سمو الذات من سمو المعنى..

سمو الذات من سمو المعنى

أو

وعي معاني فلسفة النهضة الإلهيّة(*)

هلال آل فخر الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

نخطئ كثيراً في حقِّ أحداث ومواقف إسلاميّة مفصلية عظيمة في حياة الاُمّة ومسار الرسالة حينما نختزلها في مناسبات احتفالية تقليدية فاقدة لجوهر الروح , ومضحّين بمعانيها الرفيعة , نكرر فيها ما اعتدناه من مكرور كلام طقوسي ، أو اشترار أبيات من الشعر الرثائي أو الحماسي ، والاهتمام بإطعام الطعام فقط .

ذلك إنّ تلك المناسبات والأحداث والمواقف هي أسمى وأجلّ وأرفع ؛ لكونها منائر هدى , ومحطات شامخة فارقة في مسيرة الإسلام وديمومة بقائه نقياً فاعلاً متجدداً , وامتداد تأثيرها على مستوى الأزمان ، وفي كلِّ مكان ؛ لتحرير البشرية من العبودية ، وإقامة العدالة الإنسانيّة ، وإحقاق الحقوق لكافة الاُمم ، ونشر مبادئ السّلام ، وقيم الأخلاق , ومفاهيم التسامح والمحبة في كلِّ أرجاء العالم .

فكما إنّ الإسلام عقيدة وحياة ، وليس شعائر وطقوس فقط ، كذلك النهضة الحسينيّة التي جسّدت روح الإسلام لم تكن طقوس وشعائر فقط ؛ لذلك يتحتم على المسلمين كافة وبالخصوص أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) ، وبالأخص الخطباء ، وأئمّة الجمعة والجماعة ، وأصحاب الفكر ، من استقراء تلك المناسبات والأحداث والمواقف ، واستنطاقها ؛ لبيان دلالاتها الكبرى ، واستشراف معانيها السامية ، وحججها البالغة ، ومراميها العميقة ، وأهدافها الجليلة ؛ لاستخلاص الدروس والعبر والمبادئ والقيم منها ؛ وذلك لتبنّيها لقرارات الشرعيّة الإلهيّة ، وهدى السنة النبويّة الشريفة ، وما سطّرته من ملاحم وبطولات وتضحيات لم يُعرف لها مثيل خدمة لقضايا الإنسانيّة ، ويأتي في مقدمتها ذكرى فاجعة عاشوراء ، وشهادة سيدنا الحسين وأهل البيت (عليهم السّلام) , وأصحابه الكرام البررة (رضوان الله عليهم) .

إنّ نهضة الإمام الحسين (عليه السّلام) لم تكن نهضة بشرية عابرة في المقام الأوّل ، على الرغم من إمامة الحسين (عليه السّلام) , وأنّه سيد شباب أهل الجنّة , وسبط المصطفى الأمجد (صلّى الله عليه وآله) . إنّها نهضة إلهيّة ربانيّة الإعداد والمنهج , والتنفيذ والتوقيت وحتّى المكان أيضاً .

البعد الإلهي

يجمع رواة الحديث على تواتر وصحة حديث هبوط الأمين جبرائيل (عليه السّلام) على النبي (صلّى الله عليه وآله) , وإخباره بنهضة الإمام الحسين (عليه السّلام) , وشهادته (الزمان) بغياب جدّه وأبيه , واُمّه وأخيه (صلوات الله الله عليهم) ، و(المكان) في أرض يقال لها : كربلاء . وقد أتاه بحفنة من ترابها ، وأخبره بتفاصيل مواقف الإمام (عليه السّلام) البطولية في مقارعة الطغاة , وأسرار نهضته الكبرى لإحياء الرسالة من الطمس والتحريف .

وشديد تأثّر النبي (صلّى الله عليه وآله) لهذه الحادثة الكارثية , وسماع زوجته اُمّ سلمة بكاء النبي (صلّى الله عليه وآله) , واستفسارها عن الأسباب , فأخبرها (صلّى الله عليه وآله) بما سيجري على ريحانته وسبطه الحسين (عليه السّلام) من اُمّة السوء في قتله ، وقد ناولها قارورة فيها تراب أرض مصرعه .

فقالت له : يا رسول الله , هل سألت الله أن يدفع عنه هذا الحال ؟

قال (صلّى الله عليه وآله) (مضموناً) : بلى , سألت ربي ذلك , ولكن شاء الله أن يكون شهيد (الرسالة) , ولا ينال تلك (المنزلة) إلاّ بشهادته على تلك الحالة التي اختطّها ربُّ العزّة له ، وجعل خلود الرسالة خلوداً له (عليه السّلام) , وخلوده خلوداً لقيم السماء .

البعد النبوي

وبعد ذلك البعد الإلهي يوجد البعد النبوي الشريف ، من الحديث الصحيح المتواتر من قول المصطفى (صلّى الله عليه وآله) للحسين (عليه السّلام) : (( حسين منّي وأنا من حسين )) . صدق الرسول الكريم , فهذا الحديث على الرغم من نفاسته فإنّه لم يحظَ بسمو شرفه أيّ شخص آخر على الإطلاق غير سيد الشهداء الحسين (عليه السّلام) ؛ فهذا الحديث الشريف له دلالات ومعانٍ عظيمة وخطيرة , فهو :

 أوّلاً : لا يعني حسب المدلول اللغوي من حرف الجر (من) التبعيض ، بل يفيد التوازن ، والكلّ من الكلّ .

 ثانياً : يبيّن الترابط التام في البلاغ والدعوة .

 ثالثاً : يوضّح الامتزاج الكامل بين الاثنين في وحدة النفس والدم , والقلب والوجدان ، واستواء الطبائع , وعدم انفصامهما أبداً .

 رابعاً : توحّد الأهداف والمناهج , والمسير والسلوك والغايات بين كليهما , من غير انفصال إطلاقاً .

خامساً : شمولهما بالنصّ والتعين الإلهي بقيادة التغير والإصلاح في المجتمع الإنساني .

وهذا الحديث يشير وبكلِّ وضوح إلى أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) سيتحمل عبء مسؤوليات الحفاظ على الرسالة من التشويه والتحريف التي أجهد الطغاة أنفسهم , وجنّدوا كلَّ طاقاتهم في سبيل تدميرها وطمسها كما صارت إليه حال الرسالات السابقة على أيدي الجبابرة ومرتزقة الأحبار .

لكنّ رحمة الباري (سبحانه وتعالى) أن قيّض للرسالة المحمّدية الخاتمة الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ لانتشالها وبعثها الجديد كما تحمّل من قبل جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله) تبليغها . فالحسين (عليه السّلام) مجدد الرسالة وحاميها وناشرها , وبثباته (عليه السّلام) ثبتت , وبدمائه أورقت وأزهرت وأينعت , إذاً فمحمّد والحسين (صلوات الله عليهما وآلهما) سيّان وطهر واحد , ووجهان لعملة واحدة , وصنوان لنبعة واحدة .

البعد العلوي

فقد أشار الإمام علي (عليه السّلام) عند إنصرافه من صفّين ومروره بأرض الطفوف إلى مصارع الصفوة البررة ، وأنهم مقيمي الدين الحنيف , وأنّهم أفضل الناس طرّاً . فعندما قال له حبيب بن مظاهر الأسدي متأسفاً من عدم رزقه الشهادة بين يديه ؛ اُسوة بعمار بن ياسر , فقال له الإمام علي (عليه السّلام) قولته المشهورة (مضموناً) : ستحصل على الشهادة , والشهادة بين يديه أفضل من الشهادة بين يدي , وأشار إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) .

البعد الحسيني

فعندما أرادوا من الإمام الحسين (عليه السّلام) البيعة ليزيد قال بكلِّ شجاعة وشموخ : (( مثلي لا يُبايع مثله )) ؛ لأنّ الحسين (عليه السّلام) امتداد لكلِّ الرسالات السماويّة , فهو وارث آدم صفوة الله , وارث نوح نبي الله , وارث إبراهيم خليل الله , وارث موسى كليم الله , وارث عيسى روح الله , وارث محمّد حبيب الله , وارث أمير المؤمنين ولي الله ...

الحسين صوت العدالة .. الحسين رمز الصمود والكفاح ..

مثله يعني يزيد .. مَن ؟! يزيد الجاهليّة الجهلاء بكلِّ أرجاسها وطغيانها .. يزيد العدوان .. يزيد الفسق .. يزيد التخلف .. يزيد الظلم .. يزيد الشرّ المطلق .. يزيد الإرهاب المحض ..

إذاً لا يلتقي الشر والخير , ولا يجتمع الحق المحض والباطل المحض أبداً .

وكذلك حينما صمم الإمام الحسين (عليه السّلام) بإعلان نهضته المباركة , والخروج من المدينة ، ذهب لوداع جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله) , فهوّمت عيناه ، فغفى في رحاب روضة قبر جدّه (صلّى الله عليه وآله) ، فشاهد الحبيب المصطفى وأخبره بتكالب قوى الشر , وعدم تناهيهم عن الظلم ومسخ الشريعة , فقال لجدِّه (صلّى الله عليه وآله) : (( خذني عندك وضمّني إليك , وخلّصني من البلوى )) .

فقال له جدّه (صلّى الله عليه وآله) : (( هيهات هيهات ! ولدي حسين , ولدي حسين , إنّ لك عند الباري مقاماً عظيماً مذخوراً يغبطك الكلّ عليه , لا تناله إلاّ بإعلاء كلمة الله , وجهاد أعدائه , والشهادة في سبيله , ونحن بانتظارك )) .

وهذا ما كان يشير إليه الحسين (عليه السّلام) دائماً , ويؤكّد ويدعو له قائلاً : (( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً , وإنما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . ألا ترون إلى الباطل لا يتناهى عنه , وإلى الحقِّ لا يُعمل به ؟ )) . حيث حدّد أهداف وأبعاد نهضته : إقامة الحق ، وإحقاق الحقوق المهتضمة ، ومجاهدة الباطل والظلم بكلِّ أشكاله ؛ لأجل سعادة الحياة البشرية .

وقوله (عليه السّلام) : (( شاء الله أن يراني قتيلاً مخضّباً بدمي , شاء الله أن يراهنّ سبايا )) عندما سأله ابن عباس : فما تصنع بأخذ مخدرات آل محمّد معك إلى العراق ؟ أي إنّه أمر رباني خطّ به القلم فلا مناص منه ، كما خُطّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة كما عبّر عن ذلك سيد الشهداء (عليه السّلام) .

وقد أنبأ الإمام (عليه السّلام) بما سيكون , قائلاً : (( وكأني بأوصالي هذه تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء )) .

وإجماع أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) من القول : (( رحم الله من أحيا أمرنا )) . وإحياء أمرهم يعنى إحياء للقرآن ، إحياء للسنّة ، إحياء للدين ، إحياء للعدل ، إحياء لكلِّ قيم السماء ، إحياء للإمامة التي لم يُسلّ في الإسلام سيف كما سُلّ على الإمامة كما يقول الشهرستاني .

والبعد الآخر ما تشير إليه الكتب المقدسة ، وما يؤكّده أحد قساوسة المسيحيّة في كتابه (الحسين في الإنجيل والفكر المسيحي) ؛ حيث استشهد بنصوص من إصحاح الكتاب المقدّس يثبت فيها سمو ثورة الحسين (عليه السّلام) ، وتبنّيها للإصلاح ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأنها مقدّرة من السماء منذ الأزل , ويشير إلى مكانها من شاطئ نهر الفرات .

فنهضة سيد الشهداء (عليه السّلام) الإلهيّة العظمى لا تخبو نارها , ولا تُطفأ جذوتها ؛ لأنها بعين الله , وعظيم عطائها لله , وسر بقائها الله تعالى .

ومن تأكيد أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) بأنّ للحسين (عليه السّلام) في قلوب المؤمنين حرقةً لا تبرد أبداً ، وهي خير منجم تستمد منه الطاقات وتهون التضحيات .

وأخيراً , إنّ الوعد الإلهي بأنّ الذي سوف يكمل مشوار تلك النهضة القدسية , وخطى الثورة العالميّة في الأرض ، ويعم خيرها وعدلها وعطاؤها كلَّ أبناء بني آدم بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً , هو بقية الله الأعظم ، المصلح المحمّدي ، والثائر الحسيني ، الحجة ابن الحسن (عجّل الله تعالى فرجه) .

أيها السادة الكرام

إنّ الحسين (عليه السّلام) وقف ساعة وهي خالدة وباقية إلى قيام يوم الساعة .

الحسين (عليه السّلام) أسقط عروشاً وأقام عروشاً .

الحسين (عليه السّلام) هزّ الدنيا وشغل الناس .

الحسين (عليه السّلام) سفينة النجاة .

فلم يرد الله (سبحانه) من تلك الثورة الكبرى أن نندب الحسين (عليه السّلام) فقط .

ولم يرد الله (سبحانه) من طحن صدر الحسين (عليه السّلام) وتقطيع أوصاله ، وذبح الذرية الطاهرة والصحابة أن نرثي ونتوجع فقط .

لم يرد الله (سبحانه) من تقطيع أوصال شبيه المصطفى (صلّى الله عليه وآله) منطقاً وخلقاً ، أو من ذبح الرضيع على صدر ابن المصطفى أن نطعم حفنة من الطعام .

ولم يرد الله (سبحانه) من تلك المجزرة الرهيبة والتضحيات الجسيمة أن نبكي فقط .

ولم يرد الله (سبحانه) من فضائع أسر وسلب حجاب بنات الوحي والرسالة , وتقلبهنّ في الأمصار أن نلطم فقط ... كلاّ وألف كلاّ .

وبكلِّ اختصار فإنّ قطرة من دم جون مولى الحسين (عليه السّلام) لا تفتدى بملء الأرض ذهباً كما قال الإمام السجّاد (عليه السّلام) .

فلا نفرض على الدين هواناً , وعلى المقدّس خلجات نفوسنا وعواطفنا من دون تدبّر .

إنّ الله (سبحانه) ألطف وأكرم وأعزّ شأناً أن يريد ذلك , إنّه (عزّ وجلّ) أراد لتلك النهضة الإلهيّة المحمّدية العلويّة الحسينيّة أن تحمي الدين ، وتصون رسالات النبيّين كافة ، وليس الرسالة الإسلاميّة فقط ، وتدافع عن ظلامة الاُمّة ، وتذب عن المحرومين . وكتب لها أن تكون خالدة متبرعمة ، فاعلة حيّة في الضمير , (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) ، تطاول أعاصير العصور وجبابرة الدهور .

يقول الشاعر السيد مصطفى جمال الدين في قدسية دمه الزكي :

فدمٌ أراقه كأنّه من جدّه الـ   آن يعطر في الثرى ويخضّبُ

أراد لها الله (سبحانه) , ومحمّد المصطفى (صلّى الله عليه وآله) , وعلي المرتضى (عليه السّلام) , وسيد الشهداء شهيد كربلاء (عليه السّلام) أن تكون ثورته منار هدى , وسبيل خلاص , ومبعث إنقاذ وملاذ للبشرية جمعاء .

الحسين (عليه السّلام) هبة الله ليس فقط للرسالة والاُمّة , بل للدنيا المضطهدة بأسرها ومبادئها الضائعة بأكملها ..

الحسين (عليه السّلام) صوت الحق الهادر ما دامت السماوات والأرض ..

الحسين (عليه السّلام) صرخة كل المُعَذّبين والمحرومين والمظلومين في الأرض ..

الحسين (عليه السّلام) صحوة الاُمّة وأملٌ لكلِّ الذين ينشدون تنسّم حياة الحرية والكرامة والعزّة , بعيداً عن الخنوع والذلة ..

الحسين (عليه السّلام) فتحٌ .. الحسين (عليه السّلام) حياةٌ .. الحسين (عليه السّلام) سعادة ..

الله الله ! فلا تخرجوها عمّا أراد الله ورسوله ووصيه وريحانته الحسين لها .

طوبى للسائرين على دربها ! المتمسّكين بهداها !

فكلُّ حرٍّ ومحرَّرٍ ليس له إلاّ أن يطرق سبيل الحسين (عليه السّلام) في النجاة والخلاص والانعتاق من أسر العبودية إلى رحاب الحرية ، من الظلام إلى النور ، من كابوس الانغلاق والتحجّر إلى سعة الانفتاح والتطوّر ، ومن دياجير الجهل إلى آفاق العلم ، ومن جور الظلم والاستبداد إلى العدل والإنصاف ، ومن رعب الإرهاب إلى الأمن والسلام .

فقد أخذوا جميعاً بحبل سيد الشهداء وأبي الأحرار , إمام الإنسانيّة جمعاء الحسين بن علي (عليه السّلام) , فهذه ثورة بني العباس قامت باسمه الشريف , وكلّ ثورات العالم الإسلامي مرتشفة من معين نهضته ، وحتّى الهندوسي (غاندي) في تحرير الهند من الاستعمار البريطاني , والماركسي الملحد (ماوسي تو نغ) صاحب المسيرة الطويلة وثورة الصين على الاستعمار الياباني , مقتدين بعظيم سيرته (عليه السّلام) .

حيث أعلن الإمام (عليه السّلام) بصرخاته المدوية للدنيا خطباً , نصائحَ , تحذيراً , مواعظَ , رسائلَ , وفودَ سفراء , كلّها استنهاض للناس , للشعوب , للقبائل , للزعماء , للأفراد والركبان , وفي كلِّ مكان ؛ كي يفيقوا من السبات الطويل والنوم العميق على الضيم ، وأنّ الاُمم والشعوب هي صاحبة الحق في التغيير , وإذا ما أرادت الحياة والخروج من ربقة الاستعباد فما عليها إلاّ أن تعطي ؛ لأنّ الذي لا يعطي لا يأخذ .

وأنّ الحقوق تؤخذ وتُنتزع انتزاعاً ، فهي لا تمنح ولا تهب , وأنّ طريق الحرية أحمر .. أحمر , نعم أحمر وقاني أيضاً لمن يعشق الحرية والاستقلال والكرامة . وقد ترجمها الشابي شعراً :

إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة      فـلا بدّ  أن يستجيب القدرْ
ومن يتهيّب صعود الجبال      يعش أبدَ الدهر بين الحفرْ
ومن لم يعانق شوقَ الحياة      تـبخّر فـي جوّها واندثرْ

وقد استمدت روح الصمود والمقاومة على نهجه امرأة كسيرة أسيرة ، قُتل إخوانها وأبناؤها وأهلها جميعاً ، وسُلب خمارُها , ليس لها من ناصر ولا معين إلاّ الله (سبحانه) , وهي تخاطب فرعون زمانها في قصره ، محاط بجموع زبانيته , بكلِّ احتقار وازدراء , غير خائفة ولا وجلة من بطشه أو غدره ، تلك بطلة كربلاء عقيلة آل بيت محمّد (صلّى الله عليه وآله) زينب الكبرى (عليها السّلام) , مخاطبة طاغية عصرها (يزيد) وهو يعطف زهواً وطيشاً بالبغي لقتله سبط المصطفى (صلّى الله عليه وآله) , المحزوز الرأس من القفا ، موهوماً بنشوة نصر الجاهليّة وأجلافها , الآخذ بذحله ثأراً لأجداده ، والانتصار لحزبه وأهله في بدر والأحزاب ، والخندق وحنين .

فقد ألقمته مخدرة الرسالة حجر بعد حجر , فألجمته بالمحالات الإلهيّة , والشجاعة الحيدريّة , والتحدّيات الحسينيّة , بـ (العهود الربانيّة) من بقاء الرسالة متبرعمة ندية , قائلة له : إنّي لأستصغر قدرك , وأستعظم تقريعك يا يزيد . كد كيدك , وناصب جهدك , واسعَ سعيك , فوالله لا تميت وحينا , ولا تمحي ذكرنا ؛ لأنّها بيوت أذن الله أن تُرفع ويذكر فيها اسمه .

وختمتها قائلة : يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على القوم الظالمين , ممّن سوّلت لهم أنفسهم ونزوا على مقام الخلافة الإلهيّة حتّى مكّنوك من رقاب المسلمين .

ورحم الله شاعر أهل البيت (عليهم السّلام) العلاّمة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي , حيث يقول :

قـد مات ذكرهمُ وذكرُك عاطرُ      والـوحي  حـيٌّ والـرسالةُ برعمُ
أنت الحسينُ ودون مجدك في العلا      مـجدُ الـمسيح ودون اُمِّـك مريمُ

حيث يبقى سمو الذات من سمو المعنى شامخاً خالداً سلسبيلاً , يهب الحياة لمن يريد أن يعيش كريماً ، إلى جنب بقائه وحيداً من دون شبيه , ومفرداً بلا نظير كما قال الشاعر الجواهري :

فيا أيها الوتر في الخالدين        إلـى الآن فـذّاً ولم يشفعِ

وكذلك كلاً من نهضته الربانيّة وتراً ولم تشفع , وعظمة بطولات أصحابه الغر الميامين.

وفي الختام , ومن باب المسؤولية الشرعيّة والتاريخيّة والوطنية فما أشدّ احتياج اُمّتنا الآن من التراص ، والتوحّد والوعي ، والارتفاع في مستوى قراءة نهج الفاتح الأعظم والثائر الأكبر سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) , قراءة متمعّنة موضوعيّة , منفتحة واعية لاستشراف جلائل معانيها , وسبر أغوار عظيم مبانيها ، والدقّة في صياغتها ؛ لسكبها في شرايين البشر كافة بلغةِ خطابٍ حضارية تتناسب ومقام صاحبها ونهضته الإلهيّة الخالدة .

والآن , وفي عصر المعلومات , فهل نكون أهلاً لحمل أعباء راية الرسالة السمحاء ، وأهداف نهضة أبي الأئمة (عليهم السّلام) وتعاليم مدرستهم الفكرية الإنسانيّة السامية , ونشرها كما حملها الأجداد ونشروها في السند والهند ، وبخارى والصين , والأندلس وصقلية , ونيجيريا والصحراء الكبرى ، ومجاهل إفريقيا وأصقاع روسيا , وجزر أندنوسيا وماليزيا وسريلانكا ؟

إذاً فلنترجم حقاً مصداق أقوالنا : (فيا ليتنا كنّا معك يا أبا عبد الله فنفوز فوزاً عظيماً) .

سائلين الله (سبحانه) أن يجعلنا من خدّام الحسين (عليه السّلام) , ومن السائرين في خط الحسين (عليه السّلام) , والموفّقين لنشر مبادئ وقيم النهضة الإلهيّة التي قادها نور الله سيدنا الحسين (عليه السّلام) , وما السداد إلاّ من عنده سبحانه وتعالى .

والسّلام عليك يا مولاي وابن مولاي يابن رسول الله , يا إمام المجاهدين وشهيد الإنسانيّة , يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تُبعث حيّاً , وعلى أهل بيتك الأوفياء , وأصحابك الغرّ الميامين ألف تحيةِ إجلالٍ وسلام .

ـــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 

 

طباعة الصفحةاعلى