كربلاء إحياء لمنطلقات الرسالة

كربلاء إحياء لمنطلقات الرسالة(*)

لا خلاف من الناحية التاريخيّة في أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قد سار إلى كربلاء , واستشهد في العاشر من المحرم سنة (61) هـ , وأنّه شخصية إسلاميّة جامعة . وبالرغم من ذلك نجد أنّ الواقع يحفل بتفسيرات عديدة ومختلفة حول حركته أدّت إلى وجود حالة من التشظي والانقسام على صعيد الممارسة ؛ ما يطرح التساؤل حول البواعث الحقيقية لهذا التحرّك , ويرسم في المخيلة تصورات مختلفة تحاول معالجة ما أمكن منها , والوقوف عند أهمّ محطاتها .

من قبيل : هل ذلك يعود إلى صعوبة كشف ملامح ومزايا السلطة الحاكمة وممارساتها , أمّ إلى صعوبة فهم خطاب الحسين (عليه السّلام) وخطوات تحركه , ودور العناصر الشخصية والقبلية , وما يستتبع ذلك من عدم الإمعان في النظر بدوافع الثورة ومحفّزاتها البعيدة والمباشرة , وما إلى ذلك ؟

وفي هذا السياق نحاول أن نرسم صورة متواضعة للعوامل المساهمة في حركة الإمام الحسين (عليه السّلام) والوقوف عند أهم محطاتها .

عقبات في طريق البيعة

لعلّ المعضلة الأقوى التي واجهت معاوية بن أبي سفيان كانت تسمية ابنه يزيد ولياً للعهد , سعياً منه لتطبيق مقولة أبي سفيان الداعية للاستيلاء على السلطة , (يا بني اُميّة , تداولوها بينكم تداول الكرة , فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أنتظرها لكم , ولتصيرنّ إلى أبنائكم وراثة) .

ولكن هذا الهدف كانت تعترضه عقبات كثيرة , لعلّ أبرزها شخصية يزيد نفسه التي كانت تشكل استفزازاً لمشاعر المسلمين , وخروجاً على قيم وتعاليم الإسلام ؛ وذلك لما اشتهر عنه من ميل لحياة اللهو واللعب , والنساء , واستهتاره , وشربه للخمر , واتصاله ببطانة السوء على حدِّ تعبير الطبري .

كان معاوية يعي صعوبة طرح هذه القضية على المسلمين ؛ لما ينطوي عليها من خروج عن المبادئ الأساسية التي حكمت المرحلة التي سبقت تولّيه السلطة , وتحويل الخلافة إلى (هرقلية) , وهذا شأن لا قِبل للمسلمين به , ولكنّ بعض المتنفذين في السلطة الاُمويّة وبدافع من المصلحة الشخصية , وهو المغيرة بن شعبة , قد زيّن له السعي بولاية العهد ليزيد ؛ وذلك في خطوة منه لاستمالة معاوية بعد جفوة حصلت بينهما .

وبالرغم من عملية التزيين هذه , ومحاولة القفز فوق المشكلات , فإنّه كانت تحول دون ذلك معوّقات , خاصة من جانب المعارضة في كلٍّ من الكوفة والمدينة ؛ حيث كانت الاُولى تشكّل مركز التشيع والثورة , وناقمة على ما آلت إليه الأوضاع جرّاء الممارسات القاسية من قبل السلطة الاُمويّة .

أمّا الثانية فكانت تحمل رصيداً معنوياً من الناحيتين الدينية والتاريخيّة , فهي كانت تحتل مكانة سامية في نفوس المسلمين تجسّد من قبل في حركة النبي (صلّى الله عليه وآله) , وموطن كبار الصحابة من أهل الحلِّ والعقد , وأبناء المهاجرين والأنصار .

وبعد تأمّل وتفكّر طويلين حاول معاوية أخذ البيعة ليزيد من المدينة مراراً ؛ بهدف اختصار الطريق ؛ لأنّه إذا ما حقق هدفه فإنّ الشام لا حرج ولا مشكلة فيها , بل ستقاتل من أجل بيعته , وتبقى الكوفة , فإذا ما عارضت فإنها ستصبح مكشوفة ؛ لأنّ قيادتها تكون قد سلّمت بالأمر .

سمات شخصية يزيد ومحاولات البيعة

ولكنّ معاوية فشل في تحقيق ما كان يصبو إليه بالرغم من عمليات التجميل التي كان يقوم بها , والتي لم يكن آخرها محاولة مروان بن الحكم ـ بعد أن أخفق زياد بن أبيه في المحاولة الأولى ـ في مطارحته لكبار الصحابة في المدينة ؛ حيث حاول أن يسمّ فيها يزيد بالشخصية التي تجمع روح الإلفة بين المسلمين , والتي يريد معاوية من خلالها الحفاظ على مصالح الاُمّة .

وقد تجلّى ذلك بقوله : رأى أن يختار لكم ولي عهد يجمع الله به الإلفة , ويحقن به الدماء , وأراد أن يكون ذلك عن مشورة فيكم وتراضٍ ...

وهذا ما يتناقض في الواقع مع شخصية يزيد والأهداف التي رسمها الإسلام بشأن الخلافة ؛ ولذلك فإنّ خدعته هذه لم تنطلِ على كبار الصحابة , حيث دحض عبد الرحمن بن أبي بكر مزاعم مروان , وكشف عن نوايا معاوية بقوله : كذبت وكذب من أمرك بهذا . والله ما يزيد بمختار ولا رضي , ولكن تريدون أن تجعلوها هرقلية . ويزيد هو يزيد القرود , ويزيد الفجور , ويزيد الخمور ...

فشل مروان بهذه المهمة , وهو الذي كان يريد الخلافة لنفسه , إنّما يعبّر عن أزمة حقيقية في تولي يزيد ولاية العهد , وكشف بالتالي عن رغبة دفينة للتحكم في ناصية الحكم لم يكن معاوية بعيداً عن العمل من أجل الوصول إليها ؛ ولذلك رأى أن يذهب بنفسه إلى المدينة لتوفير الأجواء الملائمة للقبول بفكرته , خاصة وأنّها كانت تلقى معارضة فورية من جانب كبار الصحابة وقادة المسلمين , ولا سيما الحسين (عليه السّلام) .

فرأى أن يتفادى هذا الاعتراض والاقتناع من الحسين (عليه السّلام) بالسكوت , أو بالبيعة الصورية , لعلّه بذلك يصل إلى مبتغاه . ولكنّ الحسين (عليه السّلام) لم يستجب لرغبة معاوية , وردّ على ادّعاءاته التي حسّن فيها صورة يزيد , ووهّن ما ذهب إليه , بقوله : (( فهمتُ ما ذكرت عن يزيد من اكتماله وسياسته لاُمّة محمّد , تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوباً , أو تنعت غائباً , أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاص , وقد دلّ يزيد على موضع رأيه . فخذ من يزيد به من استفزازه الكلاب الهارشة عند التهارش , والحمام السبّق لأترابهن , والقينات ذوات المعازف , وضروب الملاهي , تجده ناصراً ودع ما تحاول ... )) .

لاقت هذه المحاولة الفشل كسابقاتها , عندها رأى معاوية أن يذهب إلى مكّة ويأخذ البيعة ليزيد عن طريق القوة , وبذل الأموال للأشراف , وأمر صاحب حرسه أن يقيم على رأس كلِّ رجل من الأشراف رجلاً بالسيف , وأمرهم أن يضربوا عنق كلِّ مَن يتخلف عن البيعة .

وقد خاطب الناس بقوله : إنّ هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم , ولا يقضى أمر من غير مشورتهم , وقد بايعوا يزيد فبايعوا باسم الله . وبهذه الصورة المخادعة أخذ البيعة ليزيد بولاية العهد , ما جعل الوفود تقصده لتأكيد البيعة .

ولكنّ هذا الأمر لم يطل حتّى هلك معاوية , فخلّفه يزيد في الحكم , وأصبح يحمل وسام إمرة المؤمنين , وهو الذي نفى الاُسس التي ارتكز عليها هذا الموقع الهام (الوحي) عندما قال :

لعبت هاشمُ بالملك فلا    خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل

وكانت الخطوة الأولى التي فكّر يزيد بالقيام بها عند استلامه الحكم أن يعمل على إرغام المعارضين لفكرة أبيه على البيعة له طوعاً أو كرهاً , فكتب لعامله على المدينة الوليد بن عتبة ليأخذ له البيعة بالقوة , وخاصّة من الإمام الحسين (عليه السّلام) .

وحار الوليد في الاُسلوب الذي يتبعه تجاه قضية من هذه النوع , وهو الذي يعرف مكانة الإمام الحسين (عليه السّلام) في نفوس المسلمين , وما يمثّله من منهج رسالي . وكان يدرك ما يمكن أن تؤول إليه عاقبة استخدام القوة ؛ الأمر الذي دفعه إلى اعتماد اُسلوب الملاينة , بعكس ما كان يراه مروان من الحكم .

ولكنّ الحسين (عليه السّلام) كعادته رفض أن يبايع يزيد , منطلقاً بذلك من ثوابته الرسالية , وقال للوليد : (( أيّها الأمير , إنّا بيت النبوة , ومعدن الرسالة , ومختلف الملائكة , بنا فتح الله وبنا يختم , ويزيد رجل فاسق , شارب الخمر , وقاتل النفس المحرمة , معلن بالفسق , ومثلي لا يبايع مثله . ولكن نصبح وتصبحون , وننظر وتنظرون أيّنا أحق بالبيعة والخلافة )).

أهداف خروج الحسين (عليه السّلام)

وفي هذا السياق نلفت أنّه ربّما قد التبس على البعض الهدف من خروج الحسين (عليه السّلام) على يزيد , فاعتبر أنّه خروج على إمام زمانه , أو أنّه أراد أن يبثّ الفتن والفرقة في صفوف المسلمين , أو أنّه ذهب مأموراً حيث يتحرك وفق أوامر واضحة , أو ما إلى ذلك .

ولكنّ الحسين (عليه السّلام) خطّ أهداف تحرّكه , وأعلن عن منهاج نهضته ودوافعها ؛ ليدحض بذلك كلّ التفسيرات والادّعاءات التي تخرج نهضته عن أهدافها , وأطلقها صرخة تردّدت أصداؤها عبر الأثير , ولم تنحصر في المدينة أو مكّة , بل امتدت إلى كلِّ مكان تضجّ به الناس , وحلّقت في أجواء الزمان ولا تزال , وهذا ما تجلى بقوله : (( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً , ولا مفسداً أو ظالماً , إنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر , فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق , ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم الظالمين , وهو خير الحاكمين )) .

ولمّا رأى (عليه السّلام) أنّ المقام بالمدينة بات يشكّل خطراً على حركته غادرها في العشر الأواخر من شهر رجب , فأثارت هجرته موجة سخط عارمة على الدولة الاُمويّة , ولكنّه استفاد من هذه الهجرة , والتقى بعدد لا يستهان به من وجهاء الناس , حيث شرح لهم أهداف تحرّكه ؛ ما أثار نقمة السلطة الاُمويّة التي توجّست خيفة من وجوده في مكّة ؛ الأمر الذي جعل يزيد يتخذ قراراً باغتياله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة .

إصرار على المضي إلى الكوفة

أدرك الحسين (عليه السّلام) خطورة الموقف , فقرّر الخروج من مكّة يوم التروية ؛ ليتلافى ما يمكن أن يحصل من انتهاك لحرمة الحرم وقدسيته , كما صرّح (عليه السّلام) بذلك لمن كان يحاول إقناعه بالتريّث , وترك الاستعجال في السفر :(( لأن اُقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إليّ بأن تستحلّ بي حرمة مكّة )) ؛ وذلك استجابة لأهل الكوفة , حيث كانت قد تواردت عليه كتبهم التي تدعوه للقدوم إليهم .

ولكنّه قبل الذهاب إلى الكوفة أرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل ؛ ليكشف عن واقع الحال فيها , والتي ما أن وصل إليها حتّى التفّ الناس من حوله , في ظل حالة من التجاهل لما يجري .

كان النعمان بن بشير قد أبداها , والتي اختلفت التفسيرات حولها , ما جعل السلطة الاُمويّة تعيش حالة من الإرباك والفوضى , وشعرت أنّ الخطر يتهدّدها , فانتدب يزيدُ ابنَ زياد لمعالجة هذا الواقع المستجد .

انطلق ابن زياد من البصرة إلى الكوفة وهي تموج بالفوضى والاضطرابات , وما إن دخلها حتّى تغيّرت أوضاعها وانقلبت فيها الموازين , ما فاجأ مسلماً الذي انتقلت دعوته من حالة العلن إلى التكتّم , وخصوصاً بعد أن اعتقل أهم زعماء الشيعة , وتوارى عن الأنظار معظم الذين كتبوا للإمام الحسين (عليه السّلام) ويدعونه للقدوم إليهم .

في هذه الأثناء كان الحسين (عليه السّلام) يعدّ العدّة للخروج إلى العراق , وحاول بعض الصحابة صرفه عن الاستجابة لأهل الكوفة , فأشار عليه ابن عباس بالشخوص إلى اليمن لمحاربة يزيد , ودعاه محمّد بن الحنفيّة وعبد الله بن الزبير إلى البقاء في مكّة , وعرض عليه عبد الله بن عمر ترك الجهاد والدخول في بيعة يزيد بن معاوية , ولكنّ الحسين (عليه السّلام) واجه كل هذه الدعوات بالرفض .

ونعرض بعض نماذج رفضه :

ـ ما قاله لعبد الله بن عمر : (( يا أبا عبد الرحمن , أما علمت أنّ من هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا اُهدي إلى بغي من بغايا إسرائيل ؟! )) .

كان الحسين (عليه السّلام) يدرك بنظره الثاقب , ورؤيته الواضحة للأمور أبعاد ما ينطوي عليه خروجه إلى العراق , ما قد يحدق به من مكاره ومخاطر , وقد ذهب في ذلك إلى أقصاها ؛ حيث قال : (( خُطّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة , وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ... إلى أن يقول : ألا فمَن كان باذلاً فينا مهجته , موطّناً على لقاء الله نفسه , فليرحل معنا ؛ فإنّني راحل مصبحاً إن شاء الله )) .

وهذه دعوة صريحة إلى القوم للالتحاق بركبه بدل أن يقتصر بهم الأمر على دعوتهم له بالابتعاد عن ذلك , وهذا ما يعبّر عمّا قاله الحسين (عليه السّلام) ؛ لجهة أنّ من يرغب بالرحيل معه يجب أن يبذل فيه مهجته , ويوظّف نفسه على لقاء الله , وهذا ما لا يمكن أن يتحقّق إلاّ في مَن باع دنياه بآخرته .

اختيار نهج العزة والكرامة

وكلّما كان الإمام الحسين (عليه السّلام) يقترب من اللحظات الحاسمة كان موقفه يزداد عزماً وصلابة وتأكيداً على المضي في حركته , وتشديداً على منطلقاتها الرسالية . وهذا ما تمثّل بقوله : (( ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركّز بين اثنتين ؛ بين السِلّة والذِلّة , وهيهات منّا الذِلّة ! يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون , وحجور طابت وطهرت , واُنوف حميّة , ونفوس أبيّة , لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام . ألا وإنّي قد أعذرت وأنذرت , وإنّي زاحف بهذه الاُسرة مع قِلّة العدد , وكثرة العدو , وخذلان الناصر )) .

وبالفعل ترك الحسين (عليه السّلام) مكّة المكرمة , وانطلق مع صفوة أهل بيت النبوة وحَمَلة الرسالة , والتحق به عدد كبير من حجّاج بيت الله الحرام . وبينما هو في الطريق إلى الكوفة التقى ببعض الأعراب , فسألهم عن أمر الناس , فقالوا : لا ندري , غير أنّا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج .

ما يدلّ على أنّ الكوفة كانت تعيش أوضاعاً صعبة , وأنّ حالة من الحصار قد ضُربت حولها , تمنع الوافدين من الدخول إليها , ومَن في الداخل الخروج منها .

انقلاب الكوفة

بقي الحسين (عليه السّلام) يواصل مسيره حتّى وصل إلى مكان يدعى (الثعلبية) ، وهناك وافته أخبار الكارثة المفجعة بمقتل مسلم , وهاني بن عروة , وعبد الله بن بقطر . وهنا خيّر الإمام الحسين (عليه السّلام) مَن كان بصحبته بين الانصراف أو البقاء معه ؛ وذلك قوله : ((من أحبّ منكم الانصراف فلينصرف , من غير حرج , ليس عليه منّي زمام )) .

فافترق عنه البعض , وبقي متابعاً سيره باتّجاه الكوفة , ولكنّ السلطة الاُمويّة كانت تراقب تحرّكاته ؛ فوضعت خطة لمنعه من الوصول إليها ؛ لما يترتب على ذلك من مخاطر على سياستها , ما قد يؤدي إلى إخراج العراق عن دائرة سيطرتها , ومن ثمّ الإطاحة بها نهائياً في مرحلة لاحقة ؛ لأنّ أهالي الكوفة كانوا يختزنون في قلوبهم حبّ الحسين (عليه السّلام) .

وهذا ما تجلّى بشكل واضح بقول الفرزدق عندما سأله الحسين (عليه السّلام) عن حال أهلها , فقال : قلوبهم معك وسيوفهم عليك . فأرسل ابن زياد الحرَّ على رأس قوّة لمنعه من الوصول إليها , وقد دارت بين الحسين (عليه السّلام) والحر مكالمات عديدة ذكّر فيها الحرّ بالكتب التي أرسلها أهل الكوفة إليه , وأنّه إنّما جاء بناء على دعوتهم له بعد أن أعطوه العهود والمواثيق , وذكّرهم بما ارتكبوه بحقِّ والده علي وأخيه الحسن وابن عمّه مسلم بن عقيل (عليهم السّلام) , واعتبر أنّ من ينكث بعهده للحسين (عليه السّلام) إنّما ينكث بعهده لنفسه .

ولم تقتصر مهمة الحرّ على منع الحسين (عليه السّلام) من الوصول إلى الكوفة , بل كان يعمل على دفعه إلى ابن زياد , وهذا ما ترجمه الحرّ بقوله : لا اُفارقك حتّى أقدمك الكوفة على ابن زياد .

وبقي الحرّ مصمماً على مضايقة الحسين (عليه السّلام) حتّى انتهى به الأمر به أخيراً إلى كربلاء ؛ ليواجه بجمعه القليل من صحبه وأهل بيته جيشاً اُموياً كثيفاً , يتراوح عدده ما بين أربعة آلاف وثلاثين ألفاً كما تشير الروايات إلى ذلك .

كشف مزاعم السلطة

ومن المفيد الإشارة إلى أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قد ذكّر أيضاً جمع الحرّ من الكوفيِّين وأصحابه بمثالب السلطة الاُمويّة وما اقترفته من جرائم , داعياً الحرّ وجماعته للالتحاق بركبه , والثورة على الحكم الأموي ؛ وذلك تطبيقاً لنداء رسول الله (ص) الذي قال كما جاء على لسان الحسين (عليه السّلام) : (( أيّها الناس , إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَن رأى سلطاناً جائراً , مستحلاً لحرم الله , ناكثاً لعهد الله , مخالفاً لسنّة رسول الله , يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان , فلم يغيّر ما عليه بفعل ولا قول , كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله .

ألا إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان , وتركوا طاعة الرحمن , وأظهروا الفساد , وعطّلوا الحدود , واستأثروا بالفيء , وأحلّوا حرام الله , وحرمّوا حلاله , وأنا أحقّ مَن غيّر )) .

وفي كربلاء , حيث حطّ الإمام الحسين (عليه السّلام) رحاله اتخذت الحرب بين الفريقين أشكالاً متعددة , لجأ فيها الاُمويّون إلى ما يسمّى باُسلوب (الحصار) ، وهدم المعنويات . ظهرت فيه الأحقاد التاريخيّة والدفينة , وجاءت ترجمة ذلك في أوامر ابن زياد لعمر بن سعد : أن امنع الحسين من شرب الماء , فلا يذوقوا منه حسوة كما فعلوا بالتقيّ عثمان .

في دلالة واضحة على مضايقة الحسين (عليه السّلام) ، وإجباره على الاستسلام لابن زياد ويزيد , ثمّ الاقتصاص منه من خلال تحميله وأهل بيته مسؤولية ما آل إليه أمر عثمان .

ولكن بالرغم من الإجراءات التي اتخذها الاُمويّون لإيقاع الوهن بالحسين وأصحابه (عليهم السّلام) , فإنّهم لم يتمكّنوا من تحقيق أهدافهم ؛ لأنّ الحسين وأصحابه (عليهم السّلام) كانوا يتمتّعون بروح معنوية عالية مكّنتهم من الصمود في وجه كافة أشكال الضغط والحصار التي مورست ضدهم .

التفاني في سبيل الرسالة

ومرة اُخرى تبرز مأثرة الحسين (عليه السّلام) وتفانيه من أجل الرسالة , وأنّه يتحمّل مسؤولية تحرّكه وحيداً دون إلقاء تبعاتها على أيٍّ من أصحابه , فخيّر أصحابه بين البقاء معه والانطلاق في كنف الليل إلى حيث شاؤوا ؛ لأنّ القوم لا يريدون غيره .

وهذا ما ردده (عليه السّلام) على مسامع أصحابه في ليلة العاشر من المحرم ؛ حيث كانت اللحظات الحاسمة تتقادم , والمعركة تشرف على نهايتها , في وقت كانت السلطة الاُمويّة تستنفذ كلَّ ما لديها من وسائل للإجهاز على الحسين (عليه السّلام) وحركته , حيث قال : (( إنّي قد أذنت لكم , فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم منّي ذمام , وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً , وليأخذ كلُّ رجل منكم رجلاً من أهل بيتي , فجزاكم الله خيراً , وتفرّقوا في سواركم ومدائنكم ؛ فإنّ القوم إنمّا يطلبونني , ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري )) .

أمّا جنود المعسكر الآخر فقد خاطبهم غداة يوم عاشوراء بالعودة إلى رشدهم , والتفكّر في اُمور الآخرة , والتزويد بالتقوى بدل الانكباب على الدنيا , وذكّرهم بسنن الماضين , وما آلت إليه اُمورهم : ((عباد الله , اتقوا الله , وكونوا من الدنيا على حذر ؛ فإنّ الدنيا لو بقيت لأحد أو بقي عليها أحد كانت الأنبياء أحقّ بالبقاء , غير أنّ الله خلق الدنيا للبلاء , وخلق أهلها للفناء ؛ فجديدها بالٍ , ونعيمها مضمحلٌّ , وسرورها مكفهرٌّ , والمنزل بلغة , والدار قلعة , فتزوّدوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى , فاتقوا الله لعلّكم تفلحون )) .

وهو في ذلك ينطلق من اُسس إيمانية راسخة , ويتحرّك في نهضته لنيل مرضاة الله في الدار الدنيا والآخرة , ويرفض أن يعيش ذليلاً في هذه الدنيا , بل وهو الساعي لتحقيق العدل وإنصاف الناس , وإقامة بنيان الدولة الإسلاميّة على أساس الرسالة , حيث قال : (( لا والله لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل , ولا أقرّ لكم إقرار العبيد . يا عباد الله , إنّي عذت بربي وربكم أن ترجمون , أعوذ بربي وربكم من كلِّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب )).

وكان من أقواله (عليه السّلام) : (( لا أرى الموت إلاّ سعادة , والحياة مع الظالمين إلاّ برماً )) .

وقد عبّر الحسين (عليه السّلام) عن استيائه من ممارسات اُمّته , وما آلت إليها أوضاعها وهي تخوض حرباً لا هوادة فيها ضدّ معالم الدين , والتآمر على حركة الإصلاح التي يقودها , فكانت فعلتها أشدّ إيلاماً ممّا حصل للاُمم السابقة , وهذا ما جسّده بقوله : (( اشتدّ غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً , واشتدّ غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة , واشتدّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه , واشتدّ غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم . أما والله لا اُجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتّى ألقى الله وأنا مخضّب بدمي )) .

وبالفعل لقي الإمام الحسين (عليه السّلام) الله (سبحانه وتعالى) مخضّباًَ بدمه , وهو الذي لم يهن أمام الشدائد بالرغم من كلِّ الذي حصل له ولأهل بيته , وهذا ما أدلى به أحد الشهود العيان عندما قال : والله ما رأيت مكسوراً قط قد قُتل أهل بيته وولده وأصحابه أربط جأشاً منه .

وهكذا يبدو جلياً أنّ كربلاء تجسّد جلياً مرحلة مهمة من مراحل التاريخ الإسلامي تجلّت في الصراع بين منهجين ؛ الأوّل يتمثّل في السلطة الاُمويّة الحاكمة التي حاولت إعادة إحياء المفاهيم القبلية , وإنتاج مفاهيم سلطوية جديدة تقوم على الإخضاع والإكراه (التوريث) ، في حين أنّ المنهج الثاني كان يتمثّل في حركة المعارضة (الإمام الحسين عليه السّلام) التي قامت من أجل الإصلاح , وإعادة اللحمة إلى بنيان الاُمّة على قاعدة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) .

وبعبارة اُخرى : يمكننا القول : إنّ كربلاء أعادت إنتاج وتأصيل مفاهيم الإسلام من خلال بثّ روح الوعي , وكشف الالتباسات التي كانت تلف الاُمّة , ما جعلها قضية متجددة تنطلق من أعماق التاريخ ؛ لتفتح الآفاق إلى الحاضر والمستقبل .

كما أنّها كشفت من جانب آخر عن مكامن الخلل في بنية السلطة , ونمطية أدائها , وآليات اشتغالها , ما يعبّر عن معضلة حقيقية أحدثت الفرقة والانقسام في صفوف الاُمّة , والتي لا زالت تداعياتها تعشعش في واقعنا حتّى اليوم , وربما إلى المستقبل إن لم نتخذ الحسين (عليه السّلام) نموذجاً وقدوة للسير على نهجه , فنبذل التضحيات لانتزاع الحرية ولتحقيق الوحدة .

ــــــــــــــــ
(*) تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقال قد اُخذ عن موقع بيّنات , مع مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 

 

طباعة الصفحةاعلى