الإمـام الحسيـن(عليه السّلام)

 
 

الصفحة (181)

البحث السادس :

ماذا جرى في كربلاء ؟

ليلة عاشوراء

نهض عمر بن سعد إلى الحسين (عليه السّلام) عشية يوم الخميس لتسع مضين من المحّرم ، وجاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين (عليه السّلام) فقال : أين بنو اُختنا ؟ ـ يعني العباس وجعفر وعبد الله وعثمان أبناء عليّ (عليه السّلام) ـ . فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أجيبوه وإن كان فاسقاً ؛ فإنّه بعض أخوالكم )) . وذلك أنّ اُمّهم اُمّ البنين كانت من بني كلاب وشمر بن ذي الجوشن من بني كلاب أيضاً .

فقالوا له : ما تريد ؟

فقال لهم : أنتم يا بني اُختي آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين والزموا طاعة يزيد .

فقالوا له : لعنك الله ولعن أمانك ! أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ؟

وناداه العباس ابن أمير المؤمنين : تبّت يداك ، ولعن ما جئتنا به من أمانك يا عدوّ الله ! أتأمرنا أن نترك أخانا وسيّدنا الحسين بن فاطمة وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء ؟!

ثمّ نادى عمر بن سعد : يا خيل الله اركبي وبالجنّة أبشري . فركب النّاس ثمّ زحف ابن سعد نحوهم بعد العصر والحسين (عليه السّلام) جالس أمام بيته محتبٍ بسيفه ، إذ خفق برأسه على ركبتيه ، فسمعت اُخته زينب الصّيحة ، فدنت من أخيها وقالت : يا أخي ، أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت ؟

فرفع الحسين (عليه السّلام) رأسه فقال : (( إنّي رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) السّاعة في المنام فقال : إنّك تروح إلينا )) .

فلطمت اُخته وجهها ، ونادت بالويل ، فقال لها الحسين (عليه السّلام) : (( ليس لكِ الويل يا اُخيّة , اسكتي رحمك الله )) .

وقال له العباس : يا أخي , أتاك القوم .

فنهض ، ثمّ قال : (( يا عباس ، اركب ـ بنفسي يا أخي أنت ـ حتّى تلقاهم وتقول لهم : ما بالكم , وما بدا لكم ؟ وتسألهم


الصفحة (182)

عمّا جاء بهم )) .

فأتاهم في نحو من عشرين فارساً ، منهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر , فسألهم ، فقالوا : قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم .

قال : فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم .

فوقفوا ورجع العباس إليه بالخبر ، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويعظونهم ، ويكفّونهم عن قتال الحسين (عليه السّلام) .

فلمّا أخبره العباس بقولهم قال له : (( ارجع إليهم ، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة ، وتدفعهم عنّا العشية ؛ لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة ، وندعوه ونستغفره ؛ فهو يعلم أنّي كنت اُحبّ الصّلاة له ، وتلاوة كتابه ، وكثرة الدعاء والاستغفار )) .

فسألهم العباس ذلك ، فتوقف ابن سعد ، فقال له عمرو بن الحجّاج الزبيدي : سبحان الله ! والله لو أنّهم من الترك أو الديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم ، فكيف وهم آل محمّد ؟!

وقال له قيس بن الأشعث بن قيس : أجبهم ، لعمري ليصبحنّك بالقتال . فأجابوهم إلى ذلك .

وجمع الحسين (عليه السّلام) أصحابه عند قرب المساء . قال الإمام زين العابدين (عليه السّلام) : (( فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم , وأنا إذ ذاك مريض ، فسمعت أبي يقول لأصحابه : اُثني على الله أحسن الثناء ، وأحمده على السرّاء والضرّاء ، اللّهمّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة ، وعلّمتنا القرآن ، وفقّهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة فاجعلنا لك من الشّاكرين .

أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي خيراً ، ألا وإنّي لأظنّ أنّه آخر يوم لنا من هؤلاء ، ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، وليأخذ كلّ واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرّقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم ; فإنّهم لا يُريدون غيري .

فقال له إخوته وأبناؤه , وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر : ولِمَ نفعل


الصفحة (183)

ذلك ؟! لنبقى بعدك ؟! لا أرانا الله ذلك أبداً . بدأهم بهذا القول أخوه العباس ابن أمير المؤمنين واتّبعه الجماعة عليه فتكلموا بمثله ونحوه .

ثمّ نظر إلى بني عقيل فقال : حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم اذهبوا قد أذنت لكم .

قالوا : سبحان الله ! فما يقول النّاس لنا , وما نقول لهم ؟! إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام , ولم نرم معهم بسهم , ولم نطعن معهم برمح , ولم نضرِب معهم بسيف , ولا ندري ما صنعوا ! لا والله ما نفعل ذلك , ولكنّنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، ونقاتل معك حتّى نردَ موردك ؛ فقبّح الله العيش بعدك .

وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال : أنحن نخلّي عنك وقد أحاط بك هذا العدّو ؟! وبِمَ نعتذر إلى الله في أداء حقّك ؟! لا والله لا يراني الله أبداً وأنا أفعل ذلك حتّى أكسر في صدورهم رمحي ، وأضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ولم اُفارقك أو أموت معك .

وقام سعيد بن عبد الله الحنفي فقال : لا والله يابن رسول الله , لا نخلّيك أبداً حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا فيك وصيّة رسوله محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، والله لو علمت أنّي اُقتل فيك ثمّ أُحيا ثمّ اُحرق ثمّ اُذرّى يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حِمامي دونَك ، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثمّ أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ؟

وقام زهير بن القين وقال : والله يابن رسول الله , لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشرت ألف مرّة وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن نفس هؤلاء الفتيان من إخوانك وولدك وأهل بيتك .

وتكلّم بقيّة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً وقالوا : أنفسنا لك الفداء ، نقيك بأيدينا ووجوهنا ، فإذا نحن قُتلنا بين يديك نكون قد وفينا


الصفحة (184)

لربّنا ، وقضينا ما علينا ))(1) .

وأمر الحسين (عليه السّلام) أصحابه أن يُقرّبوا بين بيوتهم ، ويُدخلوا الأطناب بعضها في بعض ، ويكونوا بين يدي البيوت ؛ كي يستقبلوا القوم من وجه واحد ، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حفّت بهم إلاّ الوجه الذي يأتيهم منه عدوّهم .

وقام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه الّليل كلّه يُصلّون ويستغفرون ويدعون ، وباتوا ولهم دويّ كدويّ النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد ، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً .

قال بعض أصحاب الحسين (عليه السّلام) : مرّت بنا خيل لابن سعد تحرسنا ، وكان الحسين (عليه السّلام) يقرأ : (( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ )) , فسمعها رجل من تلك الخيل يُقال له : عبد الله بن سمير , فقال : نحن وربّ الكعبة الطيّبون ميّزنا منكم .

فقال له برير بن خضير : يا فاسق ، أنت يجعلك الله من الطيبين ؟!

فقال له : مَنْ أنت ويلك ؟!

قال : أنا برير بن خضير . فتسابّا ، فلمّا كان وقت السّحر خفق الحسين (عليه السّلام) برأسه خفقة ثمّ استيقظ ، فقال : (( رأيت كأنّ كلاباً قد جهدت تنهشني ، وفيها كلب أبقع رأيته أشدّها عليّ ، وأظنّ أنّ الذي يتولّى قتلي رجلٌ أبرص ))(2) .

يوم عاشوراء

انقضت ليلة الهدنة ، وطلع ذلك اليوم الرهيب يوم عاشوراء ، يوم الدم والجهاد والشّهادة ، وطلعت معه رؤوس الأسنّة والرماح والأحقاد وهي مشرعة لتلتهم جسد الحسين (عليه السّلام) ، وتفتك بدعاة الحقّ والثوّار من أجل الرسالة والمبدأ .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد 2 / 93 .
(2) راجع أعيان الشّيعة 1 / 601 .

الصفحة (185)

نظر الحسين (عليه السّلام) إلى الجيش الزاحف ، ولم يزل (عليه السّلام) كالطود الشّامخ ، قد اطمأنت نفسه ، وهانت دنيا الباطل في عينه ، وتصاغر جيش الباطل أمامه ، ورفع يديه متضرّعاً إلى الله تعالى قائلاً : (( اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كَرْب ، وأنت رَجائي في كلّ شِدّة ، وأنت لي في كلّ أمر نَزَلَ بي ثقةٌ وعدَّةٌ ، كم مِنْ همٍّ يَضْعَفُ فيه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذُلُ فيه الصّديق ، ويشمت فيه العدوّ ، أنزلته بك وشكوته إليك ؛ رغبة منّي إليك عمّن سواك ففرّجته عنّي وكشفته ، فأنت وليّ كلّ نعمة ، وصاحب كلّ حسنة ، ومنتهى كلّ رغبة ))(1) .

خطاب الإمام (عليه السّلام) في جيش الكوفة

أخذ جيش عمر بن سعد يشدِّد الحصار على الإمام (عليه السّلام) ، ولمّا رأى الحسين (عليه السّلام) كثرتهم وتصميمهم على قتاله إذا لم يستسلم ليزيد بن معاوية ، تعمّم بعمامة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وركب ناقته ، وأَخذ سلاحه ، ثمّ دنا من معسكرهم بحيث يسمعون صوته وراح يقول : (( يا أهل العراق ـ وجُلُّهُمْ يسمعون ـ  فقال : أيّها النّاس ، اسمعوا قولي ولا تعجلوا ؛ حتّى أعظَكم بما يحقّ لكم عليَّ ، وحتى أُعْذَرَ إليكم ، فإن أعطيتموني النّصف كنتم بذلك أسعد ، وإن لم تعطوني النّصف من أنفسكم فاجمعوا رأيكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غُمَّةً ، ثمّ اْقضوا إليَّ ولا تُنظِرونِ ( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) )) .

ثمّ حمد الله وأثنى عليه ، وذكر الله تعالى بما هو أهله ، وصلّى على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وعلى ملائكته وأنبيائه ، فَلَمْ يُسْمَعْ متكلمٌ قطّ قبلَه ولا بعدَه أبلغُ في منطق منه .

ثمّ قال : (( أمّا بعد ، فانسبوني فانظروا مَنْ أنا , ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاكُ حُرمتي ؟! ألَسْتُ ابنَ بنتِ نبيّكم وابنَ وصيِّه وابن عمّه ، وأوّل المؤمنين المصدّق لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما جاء به من عند ربّه ؟! أوَ ليس حمزةُ سيدُ الشهداء [عمّ أبي] ؟! أوَ ليس جعفر الطيار في الجّنة بجناحين عَمّي ؟! أو لم يبلغكم ما قال رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله)

ــــــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد 2 / 96 .

الصفحة (186)

لي ولأخي : هذانِ سيّدا شباب أهل الجّنة ؟ فإنْ صدقتموني بما أقول ـ وهو الحق ـ فوالله ما تعمدتُ كذباً منذ علمت أن الله يَمْقُتُ عليه أهله ، وإنْ كذبتموني فإنَّ فيكم مَنْ إذا سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبا سعيد الخِدْري ، وسهل بنَ سعد السّاعدي ، وزيد بن أرقم ، وأنسَ بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لي ولأخي ، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟! ))

ثمّ قال لهم الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( فإن كنتم في شكّ من هذا فتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم ؟! فوالله ليس ما بين المشرق والمغرب ابنُ بنتِ نبيّ غيري فيكم ولا في غيركم . ويحكم ! أتطلبونني بقتيل منكم قَتَلْتُه ، أو مال لكم استهلكته ، أو بقصاص جراحة ؟! ))

فأخذوا لا يكلمونه ، فنادى : (( يا شبث بن ربعي ، ويا حجّار بن أبجر ، ويا قيس بن الأشعث ، ويا يزيد بن الحارث ، ألَمْ تكتبوا إليَّ أنْ قد أينعت الثمار ، واْخضرّ الجَنابُ ، وإنما تقدِم على جند لك مجندة ؟! )) .

فقال له قيس بن الأشعث : ما ندري ما تقول ، ولكن اِنزل على حكم بني عمّك . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( لا والله , لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفرُّ فِرار العبيد )) .

ثمّ نادى : (( يا عبادَ الله , إنّي عذْتُ بربّي ورَبِّكم أنْ ترجمُونِ . أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ))(1) .

لقد أبى القوم إلاّ الإصرار على حربه والتمادي في باطلهم ، وأجابوه بمثل ما أجاب به أهل مدين نبيَّهم كما حكى الله (عزّ وجلّ) عنهم في كتابه الكريم : ( مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً )(2) .

الحرّ يُخيّر نفسه بين الجّنة والنّار

وتأثر الحرّ بن يزيد الرياحي بكلمات الإمام الحسين (عليه السّلام) وندم على ما سبق منه معه ، وراح يدنو بفرسه من معسكر الحسين تارة ويعود إلى موقفه أخرى ، وبدا عليه القلق والاضطراب . وعند ما سُئل عن السّبب في ذلك قال :

ــــــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد 2 / 98 ، إعلام الورى 1 / 459 .
(2) سورة هود / 91 .

الصفحة (187)

والله , إنّي أُخيِّرُ نفسي بين الجّنة والنّار ، وبين الدنيا والآخرة ، ولا ينبغي لعاقل أن يختار على الآخرة والجنّة شيئاً .

ثمّ ضرب فرسه والتحق بالحسين (عليه السّلام) , ووقف على باب فسطاطه ، فخرج إليه الحسين (عليه السّلام) , فانكبَّ عليه الحرّ يُقبّل يديه ويسأله العفو والصّفح , فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( نعم ، يتوب الله عليك وهو التّواب الرحيم )) .

فقال له الحرّ : والله لا أرى لنفسي توبة إلاّ بالقتال بين يديك حتّى أموتَ دونك .

وخطب الحرّ في أهل الكوفة ، فوعظهم وذكّرهم موقفهم من الإمام (عليه السّلام) ، ودعوتهم له ، وحثّهم على عدم مقاتلة الإمام (عليه السّلام) ، ثمّ مضى إلى الحرب فتحاماه النّاس ، ثمّ تكاثروا عليه حتّى استشهد(1) .

المعركة الخالدة

حصّن الإمام (عليه السّلام) مخيّمه ، وأحاط ظهره بخندق أوْقَد فيه النار ؛ ليمنع المباغتة والالتفاف عليه من الخلف ، وليحميَ النساء والأطفال من العدوان المحقّق .

نظر شمر بن ذي الجوشن إلى النار في الخندق فصاح : يا حسينُ ، تعجّلت النار قبل يوم القيامة .

فردّ عليه : (( أنت أولى بها صِلِيّاً ))(2) .

وحاول صاحب الحسين (عليه السّلام) مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم ، فاعترضه الإمام ومنعه قائلاً : (( لا ترمه ؛ فإنّي أكره أن أبدأهم ))(3) .

ويقول المؤرخون : إنّ بعض أصحاب الإمام خطب بالقوم بعد خطبة الإمام الاُولى ، وإنّ الإمام (عليه السّلام) أخذ مصحفاً ونشره على رأسه ووقف بإزاء القوم , فخاطبهم للمرّة الثانية بقوله : (( يا قوم , إنّ بيني وبينكم كتاب الله ، وسنّة جدّي

ــــــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد 2 / 99 ، الفتوح 5 / 113 ، بحار الأنوار 5 / 15 .
(2) مقتل الحسين ـ للمقرّم / 277 .
(3) مقتل الحسين ـ للمقرّم / 277 ، تاريخ الطبري 3 / 318  .

الصفحة (188)

رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) . ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدّسة وما عليه من سيف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ودرعه وعمامته ، فأجابوه بالتصديق ، فسألهم عمّا أقدمهم على قتله ، قالوا : طاعةً للأمير عبيد الله ابن زياد .

فقال (عليه السّلام) : (( تبّاً لكم أيتها الجماعَةُ وترحاً ! أحين استصرختمونا(1) والهين ، فأصرخناكم موجفين ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحَشَشْتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم إلباً(2) لأعدائكم على أوليائكم ، بغير عدل أفشوه فيكم ، ولا أمل أصبح لكم فيهم ، فهلاّ ـ لكم الويلاتُ ! ـ تركتمونا والسيفُ مشيم ، والجأش طامن ، والرأي لمّا يستحصفْ ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدَّبا(3) ، وتداعيتم عليها كتهافُتِ الفراش ، ثمّ نقضتموها , فسُحْقاً لكم يا عبيدَ الأُمّة ، وشُذّاذَ الأحزابِ ، ونبذة الكتابِ ، ومحرّفي الكلِمِ ، وعصبة الإثمِ ، ونفثةَ الشّيطان ، ومطفئي السُنَنِ ،

ويْحَكم ! أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون ؟! أجل والله , غدرٌ فيكم قديم ، وشجت عليه اُصولكم ، وتأزّرت فروعكم ، فكنتم أخبثَ ثمر شجىً للناظر ، وأكلةً للغاصب . ألا وإنّ الدعيَّ ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السِّلة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ! يأبى اللهُ لنا ذلك ورسولُه والمؤمنون ، وحجورٌ طابت وطَهُرَتْ ، واُنوفٌ حميةٌ ، ونفوسٌ أبيّةٌ من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام . ألا وإنّي زاحف بهذه الاُسرة على قلّة العدد ، وخذلان الناصر )) .

ثمّ أنشدَ أبياتِ فروة بن مسيك المرادي :

 (( فـاِنْ نَـهْزِمْ فهزّامون قِدْماً      وإن نُـهْزَمْ فـغيْرُ مهزَّمينا
ومـا إن طـبَّنا جُبْنٌ ولكن      مـنايانا  ودولـةُ آخـرينا
فَـقُلْ  لـلشامتين بنا أفيقوا      سَـيَلْقى  الشامتون كما لقينا
إذا ما الموتُ رَفَّعَ عن اُناس      كـلاكله أنـاخ بآخرينا (4)

أما والله ، لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يُركبُ الفرس حتّى تدور بكم دور الرَّحى ، وتقلق بكم قلق المحور ؛ عهد عهده إليّ أبي عن جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , ( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ

ــــــــــــــــــــــــ
(1) استصرختمونا : طلبتم نجدتنا .
(2) إلباً : مجتمعين متضامنين ضدّنا .
(3) الدَّبا : الجراد الصغير .
(4) تاريخ ابن عساكر 69 / 265 ، اللهوف في قتلى الطفوف ـ ابن طاووس / 59 و 124 .

الصفحة (189)

وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ )(1) , ( تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )(2) )) .

ثمّ رفع يديه نحو السّماء وقال : (( اللّهمّ احبس عنهم قطر السّماء ، وابعث عليهم سنينَ كسنيّ يوسف ، وسلِّطْ عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبَّرةً ؛ فإنّهم كذّبونا وخذلونا وأنت ربّنا عليك توكلّنا وإليك المصير ))(3) .

كلّ ذلك وعمر بن سعد مُصرّ على قتال الحسين (عليه السّلام) ، والإمام الحسين (عليه السّلام) يحاور وينصح ويدفع القوم بالتي هي أحسن . ولمّا لم يجدِ النصح مجدياً قال لا ابن سعد : (( أيْ عمر , أتزعم أنّك تقتلني ويولّيك الدعيّ بلاد الرّيّ وجرجان ؟ والله لا تتهنّأ بذلك ، عهد معهود ، فاصنع ما أنت صانع ؛ فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ، وكأنّي برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ، ويتخذونه غرضاً بينهم )) .

فصرف ابن سعد وجهه عنه مغضباً(4) .

واستحوذَ الشّيطان على ابن سعد فوضع سهمه في كبد قوسه ثمّ رمى باتجاه معسكر الحسين (عليه السّلام) وقال : اشهدوا أنّي أوّلُ مَنْ رمى . ثمّ ارتمى النّاس وتبارزوا(5) .

فخاطب الإمام (عليه السّلام) أصحابه قائلاً : (( قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه ؛ فإنّ هذه السّهام رسل القوم إليكم ))(6) .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة يونس / 71 .
(2) سورة هود / 56 .
(3) مقتل الحسين ـ للمقرّم / 289 ـ 286 ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي 2 / 6 ، تاريخ ابن عساكر ، ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 216 ، راجع إعلام الورى 1 / 458 .
(4) مقتل الحسين ـ للمقرّم / 289 .
(5) الإرشاد 2 / 101 ، اللهوف / 100 ، إعلام الورى 1 / 461 .
(6) مقتل الحسين ـ للمقرّم / 292 .

الصفحة (190)

فتوجهوا إلى القتال كالأُسود الضارية لا يبالون بالموت ، مستبشرين بلقاء الله (جلّ جلاله) ، وكأنّهم رأوا منازلهم مع النّبيين والصّديقين وعباده الصّالحين ، وكان لا يُقتل منهم أحد حتّى يقول : السّلام عليك يا أبا عبد الله ، ويوصي أصحابه بأن يفدوا الإمام بالمهج والأرواح ، واحتدمت المعركة بين الطرفين ، ( فكان لا يُقْتَلُ الرجل من أنصار الحسين (عليه السّلام) حتّى يَقْتل العشرة والعشرين )(1) .

استمرت رحى الحرب تدور في ساحة كربلاء ، واستمر معه شلاّل الدم المقدّس يجري ليتّخذ طريقه عبر نهر الخلود ، وأصحابُ الحسين (عليه السّلام) يتساقطون الواحد تلو الآخر ، وقد أثخنوا جيش العدو بالجراح ، وأرهقوه بالقتل ، فتصايح رجال عمر بن سعد : لو استمرت الحرب برازاً بيننا وبينهم لأتوا على آخِرنا ، لنهجم عليهم مرّة واحدة ، ولنرشقهم بالنّبال والحجارة .

فبدأ الهجوم والزحف نحو مَنْ بقي مع الحسين (عليه السّلام) ، وأحاطوا بهم من جهات متعدّدة ، مستخدمين كلّ أدوات القتل وأساليبه الدنيئة حتّى قتلوا أكثر جنود المعسكر الحسيني من الصحابة .

وزالت الشّمس وحضر وقت الصلاة ، وها هو الحسين (عليه السّلام) ينادي للصّلاة ، وقد تحوّل الميدان عنده محراباً للجهاد والعبادة ، ولم يكن في مقدور السّيوف والأسنّة أن تحول بينه وبين الحضور في ساحة المناجاة والعروج إلى حظائر القدس وعوالم الجمال والجلال .

ولم يزل يتقدّم رجل رجل من أصحابه فيقتل حتّى لم يبقَ مع الحسين (عليه السّلام) إِلاّ أهل بيته خاصّةً ؛ فتقدّم ابنه عليّ بن الحسين (عليه السّلام) ـ واُمّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثّقفيّ ـ وكان من أصبح النّاس وجهاً ،

ــــــــــــــــــــــــ
(1) سيرة الأئمّة الاثني عشر 2 / 76 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى