آمنة بنت الحسين (عليهما السلام)

 
 

سكينة وابن سريج

روى أبو الفرج الأصفهاني قال : أخبرني الحسين بن يحيى ، عن حمّاد ، عن أبيه ، عن مصعب الزبيري قال : حدّثني شيخ من المكيين قال : كان ابن سريج قد أصابته الريح الخبيثة وآلى يميناً ألاّ يغنّي ، ونسك ولزم المسجد الحرام حتى عوفي ، ثمّ خرج وفيه بقيّة من العلّة فأتى قبر النبي وموضع الصلاة ، فلمّا قدم المدينة نزل على بعض إخوانه من أهل النسك


الصفحة (79)

والقراءة ، فكان أهل الغناء يأتونه مسلّمين عليه فلا يأذن لهم بالجلوس والمحادثة ، فأقام بالمدينة حولاً حتى لم يحسَّ علّته بشيء وأراد الشخوص إلى مكة ، وبلغ ذلك سكينة بنت الحسين فاغتمّت اغتماماً شديداً وضاقت به ذرعاً ، وكان أشعب يخدمها ، وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره ، وقالت لأشعب : ويلك ! إنّ ابن سريج شاخص ! وقد دخل المدينة منذٍ حول ولم أسمع غناءه قليلاً ولا كثيراً ، ويعزّ ذلك عليّ ، فكيف الحيلة في الاستماع منه ولو صوتاً واحداً ؟

فقال لها أشعب : جعلت فداك ! وأنّى لك بذلك والرجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه ، فارفعي طمعك ، والحسي تورك تنفعك حلاوة فمك .

فأمرت بعض جواريها فوطئنَ بطنه حتى كادت تخرج أمعاؤه ، وخنقته حتى كادت نفسه أن تتلف ، ثمّ أمرت به فسُحب على وجهه حتى أُخرج من الدار إخراجاً عنيفاً ، فخرج على أسوأ الحالات ، واغتمّ أشعب غمّاً شديداً ، وندم على ممازحتها في وقت لم ينبغِ له ذلك ، فأتى منزل ابن سريج ليلاً فطرقه فقيل : مَنْ هذا ؟

فقال : أشعب ، ففتحوا له فرأى على وجهه ولحيته التراب والدم سائلاً من أنفه وجبهته على لحيته , وثيابه ممزّقة ، وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدوس والخنق ومات الدم فيها .

فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه ، فقال له : ما هذا ويحك ؟!

فقص عليه القصّة ، فقال ابن سريج : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ماذا نزل بك ، والحمد لله الذي سلّم نفسك لا تعودنَّ إلى هذه أبداً .

قال أشعب : فديتك ، هي مولاتي ولا بدّ لي منها ، ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنّيها فيكون ذلك سبباً لرضاها عنّي ؟

قال ابن سريج : كلا ،


الصفحة (80)

والله لا يكون ذلك أبداً بعد أن تركته .

قال أشعب : قطعت أملي ، ورفعت رزقي ، وتركتني حيران بالمدينة لا يقبلني أحد ، وهي ساخطة عليّ ، فالله الله فيّ ، أنا أنشدك الله إلاّ تحمّلت هذا الإثم فيّ .

فأبى عليه ، فلمّا رأى أشعب أن عزم ابن سريج قد تمّ على الامتناع ، قال في نفسه : لا حيلة لي وهذا خارج وإن خرج هلكت ، فصرخ صرخة أذن أهل المدينة لها ، ونبّه الجيران من رقادهم ، وأقام الناس من فرشهم ، ثمّ سكت فلم يدرِ الناس ما القصّة عند خفوت الصوت بعد أن قد راعهم .

فقال له ابن سريج : ويلك ما هذا ؟!

قال : لئن لم تصر معي إليها لأصرخنَّ صرخة أُخرى لا يبقى إلاّ صار بالباب ، ثمّ لأفتحنه ولأريهم ما بي ، ولأعلمنهم كذا وكذا ... .

فلمّا رأى ابن سريج الجدّ منه قال لصاحبه : ويحك ! أما ترى ما وقعنا فيه ـ وكان صاحبه الذي نزل عنده ناسكاً ـ فقال : لا أدري ما أقول ... نزل بنا من هذا الخبيث ... إلى أن قال : فوقع ابن سريج فيما لا حيلة له فيه .

فقال : أمضي لا بارك الله فيك ، فمضى معه ، فلمّا صار إلى باب سكينة قرع الباب فقيل : مَنْ هذا ؟

فقال : أشعب ... إلى أن قال : ثمّ أندفع يغنّي :

أستعينُ الذي يكفيهِ نفعي    ورجائـي على التي قتلتني

فقالت له سكينة : فهل عندك يا عبيد من صبر ، ثمّ أخرجت دملجا من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالاً فرمت به إليه(1) ... إلى آخر القصّة ، وهي طويلة الذيل اقتصرنا على مورد الحاجة .

ــــــــــــــ
1 ـ الأغاني 17 / 45 ـ 51 .

الصفحة (81)

رجال الخبر :

الخبر مرسل ؛ فإنّ مصعب الزبيري رواه عن شيخ من المكيين لا يعرف مَنْ هو ، فالخبر مرسل لا اعتبار له من حيث الإرسال .

ومصعب الزبيري :

ضعيف ، عرفت حاله .

والحسين بن يحيى :

قال الذهبي في ميزان الاعتدال عن ابن الجوزي : يضع الحديث ، وكذلك ابن حجر في لسان الميزان(1) .

فالخبر مرسل وفي سنده ضعفاء فهو ساقط عن الاعتبار .

أين هم أزواج سكينة وبنو هاشم عن كلّ هذا ؟

اعتمد الخبر على رواية المتناقضات فأظهر زهد ونسك ابن سريج المغنّي وعبث السيّدة سكينة ، مع إنّ الخبر أظهر في مطاويه الإشارة إلى حرمة الغناء وتجنّب ابن سريج عن ذلك ، إلاّ إنّ السيّدة سكينة كانت تصرّ على مخالفة مناهي الشريعة ، وترتكب ما هو حرام إشباعاً لرغبتها في الاستماع ، لاسيّما الخبر سرد أحداث القصّة عند وقت متأخّر من الليل ، وأظهر أنّ السيّدة سكينة لا ترتبط مع أيّة علقة زوجية يمكنها أن تحتشم زوجها ـ على الأقل ـ في ارتكاب ما ينافي الشرع ومن ثمّ الأخلاق السائدة ، مع ما هولوه من تعدّد أزواج ( آمنة ) سكينة بنت الحسين ، وبلغ عدد أزواجها أكثر من سبعة ، ومع هذا فلا نرى لواحد من هؤلاء الأزواج دور في التصدّي إلى ما ترتكبه السيّدة سكينة من مخالفات شرعية وعرفية يأنف من خلالها الغيور على حرمه ، ولا يرضى في انتهاك حرمته بما يقع من حليلته وهي بين أجانب خلعاء تعقد لهم مجالس الغناء في بيته دون وازع ولا من رادع .

ـــــــــــــــــــــ
1 ـ ميزان الاعتدال 1 / 541 ، لسان الميزان 2 / 386 .

الصفحة (82)

أيّ غيور يرضى لزوجته أن ترتكب مثل هذه الأفعال الشائنة بسمعته والمنافية لغيرته ؟ وإذا لم يكن هناك دور للزوج في مثل هذه القصص ، فأين كان الإمام علي بن الحسين (عليهما السّلام) وهو يرى أُخته ترتكب خلاف الشريعة وما ينافي قيم الإسلام ؟ أين كان محمّد بن علي الباقر (عليهما السّلام) عن هذه التصرّفات ؟ أين كان بنو هاشم وهم ـ على الأقل ـ يجابهون عدوّاً لدوداً يصطنع لهم الأكاذيب والافتراءات ؟ فكان عليهم مراعاة جانب أعدائهم إن لم يراعوا جانب حرمة الشريعة !

ممّا يكشف سذاجه هؤلاء الوضّاعين وبلادتهم حينما يختلقون أكاذيبهم بما ينافي الشرع والعادة والأعراف ، وليتهم توسّلوا بغير ذلك لئلاّ ينكشف غباؤهم ولعبتهم الطائشة .

إنّه خراج بعض الكور

وإذا صوّر رواة الخبر بذخ سكينة وهي تُعطي لأحد المغنّين دملجاً وزنه أربعين مثقالاً ، فإنّ هذه التصرّفات هي سمة خلفائهم الذين شهدت لياليهم الحمراء بذخهم وعبثهم بأموال المسلمين .

قال ابن عبد ربّه الأندلسي في العقد الفريد : غنّى إبراهيم الموصلي محمّد بن زبيدة الأمين بقول الحسن بن هانئ فيه :

رشــأ لولا مــلاحتـــه      خلت الدنيـا من الفتن

قال : فاستخفّه الطرب حتى قام من مجلسه وأكبّ على إبراهيم يقبّل رأسه ، فقام إبراهيم من مجلسه يقبّل أسفل رجليه وما وطئتا من البساط ، فأمر له بثلاثة آلاف درهم ، فقال إبراهيم : يا سيّدي قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم [ أي عشرين مليون درهم ] .


الصفحة (83)

فقال الأمين : وهل ذلك إلاّ خراج بعض الكور؟(1)

هذه هي أعطيات الخلفاء في الليالي الحمراء ومن بيت مال المسلمين ، والمسلمون يعانون من الضيق في العيش والفقر والفاقة ؛ لذا فقد عمد هؤلاء الرواة إلى التستّر على بذح أسيادهم ، واتّهام آل البيت (عليهم السّلام) بتصرّفات أعدائهم ؛ ليدفعوا عنهم تهوّرات هؤلاء وعبثهم .

حكم الغناء في الشريعة المقدّسة

ذهب علماؤنا (رضوان الله تعالى عليهم) إلى حرمة الغناء(2) ، وادّعوا الإجماع عليه ، بل عدوّه من ضرورات المذهب للأدلة الواردة في حرمته من آيات وروايات لعلّها متواترة ، كما ذهب إلى ذلك بعضهم ، فمن ذلك تفسير قوله تعالى : ( لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) بالغناء كما في صحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام)(4) .

وتفسير الغناء بالزور في قوله تعالى : ( وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ )(5) كما في صحيحة زيد الشحّام ، ومرسلة ابن أبي عمير ، وموثقة أبي بصير(6) .

وما ورد في تفسير لهو الحديث بالغناء كما في صحيحة محمد بن مسلم(7) .

ــــــــــــــــــــ
1 ـ العقد الفريد 7 / 42 .
2 ـ نقل الإجماع على ذلك السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4 / 52 ، حيث قال : أمّا حكمه فلا خلاف ، كما في مجمع البرهان ، في تحريمه وتحريم الأجرة عليه وتعلّمه وتعليمه واستماعه ... .
3 ـ الفرقان 25 / 72 .
4 ـ الوسائل 17 / 304 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 5 .
5 ـ الحج 22 / 30 .
6 ـ الوسائل 17 / 303 و 305 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 2 و 8 و 9 .
7 ـ المصدر نفسه / 304 ، ح 6 .

الصفحة (84)

ومن الروايات ما تواتر من حرمة الغناء كما في رواية يونس قال : سألت الخراساني (صلوات الله عليه) عن الغناء ، وقلت : إنّ العباسي ذكر عنك أنّك ترخّص في الغناء .

فقال : (( كذب الزنديق ما هكذا قلت له ، سألني عن الغناء فقلت له : إنّ رجلاً أتى أبا جعفر (عليه السّلام) فسأله عن الغناء فقال : يا فلان ، إذا ميّز الله بين الحق والباطل فأين يكون الغناء ؟ قال : مع الباطل ، فقال : حكمت )) .

وعن عبد الأعلى قال : سألت أبا عبد الله (عليه السّلام) عن الغناء ، وقلت : إنّهم يزعمون أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رخّص في أن يُقال : حيّونا حيّونا نحييكم .

فقال : (( إنّ الله تعالى يقول : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ(2) ـ ثمّ قال ـ : ويل لفلان ممّا يصف رجل لم يحضر المجلس ))(3) .

وفي مرسلة المقنع عن الصادق (عليه السّلام) : (( شرّ الأصوات الغناء )) .

وفي الخصال بسنده عن الحسن بن هارون قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السّلام) يقول : (( الغناء يورث النفاق ، ويعقب الفقر ))(5) .

ويعضده الأخبار الدالة على تحريم الاستماع له كما في صحيحة مسعدة بن زياد قال : كنت عند أبي عبد الله (عليه السّلام) فقال له رجل : بأبي أنت وأُمّي ! إنّي أدخل كنيفاً ولي جيران ، وعندهم جوار يتغنينَ ويضربنَ بالعود ، فربما

ــــــــــــــــــ
1 ـ الوسائل 17 / 306 ب99 من أبواب ما يكتسب به ح 13 .
2 ـ الأنبياء 21 / 16 ـ 18 .
3 ـ الوسائل 17 / 307 ح 15 .
4 ـ المصدر نفسه / 309 ح 21 .
5 ـ المصدر نفسه / 309 ح23 .

الصفحة (85)

أطلت الجلوس استماعاً منّي لهنّ .

فقال : (( لا تفعل )) .

فقال الرجل : واللهِ ما أتيتهنَّ وإنّما هو سماع أسمعه بأذني ؟

فقال : (( باللهِ أنت ، أمّا سمعت الله تعالى يقول : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ؟ )) .

فقال : بلى واللهِ ، وكأنّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله تعالى من عجمي ولا عربي ، لا جرم إنّي لا أعود إن شاء الله تعالى ، وإنّي أستغفر الله .

فقال له : (( فاغتسل وصلِّ ما بدا لك ؛ فإنّك كنت مقيماً على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك ، احمد الله وسله التوبة من كلّ ما يكره ، فإنّه لا يكره إلاّ كلّ قبيح ، والقبيح دعه لأهله ، فإنّ لكلٍّ أهلاً )) .

وعن عنبسة ، عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال : (( استماع الغناء واللهو ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء الزرع ))(2) .

وما ورد في حرمة شراء المغنّية وأنّ ثمنها سحت ، كما في الكافي عن الحسن بن علي الوشاء قال : سُئل أبو الحسن الرضا (عليه السّلام) عن شراء المغنية ، فقال : (( قد تكون للرجل الجارية تُلهيه ، وما ثمنها إلاّ ثمن الكلب ، وثمن الكلب سحت ، والسحت في النار ))(3) .

وعن سعيد بن محمّد الطاطري ، عن أبيه ، عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال : سأله رجل عن بيع الجواري المغنّيات ، فقال : (( شراؤهنّ وبيعهنّ حرام ، وتعليمهنّ واستماعهنّ نفاق ))(4) .  

إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة ، وهي كما علمت مطلقة لا يمكن تخصيصها ، وإن التزم بعضهم ببعضها على أنّها مخصّصات للحرمة ، إلاّ إنّها

ــــــــــــــــــــــ
1 ـ الوسائل 3 / 331 ب18 من أبواب الأغسال المندوبة ح1 .
2 ـ الوسائل 17 / 316 ب 101 من أبواب ما يكتسب به ح1 .
3 ـ المصدر نفسه / 124 ب 16 ح6 .
4 ـ المصدر نفسه / 124 ح 7 .

الصفحة (86)

لا تصلح للتخصيص حقيقة لا كما فهمه البعض ، ولا مجال لذكر ما احتجوا بأنّها مخصّصات ، وكون الحرمة مشروطة بانضمام بعض المحرّمات كمجالس اللهو ، ودخول الرجال على النساء وغير ذلك ، على أنّ المعارضات التي ذكرها البعض لا تقوى على معارضة ما ذكرناه من أخبار التحريم ؛ لمخالفتها لكتاب الله وموافقتها للعلامة ، وهي مرجّحات لا يختلف في العمل بها أحد ، فتبقى حرمة الغناء ذاتاً على حالها غير معارضة بما توهّمه البعض بأنّها معارضات .

هذا حكم الغناء في الشريعة ، والقصّة المذكورة منافية لضرورات الدين ، ولإجماع الطائفة الحقّة منذ عهد أئمّتهم ـ صلوات الله عليهم ـ حتى يومنا هذا ، فكيف ينسجم واقعهم مع هذه الموضوعات بعد ذلك ؟!

حقيقة الأمر ما هي ؟ ابن سريج نائحاً أم مغنّياً ؟

وإذا أمعنا في بطلان هذه القصّة وأمثالها ، فإنّ الأصفهاني يؤكّد فيما يرويه في موضع آخر تنافي هذه القصّة مع الواقع ، وتعارضها مع خبر النياحة الذي اشتهر بها ابن سريج .

فقد كان ابن سريج نائحاً ، وكانت السيّدة ( آمنة ) سكينة تتحرّى موارد النياحة بما يساعدها على التخفيف من مصائبهم أهل البيت (عليهم السّلام) ، بل كانت النياحة أسلوباً جديراً في بيان ما أصاب أهل هذا البيت من فجائع ، وتصرّفات الدهور وتقلّبات الأيام ونوائبها ؛ لذا حرص أهل البيت (عليهم السّلام) على النياحة كأسلوب مهمّ من أساليب بيان مظلوميتهم ، ومشاركة العواطف والأحاسيس العامّة مع مأساتهم التي سبّبتها الأنظمة السياسية الطامحة إلى سحق كلّ القيم من أجل الوصول إلى الحكم والسلطة ؛ لذا حرص الأئمّة


الصفحة (87)

الأطهار (عليهم السّلام) إلى أساليب النياحة حينما وجدوا أنّ أحاسيس الناس تشاركهم متى ما أظهروا مصائبهم .

فالإمام زين العابدين (عليه السّلام) طلب من الطرمّاح بن عدي أن يتقدّم الركب الحسيني المفجوع عند دخوله المدينة ، وينعى الحسين (عليه السّلام) ، ممّا حدى بالناس إلى الاجتماع واستقبال الإمام (عليه السّلام) وعائلته بشكل يتناسب وعظم المصاب ، بل وإدانة النظام كذلك ، فكانت محاولة ناجحة للاحتجاج على السلطة بشكلّ لم يبقَ لاعتذار أزلامها في الإقدام على قتل سيد الشهداء (عليه السّلام) مجال .

وهكذا كان الإمام محمّد بن علي الباقر (عليهما السّلام) يخصّص مبلغاً في كلّ عام للنياحة عليه (عليه السّلام) في منى إمعاناً في إظهار مظلوميتهم ، وإشارة إلى ما بلغه النظام من تنكيل وتقتيل لأهل هذا البيت العلوي الطاهر ، حتى إنّه (عليه السّلام) أوصى بندبه عشر سنين في منى ، وهو موضع اجتماع الحجيج ؛ ليتسنّى للمسلمين معرفة ما جرى على أهل هذا البيت (عليهم السّلام) من ظلم واضطهاد .

وهكذا كان الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السّلام) يُقيم مجالس النياحة على جدّه الحسين (عليه السّلام) حينما ينشده السيّد الحميري ويأمر أهله بالجلوس .

والإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السّلام) كان يأمر عياله بالاستماع إلى مراثي الإمام الحسين (عليه السّلام) عندما ينشدها دعبل الخزاعي ، فيبكون ويأمرون شيعتهم بذلك .

هذا هو ديدن الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) ، يتحرّون مواضع الندبة والبكاء على فجائعهم ، وليمعنوا في بيان مظلوميتهم ؛ لذا فإنّ السيّدة ( آمنة ) سكينة بنت الحسين (عليهما السّلام) كانت تستشعر هذا الإحساس ، وقد حرصت على إبراز ما تكنّه


الصفحة (88)

نفوسهم الطاهرة من أحزان وآلام ، وهي لا تزال تعايش مصائب الطفّ ، وقتل إخوتها وأبيها بشكل مروّع ، وتسييرهم أسارى من بلد إلى بلد ، وشعور الحزن والألم يتفاقم وهم لا يزالون مهضومي الحق ، مدفوعين عن مقامهم ؛ لذا فإنّها (عليها السّلام) قريبة عهد بفجائع الطفّ ، والمناسب أن تتحرّى ما يخفّف من أحزانها ، ويعزّز من موقف أهلها الميامين ببيان ما جرى عليهم ، والرواية التالية تؤكّد هذا المنحى والاتجاه :

قال أبو الفرج الأصفهاني : إنّ سكينة بعثت إلى ابن سريج بمملوك لها يُقال له : عبد الملك ، وأمرته أن يعلّمه النياحة . فلم يزل يعلّمه مدّة طويلة ، ثمّ توفّي عمّها أبو القاسم محمّد بن الحنفية ، وكان ابن سريج عليلاً بعلّة صعبة ، فلم يقدر على النياحة ، فقال لها عبدها عبد الملك : أنا أنوح لك نوحاً أُنسيك نوح ابن سريج .

فقالت : أو تحسن ذاك ؟

قال : نعم ، فأمرته فكان في الغاية(1) .

هذه الرواية إذا ما قارنّاها بخبر غناء ابن سريج للسيّدة ( آمنة ) سكينة ، وجدنا أنّ مصعب الزبيري قد افتعل الخبر ونسجه على منوال نياحة ابن سريج ، فاستبدل الزبيري مفردات هذه الرواية بوضع خبر الغناء هكذا :

1 ـ استبدال النياحة بالغناء .

2 ـ استبدال عبارة ( أنّ سكينة بعثت إلى ابن سريج بمملوك لها يُقال له : عبد الملك ، وأمرته أن يعلّمه النياحة ) بعبارة خبر أشعب كالآتي :

قالت لأشعب : ويلك ! إنّ ابن سريج شاخص ! وقد دخل المدينة منذ حول ولم أسمع غناءه .

3 ـ استبدال اسم عبد الملك وهو مملوكها باسم ( أشعب ) الخليع

ـــــــــــــــ
1 ـ الأغاني 1 / 249 و 250 .

الصفحة (89)

الماجن ، مدّعياً الخبر ملازمته للسيّدة سكينة ؛ لمضاحكتها ومؤانستها على غرار ما كان يفعله مع خلفاء بني أُميّة وآل الزبير ، فقد عُرف ( أشعب ) بولائه لآل الزبير ، وهو ابن حميدة سيئة السمعة والصيت ؛ فقد كانت مولاة لأسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير ، ولها تاريخها الأسود بما ذكر عنها بأنّها : كانت تدخل بيوت أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) وتحرّش بينهنّ ، فأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) بتعزيرها ، وقيل : دعا عليها فماتت(1) .

وقال ابن حجر في لسان الميزان : كانت تنقل كلام أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) بعضهنّ إلى بعض فتلقي بينهنّ الشرّ ، فدعا عليها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فماتت(2) .

هذا هو أشعب الذي تربّى في بيوت الزبيريين ، ونُقل عنه ملاحم العبث معهم ما شهدت به مطوّلات التاريخ ، فمتى أُتيح له أن يكون مع سكينة بنت الحسين لا يفارقها ، وهو حليف عدوّ الهاشميين الألداء آل الزبير الذين عُرفوا بمنافستهم لآل علي (عليه السّلام) وعدائهم وبغضهم لهم ، وهو أمر لا يستقيم مع ما ذُكر من مرافقته للسيّدة سكينة ، وفي الوقت نفسه فهو مولى لآل الزبير ؟!

على أنّ مرافقة أشعب للسيّدة سكينة ( آمنة ) ـ كما نقله الخبر ـ يتعارض مع القيم الإسلامية والأخلاقية التي عُرف بها آل علي ، من ورع وقداسة وتقوى تأبى معها مخالطة الرجال الأجانب والاجتماع بهم ومؤانستهم .

وبهذا تنكشف جليّاً محاولات الوضع والتزوير على السيّدة سكينة ،

ـــــــــــــــــ
1 ـ الإصابة في تمييز الصحابة 4 / 275 .
2 ـ لسان الميزان 1 ـ 507 .

الصفحة (90)

وما بذله أعداء آل البيت (عليهم السّلام) من محاولات انتقاص هذا البيت الطاهر ، ودفع ما عُرف به أعداؤهم من العبث والخلاعة ، وإلصاقها بهم ، ونسج مغامرات اللهو على منوال ما عُرف به أعداء أهل البيت وشانئيهم .

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى