شعراء يصوغون التأريخ قوافياً

شعراء يصوغون التأريخ قوافياً

د . نضير الخزرجي(*)

 

قد يتساءل المرء : لماذا أوجدت المعاهد الدراسيّة والكليات والجامعات أقساماً علميّة واُخرى أدبيّة ؟

هل هي رغبة مجردة في تقسيم العلوم وتصنيفها ؟

هل هي حاجة وطنيّة لتقسيم المعارف بما يلبي حاجة المؤسسات الرسميّة والشركات الأهليّة لاستقطاب الخريجين الجدد ؟

باستطاعة المرء وضع العشرات على هذه الشاكلة من الأسئلة والتساؤلات في بيان تقسيم الدراسات الحديثة إلى علميّة , أو أدبيّة , أو مهنيّة , أو إنسانيّة أو غير ذلك , لكن الثابت والقطعي أنّ رغبات الطالب لها الأثر الكبير في خلق مثل هذه المناخات الدراسيّة بما يجعلها تستوعب الطالب في هذا المجال وتستوعب آخر في مجال مختلف .

فالكيمياء ليست هي الجغرافية , والفيزياء ليست هي التاريخ , والمعمل الجنائي ليس هو المسرح , وكلية العلوم تختلف عن كلية الفنون الجميلة , وعلى هذا قس .

فالرغبة الشخصية وظهور ميولها في مراحل متقدمة من عمر الإنسان تمهد للمرء في بيان مستقبله على مستوى الدراسة والحياة العامة , بل يستطيع الأب تقدير مستوى ابنه وموهبته ومستقبله من خلال بعض المؤشرات والمؤهلات , وإذا أمكن توفير الظروف المناسبة لتفعيل مثل هذه المواهب فإن مستقبلاً واعداً ينتظر حاملها .

وعلى صعيد الأدب فإنّ الكتابة النثرية صنعة مسبوقة برغبة , والكتابة الشعريّة صنعة مسبوقة بموهبة , بيد أنّ الاُولى تموت بتعطيل العمل بها , والثانية تظل محفوظة في خزينة الشاعر يستحضرها كلّما تاقت إليه نفسه , وألمّت به حالة من حالات الغيبوبة الشعريّة ؛ لأنّ الرغبة غير الموهبة ؛ فالاُولى تخبو بطاريتها فلا توقد مصباحاً , والثانية تختمر بطاريتها وتتفاعل في تلافيف ضمير الشاعر وأحاسيسه فلها أن توقد مصابيح ؛ فالقافية تبقى تتداولها الأجيال , وكما تقول الخنساء تماضر بنت عمرو السلمية المتوفاة سنة 43 هـ من بحر المتقارب :

وقافية مثل حدِّ السنا     نِ تبقى ويذهب من قالها(1)

ولكنّ الموهبة ليست هي كلُّ شيء ؛ إذ إنها بمسيس الحاجة إلى صقل دائم حتّى يستطيع الشاعر أن يبدع , وتتنور قوافيه على ساريات الأبيات , وتتراقص راياتها على منارات القصائد ؛ فالشعراء كثيرون والمبدعون قليلون , وأكثر منهم كتاب النثر , لكنهم في سوق الأدب أقل من القليل , تماماً كباعة الذهب فهم كثيرون وصاغته قليلون , فليس كل بائع للذهب صائغاً , وكذا باعة القوافي في سوق الأدب فليس كلهم شعراء وإن تأبّطوا شعراً أو ازدادوا كيل أوزان .

ومَن يتناول الشعر تعلماً أو تذوّقاً , قراءة أو سماعاً يدرك مهارة كلِّ شاعر وموهبته . قد لا يستطيع تمييز بحور الشعر لأنه يجهل العوم فيها , ولا يعرف أوزانها لأنه يجهل التبضّع في سوقها , وتغيب مسامعه الذوقية عن زحاف الأبيات وعوارها , لكنه بالتأكيد يميّز بين غثها من سمينها , ويلمس أحسنها من حسنها .

في مثل هذه الأجواء يفتح لنا العروضي والأديب الشيخ الدكتور محمّد صادق بن محمّد الكرباسي نافذة الأدب المنظوم لنقرأ الجزء الثاني من ديوان القرن العاشر الهجري الخاص بالنهضة الحسينيّة الذي صدر حديثاً عن المركز الحسيني للدراسات بلندن , في 445 صفحة من القطع الوزيري .

 نوافذ القرون

لا ينفتح هذا الديوان على نافذة القرن العاشر فحسب , بل هو نوافذ على القرون التي سبقته ؛ حيث استدرك الأديب الكرباسي القصائد والمقطوعات والأبيات التي ظهرت لديه بعد أكثر من عقدين من البحث والتنقيب وصدور الدواوين من القرن الأول حتّى العاشر ؛ لأنّ وازعه التوثيق لا التأليف فحسب , لا يتوانى عن توثيق المستجد من القوافي في أقرب ديوان , تاركاً إلحاق المستدركات بقرونها في طبعة جديدة , وكما يقرر : (كلّما أبحر بنا التحقيق على نغمات القوافي اكتشفنا قصائد أو أبياتاً حسينيّة طالتها غيمة الضمور , ولم نجد أمامنا إلاّ الالتجاء إلى فتح باب اللجوء في مخيمات المستدركات علّنا في يوم من الأيام إن أمدَّ الله بنا الزمان أن نضعها في مكانها المناسب , وربما حصلنا على المزيد ليصل إلى حدود الكمال) .

والاستدراك في أي علم من العلوم هو بث الحياة في ذلك المستدرك المتوسّد أريكة الإهمال تارة , أو الملتحف بغطاء التعمية تارة اُخرى . وفي الأدب فإنّ استدراك القوافي واستخراجها من كتب قديمة شبه ميتة , أو مخطوطات مرمية في غرف الإنعاش هو إحياء للأدب , ونشر الحياة في رميم الأديب , واستخراج لكنوز القوافي من صحراء النسيان , ومعارضة لقول سويد المرائد الحارثي (ق1) القائل من بحر الطويل :

بني عمِّنا لا تذكروا الشِّعرَ بعدما     دفنتم بصحراء الغُمَيم القوافيا(2)

فالقوافي أينما حلّت وبخاصة وهي تؤرّخ لنهضة وضعت مائزاً بين النور والظلام , هي ملك الإنسانية وليست ملك ناظمها , أو ملك مقتنيها في نسخة مخطوطة أو طبعة حجرية , ومَن يحبس القوافي في خزانة كتب أو خلف نافذة متحف ولا يطلق سراحها إنما خذل جبهة الحقِّ ولم ينتصر لإمام الحق والحقيقة الذي طلب النصرة يوم عاشوراء , وأساء لساحة الأدب والأدباء الذين رجموا الباطل بسهام كلماتهم ونبال قوافيهم رغم بُعد المسافة الزمنية عن محرم (61) هــ , وتباعد المساحة المكانية عن كربلاء , كقول خطيب المذهب الحنفي الموفق بن أحمد الخوارزمي المتوفى عام (568) هـ من بحر الوافر :

وإنَّ موفَّقاً إنْ لم يقاتل     أمامك يابنَ فاطمة البتولِ

فسوف يصوغُ فيك مُحبِّراتٍ     تَنَقَّلُ في الحزون وفي السهولِ(3)

أو قول الكاتب والشاعر مهيار بن مرزويه الديلمي المتوفّى عام (428) هـ من بحر المتقارب :

ولا زال شعريَ من نائحٍ     يُنَقَّلُ فيكم إلى مُنشدِ

وما فاتني نصرُكُمْ باللسانِ     إذا فاتني نَصْرُكُمْ باليدِ(4)

فالنصرة لا تقتصر على السيف لمَن أراد أن يلبّي واعية الإمام الحسين (ع) في كربلاء , وتضييقها على السلاح مظلمة لها ؛ فالأدب المنثور الواعي نصرة للحق وأهله , والأدب المنظوم الملتزم شوكة في أبواق الباطل وحزبه , وليس هناك برزخ يقف على قلّته من يحول دون نشر الأدب الحر بحجة أو باُخرى.

تاريخ موزون

كلّ حدث إن لم تلتقطه عدسة المصوّر غابت مفاصله وزواياه , وفي عصر لم تكن آلة التصوير قائمة كانت الرواية هي العدسة التي يتحكّم بها الراوي لنقل تفاصيل القصة أو السيرة ؛ ولذلك كان الراوية وكان القاص أو الحكواتي تنجذب إليه النفوس , وتتحلق حوله الأبدان وهو يروي الحدث , حتّى أصبحت الرواية في باب القصص والسير مهنة لها رجالها , وبخاصة حكاية المقاتل والمعارك , والراوي هنا هو غير راوي الحديث وإن اشتركا في قواسم عدّة .

وقد وجد بعض الشعراء في الملاحم والمقاتل ضالتهم في ترجمة الحدث إلى نص شعري , أو قولبة النصوص النثرية لملاحم قتالية سابقة على عهدهم في نصوص شعرية .

وما يلاحظ في قوافي الوغى التي تابعت معركة كربلاء بكلِّ تفاصيلها قبلها وأثناءها وبعدها , أنها :

أوّلاً : ساهمت في حفظ معركة الكرامة وبيان معالمها ؛ لأنّ الشعر أثبت في ذاكرة الإنسان وأركزُ على صفحات التاريخ ؛ فالأدب المنثور يتعرض للنسيان والضياع والتحوير من ناقل لآخر , في حين أن الشعر قوافي موزونة قلّما تتعرض للتحريف , وإذا حصل فهو من باب الخلل في الاستنساخ .

ثمّ إنه بشكل عام محفوظ في سجل الذاكرة الإنسانية يُنقل من جيل لآخر , وكما يقول الشاعر أبو تمام حبيب بن أوس الطائي المتوفّى سنة (228) هـ من بحر الكامل :

إنّ القوافيَ والمساعي لم تزل     مثل النظامِ إذا أصاب فريدا

هي جوهرٌ نثرٌ فإن ألّفته     بالشعر صار قلائداً وعقودا(5)

ثانياً : ساعد شعر الملاحم على تصحيح الاختلاف الحاصل في النسخ المتعددة للملحمة في صورتها النثرية , فكما أنّ الشعر يُستشهد به في قواعد اللغة العربيّة فللباحث أن يستشهد به لتصويب الحدث , بخاصة إذا كانت الملحمة الشعريّة نظمتها شخصية علمائية .

ومن الثابت أنّ شعراء القرون الاُولى كانوا يجمعون إلى جانب النظم العلوم الاُخرى ؛ فهم أدباء وعلماء وفقهاء , وهذه خاصية بدأت تفقد بريقها في القرون المتأخرة .

ثالثاً : اعتاد الناس في مجال الأدب الحسيني على سماع قصة مقتل الإمام الحسين (ع) بصوت خطيب حسيني , ولعل أشهر المقاتل المقروءة حتّى يومنا وأشجاها هو مقتل الخطيب الراحل الشيخ عبد الزهراء بن فلاح الكعبي الحائري (1327 ـ 1394هـ , 1907 ـ 1974م) .

لكننا لم نستطع الاستفادة من الملاحم الشعريّة في عقد مجالس لتذكّر واقعة كربلاء على مسامع الناس ؛ فبعض الملاحم المنظومة تغطّي كلّ الحدث الحسيني منذ خروج الإمام الحسين (ع) من الجزيرة العربيّة إلى العراق , واستشهاده في كربلاء في عاشوراء (61) هـ , وأسر أهل بيته إلى الكوفة ثمّ الشام , ومن بعد رجوع ركب الأسرى إلى العراق في العشرين من صفر (61) هـ , ثمّ العودة إلى المدينة المنورة , كملحمة الحلبي الحائري يوسف بن إسماعيل الشواء المتوفّى عام (635) هـ , وهي (606) أبيات من الطويل , ومطلعها:

اُفكِّرُ والصَّبُ الحزينُ يُفكِّرُ    وأسهرُ ليلي والمصائبُ تَسهرُ

ويطرُقُني همُّ النوائب دائماً     ولكنْ إذا هلَّ المحرَّمُ يَكبرُ

ولذلك أعتقد أن من المفيد الاستفادة من هذه الملاحم الشعريّة في عرض النهضة الحسينيّة على المنابر بأصوات وشخصيات تجيد قراءة الشعر , وترويج مثل هذه المحافل الشعريّة ونصبها في العشرة من محرم الحرام .

فهناك قطاعات كبيرة من الجمهور يتذوق الشعر , فإذا أمكن إنضاج قابليات المنشدين فيكون الأدب الحسيني قد تمّ توظفيه كأداة إعلاميّة جديدة تخاطب طبقة الاُدباء ومن يُنسب إليهم , وجدَّد من الاُسلوب المنبري المتعارف عليه , وكسب إليه قطاعات من الناس لم تعتد على حضور المجالس الحسينيّة , وتشجع في الوقت نفسه الشعراء على نظم الملاحم , وترجمة القصة الحسينيّة إلى ملحمة شعرية .

ومع الجهد الكبير والفريد الذي يبذله الأديب الكرباسي في توثيق الشعر الحسيني عبر القرون , فإنّ الطريق ممهد أمام هذا الاُسلوب من العرض المنبري لأن يأخذ طريقه في التطبيق والانتشار , لا سيما وأنّ الملاحم الشعريّة قد تمّ ضبطها من كلِّ النواحي الفنية , فلا يجد الملقي صعوبة في تشنيف أسماع الناس .

على أن يكون الإلقاء بصوت شجي , وبذلك يكون مثل هذا الفن من المنبر الشعري الحسيني قد استعاد دوره التاريخيَّ الكبير الذي كان يقوم به شعراء القرون الأولى عندما كانوا يلقون شعرهم الحسيني أمام أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ كدعبل بن علي الخزاعي المتوفّى سنة (246) هـ الذي ألقى قصيدته التائية من (122) بيتاً من بحر الطويل عند الإمام عليِّ بن موسى الرضا (ع) (148 ـ 203 هـ) وهو على ولاية العهد في العاصمة طوس , فاُغمي عليه (ع) عند سماعها , وبخاصة وهي تستنطق واقعة كربلاء شعراً , ومطلعها من الطويل :

تجاوبنَ بالأرنانِ والزفراتِ     نوائحُ عجمِ اللفظ والنّطقاتِ(6)

في الواقع أنّ الملاحم الشعريّة وإن كانت قليلة ولكنّ الموجود منها هو الآخر لم يتم تداوله بما يليق بالمناسبة ؛ ولذلك فإنّ خطباء المنبر الحسيني بحاجة إلى إجراء تجديد في القصائد التي يلقونها ؛ فالأدب الحسيني غني بالقصائد الملحمية , ومن حقِّها أن يتمّ تداولها كحالة من حالات التجديد المنبري ؛ فالملحمة الشعريّة تاريخ , وحسب تعبير الدكتور الكرباسي : (تاريخ منظوم موزون , وليست بشعر ذي خيال وإلهام) .

طباق منضود

ليس الشعر الراقي قافية ووزناً فحسب , وإلاّ صارت كلّ قصيدة عيناً بذاتها أو معلقة , فهناك مقوّمات عدة إذا اجتمعت نالت القصيدة كأس المعلّى , ومن تلك المقومات استخدام المحسّنات البلاغية بما يعطي القصيدة رونقاً خاصاً .

ومن المحسّنات الطباق , أي الجمع بين الكلمة وضدها في النص الواحد ؛ فإذا كان الشيئان من سنخين مختلفين عُدّ الطباق إيجابياً , وإن كانا من سنخ واحد دخل عليهما الثبت والنفي , أو الأمر , أو النهي , أو كلاهما كان من الطباق السلبي.

والأمثلة على الطباق كثيرة , فمثال الأول قوله تعالى : (وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ)(فاطر / 22) , ومثال الثاني في الإثبات والنفي قوله تعالى : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)(الزمر/ 9) , ومثال الثاني في الأمر والنهي : (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)(سورة الأنعام / 108) , ومنه أيضاً قوله تعالى : (إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(آل عمران / 175) .

وبشكل عام فإنّ الطباق [هو] الجمع بين الشيء وضده في الكلام , وطباق الإيجاب هو ما لم يختلف فيه الضدّان إيجاباً وسلباً , وطباق السلب هو ما اختلف فيه الضدان إيجاباً وسلباً(7) .

ومتابعة لقصائد الجزء الثاني من القرن العاشر الهجري تجد الكثير من الطباق , من ذلك قول الشاعر ناصر بن مسلم الفقيه المتوفّى قبل عام (1000) هـ من قصيدة في (85) بيتاً من بحر الخفيف , ومطلعها :

مَن لصبٍّ مُقلقل الأحشاءِ    خِدْنِ شوقٍ ولوعةٍ وضناءِ

ثمّ يقول :

ثمَّ حرَّمتم الفراتَ علينا    وأبحتم لغيرنا كلَّ ماءِ

والطباق في (حرّمتم) و (أبحتم) , حيث يتحدّث الشاعر عن لسان الإمام الحسين (ع) مسائلاً الجيش الاُموي عن السبب الذي يدعوهم إلى حرمان أهل بيت النبي محمّد (ص) من ماء الفرات وإباحته لغيرهم من الإنسان والحيوان !

وقد يأتي الطباق في البيت الواحد في أكثر من موضع , من ذلك قول حسين بن حمدان الخصيبي المتوفّى عام (308) هـ من قصيدة له بعنوان (مشهد النور) من بحر الخفيف , وهي من المستدركات , يقول في مطلعها :

أيّها الزائرون مشهدَ نورٍ    لحسينٍ ظفرتمُ بالسرورِ

ثمّ ينشد :

شاهداً غائباً صموتاً نطوقاً    ذاهباً راجعاً مُكرَّ الكُرورِ

فالطباق في (شاهد ـ غائب) , (صموت ـ نطوق) , (ذاهب ـ راجع) .

على أنّ الطباق هو غير المقابلة وإن بدا التشابه بينهما ؛ فالثاني [هو] أن يؤتى بمعنيين أو أكثر , ثمّ يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب(8) .

ومن ذلك ما رواه الصحابي عبد الله بن عباس الهاشمي (ت 68 هـ) عن الإمام علي (ع) أثناء خلافته , [حيث قال] : فأتيته فوجدته يخصف نعلاً , فقلت له : نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منّا إلى ما تصلح !

فلم يكلّمني حتّى فرغ من نعله , ثمّ ضمها إلى صاحبتها وقال لي : (( قوِّمهما )) .

فقلتُ : ليس لهما قيمة .

قال : (( على ذاك )) .

قلتُ : كسر درهم .

قال : (( والله , لهما أحبُّ إليَّ من أمركم هذا إلاّ أن اُقيم حقاً أو أدفع باطلاً )) .

والمقابلة [هنا] في (اُقيم حقاً ـ أدفع باطلاً) .

هنا ليبيا

(88) قصيدة وقطعة وبيت توزّعت على 350 صفحة من الجزء الثاني من ديوان القرن العاشر الهجري لسبع وثلاثين شاعراً من قرون عشرة , لكن الشاعر القاسم بن علي (ابن هتيمل) الخزاعي المتوفّى عام (696) هـ استأثر بستِّ عشرة قصيدة , يليه الشاعر حسين بن حمدان الخصيبي المتوفّى عام (308) هـ باثنتي عشرة قصيدة , ثمّ أحمد (ابن المتوّج) بن عبد الله البحراني المتوفّى سنة 820 هـ بخمس قصائد .

وغلب على هذا الديوان القصائد الطوال , بيد أن الأديب الكرباسي من خلال تناوله للقصائد المتبقّية التي نظمت في هذا القرن وجد من الناحية البلاغية أنها لا ترقى لأن تكون من عيون الشعر ؛ لتكرار المحسنات البلاغية , بيد أن الشاعر في الوقت نفسه حافظ على وحدة الفكرة وجمالية القصيدة , ولكن في بعضها الآخر لم تصل عتبة الإبداع الشعري الخصيب .

وإذا كان الشعر الحسيني جاذباً للنفوس فإنّ النهضة الحسينيّة بحدِّ ذاتها عامل دفع للشعوب من أجل البحث عن الاستقلال والحرية ؛ ولذا كما يقول الأديب والناقد الليبي الاُستاذ مصطفى بن محمّد الجهاني المقيم في لندن , في قراءته الأدبية لهذا الديوان : (فما أحوجنا نحن أبناء العرب خاصة والمسلمين عامة بأن نأخذ العبر , ونستلهم الدروس من شخصية الحسين (ع) , ونقرأ حاضرنا في دماء سيد الشهداء وريحانة الرسول (ص) وسيد شباب أهل الجنّة , فنجعلها فاتحة للثورة على الفراعين , وتغيير حياة الإنسان وجعله كائناً يعرف حقيقة وجوده , ودوره الرسالي أمام الله والتاريخ) .

ويضيف الجهاني وهو يربط بين واقعة كربلاء وثورة القائد الليبي عمر المختار (1276 ـ 1350 هـ)(1860 ـ 1931 م) : (ولا ننسى ثورة عمر المختار ضد الاحتلال الإيطالي ؛ فقد كانت جهاداً مقدّساً , استُلهمت مبادؤها الروحية من نهضة الإمام الحسين (ع) ؛ فهي تواصل حتمي للغضب والرفض والخروج على الطغاة المارقين . والمختار لم يحد عن هذا الخط الحسيني , فنهض ثائراً على المستعمرين) .

ولأنّ النهضة الحسينيّة حدث أكبر من أن يحدّه زمان أو مكان , فإنّ دائرة المعارف الحسينيّة تأخذ مدياتها في التأليف بلا حدود . وهنا يعبّر الأديب الليبي عن انبهاره ؛ إذ [يقول] : (لم أقرأ أو أسمع بمثلها في العرب والمسلمين وغيرهم) ؛ فهي : (أكبر موسوعة عرفها الفكر الإنساني منذ فجر المعرفة , وهذا فخرٌ جديرٌ بأن يكون به الكرباسيُّ فخر العرب والمسلمين , وفيلسوف الإنسانيّة بلا منازع) .

فالموسوعة المتكوّنة من أكثر من ستمئة مجلّد صدر منها نحو ستّين مجلداً , أي عشرها , تكشف عن جاهزية المؤلّف وتمكّنه من التحقيق والتنقيب والتأليف .

وهنا كما يؤكّد الناقد الجهاني : (أرى المحقق العلاّمة الدكتور محمّد صادق الكرباسي موسوعياً من الطراز الأوّل ؛ حيث عاد بنا إلى أزهى عصور الثقافة والمعرفة العربيّة والإسلاميّة , فذكَّرنا بالفارابي , والجرجاني , وابن جنّي , وابن سينا , والغزالي , والطوسي , وعمر الخيام , غير أن الكرباسي امتاز عليهم بالغزارة والشمولية والتجديد .

هذه الصفات الثلاث جعلت من صاحب الموسوعة الحسينيّة إمام عصره في الفكر والثقافة والتاريخ , وشيخ الإسلام في المعارف والآداب) .

ولاشك أنّ الإمام الحسين (ع) , وهو سبط النبي الأكرم محمّد (ص) وحامل رايته تهواه الأفئدة من قريب أو بعيد ؛ لأنه كجدِّه (ص) رسول الرحمة الإلهية والعدالة الإنسانية المنسجمة مع الناموس البشري , بغض النظر عن الدين أو المعتقد أو المذهب .

وهنا لا يتوقف قلم الناقد الليبي الاُستاذ مصطفى محمّد الجهاني عن تحبير : (إعجابي واحترامي الخالصين , وتقديسي لهذا الإمام الأكبر , صاحب النفحات المحمّدية الإلهيّة التي ألهمته , فكان قائد الثورة الكبرى الخالدة في وجه الطغيان , وكان السراج الوضّاء الزاكي في خضم عباب الكفر والظلام) .

ــــــــــــــــ
   (*) إعلامي وباحث عراقي
(1) شرح نهج البلاغة 19 / 359 .
(2) البيان والتبيين 2 / 186 .
(3) ديوان القرن السادس / 184 .
(4) ديوان القرن الخامس / 96 .
(5) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر / 15 .
(6) ديوان القرن الثالث / 48 .
(7) البلاغة الواضحة للبيان والمعاني والبديع ـ لعلي الحازم ومصطفى أمين / 281 .
(8)  البلاغة الواضحة / 285 .

 

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين

 

 

طباعة الصفحةاعلى