نهضة الإمام الحسين (عليه السّلام) الخالدة

نهضة الإمام الحسين (عليه السّلام) الخالدة

قراءة موجزة(*)

 عبد الرزاق السويراوي

بحلول هذا العام الهجري الجديد يكون قد مضى على واقعة كربلاء قرابة 1369 سنة . وخلال هذه القرون الطويلة من السنين قد حدث ما حدث ، وتعاقبت فيها على الحكم دول وحكومات ، وحكم فيها خلفاء ، وتملّك فيها ملوك ، وترأّس فيها رؤساء . ولكن مع كلِّ هذا وذاك فإنّ هذه الثورة العظيمة تجذّرت في نفوس محبِّيها وعشَّاقها ، وقد أمست هذه الثورة ـ وبحق ـ ملكاً وإرثاً إنسانياً عظيماً ، يتفاخر به الملأ من دعاة الحرية والعدل ، وتتغنَّى بها القلوب الولهى ، والمُحِبَّة للسلام ، والتائقة لمبادئ الحرية ، لا بل إنّها أصبحت ملكاً للإنسانيّة جمعاء بغض النظر عن ميولها واتجاهاتها الدينية أو العقديّة .

اللَّهُم إلاّ اُولئك الذين هم على شاكلة ابن زياد وسيّده يزيد ومَن لفّ لفّهما ؛ فهمْ ويزيد بن معاوية متساوون في كلِّ الرذائل ، وربما تشابهوا حتّى في اختيارهم لنوعية قرودهم التي تؤنسهم برقصها ليلاً ونهاراً . فهذا الصنف من الناس ، أو هؤلاء الطغاة لا يأنسون بوقوفهم إلاّ حيثما وُجد الظلم والجور , ونهب أموال المظلومين والجياع ، وسلبهم لحرِّيَّاتهم ، تماماً بالضد من العدل والحق ؛ لأنّ التأريخ الطويل الذي عاشته وتعيشه البشرية أثبت ، وبما لا يقبل الجدل ، أنّ مسيرة الإنسانيّة وعبر سيرها الطويل والحثيث أبت إلاّ أن تكون سالكة لسبيلين لا ثالث لهما ، فهي : إمّا شاكرة وإمّا كفورة .

والسبيل الثاني هو الغالب دوماً على الرغم من كلِّ ما جاءت به الرُّسُل والأنبياء من رسالات سماوية تهدي إلى سبيل الحقِّ والعدل دون الباطل والشر . ولكن أنّى لهذا العدل أن يعمَّ ربوع البشرية ، وهذه الدنيا بمغرياتها لم تتوانَ قط ، ومن وراءها أبالسة الإنس قبل الشياطين ، عن تقديم إغراءاتها لهذا الإنسان الذي شرّفه الله تعالى بأنْ جعله خليفة له في الأرض ! فما أعظمه من تشريف ، ولكن ما أقبح جحود البعض من هؤلاء البشر !

ولكن في قبال ذلك الجحود ما أعظم بعض هذا البشر الذي سما ويسمو في كلِّ شيء في الوجود ، إلاّ من إقراره وهو متصاغر بعبوديته لله تعالى ! هذا الإقرار الذي بلغ لدى البعض من المخلصين درجةً من الفناء المطلق في ذات الله حتّى أصبح لا يرى شيئاً إلاّّ ويرى الله معه وبعده وقبله وفيه ، وتراه إذْ يناجي ربه قائلاً : (( عُميتْ عين لا تراك عليها رقيباً , وخسرت صفقة عبدٍ لم يكن لك فيها نصيباً )) .

وهكذا هي العبودية الحقّة ، وهكذا كان هو الحسين (عليه السّلام) ، هذا الإمام الذي فجّر ثورة عظيمة في كل شيء ؛ برجالها وأبطالها , وبتضحياتها وبأهدافها .

لقد ضمّتْ هذه الثورة من الخصائص : الإيثار ، والتضحية ، وروح الاقتحام ، والإباء ، والشجاعة النادرة . وقَلَّ أن تجد لمثلها ثورة في تاريخ البشرية قاطبة من حيث المبادئ والإخلاص لله تعالى ؛ وهذا هو الذي جعل من هذا الإمام المظلوم والمنتصر في آن واحد ، مع إخوته وأهل بيته وصحبه يخلّدون في أعظم صفحات التأريخ وإلى الأبد .

وإنّي لأرى التأريخ وهو ينحني متصاغراً , وهازئاً من نفسه ومحتقراً لها ؛ إذْ هو يرى من نفسه أنّه لم يستطع أن يجد في صفحاته المشرقة الخالدة مكاناً أوفر بهاءً وأعظم منزلة ودرجة من تلك التي أُنزل بها الحسين (عليه السّلام) وصحبه ، على الرغم من عظم المنزلة ؛ لأنَّ التأريخ يشعر بقرارة نفسه أنَّ درجة هؤلاء الأبطال الميامين وسيَّدهم لا تسعهم صفحاته المتواضعة ؛ لأنّ هذا التاريخ مهما عظم سيظل في الواقع أدنى منزلة من قطرة دم واحدة سالتْ من أجساد هؤلاء الأبطال الأباة ؛ لأنّ شخصاً كالحسين (عليه السّلام) ، والذي بكته الأرض قبل ملائكة السماء , وأكبر من ذلك أنَّه بكاه وقبل استشهاده سيد الكائنات على الإطلاق , حريٌ به أنْ تكون منزلته في سويداء قلوب الأجيال المتعاقبة ، وإلى ما شاء الله من أيَّام الدنيا التي لا يعلم مداها أو عددها إلاّ الله تعالى .

أمّا الآن فلنتناول جانباً من الجوانب الكثيرة والمشرقة لهذه الثورة العظيمة ، وليكن ذلك عن العوامل الرئيسة التي ساهمت بشكل أو بآخر في تفجير هذه الواقعة الأليمة ، مراعين في ذلك ضيق المساحة , وعدم تناسبها مع الحجم الذي يستحقُّه الموضوع .

إنّ العوامل التي أسهمت بشكل فاعل وأثّرت في قيام نهضة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، والتي فجّرت الموقف بوجه الدكتاتورية الأُمويّة الفاسدة ، يمكن إجمالها بثلاثة عوامل مهمة :

1 ـ قضية البيعة ليزيد ، والمحاولات المتكرِّرة والملحَّة من سلطة يزيد الغاشمة لإجبار الإمام الحسين (عليه السّلام) على الرضوخ لمطلبهم .

2 ـ إعلان أهل الكوفة نصرتهم للإمام (عليه السّلام) من خلال آلاف الرسائل التي بعثوا بها إليه .

3 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي رأى الإمام (عليه السّلام) في ضوئه أنّ تكليفه الشرعي يوجب عليه العمل بمحتواه لمواجهة الأوضاع الفاسدة .

أمّا العامل الأول (البيعة ليزيد) ، فلم يكن هذا الأمر بالجديد على الإمام (عليه السّلام) ، ولا كان غائباً عن تفكيره ؛ فلطالما كان هذا الأمر يؤرِّق معاوية أيَّام خلافته ، وقد سعى جاهداً من أجل التمهيد لانتقال سلطة الخلافة من بعده لابنه يزيد .

والتاريخ يذكر لنا أنّ معاوية قد ذهب بنفسه ـ أيَّام اغتصابه الخلافة ـ إلى المدينة لكي يمهِّد لهذا الأمر بعد أن نقض شروط الصلح مع الإمام الحسن (عليه السّلام) وقام بتدبير موته بالسمِّ ، والتقى ببعض وجهائها . وكان من أبرز مَن التقاهم : عبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ، والإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) . وحاول من خلال ما عُرف به من دهاء إيصال فكرة استخلاف ابنه يزيد من بعده ، ولكنّ الوقائع التاريخيّة تقول : إنّه أخفق في ذلك .

وبعد وفاته سارع ابنه يزيد بإرسال مبعوث عنه إلى المدينة ، محمّلاً إيّاه رسالتين في وقت واحد ؛ كانت الأُولى تحمل نبأ وفاة معاوية إلى أهل المدينة ، بينما كانت الثانية فيها طلب من قِبل يزيد لعامل المدينة بأن يستدعي الحسين (عليه السّلام) ويأخذ البيعة منه عنوةً وقسراً ، وإنْ رفض ذلك فلا خيار له في قتله (خذ الحسين بالبيعة أخذاً شديداً) .

لكن الإمام (عليه السّلام) لم يستجب لهم ، ورفض أن يبايع ليزيد . وكان هذا الرفض من جانب الإمام الحسين (عليه السّلام) يعني الشيء الكثير بالنسبة لمستقبل خلافة يزيد . وبعد أن تدارس الإمام (عليه السّلام) وضعه قرَّر الانتقال من المدينة إلى مكَّة ، وكان في قرارة نفسه يعرف أنّ يزيدَ سوف لا يتركه دون أن يخطِّط لاغتياله . وفعلاً كان حدس الإمام (عليه السّلام) صحيحاً وفي مكانه ؛ إذْ إنّ يزيد أرسل ثلاثين رجلاً ليقوموا باغتيال الإمام (عليه السّلام) .

أمّا رأي الإمام (عليه السّلام) في هذه البيعة ورفضه لها فقد شاع خبره بين الناس : (( مثلي لا يبايع مثله أبداً )) . وفي كلام آخر للإمام (عليه السّلام) فقد بيّن للناس حقيقة يزيد وما هو عليه من فساد : (( وعلى الإسلام السلام إذْ بُليتْ الأُمَّة براعٍ مثل يزيد )) .

أمّا العامل الثاني فهو دعوة أهل الكوفة للإمام (عليه السّلام) ومؤازرتهم له ، والطلب إليه التوجُّه إلى العراق , وهم قد سمعوا حتماً أخبار رفض الإمام (عليه السّلام) البيعة ليزيد ، وعدم رضوخه لسلطته الجائرة . ومن المعروف أنّ الكوفيِّين كانوا قد ذاقوا مرارة سياسة معاوية تجاههم ، فضلاً عن قيامه بقتل بعض الرموز البارزة من الكوفيِّين .

إذاً والحال هذه فإنّ التكليف الشرعي يدعو الإمام الحسين (عليه السّلام) لأن يستجيب لدعوة الكوفيِّين له ؛ طالما أبْدوا له تأييدهم واستعدادهم للوقوف إلى جانبه .

إضافة إلى أنّ هذه الدعوة هي بمثابة حجة على الإمام (عليه السّلام) ألقاها الكوفيون في عنقه ، وعليه ينبغي الاستجابة لهذه الدعوة ؛ لأنّها تلتقي ضمنياً مع مبدأ الأمر بالمعروف الذي هو العامل الثالث من عوامل الثورة .

والحقيقة أنّ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تُعتبر الأكثر حضوراً في ذهن وتخطيط الإمام (عليه السّلام) ، خاصةً وهو يرصد عن وعي ما آلت إليه الاُمور من الفساد والجور ، وانتهاك حدود الله في ظل حاكم فاسد مثل يزيد .

والدليل على أنّ الحسين (عليه السّلام) كان جُلّ تفكيره منصبّاً للعمل بموجب مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هو ما نراه في خطاباته وحواراته في تلك الفترة ، والتي عبّرت بشكل أو بآخر عن رفض الإمام (عليه السّلام) المطلق لسلطة يزيد اللاَّشرعية , وأنّ هذه الخطابات والمراسلات كانت تشير بوضوح إلى أنّه كان يتحرَّك وفقاً لمعيار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتّى إنّه (عليه السّلام) قد ذكر ذلك صراحة ، معتبراً هذا المبدأ شعاره الرئيس الذي ينبغي السعي إلى تحويل محتواه إلى واقع عملي ملموس .

ونجد ذلك في وصيَّته لأخيه محمّد بن الحنفيّة ، إذْ يقول : (( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً , وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمَّة جدِّي ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدِّي وأبي )) .

وعلى العموم يمكننا في الختام أن نلمس بعض الترابط الذي يجمع ما بين هذه العوامل الثلاثة رغم خصوصية كل منهما , فنستطيع القول : إنّه بناءً على موقف الإمام (عليه السّلام) الرافض وبشدة لبيعة يزيد ، وتحرُّكه من المدينة إلى مكَّة ، فهذا التحرُّك يعني من ضمن ما يعنيه أنّ موقف الإمام (عليه السّلام) وفي هذا الظرف بالذات كان موقفاً دفاعياً عن النفس ، ولكنّه بوجهه الآخر ينطلق من موقف مبدأي للإمام (عليه السّلام) فحواه : أنّ هذا الرفض للبيعة هو امتناع عن فعل منكر ؛ لأنّ البيعة لفاسد من أنكر المنكرات .

بينما العامل الثاني (وأقصد به استجابة الإمام (عليه السّلام) لدعوة أهل الكوفة له والتوجُّه إلى العراق ؛ إذْ ناصروه من خلال آلاف الرسائل الموجَّهة إليه منهم) ، فإنّه يعني أنّ التكليف الشرعي للإمام (عليه السّلام) يجيز له قبول هذه الدعوة ؛ لأنّ هذه الدعوة تعني في أحد وجوهها أنّها حجة ملقاة على الإمام (عليه السّلام) ، وإنّه ليدرك ذلك تماماً .

بينما وجهها الآخر في حالة استجابته لدعوة الكوفيِّين ، فإنّ الإمام (عليه السّلام) سيكون قد انتقل من محدوديّة ظرف العامل الأوَّل ، والتي كانت ـ كما قلنا ـ مرحلة دفاع عن النفس ، إلى مرحلة اُخرى تكون في مرتبتها الأُولى التهيّؤ والاستعداد ، بينما مراحلها اللاحقة سيكون من شأنها توفير بعض عناصر القوة التي يستطيع الإمام (عليه السّلام) من خلالها الانتقال من مرحلة الدفاع المحض عن النفس إلى مرحلة الهجوم إنْ تطلَّبت المرحلة ذلك .

أمّا العامل الثالث (وأعني به : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، فإنّ هذا العامل هو الحاكم على العاملَين السابقين ، لا بل هو الميزان الذي يزن به الإمام (عليه السّلام) كل المستجَدَّات والتطوّرات ، وعلى كلِّ الأصعدة ؛ بحيث إنّ الإمام (عليه السّلام) جعله الشعار المركزي لنهضته منذ تحرُّكه من المدينة المنوَّرة ، مروراً بمكّة ، وإلى لحظة استشهاده هو وأهل بيته وصحبه (سلام الله عليهم أجمعين) .

ـــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 

 

طباعة الصفحةاعلى