نحو قراءة تربوية لواقعة الطفِّ

نحو قراءة تربوية لواقعة الطفِّ(*)

  نادر الملاّح 

واقعة الطفِّ .. الملحمة الخالدة التي على الرغم من مرور أكثر من ألفِ عامٍ على حدوثها ظلَّت طريَّة ومتجدِّدة ، وكأنَّها قد حدثت للتو . هذا ما تُؤكِّده جميع الكتابات التي تناولت هذه المأساة الإنسانيّة ، سواء تعاطت هذه الكتابات معها من الزاوية التاريخية أو الإنسانيّة أو الأخلاقيّة أو الأدبية أو غير ذلك من الزوايا .

وتعود هذه الظاهرة في واقعة الطفِّ إلى عدِّة أسباب ، أسهب فيها الباحثون والمؤرِّخون والكتَّاب ؛ تأتي في مقدِّمتها بشاعة الحدث ومأساويته ، وشمولية هذه الواقعة للعديد من الأبعاد الحياتية ، وقيام الحالة الثورية على واقع الظلم والطغيان .

ولعلّ هذه الأسباب ـ وغيرها بطبيعة الحال ـ هي ما جعلت من واقعة الطفِّ مثار اهتمام مختلف الشرائح والانتماءات الفكرية والعقائدية ، فتحدَّث فيها : المسلم والمسيحي واليهودي وغيرهم ، كما تحدَّث فيها : المؤرِّخ والمفكِّر والتربوي والباحث وعالم الدين وغيرهم .

فالأديب ـ مثلاً ـ رآها مصدر إثراء للشعر والنثر ، ورآها المؤرِّخ نقطة تحوُّل في أحداث التاريخ وصراع القوميات ، ورآها عالم الدين نقطة ارتكاز للعقيدة ، ورفض للمعتقدات الشاذة , واستغلال الدين لتحقيق المصالح والمكاسب الدنيوية والسياسية ، ورآها عالم الاجتماع نقطة تمايز اجتماعي وانقسامات وتجمُّعات اجتماعية ، ورآها السياسي مدرسة للتخطيط والتنظيم الإداري ، ورآها العوام مبعثاً للطاقة والعزيمة في المطالبة بالحقوق والثورة على الظلم والالتزام بالمبادئ .. وهكذا .

واتفقت جميع هذه الشرائح والفئات على أنّ واقعة الطفِّ عبارة عن مأساة إنسانيّة حقيقية ، حملت في طيَّاتها بُعدين اثنين , اتفق الجميع على الأول منهما ، وهو : البعد العاطفي ، فيما تباينوا في البعد الآخر ؛ فالمؤرِّخ رآه بُعداً تاريخياً ، وعالم الدين رآه بُعداً عقائدياً ، والأديب رآه بُعداً أدبياً ، والتربوي رآه بُعداً تربوياً .

وفي الواقع لا يوجد أي تضارب بين جميع هذه الرؤى ؛ فمأساة كربلاء كانت حدثاً شمولياً بكل معاني الكلمة ، غير أنّ كل ذي اختصاص رآها من واقع اختصاصه ، إلى جانب إنسانيّته التي لم تترك له الخيار في اعتبارها مأساة إنسانيّة . أو بمعنى آخر : لم تتح له الفرصة لتجاهل البعد العاطفي في هذه المأساة .

وفي تقديري الشخصي ، فإنّ مثل هذا الاتجاه ساهم في تعزيز الاستفادة من هذا الحدث التاريخي الإنساني في جميع المجالات الحياتية ، أي أنّه اتجاه إيجابي وليس سلبياً على الإطلاق .

وعلى الرغم من إدراك العديد من الفعاليات الدينية والفكرية لهذا الأمر ، إلاَّ أنَّنا لا نزال نعيش واقع افتقار المكتبة الإسلاميّة والتربوية للإصدارات التي تستخرج الدروس التربوية والأخلاقيّة من بين ثنايا هذه الواقعة ، وتصوغها في قوالب تتماشى والذهنية العامة ، وتتناسب ولغة العصر الذي نعيش فيه ؛ لتعمل من خلالها على بناء النفس الإنسانيّة بناءً سليماً بعيداً عن الاعتلال ؛ سعياً وراء خَلْق مجتمع يسمو بذاته وكيانه ، ويحتفظ لنفسه بهوية تُميّزه عن باقي المجتمعات الإنسانيّة .

إنّ هذا الإرث الضخم الذي خلَّفه لنا الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى السّلام) ، وسطَّروا صفحاته بدمائهم الزكيَّة الطاهرة ، ليس مجرَّد إرث تاريخي ، وليس مجرَّد إرث أدبي ، وليس مجرَّد إرث ديني ، وإنّما هو إرث تربوي بالدرجة الأولى , وهذا يعني أنّ واقعة كربلاء هي في الواقع مدرسة تربوية لا تنحصر في دينٍ أو مذهبٍ أو تيارٍ مُعيَّن ، فهي مَعينٌ تنهل منه النفس البشرية بغض النظر عن انتمائها ؛ لأنّ فيه ما يسمو بهذه النفس باعتبارها نفساً إنسانيّة ، لا باعتبارها نفساً إسلاميّة .

وهذا المعنى يمكن أن نستقيه من قوله (عليه السّلام) وهو يخاطب جيشاً عرمرماً ، اجتمع من كل حدبٍ وصوبٍ لقتله أو إذلاله : (( أيُّها الناس ، إن لم يكن لكم دين ، فكونوا أحراراً في دنياكم ...)) .

هذه العمومية في خطاب الحسين (عليه السّلام) ، وكذلك هي الحال في ما اشتملت عليه هذه الواقعة من خُطبٍ وعباراتٍ وحواراتٍ ، تُدلِّل ـ بما لا يترك مجالاً للشك ـ على عمومية ثورة الحسين (عليه السّلام) ، وبالتالي عمومية الخطاب الوجداني في هذه الثورة الخالدة .

فإذا ما سلَّمنا بهذه العمومية توجَّب علينا أن نُسلِّم بضرورة استقصاء الدروس التربوية ، والقيم الفاضلة التي تضمَّنتها ثورة الحسين (عليه السّلام) ، وليس فقط حادثة يوم العاشر من المحرم ، بما يُسهم في تعزيز حالة السمو النفسي على المستويين الفردي والاجتماعي .

ولتحقيق ذلك ، فإنَّه لا بدّ من البدء في الحصر النوعي لهذا التراث التربوي والأخلاقي ، ومن ثمَّ إعادة صياغته في عدة قوالب ، يتم توجيهها لمختلف الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية ، بدءاً بالطفل وانتهاءً بالشيخ والعجوز .

وفي إطار هذا العمل فإنّه لا بدّ من التركيز على مرحلة الطفولة ؛ على اعتبارها مرحلة التأسيس والبناء . وهذا يقتضي بالضرورة الالتفات إلى عدة اُمور ، أبرزها :

ـ التنوُّع في أساليب العرض ؛ كالقصة ، والمسرح ، والكتاب ، والرسوم ... إلخ .

ـ التدرُّج في مستويات العرض , بحيث يتم الانتقال من البساطة إلى التعقيد ، ومن العمومية إلى التحديد ، ومن الإطلاق إلى التخصيص ، بشكل تدريجي ومُنظَّم .

ـ البرمجة والتنظيم : بحيث تصب الجهود المتفرِّقة في إطارٍ واحد .

ـ تناسب العرض مع سنِّ الطفل .

ـ إشراك الطفل في عملية الصياغة أو التنفيذ .

ـ الابتعاد عن الأساليب التقليدية في التعليم والتوجيه ، والتي تعتمد بالأساس على التلقين الجامد ، واستبدالها بالأساليب التي تجعل من المُتلقِّي مَركزاً للتعلُّم ، فيما يتحوَّل المربي والمعلم أو الخطيب إلى مُحفِّز للعملية التعليمية .

ـ استثمار الطبيعة التكوينية للطفل والغرائز النشطة لديه ؛ كحب الاستطلاع والاستكشاف ، والفضول ، والرغبة في إثبات الذات , وغيرها ، في ترسيخ القيم الأخلاقيّة , ونتاج الدروس التربوية لواقعة الطفِّ في نفس الطفل ، وتوطيد علاقته بها ، بدل تحويلها إلى مجرد حادثة مأساوية أليمة ؛ وذلك من خلال إشراكه في العمل على اختلاف مستوياته ومراحله .

ـ توظيف الصورة والنص من خلال المسرحة الجزئية لأحداث كربلاء مسرحةٌ تربوية ، وليس مسرحةً تاريخية .

ويمكن تحقيق ذلك من خلال التركيز على جزئيات من الصورة الكلية عوضاً عن السرد التاريخي للحدث . فعلى سبيل المثال لا الحصر : من خلال استعراض سيرة بعض شخصيات كربلاء ـ كرقية بنت الحسين (عليهما السّلام) مثلاً ـ وبيان طبيعة ونوعية العلاقة بينها وأبويها ، والمحيطين بها من أقارب وأصحاب ، وما تتحلَّى به من خُلقٍ رفيعٍ يمكن خَلق صورة نموذجية للطفل ، وإيجاد القدوة التي يمكن أن يرى الطفل من خلالها رأي العين الصورة المثلى التي ينبغي أن يكون عليها .

ـ تفعيل الآثار الإيجابيّة لواقعة كربلاء من خلال إبراز الشخصيات القدوة على السطح ؛ لتبدأ شخصية (رقية) و (القاسم) مثلاً في الحلول محل (سوبرمان) و (ساندي بل) وغيرهما من الشخصيات التي لا نكاد نجد طفلاً لا يحفظ قصصهم عن ظهر قلب . وليبدأ الطفل في التعلُّق بالصلاة وإظهار الاحترام والتعفُّف ؛ تشبُّهاً برقية والقاسم ، بدل وضع عباءة على ظهره والصعود إلى سطح المنزل ليلقي بنفسه من أعلى في محاولة لتقليد سوبرمان الطائر ، أو القفز كسوبر ماريو .

كما ينبغي أيضاً الالتفات إلى ضرورة إشراك التربويِّين والمختصين في إعداد وتنفيذ العمل ؛ سواء كان هذا العمل مسرحية أو قصة أو كتاباً أو عملاً سينمائياً . فلا يكفي في اعتقادنا أن يقوم كاتب قصصي مثلاً ـ مهما كانت براعته في الكتابة ودرجة إتقانه لهذا الفن ـ بكتابة قصة كربلائية دون الاستعانة بأحد التربويين .

كما لا يكفي أن يقوم التربوي بهذا العمل بصورة مفردة ؛ فالكاتب القصصي سيكون حتماً حريصاً أشد الحرص على ما يُصطلح عليه البعض بـ (الحبكة الدرامية) و (الترابط القصصي) و (تسلسل الأحداث) ، وهذا أمر مطلوب ، بينما قد لا يتمكَّن هذا الكاتب من تحديد الأهداف والدروس التربوية الواجب التركيز عليها في العرض ، ممَّا يضفي الطابع القصصي على العمل ، فيما يغيب عنه البعد التربوي .

وفي المقابل قد يستطيع التربوي تحديد هذه الدروس ، غير أنَّه لا يكون بالضرورة قادراً على صياغتها في قالب يناسب الطفل ، ويرغِّبه في العرض بحيث تتغلغل تأثيرات أحداث تلك القصة في نفس الطفل ، فتُترجم إلى سلوك واقعي لدى الطفل . فالمطلوب إذاً هو التحوُّل من العمل الفردي إلى العمل الجماعي الذي يكفل تحقيق الهدف العام من هذا العمل ، قصةً كان أو مسرحية أو غير ذلك .

ولتحقيق ذلك فإنَّه لا بدّ من العمل على تطوير أداء المنبر الحسيني ، بحيث يتحوَّل من التركيز على العاطفة إلى التركيز على استخراج العِبر والدروس ، وعرضها في قوالب منطقية تشتمل على عنصر الإثارة والتأثير في ذات الوقت ؛ ممَّا سيكون له الأثر البارز في تسخير الطاقات الفردية لإنجاز عمل جماعي متميِّز .

إنَّنا اليوم في أمس الحاجة للبدء الفوري في هذا الاتجاه الذي تأخَّرنا فيه كثيراً . لنبدأ فعلياً في إزالة تلك الترسُّبات السلبيّة في نفوس أبنائنا ، وملء تلك الفراغات بالقيم الأخلاقيّة الفاضلة بما يخلق في ذات الفرد حاجزاً منيعاً ، وحافزاً قوياً لمواجهة ما يتهدَّد مجتمعاتنا من مخاطر أخلاقيّة ، وانحلال أخلاقي ، وابتعاد عن القيم الإنسانيّة التي كانت المنطلق الذي انطلق منه الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في نشر الثقافة الإسلاميّة ، وتعزيز أركان تلك الحضارة التي امتدت في مشارق الأرض ومغاربها .

ـــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 
<

 

طباعة الصفحةاعلى