كربلاء من جديد

 
 

كربلاء من جديد(*)

في كلِّ سنة لنا ذكرى مع أجواء عاشوراء ، وفي كلِّ سنة نستعيد في وعينا وحياتنا كربلاء . لكن قيمة عاشوراء وكربلاء الذكرى أنّ لها لقاءً في كلّ زمن مع الاُمّة ، تمدّها وتعطيها من حيويتها ، وتدفعها إلى المواقع المتقدّمة في مسيرة الحياة الكريمة .

فكنّا نراها شاخصةً في السابق ، ونراها الآن تتحرّك في حياتنا لتمنح عطاءها لكلّ بلاد العالم الإسلامي في واقعها الجديد ومعاناتها الجديدة . فلم تعد كربلاء متصلةً بقصة جغرافية في نطاق بلد معين أو دولة معيّنة ، بل راحت تتفاعل مع كلّ أرض يعيش فيها المسلم الصراع ضدّ الكفر والظلم , والاستغلال والاستكبار ، وبدت لنا أكثر من كربلاء ؛ لنا كربلاء في لبنان ، ولنا كربلاء في العراق ، ولنا كربلاء في أفغانستان ، ولنا كربلاء في كلّ بلد يقف فيه الإسلام والمسلمون ضدّ الكفر .

ولم تعد عاشوراء ـ عاشوراء الحسين (عليه السّلام) وعاشوراء الشهداء ـ مجردة في التاريخ ، وإنّما تحوّلت لتكون منطلقاً في كلّ زمن ، وكل جيل تتمثّل فيه المجالات الّتي يقف فيها الإنسانُ المسلمُ في كلّ مرحلة من مراحل الجهاد من أجل العزّة والكرامة في سبيل الله .

 

عاشوراء في صميم الواقع
ولكن عندما نتمثَّل كربلاء في كلِّ أرض يتحرّك فيها الجهاد ، وفي كلّ زمن ينطلق فيه خطّ الجهاد ، لا بدّ لنا من أن نعيش هذه الروح ، وهذه القضية ، وهذا التحرّك بعمق المعاني الّتي عاشتها تلك الأرض ، وبعمق الأهداف الّتي عاشها اُولئك الشهداء ؛ كي لا تصبح عاشوراء مجرَّد زمن يتحرّك فيه الجهاد .

لا بدَّ أن يكون الجهاد الّذي نمارسه بحجم فكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، بحجم تطلّعاته ووعيه لدوره وإخلاصه لربّه ، وبحجم الأهداف الكبيرة الّتي يستهدفها للحياة .

كذلك لا بدّ لنا أن نعيش في أنفسنا وفي حياتنا أجواء اُولئك الشهداء الّذين قال الإمام الحسين (عليه السّلام) فيهم : (( واللَّهِ , ما رأيتُ أبرَّ ولا أوْفى من أصحابي ؛ إنَّهم يستأنِسونَ بالمنَيَّةِ استئناسَ الطفلِ بمحالب اُمِّه )) .

لا بدّ أن نعيش هذه الروح المخلصة لله سبحانه وتعالى , فكربلاء ليس فيها شيء للذات أو للفئة ، كربلاء كلُّها لله سبحانه وتعالى ؛ القتال كان فيها لله ، والسلم كان فيها لله ، والصلاة كانت فيها لله ، وكلّ العلاقات فيها كانت في سبيل الله .

لهذا إذا كنّا نفكّر في أي مرحلة ، وفي أي مجال من مجالاتنا العملية في آفاقنا الضيقة ، كما كنّا نفكر سابقاً .
إذا كنّا نفكّر أن يتعلّب كلّ واحدٍ منّا في إطار معين ، أو في شخصيته , أو في ذاته ، وأن يتعقّد من أخيه المؤمن لمجرّد أنّه ينتسب إلى ما لا ينتسب إليه ، فإنّ عاشوراء ترفضنا ، وترفض جهادنا الّذي سوف لا يكون لله ، وإنّما يكون للإطار الّذي يعيش فيه ، وللذات الّتي نختنق فيها .


الصفحة (2)

وفي الظروف الّتي ينبغي أن نعيش فيها الإخلاص لله تعالى علينا أن لا نترك للشيطان مجالاً ينفذ فيه إلى أفكارنا ومشاعرنا وعلاقاتنا ، فلا نتحاور حوار الذين يعيش كلّ واحد منهم الحذر والتحفّظ على الآخر .
إنّ علينا أن نشعر بأنّ المعركة والمرحلة تصهرنا ، وتجعلنا أكثر وعياً لدورنا ولساحتنا ، وأشدّ إخلاصاً في علاقتنا بالله سبحانه وتعالى . وعندما نستحضر ذكرى الآلام الّتي خلّفها الاضطهاد والكفر والطغيان في عاشوراء التاريخ ، علينا أن نرتبط بهذه الآلام الّتي يعيشها الناس هنا وهناك ، وفي كلّ بلد من بلدان العالم الإسلامي .
عندما نستقبل عاشوراء علينا أن نستقبلها على أساس ما نحمل من مسؤولية تجاه الله سبحانه وتعالى ، وأن نعيش التقوى في الفكر عندما نفكّر ، وفي العمل عندما نعمل ، وفي علاقاتنا وكلّ أوضاعنا العامّة ، وأن نشعر أيضاً أنّ لا صفة لنا إلاّ أنّنا مسلمون ، وعلى أساس هذه الصفة يجب أن نتصرّف في أوضاعنا وعلاقاتنا , وحربنا وسلمنا ، يجب أن لا نحرّك رجلاً إلاّ بعد أن نعلم ما هو حكم الله هنا ، وما هو حكم الله هناك .
في ذكرى عاشوراء علينا أن نتطلَّع إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) في تلك الأرض الّتي واجه فيها الضلال والطغيان بكلِّ قوّة ، وواجه فيها الآلام بكلّ فرح روحي ؛ حيث يقول : (( هوّن عليَّ ما نزل بي أنّه بعين الله )) .

عندما تتألمون ، وعندما تجرحون لا تتخاذلوا ولا تهنوا ، وإنّما قفوا وقفة الإمام الحسين (عليه السّلام) عندما أخذ دم ولده الرضيع ، وقال وهو يرفع وجهه إلى السماء : (( هَوَّنَ عليّ ما نزَل بي أنّه بعينِ الله ))(1) .
لنقل جميعاً : هوّن ما ينزل بنا من كلّ الآلام أنّها في سبيل العزّة والكرامة ، والنصر في مواجهة الكفّار .

 

لماذا إقامة عاشوراء ؟

لماذا أراد أئمَّة أهل البيت (عليهم السّلام) أن نقيم عاشوراء في كلِّ بلد ، وفي كلّ جيل ، حتّى أصبحت قاعدة أساسية من قواعد حركتنا الإسلاميّة في خطّ أهل البيت (عليهم السّلام) ، بحيث لو ذهبت إلى شرق الأرض وغربها لرأيت ذكرى عاشوراء تُقام بشكل متنوّع .
لماذا إصرار أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) على الخطّ العاشورائي في العلاقة مع الإمام الحسين (عليه السّلام) ؟ لقد أرادوا لنا ذلك ؛ لأنّ هذا الخط هو خطّ الرفض ، الرفض للوثنية وللانحراف ، وللجاهلية وللظلم , ولكل الذين يستعبدون وينهبون الناس . وبكلمة واحدة ، لكلّ أعداء الله ، ولكلّ المناهج الّتي تبتعد عن الله .
وهذا الخطّ هو خطُّ الموالاة لكلّ أولياء الله ، ولكلّ المناهج الّتي تنطلق من الله ، وتتحرّك في خطّ الله الّذي انطلق فيه الإسلام من خلال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وانطلق فيه علي بن أبي طالب والأئمّة (عليهم السّلام) من خلاله .

على أنّ هذا الخطّ يحتاج إلى قوّةٍ حركيةٍ تهزّ السائرين عليه في كلّ

ــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 45 / 47 .

الصفحة (3)

جيل , وفي كلّ وقت ؛ ليقول للنّاس كلّهم : إنّ الدماء الّتي سالت في كربلاء هي سرّ شخصيتكم الّتي ركّزت القاعدة الإسلاميّة المنطلقة في خطّ الله ورسوله وأوليائه من أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ لذلك تذكّروا دماء الحسين (عليه السّلام) لتتذكّروا الإسلام الّذي انطلق الحسين (عليه السّلام) في نهضته من أجل التّضحية في سبيله .
تذكّروا كلّ الشهداء من الأطفال والرضّع ، من الشباب والشيوخ ؛ لتعرفوا أنّ التزامهم الإيماني بأهل البيت (عليهم السّلام) لم يكن مجاناً ، وإنّما ثمنه كان دم الحسين (عليه السّلام) , ودم أولاده وأنصاره وأهل بيته (عليهم السّلام) ، بحيث تبقى هذه الدماء النهر الّذي يتدفّق ويتفجّر في كلّ مرحلة تشعرون فيها بأنّ للحرية قضية ، وللوحدة ضرورة في صفوفكم .
لقد كان أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) من عشائر تتوزّع على مجمل الجزيرة العربية ، وكانوا قبل أن يجتمعوا في كربلاء متفرّقين حتّى في خطوطهم وانتماءاتهم السياسية . ولكنّ صوتَ الحسين (عليه السّلام) هو الّذي دعاهم وربطهم بالحقيقة الواحدة وبالرسالة الواحدة ؛ فتوحّدوا بالحسين ، واجتمعوا على اسمه حتّى بعد أن جعلهم (عليه السّلام) في حلّ من بيعته ، لكنّهم شعروا أنَّ البيعة ليست الأمر الّذي يربطهم به ، إنّما الرسالة الّتي يؤمنون بها من خلال قيادة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، والخط الّذي يتحرّكون فيه على أساس إمامته .
إنّهم توحّدوا بالحسين (عليه السّلام) ، وتوحّدت مواقفهم ودماؤهم وكلماتهم ، وتوحّد الصدق في عهدهم ؛ ولذلك كان الإمام الحسين (عليه السّلام) عندما يستأذنه أيّ شخص من أصحابه يتلو هذه الآية : (
مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)(1) .
كأنّه يريد أن يقول لهم : يا أصحابي ، إنّ وحدتكم هي وحدة الصادقين مع الله في عهدهم له .

 

ماذا طرح الإمام الحسين (عليه السّلام) من شعارات في كربلاء ؟

1 ـ (( إنّما خَرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في اُمةِ جَدّي ؛ اُريد أن آمرَ بالمعروفِ وأنهى عنِ المنكر ))(2) .

2 ـ (( لا واللَّهِ ، لا اُعطيكُم بيدي إعطاءَ الذليلِ ، ولا اُقرُّ لكُم إقرارَ العبيد ))(3) .

3 ـ (( ألا وإنَّ الدعيّ ابن الدعيّ قد تركني بين السّلةِ والذلّةِ ، وهيهات له ذلك ، وهيهاتَ منّا الذلّة ! أبى اللَّهُ ذلكَ ورسولُه والمؤمنون ))(4) .

4 ـ (( وإنّي لا أرى الموتَ إلاّ سعادةً ، والحياةَ معَ الظالمينَ إلاّ بَرَماً ))(5) .

هذه هي بعض شعاراته ، إلاّ أنّها ليست شعارات المرحلة الّتي كان يعيش فيها ؛ لتكون المسألة مجرَّد مسألة

ــــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب / 23 .
(2) بحار الأنوار 44 / 329 .
(3) بحار الأنوار 45 / 7 .
(4) بحار الأنوار 45 / 83 .
(5) تحف العقول / 245 .

الصفحة (4)

غارقة في التاريخ ، لكنّها شعارات الحياة كلّها ، وشعارات الإسلام في كلّ مواقعه .

مَنْ منّا لا يلمح الإفساد والفساد السياسي على مستوى الحاكم والمحكوم وحركة الحكم ؟ كم منّا لا يرى الإفساد والفساد على مستوى الاستكبار العالمي والإقليمي والمحلّي في كلِّ ما يريده الاستكبار من مصادرةٍ لقضايانا المصيرية على مستوى الاُمّة وعلى مستوى البلاد ؟

منْ منّا لا يجد أنّ الواقع يعمل على إفساد الأخلاق الفردية والاجتماعية في داخل الفرد المسلم , والمجتمع والاُمة المسلمة من خلال مَنْ يريدون المتاجرة بالأخلاق ؟

منْ منّا لم يرفض الواقع الّذي يترك فيه الكثيرون من المسلمين عبادة الله في الوقت الّذي يقولون فيه : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، دون أن يصلّوا أو يصوموا أو يحجّوا لبيت ربّهم ، ودون أن يعملوا على إخراج الحقّ المعلوم الّذي فرضه ربّهم للسائل والمحروم في أموالهم وممتلكاتهم ؟

مَنْ منّا لا يرفض هذا الواقع الّذي ترك فيه المسلمون المعروف في العبادة ، والصدق والأمانة ، والعفّة والوفاء وما إلى ذلك من اُصول الأخلاق الإسلاميّة ؟

مَنْ منّا لا يرفض الكثير من مظاهر الانحراف في حياتنا ، والعلاقات الممزّقة ، والفتن الّتي تتحرّك على مستوى الأفراد والعوائل ، والأحزاب والطوائف الإسلاميّة وما إلى ذلك ؟

إنّ مثل تلك المشاكل قد تكون أخطر من المشاكل الّتي عاشها الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقال فيها : (( خرجت لطلب الإصلاح في اُمة جدّي ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر )) .

كانت المشكلة السياسية في زمن الإمام الحسين (عليه السّلام) هي مشكلة الحاكم المنحرف الّذي يحاول إعطاء حكمه صورة الإسلام ، دون أن يمثّل في عمقه حكم الإسلام . أمّا في واقعنا الحاضر فنلتقي بالحكّام الذين ينتمون إلى الإسلام ، ولكنّهم يرفضون إعطاء حكمهم حتّى صورة الإسلام في الدول الإسلاميّة .

فالإسلام فيها يتمثَّل غالباً في مناسبات الأعياد والعطل الإسلاميّة ، أمّا القوانين فهي قوانين (الكفر) وما إلى ذلك ، وما يستحدثه الناس في مجالسهم النيابية . وإذا تحدّث إنسان عن حكم الإسلام وُصِفَ بأنّه متطرّف ، وعلامة تطرّفه أنّه يريد تطبيق الشريعة الإسلاميّة والقوانين الشرعية ، هذا متزمّت ، وعلامة تزمّته أنّه لا يريد لنوادي القمار ، ولا لحانات الخمور ، ولا لأماكن البغاء أن تأخذ حريتها .


من دروس عاشوراء
منذ أربعة عشر قرناً من الزمن تقريباً ونحن نحيي هذه الذكرى في حياتنا ، حتّى تحوّلت إلى عادةٍ متأصّلة متجذّرة في وجداننا الديني ، ينشأ عليها الصغير ، ويهرم عليها الكبير ، وما زالت تتنامى وتتّسع ، وتمتد في كلّ ساحة يتحرّك فيها الإسلام في خطّ أهل البيت (عليهم السّلام) ، وربّما تتمثّل حتّى في بعض الساحات التي لا تلتزم خطّ أهل البيت (عليهم السّلام) مذهباً .

على أنّ الطابع الّذي أخذته هذه الذكرى في تقاليدنا وفي عاداتنا هو طابع الحزن الّذي تسيل معه الدموع ، وربّما تحترق فيه القلوب .


الصفحة (5)

وعندما يعيش الإنسان الحزن على قضية مرّت عليها القرون المتقادمة يحتاج إلى تسويغ هذا الحزن ليكون عنصراً فاعلاً في حياته .

فما معنى أن تبكي على مأساة حصلت في التاريخ لاُناس تحبّهم من خلال عقيدتك وإيمانك وولائك وأنت تعيش في أكثر من موقع من مواقع حياتك آلاماً ، قد تكون أقسى من آلامها وفظائعها ، وقد تكون وحشية ما يلقاه الناس الذين ترتبط بهم برابط العقيدة والولاء والإنسانية في الوقت الحاضر أشدّ فظاعة ، فتشعر أنّك تعيش اللاّمبالاة أمام حركة المأساة في الحاضر ؟

إنّ ذلك يعني أنّ حزنك على الإمام الحسين (عليه السّلام) ليس حزناً إنسانياً رسالياً ، ولكنّه حزن انفعالي جامد لا يتحرّك ؛ ليثير فيك حزناً مماثلاً في كلِّ صورة شبيهة بصورة كربلاء ؛ لذلك لا بدّ لنا أن نفسّر هذا الحزن لأنفسنا حتّى نوحي لها بأنّ هذا الحزن ليس حزناً ذاتياً ، بل هو حزن ينفتح على كلِّ مواقع المأساة في الحياة عندما تتحرّك المأساة في ساحاتنا من خلال الذين يضطهدون الناس على أساس الإسلام ، ويقتلون الناس على أساس التزامهم بالحرّية الّتي يقدّمها الإسلام ، أو من خلال التزامهم بالعدالة الّتي هي سرّ حركة الإسلام .

نحن نحبّ الإمام الحسين (عليه السّلام) ، نحبّه ونحبّ أخاه ، ونحب اُمَّه وأباه وجدَّه ، والأئمة المعصومين من ذرّيّته (صلوات الله عليهم أجمعين) ، وننتظر حفيده (عجّل الله فرجه) لنكون من جنوده ؛ ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً .

نحبّه ؛ لأنّه أحبَّ الله ، ونحبُّ آل بيته جميعاً ؛ لأنّهم أحبّوا الله . نحبّه ونحبّهم ؛ لأنّهم حملوا رسالة الله ، ولأنّهم جاهدوا في سبيل الله ، وأعطوا كلّ شيء يملكونه لله . من هنا فحبّنا لهم ليس ذاتياً ، وليس حبَّ قرابة أو حبّ صداقة ، ولكنّه حبّ يفرضه علينا انتماؤه إلى القاعدة الّتي انطلق منها الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وتحرّك في اتّجاهها .

لقد أراد الإمام الحسين (عليه السّلام) الإصلاح في الاُمّة , لا الإصلاح في العائلة أو القرية . الإصلاح على مستوى الاُمّة كلّها ، لا على مستوى الوطن الّذي يتأطّر فيه الإنسان .

لقد انطلق (عليه السّلام) ليقول لنا : فكِّروا في قضايا اُمّتكم من خلال الإسلام الّذي حمله جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأصلحوا ما فسد فيها . فكّروا في قضايا الاُمّة حتّى يكون كلّ واحد منكم مسلماً يحمل همّ الإسلام كلّه ، وهمّ المسلمين كلّهم . لا تعيشوا عصبية الذات أو العائلة أو الوطن ، أو عصبية القوميّة . عيشوا رساليّة الإسلام في كلِّ المساحات الإنسانية الّتي للإسلام فيها قضية ، وللرسالة فيها خطّ ، وللإنسان فيها انفتاح .

وعندما نفكِّر في حجمِ الاُمّة سينطلق تفكيرنا في قضايانا الصغيرة على أساس مقارنتها بالقضايا الكبرى ؛ فإذا ما أردنا أن نتحدّث عن قضية الحرّية على سبيل المثال فيجب أن نثيرها على أساس علاقتها بقضية الحرّية في العالم الإسلامي والعالم بأسره ، بحيث لا نجعل خطّ الحرية حركةً قد نربح فيها شيئاً ويخسر العالم الإسلامي من خلالها أشياء .


الصفحة (6)

بمعنى : أنّ هناك ضرورةً للتكامل مع العالم الإسلامي في هذا المجال حتّى نفهم دورنا تماماً , كما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( مَثَلُ المؤمنينَ في توادِّهم وتراحُمهم كَمَثَل الجسدِ ، إذا اشتَكى بعضُه تداعى سائرُه بالسهرِ والحُمّى ))(1) . تماماً كما هو كلّ عضو في جسدك ، لا يطلب الراحة والشفاء لنفسه إلاّ من خلال راحة بقية الأعضاء .

فلا يمكن للإنسان أن يعالج يده إذا كان المرض يدبّ في كلّ أجزاء جسمه ، كما لا يمكن أن يعالج يده بدواءٍ ينقلب إلى داءٍ في جميع أجزاء جسمه ، بل لا بدّ حين أخذ الدواء من التحقّق من أنّ هذا الدواء لن تنتج عنه مضاعفات سلبية على الأجزاء الاُخرى في جسد الإنسان .

ولهذا قد يذهب شخص ما إلى بعض الأطباء فيقولون له : إنّ هذا الدواء يفيد في معالجة المرض ، ولكنّه يضرّ المعدة ، أو القلب ، أو جهازاً عصبياً ، أو ما إلى ذلك ، فلا بدّ من البحث عن دواءٍ يشفي المرض ولا يخلق أمراضاً اُخرى لبقية الجسد .

وهكذا عندما نريد أن نفكّر في قضايا الاُمّة ، فإنّ علينا أن نفكّر بحلّ المشكلة في بلدنا ، أو في إقليمنا ، أو في أي موقع يتّسع ويضيق من مواقعنا ، بحيث لا ينعكس سلباً على قضايا الاُمّة ، وهذا ما نواجهه في المرحلة الحاضرة في أكثر من قضية من قضايانا العامة الّتي تتصل بواقعنا كلّه .

لقد أصبحنا في كلّ بلدٍ نفكّر بحلٍّ لمشاكله ، كما لو كان هذا البلد منفصلاً عن البلدان الاُخرى . نفكّر مثلاً بحلّ مشكلةٍ لبنانية بعيداً عن مشاكل العرب ، أو مشاكل المسلمين كلّهم ، أو نفكّر بحلِّ المشكلة العراقية مثلاً بعيداً عن المشكلة العربية ، أو الإسلاميّة المتصلة بمواقع الاستكبار العالمي لتلك المشاكل .

وهذا وهمٌ كبير ؛ إذ لا يمكن أن تُحلّ مشكلة في بلد ، وتُستأصل من جذورها ، إلاّ إذا استطعنا ربطها بالمشكلة الاُم الّتي توزّع مشاكلها على المواقع كلّها ، وإلاّ فقد يكون ما يصوّر لنا حلاً قد يكون مجرّد تخدير ، وهناك فرقٌ بين أن تحلّ المشكلة وبين أن تخدّرها ، وهناك فرق بين أن تشفي المريض وبين أن تخدّره .

قد يستيقظ الألم عند الشروع بعلاجه ، لكنّه سوف يبرأ بعد ذلك ؛ لهذا فإنّ ما نودّ قوله في مرحلتنا الحاضرة هو ضرورة استيحاء كلمة الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي )) .

إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) كان ينظر في ثورته إلى الساحة الإسلاميّة الواسعة ، وإلى الخط الإسلامي الممتدّ في حياة المسلمين جميعاً ؛ لهذا ، فإنّ معارضته ليزيد لم يعقها كون يزيد خليفةً يعيش في الشام . الإمام الحسين (عليه السّلام) كان يعيش في الحجاز ، وبالتالي فإنّه لم يفكّر أنّه لا دخل لأهل الحجاز بأهل الشام ، وعلى كلّ فريق تدبير أمره ومشاكله .

أليس هذا هو المنطق الّذي نعيشه الآن في أكثر من بلد إسلامي ؛ حيث يعتبر كلّ بلد أنّ له قضاياه ومشاكله الّتي يريد حلّها ولو على حساب قضايا الاُمة ؟!

ـــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 58 / 150 .

الصفحة (7)

الإمام الحسين (عليه السّلام) لم ينظر إلى القضية من هذا الجانب ، ولم ينظر إلى يزيد باعتباره مجرّد والٍ على الحجاز يمكن أن يُعزل فَتُحَلّ المشكلة ، ولا باعتباره والياً على الشام ، إنّما نظر إلى يزيد كونه (خليفة المسلمين) ، فسلوكه ينعكس سلبياً على السلوك الإسلامي كلّه ، وطريقته في إدارة المسؤولية تنعكس سلباً على كلِّ مواقع المسؤولية في العالم الإسلامي .

وعلى أساس ذلك ، فقد اعتبر الإمام الحسين (عليه السّلام) مشكلة يزيد مشكلةً تمسُّ الاُمّة كلّها لا فريقاً معيناً ؛ لأنّه في موقع حاكم واسع الصلاحيات في الوقت الّذي لا يملك فيه أيّة مؤهّلاتٍ فكريةٍ وأخلاقيةٍ وروحيةٍ تسوّغ له أن يكون في هذا الموقع .

وعلى هذا الأساس وجد الإمام الحسين (عليه السّلام) أنّ عليه أن يطلق الصوت ولو ليسمعه بعض الناس ؛ فالأصوات كانت قد خفتت ، وأصبح هناك أمر واقع ، كلٌّ يقول للآخر : ماذا نفعل وقوّة الدولة أقوى من قوّة الأفراد ؟

كأنّ عليهم الاستسلام للدولة ، فهذا يخيف صاحبه بانقطاع راتبه إذا ما قام بعمل ضدّ الحاكم ، وذاك يخيف صاحبه بتهديم بيته ، وبذلك استطاع الحاكم أن يستقطب الساحة كلّها من المؤيّدين له ، ومن المعارضين الساكتين ، ومن الحياديين الذين يجلسون على التل ؛ لهذا فالمسألة كانت بحاجة لصوت ينطلق ، يحرّك ويدوّي ليربك الساحة ، وليخلق فيها ذهنيةً جديدةً ؛ ليشجّع الذين لا يملكون أيّة إمكانياتٍ لحركة شجاعتهم ؛ لأنهم لا يرون أحداً يتحدّث أو يتكلم أو يثير المسألة .

إنّ حركة الإمام الحسين (عليه السّلام) لم تكن حركةً نحو الفتح الكبير على مستوى الواقع العسكري ، ولكنّها كانت حركةً نحو الفتح الكبير على مستوى الذهنية الإسلاميّة الّتي يريد أن يطلقها باتجاه قضايا الحرية والعدالة والمنهج الإسلامي القويم ؛ لهذا نبَّههم إلى أنّهم اُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وأنّ هناك فساداً في الأنظمة ، وأنّه (عليه السّلام) انطلق ليُصلح ، وأنّ عليهم أن يتبعوه .

وهكذا طرح مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، على أساس أنّه يمثّل الرقابة الاجتماعية الّتي يتحوّل فيها كلّ مسلم إلى خفير . فكلّ مواطن في الإسلام هو حارسٌ للقيم وللنهج الشرعي في حياة الناس .

أجل ، إنّ كلّ مسلم هو حارسٌ للقضايا الكبرى الّتي يمكن أن يتحرّك ضدّها هذا الفريق أو ذاك ، وهذا ما يسمّى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الّذي دعا الله سبحانه وتعالى الناس إليه ؛ ليهيّئوا من أنفسهم جماعةً قويةً بحجم الحاجة ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، حيث قال : (وَلْتكُنْ مِنكُم أمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخيرِ ويأمُرونَ بِالمعروفِ وينهونَ عن المنكر)(1) .

على أساس أنّ سلامة المجتمع هي في الدعوة إلى المعروف ومواجهة المنكر الّذي يمكن أن يساهم في إسقاط حياة الناس فكرياً وسياسياً ، وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً .

ــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 104 .

الصفحة (8)

وعندما طرح الإمام الحسين (عليه السّلام) هذه المسألة ، طرحها بفرض أن تفتح عقول الناس على هذه العناوين ، وأن تفتح أرواح الناس على تحسّس مثل هذه الاُمور ، ولم يكن في اُسلوبه يتحرّك من موقع العنف ؛ فقد خاطب الناس قائلاً : (( فَمنْ قَبِلَني بقَبولِ الحقِّ فاللَّهُ أولى بالحقّ ))(1) .

كأنّه يريد أن يقول للناس : فكّروا في كلماتي وفي طروحاتي ومواقفي ، ولا تستغرقوا في ذاتي ، ولكن استغرقوا في الخط الّذي أطرحه عليكم ، وفي الواقع الّذي اُنبّهكم إلى كلِّ ثغراته وسلبياته . ومَنْ ردَّ عليّ ولم يقبلني فإنّما يكون رافضاً للحقّ الّذي جئتُ به ، وانطلقت فيه صابراً حتّى يأتي الوقت الّذي ينفتح الناس فيه على الحقّ دون أن أتراجع ، أو أن أسقط , أو أتعقد ، ولكنّني اُتابع قول كلمة الحقّ الآن وبعد الآن .

ولذا ، فعندما جاءت الجيوش لتقتل الإمام الحسين ولتحاربه ، كان يقف في كلّ يوم ليخطب فيهم ؛ ليسمعهم كلمة الحقّ حتّى يُخرجهم من عصبياتهم ، فيجعلهم يعيشون التوافق والانسجام بين الفكر والممارسة ؛ لأنّه (عليه السّلام) وجدهم ـ كما وصفهم الفرزدق ـ قلوبهم معه وسيوفهم عليه ، فحاول أن يجعل سيوفهم في اتجاه ميل قلوبهم ، وحاول أن يوفّق بين حركتهم في الواقع وبين حركتهم في العقل وفي الفكر ؛ لأنّ هذه هي مشكلة أغلب الناس الذين يحبُّون الله ، ولكنّهم يحبّون الشيطان معه .

فعندما تنفتح مصالحهم على الخط الآخر يحتفظون بمحبّتهم كعاطفةٍ في قلوبهم ، ويتحرّكون في خطواتهم لمحاربة الله ورسوله عملياً ، على أساس أنّ مصالحهم تتجه في ذاك الاتجاه .

لقد كان الإمام الحسين (عليه السّلام) يعمل على فتح القلوب ، فيما كانت قيادات يزيد تعمل على إغلاقها ؛ ولذلك رأينا شمر بن ذي الجوشن يقف أمام الحسين (عليه السّلام) وقد فرغ الحسين (عليه السّلام) من خطابه ليقول له : ما ندري ما تقول , ولكن انزل على حكم بني عمك(2) .

بمعنى أنّنا لسنا مستعدين أن نسمع أو نفكّر بما تقول ؛ لأنّ مسألتنا محسومةٌ ، فهي ليست مسألة قناعةٍ ، ولكنّها مسألة منفعةٍ . وليست القضية أن تكون مسيرتنا حقاً أو باطلاً ، خيراً أو شراًً ، بل القضية هي أن نقبض في مسيرتنا هذا المال أو ذاك ، أو نحصل على هذا الموقع أو ذاك .

ولذلك ، فلا بدَّ من دراسة قضايانا كلّها ، لا على مستوى الحاضر , بل على صعيد الحاضر والمستقبل ، وهو ما نستوحيه من كلمة الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( وَمَنْ ردّ عليّ هذا أصْبر ))(3) .

فلنقل الكلمة وليرفضها العالم ، فلا بدّ أن يأتي وقت يمكن للناس أن يواجهوا فيه قضاياهم من موقع متقدّم ؛ لأنّ الحاضر إذا ضاق عن قضاياكم فإنّ المستقبل يمكن أن يفتح لكم أكثر من ثغرة .

ـــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 44 / 330 .
(2) الإرشاد / 99 .
(3) بحار الأنوار 44 / 330 .

الصفحة (9)

فلا بدّ إذاً من قول كلمة الحقّ دائماً مهما كانت الصعوبات ، فالحقّ كالجنين تماماً ، فكما أنّ الجنين لن يستطيع بلوغ تكامله ونموّه إلاّ في الشهر التاسع ، كذلك الحقّ قد يحتاج إلى سنوات ، وقد يحتاج لأجيال .

المسألة كلّ المسألة هي أن نعمل على أساس أن لا يفقد الحقّ نموّه في فكرنا وروحنا , ووحدتنا وقوّتنا ، وفي كلِّ صرخات الدعوة إلى الله ، والدعوة إلى الحقّ .

وإذا ما أردنا عاشوراء إسلاميّة متحرّكة فيجب الانطلاق على أساس أن تبقى عاشوراء لله ولرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وللإسلام ، وأن تبقى عاشوراء في كلّ الأجيال صرخة الحرية والعدالة . عندما ينطلق الذين يستعبدون الناس ليفرضوا عليهم العبودية ، أو الذين يظلمون الناس ليفرضوا عليهم الظلم , فإنّ هذا هو طريق عاشوراء .

ــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 
 
الفهرس

 

طباعة الصفحةاعلى