الإمـام الحسيـن(عليه السّلام)

 
 

الصفحة (201)

التي استطاع الاُمويّون من خلالها تحشيد الجيوش للقضاء على الثورة ، مستعينين بحالة غياب الوعي ، وشيوع الجهل الذي خلّفته السّقيفة .

ونلمس هذا الزيف في قول مسلم بن عمرو الباهلي يؤنّب مسلم بن عقيل ربيب بيت النبوّة ، والعبد الصالح لخروجه على يزيد الفاسق ، ويفتخر بموقفه قائلاً : أنا مَنْ عرف الحقّ إذ تركته ، ونصح الأُمّة والإمام إذ غششته ، وسمع وأطاع إذ عصيته(1) .

وهذا عمرو بن الحجاج الزبيدي ـ من قادة الجيش الأموي ـ يحفّز النّاس لمواجهة الإمام الحسين (عليه السّلام) حين وجد منهم تردّداً وتباطؤاً عن الأوامر قائلاً  : يا أهل الكوفة ، الزموا طاعتكم وجماعتكم ، ولا ترتابوا في قتل مَنْ مرق من الدين وخالف الإمام(2) .

فالدين في دعوى الاُمويّين طاعة يزيد ومقاتلة الحسين (عليه السّلام) .

ولكن حركة الإمام الحسين (عليه السّلام) ورفضه البيعة وتضحياته الجليلة نبّهت الاُمّة ، وأوضحت لها ما طُمس بفعل التضليل ؛ فقد وقف الإمام الحسين (عليه السّلام) يخاطبهم ويوضّح مكانته في الرسالة والمجتمع الإسلامي : (( أمّا بعد ، فانسبوني فانظروا مَنْ أنا , ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها ، وانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟! ألست ابن بنت نبيّكم (صلّى الله عليه وآله) ، وابن وصيه وابن عمّه ، وأوّل المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه ؟! )) .

هذا بالإضافة إلى كلّ الخطب والمحاورات التي جرت في وضع متوتّر حسّاس أوضح للناس مكانة طرفي النزاع . ثمّ ما آلت إليه نتيجة المعركة من بشاعة في السّلوك والفكر ؛ فاتّضحت خسّة الاُمويّين ودناءتهم ودجلهم .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 / 281 .
(2) المصدر السابق 4 / 331 .

الصفحة (202)

وكان الأثر البالغ في مواصلة الثورة الحسينيّة بدون سلاح دمويّ حين واصلت العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السّلام) فضح الجرائم التي ارتكبها بنو اُميّة ، ومن ثمّ توضيح رسالة الإمام الحسين (عليه السّلام) .

إنّ جميع المسلمين متّفقون ـ على اختلاف مذاهبهم وآرائهم ـ بأنّ الموقف الحسيني كان يمثّل موقفاً إسلامياً شرعيّاً ، وأنّ يزيد كان مرتدّاً ومتمردّاً على الإسلام والشّرع الإلهي والموازين الدينية .

2 ـ إحياء الرسالة الإسلاميّة

لقد كان استشهاد الإمام الحسين (عليه السّلام) هزّة لضمير الاُمّة ، وعامل بعث لإرادتها المتخاذلة ، وعامل انتباه مستمر للمنحدَر الذي كانت تسير فيه بتوجيه من بني اُميّة ، ومَنْ سبقهم من الحكّام الذين لم يحرصوا على وصول الإسلام نقيّاً إلى مَنْ يليهم من الأجيال .

لقد استطاع سبط الرّسول (صلّى الله عليه وآله) أن يُبيّن الموقف النظري والعملي الشّرعي للاُمّة تجاه الانحراف الذي يصيبها حينما يستبدّ بها الطّغاة ، فهل انتصر الحسين (عليه السّلام) في تحقيق هذا الهدف ؟

لعلّنا نجد الجواب فيما قاله الإمام زين العابدين (عليه السّلام) حينما سأله إبراهيم بن طلحة بن عبد الله قائلاً : مَنْ الغالب ؟ قال (عليه السّلام) : (( إذا دخل وقت الصلاة فأذّن وأقم تعرف الغالب ))(1) .

لقد كان الحسين (عليه السّلام) هو الغالب إذ تحقق أحد أهم أهدافه السّامية بعد محاولات الجاهليّة لإماتته وإخراجه من معترك الحياة .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام) 3 / 440 عن أمالي الشيخ الطوسي .

الصفحة (203)

3 ـ الشعور بالإثم وشيوع النقمة على الاُمويّين

اشتعلت شرارة الشّعور بالإثم في نفوس النّاس ، وكان يزيدها توهجاً واشتعالاً خطابات الإمام عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) ، وزينب بنت عليّ بن أبي طالب ، وبقية أفراد عائلة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) التي ساقها الطّغاة الاُمويّون كسبايا من كربلاء إلى الكوفة فالشام .

فقد وقفت زينب (عليها السّلام) في أهل الكوفة حين احتشدوا يُحدّقون في موكب رؤوس الشهداء والسّبايا ، ويبكون ندماً على ما فرّطوا وما حصل لآل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ؛ فأشارت إليهم أن اسكتوا فسكتوا ، فقالت :

« أما بعد ، يا أهل الكوفة أتبكون ؟ فلا سكنت العبرة ، ولا هدأت الرّنة ، إنّما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم ، ألا ساء ما تزرون ، أي والله ، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، فلن ترحضوها بغسل أبداً ، وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومدار حجّتكم ، ومنار محجّتكم ، وهو سيد شباب أهل الجّنة ؟ » .

وتكلّم عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) فقال : (( أيّها النّاس , ناشدتكم الله ، هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه ،  وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه ؟ فتبّاً لكم لما قدمتم لأنفسكم ، وسوأة لرأيكم ! بأيّ عين تنظرون إلى رسول الله إذ يقول لكم : قتلتم عترتي ، وانتهكتم حرمتي فلستم من اُمّتي ؟ ))(1) .

وروي أيضاً أنّ يزيد بن معاوية فرح فرحاً شديداً ، وأكرم عبيد الله بن زياد ، ولكن ما لبث أن ندم ، ووقع الخلاف بينه وبين ابن زياد حين علم بحال

ــــــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام) 3 / 341 عن مثير الأحزان .

الصفحة (204)

النّاس وسخطهم عليه ، ولعنهم وسبّهم(1) .

ولقد كان الشّعور بالإثم يمثّل موقفاً عاطفياً مفعماً بالحرارة والحيوية والرغبة الشديدة بالانتقام من الحكم الاُموي ؛ ممّا دفع بالكثير في الجماعات الإسلاميّة إلى العمل للتكفير عن موقفهم المتخاذل عن نصرة الإمام الحسين (عليه السّلام) بصيغة ثورة مسلحة لمواجهة الحكم الاُموي الظالم .

صحيح إنّه لا يمكننا أن نعتبر موقف المسلمين هذا موقفاً عقلياً نابعاً من إدراك فساد الحكم الاُموي وبعده عن الرسالة الإسلاميّة ، إلاّ إنّه كان موقفاً صادقاً يصعب على الحاكمين السّيطرة عليه كالسيطرة على الموقف العقلاني ، فكان الحكّام الظلمة وعبر مسيرة العداء لأهل البيت النبوي (عليهم السّلام) يحسبون له ألف حساب .

4 ـ إحياء إرادة الاُمّة وروح الجهاد فيها(2)

كانت ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) السّبب في إحياء الإرادة لدى الجماهير المسلمة وانبعاث الروح النضالية ، وهزّة قويّة في ضمير الإنسان المسلم الذي ركن إلى الخنوع والتسليم ، عاجزاً عن مواجهة ذاته ومواجهة الحاكم الظالم الذي يعبث بالاُمّة كيف يشاء ، مؤطّراً تحرّكه بغطاء ديني يحوكه بالدجل والنفاق ، وبأيدي وعّاظ السّلاطين أحياناً ، واُخرى بحذقه ومهارته في المكر والحيلة .

فتعلّم الإنسان المسلم من ثورة الحسين (عليه السّلام) أن لا يستسلم ولا يساوم ، وأن يصرخ معبّراً عن رأيه ورغبته في حياة أفضل في ظلّ حكم يتمتّع بالشّرعية ، أو على الأقل برضى الجماهير .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) تأريخ الطبري 4 / 388 ، تأريخ الخلفاء / 208 .
(2) للمزيد من التفصيل راجع ثورة الحسين ( النظرية ، الموقف ، النتائج ) ـ للسيّد محمّد باقر الحكيم / 100 .

الصفحة (205)

ونجد انطلاقات عديدة لثورات على الحكم الأموي وإن لم يُكتب لها النجاح إلاّ إنّها توالت حتّى سقط النظام . ورغم أنّ أهدافها كانت متفاوتة إلاّ إنّها كانت تستلهم من معين ثورة الحسين (عليه السّلام) ، أو تستعين بالظرف الذي خلقته .

فمن ذلك ثورة التوّابين(1) التي كانت ردّة فعل مباشرة للثورة الحسينيّة ، وثورة المدينة(2) ، وثورة المختار الثقفي(3) الذي تمكّن من محاكمة المشاركين في قتل الحسين (عليه السّلام) ، ومجازاتهم بأفعالهم الشنيعة وجرائمهم الفضيعة ، ثمّ ثورة مطرف بن المغيرة ، وثورة ابن الأشعث ، وثورة زيد بن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)(4) ، وثورة أبي السّرايا(5) .

لقد أحيت الثورة الحسينيّة روح الجهاد وأجّجتها ، وبقي النبض الثائر في الاُمّة حيّاً رغم توالي الفشل اللاحق ببعض تلكم الثورات ، إلاّ إنّ الاُمّة الإسلاميّة أثبتت حيويّتها ، وتخلّصت من المسخ الذي كاد أن يطيح بها بأيدي الاُمويّين وأسلافهم .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 / 426 ، 449 .
(2) المصدر السابق 4 / 464 .
(3) المصدر السابق 4 / 487 .
(4) مقاتل الطالبيين / 135 .
(5) المصدر السابق / 523   .

الصفحة (206)

من تراث الإمام الحسين (عليه السّلام)

نظرة عامّة في تراث الإمام الحسين (عليه السّلام)

الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) قائد مبدئي ، وأحد أعلام الهداية الربّانية الذين اختارهم الله لحفظ دينه وشريعته ، وجعلهم اُمناء على تطبيقها ، وطهّرهم من كلّ رجس ليصونوها من أيّ تحريف أو تحوير .

إنّ المحنة التي عاشها الأئمّة الثلاثة عليّ والحسن والحسين (عليهم السّلام) كانت أكبر محنة للعقيدة والأُمّة ; لأنّها قد بدأت بانحراف القيادة عن خطّ الرسالة ، ولكنها لم تقتصر على الانحراف عن المبدأ الشّرعي في ممارسة الحكم فحسب ، وإنّما كانت تمتد أبعادها إلى أعماق الأُمّة والشّريعة .

إنّ هذا الانحراف الخطير قد زاد في عزيمة هؤلاء الأئمّة الهداة ، ممّا جعلهم يهتمّون بإحكام قواعد الشّريعة في الاُمّة وتعليمها وتربيتها بما يحول دون تسرّب الانحراف إليها بسرعة ، وبما يحول دون تفتيتها وتمزيق قواها .

ومن هنا كانت تربية الجماعة الصّالحة ، والسّهر على تنشئتها والاهتمام بقضاياها أمراً في غاية الأهمّية ، ويظهر للمتتبع والمحقّق عظمة ذلك فيما لو أراد أن يقارن بين مواقف المسلمين تجاه أهل بيت الرّسول (صلّى الله عليه وآله) خلال خمسين عاماً بعد وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .


الصفحة (207)

ومن هنا كان التراث الذي تركه لنا كلّ من الإمام المرتضى والحسن المجتبى والحسين الشّهيد بكربلاء تراثاً عظيماً ومهمّاً جدّاً .

حيث نلمس الغناء في هذه الثروة الفكرية والعلمية التي وصلتنا عنهم (عليهم السّلام) .

وللمتتبع أن يراجع موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ووثائق الثورة الحسينيّة ، وبلاغة الحسين ، ومجموعة خطبه ورسائله ; ليقف على عظمة هذه الثروة الكبرى وقفة متأمّل ومستفيد .

وها نحن نستعرض صوراً من اهتمامات هذا الإمام العظيم فيما يلي من بحوث :

في رحاب العقل والعلم والمعرفة

قال (عليه السّلام) :

1 ـ (( خمس مَنْ لم تكن فيه لم يكن فيه كثير مستمتع ؛  العقل ، والدين ، والأدب ، والحياء ، وحسن الخلق ))(1) .

2 ـ وسُئل عن أشرف النّاس ، فقال : (( مَنْ اتّعظ قبل أن يوعَظ ، واستيقظ قبل أن يوقِظ ))(2) .

3 ـ وقال (عليه السّلام) : (( لا يكملُ العقلُ إلاّ باتّباع الحقّ ))(3) .

4 ـ (( العاقل لا يُحدِّث مَنْ يخاف تكذيبَه ، ولا يَسأل مَنْ يخاف منعَه ، ولا يثِقُ بمَنْ يخافُ غدرَه ، ولا يرجو مَنْ لا يوثقُ برجائه ))(4) .

5 ـ (( العلم لقاحُ المعرفة ، وطول التجارب زيادةٌ في العقل ، والشّرف التقوى ،

ــــــــــــــــــــــــ
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين / 743 عن حياة الإمام الحسين 1 / 181 .
(2) المصدر السابق / 743 عن إحقاق الحق 11 / 590 .
(3) المصدر السابق / 742 عن أعلام الدين / 298  . وورد هذا النص عن الإمام علي (عليه السّلام) أيضاً .
(4) المصدر السابق / 742 عن حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 181 .

الصفحة (208)

والقنوعُ راحةُ الأبدان ، ومَنْ أحبَّكَ نهاكَ ، ومَنْ أبغضك أغراك ))(1) .

6 ـ (( من دلائل العالم انتقادُه لحديثهِ ، وعلمه بحقائق فنونِ النظر ))(2) .

7 ـ (( لو أنّ العالِمَ كلّ ما قال أحْسَنَ وأصابَ لأوْشَكَ أن يجنّ من العُجْبِ ، وإنّما العالِمُ مَنْ يكثرُ صَوابُه )) .

8 ـ وفي دعاء عرفةَ للإمام الحسين (عليه السّلام) مقاطع بديعة ترتبط بالمعرفة البشرية وسُبُل تحصيلها ، وقيمة كلّ سبيل وما ينبغي للعاقل أن يسلكه من السبل الصحيحة والموصلة إلى المقصود ، نختار منها نماذج ذات علاقة ببحثنا هذا .

قال (عليه السّلام) :

أ ـ (( إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري ؟ إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي ؟! )) .

ب ـ (( إلهي علمتُ باختلاف الآثار وتنقّلات الأطوار أنّ مرادك منّي أن تتعرّف إليَّ في كلّ شيء حتّى لا أجهلك في شيء )) .

ج ـ (( إلهي تردّدي في الآثار يوجب بُعد المزار ؛ فَاجمعني عليك بحذمة توصلني إليك ، كيف يُستَدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ أيكونُ لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكونَ هو المظهِرَ لك ؟! متى غبتَ حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك ؟! ومتى بَعُدْتَ حتّى تكونَ الآثار هي التي توصل إليك ؟ عميت عين لا تراك عليها رقيباً ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً )) .
د ـ (( إلهي أمرتَ بالرجوع إلى الآثار فأرجعني إليك بكسوةِ الأنوار وهداية الاستبصار ؛ حتّى أرجعَ إليك منها كما دخلتُ إليك منها ، مَصونَ السرِّ عن النظرِ إليها ، ومرفوع الهمّة عن الاعتمادِ عليها )) .

هـ ـ (( منك أطلُبُ الوصول إليك ، وبك استدلُّ عليك ، فاهدني بنورك إليك ، وأقمني

ــــــــــــــــــــــــ
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السّلام) / 742 و 743 عن بحار الأنوار 78 / 128 ح 11 .
(2) المصدر السابق .

الصفحة (209)

بصدْق العبودّية بين يديك )) .

و ـ (( إلهي علّمني من علمك المخزون ، وصُنّي بستْرك المصون . إلهي حققّني بحقايق أهلِ القُرب )) .

ز ـ (( إلهي أخرِجني من ذُلِّ نفسي ، وطهّرني مِن شكّي وشركي قبل حلول رمسي )) .

ح ـ (( إلهي إنّ القضاء والقدر يُمنيّني ، وإنّ الهوى بوثائق الشهوة أسرني ، فكن أنت النصير لي حتّى تنصرني وتبصرني )) .

ط ـ (( أنتَ الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوْليائك حتّى عرفوك ووحَّدوك ، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك حتّى لم يحبّوا سِواك ولم يلجأوا إلى غيرك ، أنت المُؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم ، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم . ماذا وجد مَنْ فقدكَ ؟! وما الذي فقد مَنْ وجدك ؟! )) .

ي ـ (( أنت الذي لا إله غيرك ، تعرّفت لكلّ شيء فما جهلك شيءٌ ، وأنت الذي تعرّفت إليَّ في كلّ شيء فرأيْتُك ظاهراً في كلّ شيء . كيف تخفى وأنت الظاهرُ ؟ أم كيف تغيبُ وأنت الرقيبُ الحاضِرُ ؟! ))(1) .

في رحاب القرآن الكريم

لقد اعتنى أهل البيت الطاهرون (عليهم السّلام) بالقرآن الكريم اعتناءً وافراً ، فعكفوا على تعليمه وتفسيره ، وفقه آياته وتطبيقه وصيانته عن أيدي العابثين والمحرّفين ، وتجلّت عنايتهم به في سلوكهم وهديهم وكلامهم .

وقد اُثرت عن الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) كلمات جليلة حول التفسير والتأويل والتطبيق ، وهي جديرة بالمطالعة والتأمّل نختار نماذج منها :

أ ـ قال (عليه السّلام) : (( كتاب الله (عزّ وجلّ) على أربعة أشياء ؛ على العبارة والإشارة , واللطائف والحقائق ؛ فالعبارةُ للعوام ، والإشارة للخواص ، واللطائفُ للأولياء ،

ــــــــــــــــــــــــ
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين / 803 ـ 806 عن إقبال الأعمال / 339 .

الصفحة (210)

والحقائق للأنبياء ))(1) .

ب ـ (( مَنْ قرأ آيةً من كتاب الله في صلاته قائماً يُكتَب له بكلّ حرف مِئةُ حَسَنَة ، فإن قَرَأها في غير صلاة كتب اللهُ له بكلّ حرف عَشْراً ، فإن استمَعَ القرآنَ كان له بكلّ حرف حَسَنةٌ ، وإن خَتَمَ القرآنَ ليلاً صلّت عليه الملائكة حتّى يُصبِحَ ، وإن ختَمَه نهاراً صلّت عليه الحفَظَةُ حتّى يُمسيَ , وكانت له دعوةٌ مستجابَةٌ , وكان خيراً له ممّا بين السّماء والأرضِ ))(2) .

ج ـ وعنه (عليه السّلام) في تفسير قوله تعالى : ( تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ ) يعني بها (( أرض لم تُكتسب عليها الذنوب ، بارزة ليست عليها جبال ولا نبات كما دحاها أوّل مرّة ))(3) .

د ـ وسأله رجل عن معنى (كهيعص) , فقال له : (( لو فسّرتُها لك لمشيت على الماء ))(4) .

هـ ـ وقال النصرُ بن مالك له : يا أبا عبد الله , حَدِّثني عن قول الله (عزّ وجلّ) ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) .

قال : (( نحن وبنو اُمية اختصمنا في الله (عزّ وجلّ) ؛ قلنا : صدق الله ، وقالوا : كذب اللهُ . فنحن وإيّاهم الخصمان يوم القيامة ))(5) .

و ـ وفي قوله تعالى : ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ ) , قال (عليه السّلام) : (( هذه فينا أهل البيت ))(6) .

ز ـ في قوله تعالى : ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) , قال (عليه السّلام) : (( إنّ القرابة الّتي أمَرَ اللهُ بصلتها ، وعظم حقّها ، وجعل الخير فيها قرابتنا أهل البيت

ــــــــــــــــــــــــ
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين / 551 عن جامع الأخبار / 48 .
(2) المصدر السابق / 551 ، عن الكافي 2 / 611 ح 3 .
(3) المصدر السابق / 560 عن تفسير البرهان 2 / 323 .
(4) المصدر السابق / 561 عن ينابيع المودّة / 484 .
(5) المصدر السابق / 563 عن حياة الحسين 2 / 234 .
(6) المصدر السابق / 564 عن بحار الأنوار 24 / 166 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى