ والإباء .

وما أكثر هذه المناسبات الكريمة عند شيعة الحسين والأحرار من أتباعه حتّى تأسّوا به في كلّ مناسبة وفرصة تسنح لهم ، فيُحيون ذكراه بحقّ وبما يناسب شأنه الكريم وعزّه التليد ، وعن علم وإيمان ودراية بما يعملون .
ولهذا ، فإنّ الكرام والنبلاء ، والأحرار والمؤمنين يحبّون السجود والتسبيح بالتربة الحسينيّة ، وتراب كربلاء المقدّسة بالمقدّس الحسين أصل النبل والكرامة ، والإباء المتأصّل به من آبائه الكرماء النجباء ، أئمّة دين وأنبياء الله ، بل حلّ أبناؤه أئمّة الحقّ ليوم الدين الذي يدان به الناس المهتدون بالحقّ فيتنعّمون معهم ، ويتميّز المبطل الضال عدوّهم فيعذّب بأليم النار ، وبأمر الله الذي يدعو كلّ أناس بإمامهم يوم القيامة , وبولي هداهم عند الحساب ، فيسأله عن كلّ شيء ، وأوّل الأمر إمامه والقائد الذي خلّده وتبعه واقتدى به فأطاعه في علمه وعمله ؛ ولذا الحقّ في القول : إنّه من الآن يُحشر مع الحسين وصحبه وآله مَنْ قبل منه مبادئ العزّ والكرامة , والشرف والإباء ، ورفض الظلم والطغيان , والفسق والفجور فلم يتبع أئمّة الضلال والطغيان .

فإنّ الأحرار والمؤمنين والطيّبين يرون في تراب كربلاء وزيارتها في كلّ حال ولو عن بعد ، فضلاً عن وقت الصلاة حين السجود لله والتسبيح بترابها ، أنّه يجب التدبّر والمعرفة والإيمان بما سقى الأرواح فأحلّها حقّ الهدى موقعها وترابها وزيارتها ، واللبّ والعقل بحقائق الدين عن برهان صادق ودليل واقعي ذكرها والتذكير بها ، فنال أولياء الحسين وأحباؤه والمتأسّون به نوره , فتحقق في علمهم وعملهم وسيرتهم ، وأحبّوا كلّ ما يذكّر به فخلّدوه في ذواتهم .
فهذا يا أخي الطيّب , الحرّ الأبي ، حقُّ معرفة المجد لأهل العزّ والشرف والكرامة في تطبيقه ، وهذا واقع التخليد والذكر له بكلّ عزّ وكرامة بواقع التخليد والذكر ، وهذا عين الشرف في السعي لتحصيل العدل والصلاح والهدى ، والدين والإيمان بإخلاص من أهله ، وعن دليل واقعي وبرهان حقّ يؤيده تاريخ


الصفحة (27)

الوجود ، وسيرة أهل المجد والشرف والفداء الكرام المقدّسين بحقّ ، وبهذا حلّ بحقّ ، وتمكّن واقعاً ، وسكن صدقاً في القلوب والأفئدة الحرّة الأبية والمؤمنة بمبادئ الحسين (عليه السّلام) بكلّ إخلاص له وفداء له ، فسعوا بكلّ وجودهم في كلّ مكان وزمان ممكن لتحصيله والكون فيه وزيارته ، ولو بالسلام عليه من بُعد فضلاً عن المشي له بأقدامهم البدينة وأفكارهم الروحية .
بل يا أخي الكريم ، قد عرفت أنّهم قرّروا بكلّ إيمان السجود على تربته من أجل الله ودينه ، والتسبيح بذرّات ترابه حين ذكر الله ؛ ليكون في تطبيقهم لدين الله وهداه , وحقيقة ذكرهم حقيقة الدين مع الإخلاص ؛ فلهذا الواقع الحي الذي تشهده الدنيا ويسمع به كلّ أهل الوجود قَبِل الأحرار والمؤمنون والكرام التسليمَ للحسين ، وللهدى الذي خالطه بتراب كربلاء حتّى في ذكرهم لله ، فكانوا بحقّ مخلّدين لمنهجه ، والدعوة له ، وتطبيق هدفه والجهاد من أجل دينه ؛ دين الله وجدّ الحسين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
نعم يا كريم المنهج ، والراضي بحقائق الاُمور في العدل والصلاح ، والدعوة له وتطبيقه ، ترى بعين اليقين أنّه بهذا الوفاء الصادق من الكرام والأحرار والطيّبين خلّدوا ذكر الحسين فاتّخذوه مناراً في فكرهم وقلوبهم ، بل تراب كربلاء زاروه واتّخذوه رمزاً وعلماً ومناراً ، فقدّسوا الإخلاص والإباء ، والهدى والتضحية والإيثار الذي فيه حتّى سبّحوا الله به وقدّسوه عليه .

فهذا حقّ التكريم والتقديس ، والرضا والقبول للحقّ والعدل والصلاح في زيارة كربلاء والسجود على ترابها ؛ من أجل تطبيق دين الله , ومعرفة أهله , وصراطه المستقيم ، وهداه القويم , والعدل والصلاح , ورفض الظلم بكلّ شكله والطغيان على هدى الرحمان .
فحقّاً يا أخي الكريم ، إنّه بهذا الحقّ من الهدى والواقع من الدين تتنزّه النفس عن كلّ نعوت يتّصف بها أعداء الحقّ والعدل والهدى ، ويبعد الأرواح والعقول الأبية الكريمة عن عمل الطغاة والظلمة وأهل الفسوق ، فلا يخضعون لأهل الجور ولو كان فيه سفك دمائهم وفناء أبدانهم ؛ لأنّه خالط وجودهم نور مبادئ ولي كربلاء المخلص في دين الله ؛ فنوّر روحهم ، وأضاء وجود مَنْ يقبله ويتحقّق به عدلاً وصلاحاً وإيماناً ، وهدى قيماً حقّاً .

وهذا حقّ الوفاء والتخليد لولاة الدين ، وقادة البلاد , وسادة العباد , وأركان البلاد ، وحكماء الاُمّة , وأئمّة الحقّ , والقادة الكرام الأباة ، والعدول في البلاد وأهل الصلاح والشرف .
نعم يا طيّب , يا مَنْ يحبّ الكرام ، بهذا المعنى الشريف رأى الطيّبون كلّ معاني التضحية من أجل الشرف والمجد والكرامة قد ثوى مقدّس في تراب كربلاء من الحسين (عليه السّلام) ؛ فقدّسوه وخلّدوه في فكرهم وأرواحهم مبدأ وعقيدة وديناً ، حتّى سبّحوا لله بتراب يحيط به ، وطلبوا مبادئ الكرامة والعزّ والشرف والغيرة فيه ؛ ولذا لم يكن مَنْ يسبح بذلك التراب الطاهر تراب كربلاء ، ويسجد عليه وهو يعرف معناه ويطبّقه صادقاً من اللخناء ، ولا من أهل الغباء أتباع الظلمة والطغاة ، ولا من العملاء بكلّ وجودهم من حيث يدرون أو لا يدرون ؛ سواء في


الصفحة (28)

 السابق أو في اللاحق ، بل الآن حين يرضون بظلم الكفرة والمشركين والمنافقين , وضلالهم وانحرافهم عن أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) في فكرهم ومبادئهم .
وبحقّ أقول لك يا طيّب ، لا يكونوا أنصار الحسين (عليه السّلام) من أراذل الناس الذين باعوا الدين بالدنيا ، واشتروا الذلّ من أجل دراهم معدودة وآمال كاذبة ؛ فقاموا بقتل عمود الدين ورمز الحرية وأصل الإباء , سيّد الشهداء أبي عبد الله وصحبه الكرام الأوفياء النجباء في يوم عاشوراء كربلاء .

بل والآن فعلهم يتجدّد من أتباعهم حين منعوا زيارته ، وحاربوا منهجه ودينه القيّم وهداه ، فلم ينصفوا العدل والصلاح , ولا خلّدوا الفضيلة والفلاح ، لا من أجل أنفسهم ولا من أجل الله ، ولا من أجل الوطن والأهل والمجتمع .
فحقّ للكريم والأبي والغيور على وطنه ونفسه ودينه أن يعرف كربلاء وترابها فيزورها بروحه ولو عن بعد ، فضلاً عن بدنه وفكره في كلّ حين ، فيخلّدها ويتّخذها رمزاً للخير والفضيلة , والهدى والدين ، والحرية والإباء , والكرامة والمجد ، ولكلّ ما يرضي الله ويوصل لنعيم النفس وواقع السعادة ، ولا يكون من أتباع الظلمة , ولا يخفى عليه الحقّ وأهله فيكون مع مَنْ قتل الحسين (عليه السّلام) في هداه ودينه ومبادئه ، فيكون ملعوناً من الله ومن كلّ النبلاء ، ومطرود من رحمة الله وجنته الواقعية ، المانحة للكرامة والشرف والغيرة للنفس الأبية ، الخاضعة للعدل والحقّ , والمطالبة بالإصلاح والقسط .
ولذا يا كريم النفس ، لا يحقّ لمَنْ يعرف الحسين (عليه السّلام) وهداه الذي سكبه في كربلاء أن يتبع أعداءه الظلمة والطغاة ، ولا أهل الجور والفسق في أيّ زمان كان ومكان كانوا ؛ فيتّصف في ميزان الحقّ والعدالة الإلهية والإنسانيّة أنّه مَنْ خسر الدنيا والآخرة كان من الأغبياء ؛ لأنّه تابع أهل الضلال والظلمة وأعداء الإنسانيّة ، ويكون من الخرقاء الذين نكصوا عن الحقّ واتّبعوا الباطل ، فكان تبعاً لرموز الظلم وأهل الضلال ، فيكون مغضوباً عليه في ميزان الشرف ، وله الذلّ والعار الأبدي عند الله .

فإنّ الدنيا وكلّ ما يزيّنه الشيطان وزخارف الدنيا ، وظلمة بني الإنسان , هو التمتّع لأيام معدودة , ولمتعة أمل لم تتحقق في دنياهم القصيرة ، ولم تروِّ من عطش الدنيا ، فضلاً عن أنّه يغرّهم ويمنع تمتّعهم بحقّ الخوف والجبن من الظلمة ، فلا ينفعهم شيء ممّا أغرتهم به الوعود الكاذبة إلاّ ما ركبهم من الروع والذعر من تهديد الحكّام الطغاة ، وأهل الفسق والفجور الذين قبلوهم في كلّ تسلّطهم عليهم .
ولذا كان مَنْ يعرف بحقّ معاني الكرامة , والعزّ والشرف ، والنبل وإباء الضيم الممزوج بذرّات تراب كربلاء ، يتّخذ منه سبحته ؛ فيذكر الله وهداه , ويسجد عليه في كلّ صلاةٍ حمداً وشكراً لله ، ويزوره بروحه عن بعد , ومع الإيمان بهداه وقيمه التي تمنح الكرامة الحقيقة الصادقة ، فيتّخذه مناراً , ويجعله رمزاً واقعياً


الصفحة (29)

 يمنحه كلّ حين العزم على الهدى وطلب الصلاح ، فتكون له بحقّ روح كريمة تؤمن بالمبادئ التي ضحّى من أجلها الحسين وصحبه الكرام (عليهم السّلام) ، وبهذا نعرف بيقين أنّه مَنْ يسجد على التربة الحسينيّة تحصل عنده الشجاعة والعفّة والحكمة ، فيبتعد عن ضعف الرأي والجهل ، والغباوة والحمق ، والسفه والبله ، وتدحر نفسه سوء الخُلق وشره الهوى وصلف النفس ، وتطرد التلوّن والخداع والتهوّر عنده .
فالروح التي تؤمن بالمعارف الإسلاميّة التي ضحّى من أجلها شهداء الحقّ والفضيلة الحسين وصحبه (عليهم السّلام) ، ليس في حيرة من أمرها , ولا عندها خوف إلاّ من ربّها ، ولا لها فزع من ظالم وطاغية ، ولا حرص ولا طمع بدنيا بغير حقّ ، ولا غدر ولا خيانة لقومها وأهل ملتها ، ولا خداع ولا تضليل لنفسها وأهلها ومجتمعها ، ولا مكر ولا حيلة بغيرها ولو في أقصى بقاع الدنيا ، لا كذب ولا افتراء في وجدانها وضميرها على غيرها .
فمَنْ حصلت له عقيدة وأهداف ثورة الحسين وصحبه (عليهم السّلام) يلتزم بمواظبته على السجود على تربة حنتها دماؤهم الطاهرة ، فيعرف كيف يصمد أمام كلّ قاسط وناكث ومارق من الدين ، ويصبغ التراب بدماء الحرية والإباء ، ويكون على نهج ودين المعلّم لأهل الأرض ألوان التضحية والفداء .

اللّهمّ بالحسين , وجدّه وأبيه , واُمّه وأخيه , والمعصومين من بنيه اجعلني مع الحسين وآله الطاهرين وأصحابه الطيّبين

ــــــــــــــــ
(*) تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقال قد اُخذ عن أحد المواقع الإسلاميّة , مع تصرف كبير ومراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 
الفهرس

 

طباعة الصفحةاعلى