إشراقات حسينيّة في الثورة المهدوية

 
 

 

إشراقات حسينيّة في الثورة المهدوية

الشيخ إبراهيم الأنصاري البحراني

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدَّمة

الحمد لله الذي يؤمن الخائفين ، وينجِّي الصالحين ، ويرفع المستضعفين ، ويضع المستكبرين ، ويهلك ملوكاً ويستخلف آخرين ، والصلاة والسلام على سيِّد الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين .

 

مسؤولية الأنبياء (عليهم السّلام)

إنّ الله سبحانه وتعالى بعث الأنبياء وأرسل الرسل من أجل أن يبلِّغوا رسالاته ، فيتمُّوا الحجَّة على الناس . قال تعالى : (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ِلئلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيماً)(1) . ولا فرق بين كافة الأنبياء في أداء هذه المهمَّة بأحسن الوجوه ؛ سواءً كان هو النبي نوحاً (عليه السّلام) ، أو سليمان (عليه السّلام) ، أو النبيّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) ، فكلّ منهم قد أدّى رسالة ربِّه ، وأوصل ما عليه من المسؤولية إلى منزلها ، من غير أن يفرِّط فيما حمِّل ، ولم يطلب الأجر من الناس . قال تعالى : (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)(2) .

اللّهمّ إلاّ ما طلبه الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) الذي يعدُّ بشارة للناس لا عبئاً عليهم . قال تعالى : (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)(3) ؛ لأنَّ منافع هذا الأجر ترجع إلى المؤمنين أنفسهم . قال تعالى : (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(4) .

وبغضّ النظر عن البعد الإلهي وأداء المسؤولية ، فإنّنا لو نظرنا إلى الجانب العملي لرسالة الأنبياء (عليهم السّلام) , فالأمر يختلف بين نبي وآخر .

فمنهم مَنْ لم يؤمن به إلاّ القليل ، فلم يتمكن من تغيير واقع الأمّة بنحو شامل وكلي ، كنوح (عليه السّلام) , الذي وصل أمره إلى أن يقول الله تعالى عنه : (أُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )(5) ؛ ولذلك دعا على المعاندين والكافرين منهم جميعاً . قال تعالى : ( وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّاراً)(6) .

ومنهم مَنْ تمكّن من تشكيل حكومة على أساس التوحيد ، كسليمان (عليه السّلام) . قال تعالى : (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي ِلأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)(7) .

وقد استجاب الله دعوته حيث قال : (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ)(8) .

 

الانقلاب على الأعقاب

لا شكّ في أنّ الخطّ العملي الذي رسمه خاتم النبيين ، الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، وضحَّى في سبيله بكلّ غالٍ وثمين ، لم يستمرّ بعد ارتحاله بالشكل الكامل ؛ وذلك لا لتقصيره في تبليغ الشريعة ، كيف وهو الذي خاطبه الله سبحانه بقوله : (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)(9) ، ولكن لانتكاس الأمّة ، وسوء تصرُّف الولاة .

وقد أخبر القرآن الكريم بذلك حيث قال : (أَفَإنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)(10) ، فانحرفت المسيرة عن صراطها المستقيم ، فاستُبدل الإسلام المحمّدي الأصيل الذي كان بصدد إيصال الناس إلى السعادة الأبدية ، بإسلام مُزيَّف أرجع الأمّة القهقرى ، وورّطها في متاهات لا خلاص منها ، فوصلت إلى ما هي عليه الآن ، لا خيار لها إلاّ الرضوخ للظالمين المستكبرين ، والائتمار بأوامرهم الشيطانيّة .

اللّهمّ إلاّ القليل الذين وفوا بعهد الله ، وتمسكُّوا بحبله ، رغم الصعوبات القاصمة للظهر ، والشدائد المنفدة للصبر ، فالتزموا طريق الحقّ والصبر وتواصوا بهما ، فهم المؤمنون حقّاً غير الخاسرين صدقاً ، اقتدوا بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً .

ولكن هل ستبقى الأرض هكذا إلى الأبد ؟

كيف وقد وعد الله عباده المستضعفين ؛ حيث قال : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(11) ، وقال تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(12) ؟

فهناك مَنْ يخلِّص الناس من الاستضعاف ، وبه يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً ، ولكلٍّ من الأئمة (عليهم السّلام) دور خاصّ في التمهيد لذلك المصلح العالمي .

هذا وحيث إنَّ قيام دولة المهدي (روحي لتراب مقدمه الفداء) يتطلَّب اُموراً كثيرةً من ناحية إعلامية ، ومن ناحية عملية ؛ فلذلك نشاهد أنَّ أدوار أئمتنا كانت مختلفة ، فكلٌ كان يهيِّئ الأرضية من جانبٍ خاصّ .

وهذا لا يعني أنَّ الزمان والمكان والظرف لم يكن لها أيّ دور في تلك المواقف ، بل كان لها دورٌ ، ولكنَّه هامشي ، لا يغيِّر في الاستراتيجية ، بل له تأثير في الخطَّة والتكتيك .

فالإمام الرضا (عليه السّلام) بهجرته التأريخية المؤلمة ، وتحمُّله الصعوبات والضغوط الروحية والجسمية ، تمكَّن من إيجاد المدرسة الخراسانيَّة ، التِّي لها الأثر الكبير في تعزيز جيش الإمام المهدي (عليه السّلام) ، وكان بصدد خلق أرضيَّة عملية لتلك الدولة المباركة التِّي تحدَّث عنها وهو في نيسابور ، عندما التقاه دعبل الخزاعي ، وأنشد قصيدته التائية ، إلى أن قال :

خـروجُ  إمامٍ لا محالة خارجٌ      يـقومُ على اسم اللهِ والبركاتِ
  يـميّزُ  فـينا كلّ حقّ وباطلٍ      ويجزي على النعماء والنقماتِ

فبكى الإمام (عليه السّلام) بكاءً شديداً ، ثمّ رفع رأسه وقال : (( يا خزاعي ، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين ، فهل تدري مَنْ هذا الإمام ومتى يقوم ؟ )) . فقلت : لا يا مولاي ، إلاّ أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من الفساد ، ويملأها عدلاً .

وهكذا سائر أئمتنا (عليهم السّلام) ، لكلٍّ منهم موقف ينصبُّ في الغاية القصوى التِّي من أجلها بُعِث الرُسل وشُرِّع الدين . الغاية التي لا تكتمل إلاّ بظهور الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر (عجَّل الله تعالى فرجه) .

وأمّا الإمام الحسين (عليه السّلام) فتميَّز بأنّه كان بصدد إيجاد روحيّة الجهاد ، وتطهير الأرض من كلّ عوامل الضلال والانحراف ، والظلم والفساد ، وهي روحية تتلخّص في مفهوم أخلاقي مقدَّس ، وهو (أخذ ثأر الله تعالى) الذي هو الشعار الحقيقي لمهدي الأمّة (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) .

وهذا الجانب الروحي له دور رئيس في قيامه ، وفي انتصاره العظيم على جيش السفياني الذي يمثِّل خطّ الضلال والباطل طوال التأريخ الإسلامي .

ولكن أبى الله أن يجري الاُمور إلاّ بأسبابها ، فكان للأمّة دور فعّال في تثبيت ونشر ثورة سيّد الشهداء (عليه آلاف التحيَّة والثناء) ، وذلك من خلال إحياء ذكرى عاشوراء ، والبكاء واللطم ، والمشاركة في أكبر التظاهرات والمواكب الحسينيّة .

غير أنّ للثورة الإسلاميّة التي قام بها الإمام روح الله الموسوي الخميني (قدَّس الله نفسه الزكية) دوراً أكبر ، وتأثيراً أعظم في تعزيز فكر عاشوراء ، وبلورة خطّ سيّد الشهداء ، ونقله من مستوى النظرية إلى مستوى الواقع ، من خلال مقارعة الظالمين بالسيف ، والتضحية بالدم ، حيث سقط على الأرض آلاف الشهداء ، كلُّهم ينادون : السلام عليك يا أبا عبد الله .

هذا الكتاب أُلّف من أجل تبيين الغاية من الثورة الحسينيّة المباركة ، وعلاقة هذه الثورة بنهضة الإمام المهدي من ولد الحسين (عليه السّلام) ، وأيضاً دور الإمام الراحل في تعزيز وتوطيد الخطّ الحسيني ، وربطه بالخطّ المهدوي .

أدعو الله سبحانه أن يتقبَّله منّي ، فلا اُريد إلاّ رضاه ، ورضا مَنْ رضاهم رضاه ، أهل بيت العصمة والطهارة ، محمَّد وآله الطيبين الطاهرين (روحي وأرواح مَنْ سواهم فداهم) .

والحمد لله ربِّ العالمين .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

العلاقة الوثيقة بين الثورة الحسينيّة والثورة المهدوية ، ودور الإمام الخميني (قدس سرُّه) في توطيد هذه العلاقة

أداء التكليف

عندما نتأمّل في النهضة الإسلاميّة المباركة التّي حققها سيّد الشهداء ، وأبو الأحرار ، الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) ، نستنتج أنّه (عليه السّلام) لم يكن يلحظ من وراء ثورة عاشوراء إلاّ العمل بالتكليف الإلهي ، الذي ينحصر في شيء واحد وهو رضا الله تعالى ، وهو من أرقى الكمالات الإنسانية التي لا يصل إلى قمّتها إلاّ المطهّرون عن الرجس بنحو مطلق ، والمهاجرون إلى الله تعالى الذين يخطون خطاهم ، ويستضيئون بنورهم .

وبما أنّ الله سبحانه هو غاية الجمال ، فالسالك إليه يرى كلّ شيء فيه رضاه تعالى جميلاً ؛ ولذلك عندما واجه الطاغية عبيد الله بن زياد عقيلةَ بني هاشم في مجلسه وقال لها : كيف رأيتِ صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟ قالت : ما رأيت إلاّ جميلاً .

ولذا اكتسبت حادثة عاشوراء قدسيّةً منقطعةَ النظير ، وهذا شأن كلّ عملٍ إلهي يكون خالصاً لوجهه تعالى .

قال الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) : نحن كلُّنا مأمورون بأداء التكليف والوظيفة ، ولسنا مأمورين بالنتيجة .

وفي بيان السرّ في أنَّ ضربة عليٍّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين ، قال (قدِّس سرُّه) : إنَّ قيمة الأعمال ترجع إلى العشق والحبّ للحقّ تعالى ، وترجع إلى هذا الفناء والتوحيد الموجود في الإنسان ، وهذا الأمر هو الذي أعطى الأهميَّة لهذه الضربة ، حيث صارت أفضل من عبادة الثقلين .

ولو فُرض أنَّ شخصاً آخر كان قد ضرب هذه الضربة دفاعاً عن الإسلام ، ولكن ليس من منطلق العشق ، وبالفعل أدَّت تلك الضربة إلى حفظ الإسلام وانتشاره ، ولكن مبدأها لم يكن عِشقيّاً ، لم تكن تلك الضربة بالتأكيد أفضل من عبادة الثقلين ، فليست القيمة المعنوية لرفع اليد وقتل الكافر ، بل القيمة المعنوية للنيَّة والعشق لله سبحانه .

ومن هذا المنطلق العقائدي ، وأيضاً عند التمعُّن في كلمات سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، وكلمات كلّ مَنْ أخبر عن حادثة كربلاء من الأنبياء (عليهم السّلام) ، والنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، وأمير المؤمنين (عليه السّلام) ، نصل إلى النتيجة التالية ، وهي أنَّ هناك تكليفاً إلهياً على عاتق الإمام الحسين (عليه السّلام) بالخصوص لا يمكن لغيره من الأولياء والأنبياء أداء هذا التكليف ؛ لخصوصيَّة في شخصيته (عليه السّلام) ، وكذلك في العصر الذي كان يعيش فيه .

 

الرؤيا الصاقة

هناك حديث طويل ينقله ابن الحنفيَّة حول الرؤيا التى رآها الإمام الحسين (عليه السّلام) ، حيث رأى فيها جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المنام وهو يخاطبه قائلاً : (( يا حسين ، اخرج فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً )) .

فقال محمّد بن الحنفية: إنّا لله وإنا إليه راجعون ! فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال ؟

قال : (( فقال لي (صلّى الله عليه وآله) : إنّ الله قد شاء أن يراهنَّ سبايا ))(13) .

وفي رواية المفيد (عليه الرحمة) قال (عليه السّلام) : (( إنّي رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المنام وأمرني بما أنا ماضٍ له )) . فقالوا له : ما تلك الرؤيا ؟ فقال : (( ما حدّثت أحداً بها ، ولا أنا محدّث بها أحداً حتّى ألقى ربّي (عزّ وجلّ) ))(14) .

 

خروج الحسين (عليه السّلام)

هل كانت هذه الرؤيا هي السبب الرئيس في خروجه (عليه السّلام) إلى كربلاء ؟ وهل شأن رؤيا الإمام هو شأن رؤى الأنبياء والأوصياء دائماً ، فتكون الأوامر التِّي يأمرهم الله سبحانه بها وحياً إلهياً يجب اتِّباعها وإن كانت في الرؤيا ؟ أم كان الإمام الحسين (عليه السّلام) من خلال معايشته لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإخباراته الغيبيَّة له ، يَعلم أنَّه سوف يُقتل بأرض معيَّنة وفي زمن محدَّد ، وكان يَعرف جميع خصوصيّات الحادثة ، وما الرؤيا إلاّ تأكيد وتعزيز لتلك المعرفة السابقة ؟

إنَّ هناك أحاديث كثيرة نُقلت عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) تتعلَّق بقتل الحسين (عليه السّلام) بالتفصيل ، قد ذكر فيها سنة شهادته ، وكيفيَّة قتله ، والجماعة التي تخرج لقتله ، ومحلّ شهادته .

أما عن سنة شهادته فقد ورد عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( يُقتل حسين بن علي على رأس ستين من مهاجرتي )) .

وأما عن كيفيَّة قتله فقد قال (صلّى الله عليه وآله) : (( يُقتل ابني الحسين بالسيف )) .

وأمّا عن الذين يقتلونه فقد ورد عنه (صلّى الله عليه وآله) : (( يَقتل الحسينَ شرُّ الاُمّة ، ويتبرأ من ولده مَنْ يكفر بي )) . (( يزيد ! لا بارك الله في يزيد )) ، ثم ذرفت عيناه (صلّى الله عليه وآله)(15) ، ثم قال : (( نُعي إليّ حسين ، وأُتيت بتربته ، وأُخبرت بقاتله )) .

وأمّا الأحاديث عن محلّ شهادته فكثيرة . نذكر بعضها :

 ـ (( يُقتل الحسين بأرض بابل )) .

ـ (( إنّ ابني هذا يُقتل بأرض العراق ، فمَنْ أدركه فلينصره )) .

ـ (( أخبرني جبرئيل (عليه السّلام) أنّ هذا ـ أي الإمام الحسين (عليه السّلام) ـ يُقتل بأرض العراق )) .

ـ (( إنّ الحسين يُقتل بشط الفرات )) .

ـ (( إنّما هي أرض كرب وبلاء )) .

ـ (( وإنّ سبطك هذا ـ وأومى بيده إلى الحسين ـ مقتول في عصابة من ذريّتك وأهل بيتك ، وأخيار من اُمّتك بضفة الفرات ، بأرض يُقال لها : كربلاء )) .

ـ (( يا بني ، إنّك ستساق إلى العراق ، وهي أرض قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبيّين ، وهي أرض تُدعى عمورا ، وإنّك تستشهد بها ، ويستشهد معك جماعة من أصحابك )) .

ـ (( اُسري بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يُقال له : كربلاء ، فرأيت فيه مصرع الحسين ابني ، وجماعة من ولدي وأهل بيتي ، فلم أزل ألقط دماءهم فها هي في يدي )) .

ـ (( طوبى لك من تربة ، وطوبى لمَنْ يُقتل فيك ))(16) .

وأما عن كيفية قتله ، ومَنْ الذي يقتله ، وجزاء قاتليه فقد جاء :

ـ (( يا عمّة ، تقتله الفئة الباغية من بني اُميّة )) .

ـ (( يا اُمّ سلمة ، إذا تحوّلت هذه التربة دماً فاعلمي أنّ ابني قد قُتل )) .

ـ (( يا بنتاه ، ذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم ، والغدر والبغي ، وهو يومئذ في عصبة كأنّهم نجوم السماء ، يتهادون إلى القتل ، وكأنّي أنظر إلى معسكرهم ، وإلى موضع رحالهم وتربتهم . قالت : يا أبه ، وأين هذا الموضع الذي تصف ؟ قال : موضع يُقال له : كربلا ، وهي دار كرب وبلاء علينا وعلى الأمّة ، يخرج عليهم شرار اُمّتي )) .

ـ (( يا بني ، أُقبّل موضعَ السيوفِ منك . قال : يا أبه ، وأُقتل ؟ قال : إي والله )) .

ـ (( أتاني جبرئيل فأخبرني أنّ أمّتي تقتل ولدي هذا ، وقد أتاني بتربة حمراء )) .

ـ (( وايم الله ليقتُلُنّ ابني ، لا أنالهم الله شفاعتي )) .

ـ (( كأنّي به وقد خُضّبت شيبته من دمه ، يدعو فلا يُجاب ، ويستنصر فلا يُنصر )) .

ـ (( بل تُقتل يا بُني ظلماً )) .

ـ (( الويل لمَنْ يقتلك )) .

ـ (( أوحى الله إلى نبيّكم (صلّى الله عليه وآله) : إنّي قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً ، وإنّي قاتل بابن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً ))(17) .

 

المبرّرات الاُخرى لخروجه (عليه السّلام)

وأمّا المبرّرات الاُخرى التِّي يُشير إليها الإمام الحسين (عليه السّلام) ، سواء في خُطبه ، أو كلماته ، أو أدعيته ، أو مواقفه العملية ـ مع الدِّقة والتأمِّل فيها ـ فهي لا تخلو من أحد اُمور ثلاثة :

1 ـ إمّا بيان ذلك التكليف ، ولكن بلسان غير صريح .

2 ـ وإمّا هي منصبَّة بالأخير في تلك المسألة ، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والسير على منهاج رسول الله ، وأيضاً طلبُ الشهادة من الله سبحانه .

3 ـ وإمّا أنَّها لإسكات عامّة الناس الذين لا يستوعبون أفعال المعصوم ومواقفه ، وهو نوع من الجدال بالتي هي أحسن ، كعرض كتب أهل العراق .

لماذا هذا النوع من التكليف ؟

يبقى هذا السؤال بلا جواب ، وهو لماذا هذا النوع من التكليف لسيّد شباب أهل الجنّة أبي عبدالله الحسين (عليه السّلام) ؟ حيث يُقتل هو وجميع أولاده وأصحابه وذويه ، وتسبى نساؤهم من بلد إلى بلد .

 ـ هل كان هذا ضمن المخطط الإلهي في قضائه وقدره ؟

ـ أم إنّ الناس بتخاذلهم عن علي (عليه السّلام) ، وبانحرافهم عن الإسلام الأصيل ووضعهم الأحكام الباطلة ، هم الذين أوصلوا الأمر إلى هذه المرحلة الخطيرة ، التي انجرّت إلى إلقاء هذا التكليف على عاتق الحسين (عليه السّلام) ؟

ـ ثمَّ هل حدث تغيير جذري في الإسلام باستشهاده (عليه السّلام) ؟ وهل استقام دين محمد بقتله ، حين قال : إنّ كان دين محمَّد لم يستقم إلاّ بقتلي يا سيوف خذيني ؟

ـ وهل كانت كلّ هذه التضحيات لأجل بقاء ظاهر الإسلام من أذانٍ لا محتوى فيه ، وصلاةٍ لا عروجَ إلى الله يصحبها ، وصوم لا جُنةً من النار تلازمه ، وحجّ لا قيام ضدِّ الشرك ومظاهره يعقبه ، وإنفاقٍ لا بركة وراءه ، وقراءةِ قرآن لا عمل به ؟ أم إنّ هناك مسألة اُخرى وراء كلِّ هذه التضحيات ؟ وما هي ؟

 

نتائج الثورة الحسينيّة

أقول : يمكننا أن نلخّص نتائج هذه الثورة العظيمة بنظرةٍ سريعة في أمرين مضافين إلى مقام سيّد الشهداء (عليه أفضل الصلاة والسلام) ، الذي ورد فيه عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) مخاطباً إياه (عليه السّلام) : (( إنَّ لك في الجنّةِ درجاتٍ لا تنالها إلاّ بالشهادة ))(18) :

الأول : نتائج قصيرة المدى

وهي تتلخَّص في كلمة واحدة ، وهي كشف الوجه الآخر لبني اُميّة ، والممهِّدين لهم بنحو عام ، وإظهار حقيقة يزيد بن معاوية (عليه اللعنة) بنحو خاص .

وهذه رغم أهميَّتها البالغة لا تشكِّل البعد الأهم في هذه النهضة المباركة ، ولا تتناسب مع ما حدث في كربلاء من جرائم بحقّ سيّد شباب أهل الجنَّة ، وريحانة رسول الله الإمام الحسين (عليه السّلام) .

وقد تحقّق هذا الأمر ـ أعني انكشاف مساوئ بني اُميّة ـ من خلال مواقف كثيرة . نشير إلى أهمِّها :

أوّلاً : خطب وكلمات الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ومواقفه الحاسمة

1 ـ ففي وصيته (عليه السّلام) لأخيه ابن الحنفيّة قال : (( إنِّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي (صلّى الله عليه وآله) ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبى طالب (عليه السّلام) ، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ ، ومَنْ ردّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ ، وهو خير الحاكمين ))(19) .

2 ـ وفي كتابه إلى أشراف الكوفة : (( أمّا بعد ، فقد علمتم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد قال في حياته : مَنْ رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرم الله ، ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنّة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، ثمّ لم يُغيِّر بقول ولا فعل ، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله ))(20) .

3 ـ وقال (عليه السّلام) : (( موت في عزّ خيرٌ من حياة في ذلّ )) ، وأنشأ (عليه السّلام) يوم قُتل :

الموتُ خيرٌ من ركوب العارِ    والعارُ أولى من دخول النارِ(21)

4 ـ قال لأصحابه : (( قد نزل ما ترون من الأمر ، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكرت ، وأدبر معروفها ، واستمرت حتّى لم يبق منها إلاّ كصبابة الإناء ، وإلاّ خسيس عيش كالمرعى الوبيل . ألا ترون الحقّ لا يُعمل به ، والباطل لا يتناهى عنه ؟ ليرغب المؤمن فى لقاء الله ، وإنّى لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً ))(22) .

5 ـ وروي أنّه (صلوات الله عليه) لمّا عزم على الخروج إلى العراق ، قام خطيباً فقال : (( الحمد الله ، وما شاء الله ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ، وصلّى الله على رسوله وسلم ، خُطّ الموت على ولد آدم مخَطَّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي يتقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا ، فيملأنَ منّي أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً ، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم ، رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين .

لن تشذّ عن رسول الله لحمته ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقرّ بهم عينه ، وينجز لهم وعده . مَنْ كان فينا باذلاً مهجته ، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا ؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله ))(23) .

6 ـ (( ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلّة والذلّة , وهيهات له ذلك ! هيهات منّي الذلّة ، أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون ، وجدود طهرت ، وحجور طابت أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ))(24) .

ثانياً : المواقف البطوليَّة لعقيلة بني هاشم زينب الكبرى والإمام زين العابدين وأهل البيت (عليهم السّلام) ، وسائر مَنْ أُخذوا أسرى إلى الكوفة والشام

1 ـ وهذه المواقف قد ظهرت في خطبة زينب (عليها السّلام) في أهل الكوفة التي من جملتها : فتعساً تعساً ، ونكساً نكساً ، لقد خاب السعي ، وتبت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبُؤتم بغضب من الله ، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة . أتدرون ـ ويلكم ! ـ أي كبد لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) فريتم ؟ وأيّ عهد نكثتم ؟ وأيّ كريمة له أبرزتم ؟ وأيّ حرمة له هتكتم ؟ وأيّ دم له سفكتم ؟ (لقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً) . لقد جئتم بها صلعاء عنقاء ، سوداء فقهاء ، شوهاء خرقاء ، كطلاع الأرض وملء السماء ، أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ؟ (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنْصَرُونَ)(25) .

2 ـ وأيضاً في خطبتها في الشام ، وقد ورد فيها : فكِد كَيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تُميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها ، وهل رأيك إلاّ فَنَد ، وأيّامك إلاّ عَدد ، وجمعك إلاّ بَدد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين(26) .

3 ـ خطبة الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في أهل الكوفة : (( أيّها الناس ، ناشدتكم بالله هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه ، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة ، وقاتلتموه وخذلتموه ؟ فتبّاً لما قدّمتم لأنفسكم ، وسوأة لرأيكم ! بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ يقول لكم : قتلتم عترتي ، وانتهكتم حرمتي ، فلستم من اُمّتي ؟! ))(27) .

4 ـ وخطبته (عليه السّلام) أيضاً في الشام : (( يابن معاوية وهند وصخر ، لم تزل النبوّة والإمرة لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد ، ولقد كان جدّي علي بن أبي طالب في يوم بدر وأحد والأحزاب في يده راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأبوك وجدّك في أيديهما رايات الكفّار . ويلك يا يزيد ! إنّك لو تدري ماذا صنعت ، وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذاً لهربت في الجبال ، وافترشت الرماد ، ودعوت بالويل والثبور ، أن يكون رأس أبي الحسين بن فاطمة وعلي منصوباً على باب مدينتكم ، وهو وديعة رسول الله فيكم ، فأبشر بالخزي والندامة غداً إذا جُمع الناس ليوم القيامة ))(28) .

ثالثاً : زيارة الأربعين ، وخروج الصحابي الجليل جابر بن عبدالله الأنصاري (رضوان الله تعالى عليه) برفقة مفسِّر القرآن عطيَّة العوفي إلى زيارة قبر أبي عبدالله الحسين (عليه السّلام) ؛ حيث إنَّ هذه الزيارة قد قضت على جميع الأضاليل الإعلامية التي نشرها يزيد بن معاوية ضدَّ سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، حتّى في مركز حكومته ـ أعني الشام ـ ؛ ولذلك صار الأربعين من أيام الله ، يجتمع فيه المؤمنون تحت قُبَّة سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، ويذكرون تلك المواقف البطولية ، ويردّدون مصائبه الأليمة ، فيسلِّمون على الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته وأصحابه البررة ، ويلعنون الزمرة الطاغية من آل أميّة .

وصار الأربعين من السنن التي تشخِّص هويَّة الشيعة ، فهذه السُنَّة قد أسَّسها الإسلام حين دعا إلى الاهتمام بزيارة قبور الأولياء والشهداء ، وقد كان يُحييها أولياء الدين ؛ حيث كانوا يزورون قبور الرموز الدينية من الأنبياء والأولياء والشهداء والصالحين .

 

زيارة الأربعين

هذه الزيارة من علامات المؤمن . ويراد من المؤمن الشيعي الإمامي الاثني عشري .

فقد ورد في الحديث عن الإمام العسكري (عليه أفضل التحيَّة والثناء) أنه قال : (( علامات المؤمن خمس ؛ صلاة الإحدى والخمسين ، وزيارة الأربعين ، والتختّم باليمين ، وتعفير الجبين ، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم )) .

إنّ هذه الخطوة التِّي خطاها هذا الصحابي الجليل (رضوان الله تعالى عليه) كان لها الأثر البالغ في إحياء شريعة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) ، وكان لها دور عظيم في تثبيت النهضة المباركة الحسينيّة ، وتركيز جذورها على مدى العصور ؛ حيث تمكّن هذا الصحابي أن يقضي على جميع مؤامرات بني اُميّة ، وإعلامهم المناوئ ضد الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ، كما فنّد بزيارته العقائد الفاسدة التِّي نشرها بنو أميَّة في أفكار المسلمين عامَّة ، وأهل الشام خاصّة .

كلُّ ذلك لأنّ جابر بن عبد الله الأنصاري وعطية العوفي كانا رمزين من الرموز المعروفة لدى المسلمين .

 

شخصية جابر

هو ابن عبد الله الأنصاري ابن عمرو بن حزام المدني العربي الخزرجي . نزل المدينة ، وهو من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وقد شهد معه بدراً وثماني عشرة غزوة ، ومن الأصفياء من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ومن شَرَطة خميسه ، ومن أصحاب الإمام الحسن والإمام الحسين ، والإمام السجّاد والإمام الباقر (عليهم السّلام) .

وكان له ولاء وحبّ مميَّز لأهل البيت (عليهم السّلام) ، ويكفى في بيان مستوى حبِّه ما ورد في الحديث عن معاوية بن عمّار ، عن أبي الزبير المكّي قال : سألت جابر بن عبد الله ، فقلت : أخبرني أيّ رجل كان علي بن أبي طالب ؟ قال : فرفع حاجبه عن عينيه ، وقد كان سقط على عينيه ، قال : فقال : ذلك خير البشر . أما والله ، إنّا كنّا لنعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ببغضهم إيّاه .

 

شخصية عطيَّة

كما كان عطيّة بن سعد بن جنادة العوفي من محبيهم (عليهم السّلام) ، الوالهين إليهم ؛ فقد ورد في وجه تسميته أنّه جاء سعد بن جنادة إلى علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وهو بالكوفة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّه قد ولد لي غلام فسمّه . فقال : (( هذا عطيّة الله )) ، فسمّي عطيّة .

وهو مفسِّر للقرآن ، له تفسير في خمسة أجزاء , وهو الذي ينقل الخطبة الفدكيَّة عن زينب (عليها السّلام) ، عن الزهراء (عليها السّلام) .

 

حدثٌ غير منتظر

ذهابهما إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السّلام) في كربلاء كانت مفاجأة عظيمة ، وحدث غير منتظر ، فلم يكن عامّة الناس يدرون أنّ الإمام الحسين قد قُتل ، فزيارة جابر وعطية لقبر الإمام الحسين (عليه السّلام) ثبّتت اُموراً كثيرة ، كأصل استشهاده (عليه السّلام) ، وفضيلة زيارته ، وفضيحة بني اُميّة ، الذين كانوا يتولّون شؤون المسلمين ، لا سيما أنّ الزيارة قد وقعت بنحو من التمثيل والتجسيد ؛ كي تبقى في الأذهان مدى العصور .

يقول عطيّة العوفي : خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله) زائرين قبر الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، فلمّا وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ، ثمّ ائتزر بإزار وارتدى بآخر ، ثمّ فتح صرّة فيها سعد فنثرها على بدنه ، ثمّ لم يَخطُ خطوة إلاّ ذكر الله ، حتّى إذا دنا من القبر قال : ألمسنيه .

فألمسته ، فخرّ على القبر مغشيّاً عليه ، فرششت عليه شيئا من الماء فأفاق ، وقال : يا حسين ، ثلاثاً ، ثمّ قال : حبيبٌ لا يجيب حبيبَه ، ثمّ قال : وأنّى لك بالجواب وقد شُحطت أوداجك على أَثباجِك ، وفُرِّقَ بين بدنك ورأسك ، إلى آخر الزيارة .

رابعاً : إقامة مجالس العزاء ، وإحياء ذكر سيّد الشهداء من قِبل الأئمَّة الطاهرين (عليهم السّلام) ، والحث على ذلك ببيان فضائلهم ، ومثالب أعدائهم ، وأهمِّية الإنشاد فيهم .

وقد ورد في الحديث عن الرضا (عليه السّلام) : (( مَنْ تذكّر مصابنا ، وبكى لما ارتُكب منّا ، كان معنا في درجتنا يوم القيامة ، ومَنْ ذكّر بمصابنا فبكى وأبكى ، لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون ، ومَنْ جلس مجلساً يُحيا فيه أمرنا ، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب ))(29) .

والأحاديث في هذا المجال كثيرة(30) .

خامساً : الزيارات المستمرة ذات المحتوى المركَّز والدقيق ، في المواسم الخاصّة التي تعدّ من أيّام الله ، وحث الأمَّة على التزامها .

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء / 165 .
(2) سورة الشعراء / 109 .
(3) سورة الشورى / 23 .
(4) سورة سبأ / 47 .
(5) سورة هود / 36 .
(6) سورة نوح / 26 ـ 27 .
(7) سورة ص / 35 .
(8) سورة ص / 36 .
(9) سورة الكهف / 6 .
(10) سورة آل عمران / 144 .
(11) سورة القصص / 5 ـ 6 .
(12) سورة الأنبياء / 105 .
(13) بحار الأنوار 44 / 364 .
(14) بحار الأنوار 40 / 358 .
(15) بحار الأنوار 41 / 49 .
(16) بحار الأنوار 40 / 221 ـ 245 .
(17) الأحاديث الغيبية 1 / 171 ـ 192 .
(18) بحار الأنوار 44 / 310 .
(19) بحار الأنوار 44 / 329 ، ب 37 ، ح 2.
(20) بحار الأنوار 44 / 381 ، ب 37 ، ح 2.
(21) بحار الأنوار 44 / 191 ، ب 26 ح 4.
(22) بحار الأنوار 44 / 192 ، ب 26 ، ح 4.
(23) بحار الأنوار 44 / 366 ، ب 37 ، ح2 .
(24) بحار الأنوار 45 / 83 ، ب 37 ، ح 10.
(25) نفس المهموم ـ للشيخ عباس القمي / 359 .
(26) نفس المهموم / 406 .
(27) بحار الأنوار 45 / 157 ، ب 39 ، ح 5.
(28) بحار الأنوار 45 / 134 ، ب 39 ، ح 1 .
(29) بحار الأنوار 44 / 278 ، ب 34 ، ح 1 .
(30) بحار الأنور 44 / 282 ، ب 34 ، ح 15 , 45 / 206 ، ب 40 ، ح 13 , و238 ، ب 43 ح 8 , و243 ، ب 44 ، ح 4 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى