إشراقات حسينيّة في الثورة المهدوية

 
 

الثاني : نتائج بعيدة المدى

فلسفة الثورة الحسينيّة هي إيجاد أرضية خصبة ؛ لتمكين الإسلام المحمَّدي الأصيل على جميع بقاع الأرض في ظل الحكومة الإلهيَّة ، التي سوف يؤسِّسها ولي العصر وصاحب الأمر ، الحجَّة بن الحسن المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) .

ومن ثمَّ استقامة دين الله ، وتحقق مصداقية خلق الإنسان ، بل السماوات والأرض ، وإظهار الحكمة الإلهيَّة ، والفلسفة الربّانية من خلق الكون ، وتجسيد هدف بعث الأنبياء جميعاً ، وذلك بظهور المهدي المنتظر (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) ، وحينئذٍ يكون هناك تناسب بين إراقة تلك الدماء الطاهرة وهذه الغاية المنشودة ؛ حيث إنَّها الغاية من الدين ، والمغزى من بعثة جميع الأنبياء والمرسلين ، والسرّ في نبوَّة خاتم النبيّين .

فالحجَّة ابن الحسن المهدي (روحي له الفداء) هو وارثهم جميعاً ، وبه يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) .

وإثبات هذه الحقيقة يحتاج إلى شرحٍ وافٍ ، واستقراء تامّ للآيات والأحاديث ، والزيارات والأدعية الشريفة .

وقبل الشروع في ذلك لا بدّ من ذكر مقدّمتين :

الاُولى : التشيّع رؤية شاملة

إنّ التشيّع الذي يمثّل الإسلام المحمدي الأصيل هو مدرسة متكاملة ، وفي نفس الوقت فإنّ مفرداته مترابطة تماماً غير قابلة للانفكاك . فعقيدة التشيّع لا تنفك عن أخلاقياته ، كما لا ينفكان عن تأريخه ومواقف أئمّته (عليهم السّلام) .

فمَنْ أراد أن يعرف تاريخ أئمّة الشيعة (عليهم السّلام) ، ومواقفهم في قبال الظلمة المعاصرين لهم ، ينبغي له أن يدرس الفكر الشيعي بدقَّة أولاً ، وعلى ضوء ذلك يعمد إلى تاريخ الشيعة فيتجوّل حيث شاء .

وأمّا لو وضع الباحث يده على مفردة من المفردات الشيعيَّة ، وركَّز على زاوية واحدة فحسب ، من غير أن يلاحظ سائر الزوايا المرتبطة بها ، فمن الطبيعي أن ينحرف عن المسار الصحيح .

وهذا الانحراف سوف يؤدِّي به إلى السقوط في أخطاء كبيرة اُخرى ، لا يمكن التخلُّص منها فيما بعد ، شأنه شأن مَنْ يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض .

ومن الواضح أنَّ مثل هذا الإنسان سوف ينحرف عن المسير الصحيح ، وسوف يقع في ظلمات لا خلاص له منها .

الثانية : المهدي (عليه السّلام) والعدل الحقيقي

ثمّ لا يخفى على كل مَنْ يدرس فكر الشيعة ـ ولو إجمالاً ـ أنّ الاعتقاد بالمهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) من أهم وأبرز معتقداتهم ، وأنّ دولته المباركة هي العلّة الغائية ، والنتيجة الأخيرة التي يتوقّعها كلّ مَنْ يوالي أهل البيت (عليهم السّلام) .

(( اللّهمّ إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله ، وتذلّ بها النفاق وأهله ، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك ، والقادة إلى سبيلك ، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة )) .

ومن الطبيعي أنّ الباحث لو نسي تلك النتيجة ، أو تغافل عنها ، سوف يؤدِّي ذلك إلى انحرافه الفكري ، وخروجه عن الصراط المستقيم .

 دولة العدل

ثمَّ إنَّ الإمام الحجَّة ابن الحسن (عليه السّلام) سوف يؤسِّس دولة يطبَّق فيها حقيقة الدين ، وباطن شريعة سيّد المرسلين ؛ حيث لا عدل حقيقياً إلاّ بذلك .

وهذا ما يدلّنا عليه حكم العقل ، حيث يقول : إنّ العدل هو إعطاء كلِّ ذي حقّ حقَّه ، ومصداقيته لا تظهر إلاّ إذا كان الحاكم ببصيرته الملكوتية الباطنية يشرف على الأمَّة ، فيتعامل معهم تعاملاً غيبياً ، غير معتمدٍ على الشهود والبيِّنات الظاهرية ؛ لأنّ البيّنات إنّما تُثبت أحكاماً ظاهرية غير واقعيَّة ، فربَّ ظالم يغصب حقَّ الآخرين بشهادة زور .

 موسى (عليه السّلام) والعبد الصالح

ولعلّ ذكر ما جرى بين موسى والعبد الصالح (الخضر) في القرآن الكريم إنّما هو من أجل تبيين نموذج من العدل الواقعي ؛ تمهيداً لما سيتحقَّق في المستقبل على مستوى العالم كلِّه .

وقد ورد في تفسير علي بن إبراهيم القمِّي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(1) ما ملخّصه : إنّه لمّا كلم الله موسى تكليماً ، وأنزل عليه الألواح ، أراد الله أن يبيِّن لموسى (عليه السّلام) مستوى علمه ، فأوحى إلى جبرئيل (عليه السّلام) أن أخبره بأنّ هناك رجلاً أعلم منك فاذهب إليه وتعلَّم منه .

فعندما أخبره ذلَّ موسى (عليه السّلام) في نفسه ، ودخله الرعب , و(قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً)(2) ، فتزوَّد وصيُّه يوشع حوتاً مملوحاً ، فخرجا , (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا)(3) وجدا رجلاً مستلقياً على قفاه فلم يعرفاه ، فأخرج وصيّ موسى (عليه السّلام) الحوت وغسله بالماء ، ووضعه على الصخرة ، ومضيا وقد (نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً)(4) ، أي عناء , فذكر وصيُّه السمكة , (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً)(5) .

فقال موسى (عليه السّلام) : ذلك الرجل الذي رأيناه عند الصخرة هو الذي نريده (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)(6) ، وهو في الصلاة ، فقعد موسى حتّى فرغ من الصلاة ، فسلّم عليهما , (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً)(7) .

ففعل أفعالاً ثلاثة لم يصبر موسى عليها ، رغم أنَّه وعده بذلك إن شاء الله ، وكان مستعدّاً ومتهيّئاً له ، وهي :

1 ـ خرق السفينة : ولم يصبر موسى على ذلك ، بل اعترض و (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً)(8) .

2 ـ قتل الغلام : فاعترض أيضاً وقال : (أقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً)(9) .

3 ـ بناء الجدار الذي كان مشرفاً على السقوط ، ولم يتمالك موسى (عليه السّلام) نفسه ، فاعترض عليه مرَّة ثالثة بقوله : (لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)(10) .

وحينئذٍ قال الخضر (عليه السّلام) : (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)(11) ، وأخبره عن السبب لتلك التصرُّفات ، وانكشف أنَّها جميعاً كانت طبقاً لموازين شرعيّة وأحكام إلهيَّة .

والجدير بالذكر ما في الحوادث الثلاثة من التنوُّع والاختلاف من نواحٍ شتَّى ، منها الاختلاف من حيث الزمان ؛ فخرق السفينة كان لأجل ما سيتحقّق في الحال ، من أخذ كلّ سفينة سليمة غصباً ، وقتل الغلام كان لأجل أنَّه سوف يؤذي أبويه في المستقبل ، وبناء الجدار لأجل وجود كنز تحته في الماضي ، فكان الخضر عالماً بما كان وما يكون وما هو كائن .

هذا ، ووليُّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه) سوف يتعامل مع الاُمور تعاملاً غيبياً كصاحب موسى (عليه السّلام) ، فمَنْ ليس له ارتباط روحي به لا يتمكّن من التأقلم والاستئناس معه (عليه السّلام) ، ولا يصل الإنسان إلى تلك الدرجة إلاّ إذا كان يمتلك فهماً للمسائل أعلى مستوىً من موسى (عليه السّلام) ؛ ليصبر على ما سيحقِّقه ولي الله الأعظم ، ممّا يتراءى لبعض الناس أنّه قتل وتخريب أو غير ذلك ؛ فإنَّه سوف يقتل ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام) كما سيأتي شرحه تفصيلاً .

 دور الزيارات والأدعية

يضاف إلى القرآن الكريم والأحاديث الشريفة والأدعية مجموعة كبيرة من الزيارات العامَّة والخاصَّة لكلِّ إمام ، يمكن أن يُفهم منها كثير من الجوانب الغامضة غير المذكورة في تاريخ حياة أئمتنا (عليهم السّلام) . منها :

1 ـ الوصول إلى الجوانب الخفيّة من نهضة عاشوراء .

هناك زيارات لسيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ؛ سواء المطلقة منها كزيارة وارث ، أو الخاصة بزمان كزيارة عاشوراء ، من خلالها يمكننا أن نصل إلى كثير من الجوانب الخفية من نهضته المباركة نهضة عاشوراء .

علماً بأنَّ المؤرخين في سنة ستين من الهجرة في كربلاء لم يكونوا من المؤمنين بأهل البيت (عليهم السّلام) ، بل كانوا من جملة أتباع الخليفة يزيد بن معاوية ، جاءوا مع العسكر ؛ لكي يدوِّنوا ما يطلقون عليه قتل الخوارج ونهب أموالهم ، ثم يصلوا إلى مطامعهم الدنية ، فمن الطبيعي أنّهم لم يعمدوا إلى الحقائق ليثبتوها ، بل كانت غايتهم إرضاء الطاغية يزيد (عليه اللعنة) .

2 ـ التأمّل في ما صدر عن المعصومين (عليهم السّلام) .

ومن هذا المنطلق يكون من الضروري واللازم علينا التأمّل في كلّ ما صدر عن المعصومين (عليهم السّلام) ، لا بالصراحة فحسب ، بل حتّى بالإيماء والإشارة من خلال الزيارات المختلفة .

وأعني من كلمة التأمّل الدقّة والإمعان بوضع النقاط على الحروف ، كالدقّة التّي نمارسها في فهم القرآن الكريم .

ومن الجدير أن ندقِّق في مثل هذه الواقعة العظيمة التي تتعلّق بسيّد الشهداء ، وسبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، التي نحن نعيشها بجميع وجودنا ، وهي قوام مذهبنا الحقّ .

وقد ورد عن أئمّتنا (عليهم السّلام) زيارات كثيرة لسيِّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، تشتمل على مفاهيم اعتقادية ، وأخلاقية وسياسيَّة وغيرها ، وهذه الزيارات يمكن تقسيمها في بادئ الأمر إلى قسمين :

أ ـ الزيارات المطلقة .

ب ـ الزيارات المختصّة بأوقات معيَّنة .

 

المفاهيم التي تشتمل عليها زيارة الحسين (عليه السّلام)

1 ـ مفاهيم اعتقادية

(( السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله ... يا مولاي يا أبا عبد الله ، أشهد أنّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة ، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ، ولم تلبسك مدلهمّات ثيابها ، وأشهد أنّك من دعائم الدين ، وأركان المؤمنين ، وأشهد أنّك الإمام البرّ التقي ، الرضي الزكي ، الهادي المهدي ، وأشهد أنّ الأئمّة من ولدك كلمة التقوى ، وأعلام الهدى ، والعروة الوثقى ، والحجّة على أهل الدنيا ، وأُشهد الله وملائكته ، وأنبياءه ورسله ، أنّي بكم مؤمن وبإيابكم ، موقن بشرائع ديني ، وخواتيم عملي ، وقلبي لقلبكم سلم ، وأمري لأمركم متبع ... ))(12) .

2 ـ مفاهيم أخلاقية

(( اللّهمّ اجعل ما أقول بلساني حقيقته في قلبي ، وشريعته في عملي . اللّهمّ اجعلني ممّن له مع الحسين (عليه السّلام) قدماً ثابتاً(**) ، وأثبتني فيمَنْ استشهد معه ))(13) .

3 ـ مفاهيم سياسية

(( لعن الله أمّة قتلتك ، ولعن الله أمّة خذلتك ، ولعن الله أمّة خذّلت عنك . اللّهمّ إنّي أُشهدك بالولاية لمَنْ واليت ، ووالته رسلك ، وأشهد بالبراءة ممّن برئت منه ، وبرئت منه رسلك . اللّهمّ العن الذين كذّبوا رسلك ، وهدموا كعبتك ، وحرّفوا كتابك ، وسفكوا دماء أهل بيت نبيك ، وأفسدوا في بلادك ، واستذلّوا عبادك ))(14) .

4 ـ ثأر الله

وهناك مفهوم مهمٌّ للغاية مشترك بين كثير من الزيارات ، وهو (( ثأر الله وابن ثأره ، والوتر الموتور )) ، فقد ورد ذلك في زيارة العيدين ، وعرفة , وعاشوراء : (( السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره . السّلام عليك يا وتر الله الموتور في السماوات والأرض )) ، وفي زيارة عاشوراء (( فأسأل الله الذي أكرم مقامك ، وأكرمني بك ، أن يرزقني طلب ثأرك مع إمام منصور من أهل بيت محمّد (صلّى الله عليه وآله) ... وأسأله أن يبلّغني المقام المحمود لكم عند الله ، وأن يرزقني طلب ثأري مع إمام هدىً ظاهر ناطق بالحق منكم )) .

ومن خلال هذه الزيارات نستنتج الاُمور التاليَّة :

1 ـ أنَّ مفهوم الثأر بعدما كان سائداً بين الجاهليَّة بشكل خاطئ ، ينبع من العصبية ، وحسّ الانتقام ، والتشفي الشخصي والقبلي ، قد اكتسب صبغةً مُقدَّسةً في الإسلام ؛ وذلك لأنَّه أضيف إلى الله سبحانه وتعالى ( ثأر الله ) .

2 ـ أنَّ الحسين (عليه السّلام) هو ثأر الله ، كأمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي هو أيضاً ثأر الله ، ولكن ثأر عليٍّ (عليه السّلام) قد تجسَّد في ابنه الحسين (عليه السّلام) ، فصار الحسين هو ( ثأر الله وابن ثأره ) .

3 ـ أنّ سيّد الشهداء (عليه السّلام) هو الوتر الموتور . وقال الفيروزآبادي : الموتور : الذي قُتل له قتيل فلم يدرك بدمه .

4 ـ أنّه من خلال التعابير الثلاثة ، وهي ( ثأر الله ، ثأرك ، ثأري ) يكون ثأر الله هو بعينه ثأر الحسين (عليه السّلام) ، وهو ثأر المؤمن الموالي والتابع لسيّد الشهداء (عليه السّلام) ، ولا تعارض بينها ؛ حيث إنَّ الثأر الإلهي قد تجلَّى وظهر في الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ في المؤمنين الذائبين في شخصية الإمام (عليه السّلام) .

5 ـ أنَّ طلب ثأر الحسين (عليه السّلام) هو من الأرزاق الإلهيَّة ، التِّي هي من مقتضيات ولوازم كرامة الله للإنسان بالحسين (عليه السّلام) ، فهو من متطلبات البلوغ إلى المقام المحمود الذي وصل إليه الحسين (عليه السّلام) ، وهذا المقام هو مقام النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) المشار إليه في قوله تعالى : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)(15) .

6 ـ أنَّ الذي يَطلب الثأر هو الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) من ولد الحسين (عليه السّلام) ، وهو الإمام المنصور من أهل بيت محمَّد (صلّى الله عليه وآله) .

وقد أُشير إلى ذلك في قوله تعالى : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً)(16) .

 

عدم الإسراف في القتل

قد وردت عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السّلام) أحاديث في تأويل هذه الآية المباركة ، منها ما في بحار الأنوار نقلاً عن تفسير العياشي : عن أبي جعفر (عليه السّلام) في قوله :‏ (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً) .‏ قال : (( هو الحسين بن علي (عليه السّلام) قُتل مظلوماً ، ونحن أولياؤه ، والقائم منّا إذا قام طلب بثأر الحسين (عليه السّلام) ، فيقتل حتّى يُقال : قد أسرف في القتل )) .

وقال (عليه السّلام) : (( المقتول الحسين ، ووليه القائم ، والإسراف في القتل أن يَقتل غير قاتله . إنّه كان منصوراً ؛ فإنّه لا يذهب من الدنيا حتّى ينتصب رجل من آل رسول الله (عليهم الصلاة والسلام) ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ))(17) .

 وفي الكافي الشريف للكليني (رحمه الله) : علي بن محمد ، عن صالح بن أبي حمّاد ، عن الحجال ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال : سألته عن قول الله (عزّ وجلّ) : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) . قال : (( نزلت في الحسين (عليه السّلام) ، لو قُتل أهل الأرض به ما كان سرفاً ))(18) .

قال العلاّمة المجلسي (قُدّس سرّه) : ويُحتمل أن يكون المعنى أنّ السرف ليس من جهة الكثرة ، فلو شرك جميع أهل الأرض في دمه ، أو رضوا به ، لم يكن قتلهم سرفاً ، وإنّما السرف أن يقتل مَنْ لم يكن كذلك ، وإنّما نُهي عن ذلك .

 

 نفي لا نهي

أقول : يظهر من هذه الروايات أنَّ أئمّتنا (عليهم السّلام) كانوا يقرؤون الآية بالقراءة الخاصّة بهم ، وهو ( فلا يُسرِفُ ) نفياً لا ( فلا يُسرِفْ ) نهياً ، وقد أشار إلى ذلك العلاّمة المجلسي (رحمه الله) حيث قال : فيه إيماء إلى أنّه كان في قراءتهم (عليهم السّلام) ( فلا يسرفُ ) بالضم .

ولا يخفى أنَّ بين المعنيين فرقاً كبيراً ، ونُذكِّر القرّاء أنَّ القراءات المختلفة موجودة في كثير من آيات القرآن ، وذلك لدى الفريقين ، وهذا لا يعني تحريف الكتاب أصلاً ، فتأمَّل في ذلك .

7 ـ أنه يُستفاد من بعض الزيارات أنَّ دم سيّد الشهداء (عليه السّلام) سكن في الخُلد ، وقد اقشعرت أظلّة العرش لدمه (عليه السّلام) ، وبكت له الموجودات جميعاً بلا استثناء ، كما تدلُّ عليه الأحاديث الكثيرة المتواترة عند الخاصّة والعامّة ، فالحسين (عليه السّلام) قتيل الله وابن قتيله .

دم الإمام الشهيد

وهناك أحاديث دالّة على أنَّ دمَ الحسين (عليه السّلام) ارتفع إلى السماء ولم يرجع منه قطرة واحدة .

 منها : (( ثمّ أخذ السهم فأخرجه من قفاه ، فانبعث الدم كالميزاب ، فوضع يده على الجرح ، فلما امتلأت رمى به إلى السماء ، فما رجع من ذلك الدم قطرة ))(19) .

ومنها في خصوص الطفل الرضيع . قال المفيد : دعا ابنه عبد الله . قالوا : فجعل يقبّله وهو يقول : (( ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدّك محمّد المصطفى خصمهم ! )) ، والصبي في حجره ، إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه في حجر الحسين (عليه السّلام) ، فتلقّى الحسين (عليه السّلام) دمه حتّى امتلأت كفّه ، ثمّ رمى به إلى السماء(20) .

قال الباقر (عليه السّلام) : (( فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض ))(21) .

 

دور عاشوراء في توجيه جيش الحجَّة

وللحسين (عليه السّلام) دور رئيس في ذلك الجيش الإلهي الذي سوف يحقّق انتصارات كبيرة ، فهناك ظواهر حسينيّة في الثورة المهدوية في مختلف النواحي ، أهمُّها الجانب الإعلامي والروحي ؛ فإنَّ شعار جيش الحجَّة هو : ( يا لثارات الحسين ) .

هذا ما تدلُّ عليه عشرات من الأحاديث الشريفة ، مضافاً إلى الدعم القرآني كما سيأتي . ونكتفي بالحديثين التاليين :

1 ـ في الحديث المعروف عن الريان بن شبيب ، عن الإمام الرضا (عليه السّلام) : (( ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره ، فوجدوه قد قُتل ، فهم عند قبره شعثٌ غبرٌ إلى أن يقوم القائم فيكونون من أنصاره ، وشعارهم : يا لثارات الحسين ))(22) .

فالذي يدفعهم إلى تعزيز جيش الحجَّة ونصرته ، إنَّما هو طلب ثأر الحسين (عليه السّلام) ؛ لأنَّه هو ثأر الله وابن ثأره ، والوتر الموتور ، كما ورد في كثير من الزيارات : (( السلام عليك يا ثأر الله وابن ثأره ، والوتر الموتور ))(23) .

2 ـ وفي حديث آخر عن أبي عبد الله (عليه السّلام) في وصف أصحاب الحجَّة (عجّل الله تعالى فرجه) يقول : (( فيهم رجال لا ينامون الليل ، لهم دويٌّ في صلاتهم كدويِّ النحل ، يبيتون قياماً على أطرافهم ، ويصبحون على خيولهم ، رهبان بالليل ، ليوثٌ بالنهار ، هم أطوع له من الأمَة لسيِّدها ، كالمصابيح كأنّ قلوبهم القناديل ، وهم من خشية الله مشفقون ، يدعون بالشهادة ، ويتمنَّون أن يُقتلوا في سبيل الله ، شعارهم يا لثارات الحسين ، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر ، يمشون إلى المولى أرسالاً ، بهم ينصر الله إمامَ الحقّ ))(24) .

ولا يخفى ما في قوله (عليه السّلام) : (( لهم دوي في صلاتهم كدوي النحل )) ، فهذه كانت صفة أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) في ليلة عاشوراء .

قال تعالى في وصف أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ)(25) .

ففي الحديث المرتبط بالإمام الحسين (عليه السّلام) : (( يسير الرعب أمامها شهراً ، ويخلف أبناء سعد السقاء بالكوفة ، طالبين بدماء آبائهم ، وهم أبناء الفسقة ، حتّى يهجم عليهم خيلُ الحسين (عليه السّلام) ، يستبقان كأنّهما فرسا رهان ، شعث غبر ، أصحاب بواكي وقوارح ))(26) .

ومن هنا صار الحسين قتيل العبرة ، فهذا البكاء له دور حيوي في تلك النهضة المباركة .

 

يوم خروج القائم (عليه السّلام)

هذا الأمر أيضاً له دلالة على أنَّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين الثورتين من ناحية الزمان ، ففي الحديث عن أبي بصير قال : قال أبو جعفر (عليه السّلام) : (( يخرج القائم (عليه السّلام) يوم السبت يوم عاشوراء ، اليوم الذي قُتل فيه الحسين (عليه السّلام) ))(27) .

ويفسّره حديث أبي بصير قال : قال أبو عبد الله (عليه السّلام) : (( إنّ القائم (صلوات الله عليه) ينادى باسمه ليلة ثلاث وعشرين ، ويقوم يوم عاشورا ، يوم قُتل فيه الحسين بن علي (عليه السّلام) ))(28) .

فلا منافاة بين النداء باسمه وخروجه في اختلاف زمانهما ، فربّما يكون النداء باسمه في يوم الجمعة .

 

يقتل ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام)

وقد أفرد العلاّمة المجلسي (رحمه الله) باباً مستقلاً تحت عنوان (العلّة التي من أجلها أخّر الله العذاب عن قتلته (صلوات الله عليه) ، والعلّة التي من أجلها يُقتل أولاد قتلته (عليه السّلام) ، وينتقم الله له في زمن القائم (عليه السّلام) ، فإِنَّ هناك أحاديث كثيرة تؤكِّد ذلك .

ونحن قد ذكرنا سابقاً بعض ما يدلّ على هذا الأمر ، حيث تطرّقنا إلى آية الإسراف في القتل ، وتتميماً للفائدة نشير إلى الأحاديث الاُخرى :

عن الهروي قال : قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السّلام) : يابن رسول الله ، ما تقول في حديث روي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام) بفعال آبائها )) ؟ فقال (عليه السّلام) : (( هو كذلك )) . فقلت : وقول الله (عزّ وجلّ) (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ما معناه ؟ قال : (( صدق الله في جميع أقواله ، ولكن ذراري قتلة الحسين يرضون بفعال آبائهم ، ويفتخرون بها ، ومَنْ رضي شيئاً كان كمَنْ أتاه ، ولو أنّ رجلاً قُتل بالمشرق فرضي بقتله رجل بالمغرب لكان الراضي عند الله (عزّ وجلّ) شريك القاتل ، وإنّما يقتلهم القائم (عليه السّلام) إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم ))(29) .

الشجرة الملعونة في القرآن

وقد وردت آيات في هذا المجال ، أوضحها قوله تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً)(30) .

وفي الحديث قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّي رأيت اثني عشر رجلاً من أئمّة الضلال يصعدون منبري وينزلون ، يردّون اُمّتي على أدبارهم القهقرى ))(31) . يعني بذلك اثنين من بني اُميّة ، وسبعة من أولاد الحكم ، وخمسة من بني أبي العاص .

قال العلاّمة المجلسي (رضوان الله عليه) : ولا خلاف بين أحد أنّه تبارك وتعالى أراد بها بنى أمية ، وممّا ورد من ذلك في السُنّة ، ورواه ثُقاة الأمّة ، قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيه ، وقد رآه مقبلاً على حمار ، ومعاوية يقوده ، ويزيد يسوقه : (( لعن الله الراكب ، والقائد ، والسائق ))(32) .

وقال القرطبي في تفسير الآية المباركة : قال سهل : إنّما هذه الرؤيا هي أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , كان يرى بني اُميّة ينزون على منبره نزو القردة ، فاغتم لذلك ، وما استجمع ضاحكاً من يومئذ حتّى مات (صلّى الله عليه وآله) ، وقال ابن عباس : هذه الشجرة بنو أميّة .

وذكر الرازي في تفسيره هذا القول فراجع .

 

فما يزيدهم إلاّ طغياناً

قال الفيض الكاشاني (رحمه الله) : وفي قوله سبحانه (فما يزيدهم إلاّ طغياناً كبيراً) لطافة لا تخفى(33) . وهذه مبالغة في الطغيان ، فما ارتكبوه في الطفّ من الجرائم جعله حقيقةً الطغيان المبين .

ومن هنا ورد في الزيارة (( ولعن الله بني اُميّة قاطبة ))(34) ، وفي زيارة اُخرى (( ولعن الله بني اُميّة قاطبة إلى يوم القيامة ))(35) .

قال في محيط اللغة : قاطبة : يطلق على كلِّ جيل من الناس .

 

المبرِّر لقتل الذراري

أقول : وأمّا المبرِّر لقتل ذرية قاتلي الحسين (عليه السّلام) فهو نفس المبرّر لقتل أيِّ قاتلٍ آخر ؛ لأنَّ فلسفة القتل تكمن في أمرٍ واحدٍ ، وهو الروح الخبيثة الملوَّثة التي يتّصف بها القاتل بسبب جرأته على أمر القتل ، وهذا لا يختصّ بمَنْ باشر القتل فقط ، بل يشمل حتّى المحرِّض عليه ، والراضي به ؛ ومن هنا صارت للنيّة الحسنة شأن كبير من خلاله يقيَّم العمل الصالح ، وكذلك بالنسبة للنيَّة السيِّئة ، فهي السبب الذي يوجب خبثَ العمل .

وعليه فالمفروض أن يُقتل كلّ مَنْ هو راضٍ بأمر القتل ، كما ذكر ذلك الإمام (عليه السّلام) في الحديث السابق حيث قال : (( ولو أنّ رجلاً قُتل بالمشرق فرضي بقتله رجل بالمغرب ، لكان الراضي عند الله (عزّ وجلّ) شريك القاتل )) . ولكنَّ الوضع الحالي لا يسمح بتطبيق هذا الحكم ؛ حيث لا سلطة ظاهرية للمعصوم علينا ، وكذلك في عصر المعصومين (عليهم السّلام) ؛ حيث لم يكونوا مبسوطي الأيدي يفعلون ما يشاؤون .

هذا ما أدَّى إلى الركون إلى الظاهر ، والاعتماد على الشهود والبيّنات ، وإجراء الحدود في نطاق خاصٍّ ، وهو في خصوص المباشرين لأمر القتل فحسب . وأمّا الحجَّة (عليه السّلام) فأمره يختلف تماماً ، وهو كما قلنا يتعامل مع القضايا تعاملاً خِضرياً ، ولكن بشكل أوسع ، وإطار أشمل .

 

خروج لا استثناء

قلنا : إنَّ اللعن شامل لجميع مَنْ ينتسب إلى بني اُميّة صغيراً كان أم كبيراً من غير استثناء أصلاً ، وهذا شأن كلِّ أمرٍ حاسم له أهميَّة بحيث تغطِّي على كافة الأضرار الهامشيَّة ، وهذا لا ينافي خروج البعض من بني اُميّة عن هذه القاعدة ، كما ورد في سعد الخير ، فعن أبي حمزة قال : دخل سعد بن عبد الملك ـ وكان أبو جعفر (عليه السّلام) يسمّيه سعد الخير ، وهو من ولد عبد العزيز بن مروان ـ على أبي جعفر (عليه السّلام) ، فبينا ينشج كما تنشج النساء قال : فقال له أبو جعفر (عليه السّلام) : (( ما يبكيك يا سعد ؟ )) .

قال : وكيف لا أبكي وأنا من الشجرة الملعونة في القرآن ؟

فقال له : (( لست منهم ، أنت اُموي منّا أهل البيت . أما سمعت قول الله (عزّ وجلّ) يحكى عن إبراهيم (عليه السّلام) : (فمَنْ تبعني فإنّه منّي) ؟ ))(36) .

وهذا الاُسلوب من الخروج هو المستخدم في كثير من الأحاديث ، وقد تحدَّث الفقهاء عنه في علم الاُصول تفصيلاً تحت عنوان (الحكومة والورود) . ومن نماذج هذا النوع من الخروج قوله : (( لا شك لكثير الشك )) ، فهذا الحديث يخرج هذا النمط من الشك ، أعني مَنْ يشك كثيراً ، عن القاعدة العامَّة للشكّ الوارد في سائر الأحاديث ، كبطلان الصلاة عند الشك في صلاة الصبح ، وعليه فلا تبطل صلاة كثير الشك حتّى لو كانت ثنائية ، وكذلك قوله : (( لا ربا بين الوالد وولده )) الذي يخرج هذا النوع من الربا ـ رغم كونه رباً فعلاً ـ عن القانون العام الوارد في القرآن الكريم ، وهو : (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا )(37) ، فهذا خروج لا استثناء فتأمَّل تعرف .

 

الإمام الخميني (قدّس سرُّه) وتوطيد العلاقة بين الثورتين الحسينيّة والمهدويّة

إنّ المجالس الحسينيّة على طول التأريخ ، كان لها التأثير الكبير في تثبيت ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقد سعى الطغاة ، ومنهم رضا شاه المجرم في إيران ، بشتى الوسائل للقضاء عليها ، ولكن كيف يمكن إطفاء مَنْ هو مصباح الهدى ، والنور الذي لا يُطفأ ولن يُطفأ أبداً ؟!

وقد كان للرموز الدينية كلّهم دور كبير في إبقاء هذه الشعيرة الإلهيَّة خالدة مدى القرون والأعوام ، ولكنَّ الإمام الخميني (قدّس سرُّه) كان له التأثير الأكبر في الأمَّة في هذا المجال ، فكانت له حكومة على قلوب الأمّة ، وذلك من منطلق الإمامة والقيادة ، والأمَّة تهتدي بهداه ، وتسجيب لأوامره ، فكان (رضوان الله تعالى عليه) يدعو إلى دعم وتعزيز وإقامة مجالس سيّد الشهداء بالطريقة التقليدية ، ويؤكِّد أنَّ السبب الأوَّل لبقاء الإسلام الأصيل إنَّما هو مجالس سيّد الشهداء (عليه السّلام) .

اهتمام الإمام الخميني (قدّس سرُّه) بالسيرة الحسينيّة

 

البكاء على مصاب الإمام الحسين (عليه السّلام)

عندما استشهد نجل الإمام آية الله السيّد مصطفى الخميني (رضوان الله تعالى عليه) ذهبنا إلى بيت الإمام (قدس الله نفسه) ، فجلست قبالته أنظر إلى وجهه النوراني ، فرغم أنّه افتقد فقيهاً عالماً ، وابناً باراً ، ولكنّه لم تذرف عينه عليه أصلاً ، وكنت أشاهد سماحة السيّد أحمد الخميني (رضوان الله تعالى عليه) ، الذي قد أتى في تلك الأيام إلى النجف الأشرف لزيارة أبيه ، بعد الابتعاد عنه سنوات عديدة ، رأيته ينظر إلى وجه أبيه ، فلم يتمالك نفسه , فرفع صوته بالبكاء .

وكان المراجع يأتون للتعزية ، ومنهم سماحة آية الله العظمى السيّد الخوئي (رضوان الله عليه) ، فكان الإمام يرحّب بهم ، إلى أن جاء الخطيب الخراساني وجلس إلى جنب الإمام (قدّس سرُّه) ، وشرع في ذكر مصيبة كربلاء ، ولعلها كانت مصيبة علي الأكبر ، وهناك بدأ الإمام بالبكاء حتّى تقاطرت الدموع على محاسنه المباركة ، فالحسين هو قتيل العبرة ، لا يذكره مؤمن إلاّ استعبر .

 

التزام الزيارة

الإمام الراحل كان يزور ضريح الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في كلّ ليلة ، طوال وجوده في المنفى ، وكان يركِّز على الزيارة الجامعة الكبيرة ، متوجهاً إلى القبر ، فاتحاً الكتاب ، وكان يلتزم الطريقة التقليدية في الزيارة ، وفي المواسم التي يستحبّ فيها زيارة سيّد الشهداء ، وكذلك في كلِّ ليلة جمعة كان يزور الإمام الحسين (عليه السّلام) في كربلاء ، إلى جانب ذلك كان له مجلس اُسبوعي باسم سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) .

 

اللطم على الصدور

يقول أحد قادة الحرس الثوري : وقع هجوم على القوّات العراقية ، ولكن لم نحقق جميع الأهداف التي كنّا قد خطّطنا لها ، فذهبنا إلى زيارة الإمام القائد (رضوان الله تعالى عليه) وشرحنا له المخطّط والنتائج ، فقال : أنتم في ليلة الهجوم على العدوّ قرأتم مصيبة سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، وبكيتم على مصابه ، ولكن لِمَ لم تلطموا على صدوركم . في المرّة الاُخرى عليكم باللّطم على صدوركم حينما تستعدون للهجوم على الأعداء .

 

عاشوراء والثورة

إنَّ أول شعلة أشعلها الإمام الراحل كانت في يوم عاشوراء ، حيث ألقى الإمام خطبة عنيفة هاجم فيها حكومة الشاه المقبور ، وأكَّد فيها أنَّ الحكومة قد رضخت للمخطّطات الصهيونية التي تهدف إلى تحقير القرآن الكريم ، وتصفية الزعماء الدينيّين ، والسماح لإسٍرائيل بأن تسيطر على الاقتصاد الإيراني .

وقد أُلقي القبض على الإمام ، ونُقل إلى سجن ( القصر ) في طهران , فنزل الناس إلى الشوارع في قم بقيادة السيّد مصطفى الخميني ابن الإمام ، وقاموا بالتظاهر والاحتجاج على اعتقال زعيمهم الديني .

وفي اليوم التالي قامت مظاهرات مماثلة في طهران ، وقد قمعتها قوات الأمن ما أدّى إلى سقوط 15 ألف قتيل في طهران ، و400 قتيل في قم ، ونُفي الإمام إلى تركيا ، ومن ثمّ إلى العراق .

وكان لمسيرات تاسوعاء وعاشوراء دور كبير في زعزعة عرش الطاغوت ، كما كان للخطباء الحسينيّين في أرجاء البلاد تأثير إعجازي في رص الصفوف ، ودفعها إلى الشارع ، وحثها على القيام ضد الطغاة .

 

سرّ الانتصار

مجالس عزاء سيّد الشهداء (عليه السّلام) أساس حفظ مدرسة سيّد الشهداء . واُولئك الذين يمنعون الناس عن إقامة مجالس العزاء لا يعرفون شيئاً عن هذه المدرسة ، ولا يدركون أنّ هذه المجالس هي التي حفظت مدرسة سيّد الشهداء (عليه السّلام) إلى يومنا هذا .

ولا ريب أنّ هذه المجالس والمآتم والتعزية والمصائب حفظت الإسلام طوال ألف وأربعمئة سنة(38) .

وكان الإمام الخميني (قدّس سرُّه) يرى أنّ الثورة الحسينيّة ليست هي مجرد حركة عادية ، بل هي إعلان رسمي لجميع الشعوب ؛ للوقوف في وجه الظالمين دائماً .

فهو يقول : إنّ مجالس العزاء إعلام ضدّ الظلم وضد الظالمين ، وبيان المظالم وتوضيحها لا بدّ أن يبقى إلى الأبد … وعندما يقول الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( أنا من حسين )) ، يعني أنّ الحسين هو الذي سوف يحافظ على الإسلام والدين ، ولا شك أنّ هذه التضحيات التي قدّمها الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه هي التي أبقت على الإسلام إلى يومنا هذا ، وبقي علينا حفظ الإسلام كما ينبغي(39) .

وكان يحُث الأمَّة على إقامة المجالس الحسينيّة ، ويقول : أقيموا المجالس ، وابكوا جميعاً على الحسين , وعلى جميع المسلمين في كافة الدول الإسلاميّة أن يقيموا مجالس العزاء ، وبالأحرى يومي تاسوعاء وعاشوراء(40) .

إنّ ذكر هذه المظالم يخلق حركة ونهضة عالمية على مستوى العالم ، فلا تحتقروا هذه المجالس(41) .

وكان يرى أنّ الجهاد بقسميه الأكبر والأصغر لا يتمّ إلاّ من خلال ارتباط الأمّة بالإمام الحسين (عليه السّلام) .

قال : إنّ مجالس إحياء سيّد المظلومين ، وإمام الأحرار ، إنّما هي مجالس غلبة جنود العقل على الجهل ، وجنود العدل على الظلم ، والأمانة على الخيانة ، والحكومة الإسلاميّة على حكومة الطاغوت ، فإلى الأمام انشروا الفكر الحسيني ، وارفعوا أعلام عاشوراء المدميَّة ؛ لتكون دليلاً على حلول يوم انتقام المظلوم من الظالم(42) .

أما عن فلسفة البراءة من أعداء الله فقال : هذا اللعن والتبرؤ صراخ مستمر على جميع المستبدّين والظالمين في العالم ، ولا بدّ من إحياء هذا الصراخ المحطِّم للظلم ، والمبيد للاستبداد(43) .

ثمّ انظر إلى هذا التعبير العظيم : جميع المجالس والمنابر ، وحتّى محراب العبادة ، بقاؤها بوجود سيّد الشهداء (عليهم السّلام)(44) .

فسيّد الشهداء إذاً هو كلُّ شيء ، وهو مصباح الهدى للأمَّة ، فلا خير من الله (جلَّ وعلا) ينزل إلاّ من خلاله (عليه السّلام) ، وهذا المقام قد منحه الله سبحانه حيث ضحَّى بما لديه في سبيل الله (عزّ وجلّ) .

ومن ثمرات ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) هي هذه الثورة الإسلاميّة العظيمة التي قام بها الإمام الخميني (قدّس الله نفسه) ضدّ الطاغية شاه إيران ، بل الطغاة الذين كانوا يدعمونه ، وعلى رأسهم أمريكا الشيطان الأكبر .

لقد استمدت الثورة الإسلاميّة حدوثها وبقاءها من كربلاء . يقول الإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) : لولا نهضة سيّد الشهداء (عليه السّلام) لما استطعنا تحقيق النصر في ثورتنا هذه . ولا شك أنّ مجالس العزاء هي التي حافظت على كيان الثورة الإسلاميّة بالرغم من المخطّطات الاستعمارية ، التي تخطّط لها القوى الكبرى ، وتهاجمها من كل صوب(45) .

وعلى ضوء ما ذكرناه نستنتج أنَّ الثورة الخمينية العظيمة إنّما هي حلقة وصل بين الثورتين الحسينيّة والمهدوية ، بل هي المحطَّة التي تتبلور فيها الروح الحسينيّة لتحرِّك الناس على مدى التأريخ ، وتثير أحاسيسهم ، وهم يحملون راية شهيد الطفّ حتّى يسلِّموها إلى صاحبها الحقيقي ، وهو صاحب الثأر بقيَّة الله وحجته في أرضه ، مهدي الأمّة ، قائم آل محمَّد (عليه صلوات الله وملائكته والناس أجمعين) ؛ (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) .

وهذا هو تفسير قول إمام القلوب نائب المهدي ، حيث أكّد أنّ طريق القدس يمرُّ من كربلاء .

فمَنْ أراد أن يكون مهدوياً يقتدي به في الصلاة العالمية التي يقيمها في المسجد الأقصى ، ينبغي له أن يلتزم خطّ الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فيلبي نداءه الذي ملأ السماوات والأرض (( هل من ناصر ينصرني )) ، فيسير على دربه درب التضحية والفداء ، والشهادة والفناء في الله إلى أن يجري القضاء الإلهي (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(46) .

بل يُستفاد من بيان الإمام الراحل (قدِّس سرُّه) حينما تطرّق إلى أهمّية يوم انتصار الثورة الإسلاميّة المباركة ، وقال : الثاني والعشرون من بهمن هو بداية النهضة العالميَّة بقيادة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) . إنّ هذه الثورة هي ضمن تلك الثورة المباركة التي وعد الله أن يحقّقها ويحافظ عليها ، ومن أجل ذلك لم يتمكّن العدوُّ من الإطاحة بها والقضاء عليها مهما خطط له من مؤامرات .

وكلّ راية ارتفعت قبل الثاني والعشرين من بهمن ؛ كراية زيد بن علي ، وشهيد فخ ، والثورات المعاصرة كحركة السيّد جمال الدين الأفغاني ، وثورة العشرين في العراق وغيرها ، لم تنجح في الظاهر رغم مساهمتها في التمهيد للدولة الحقّة ، وأمّا هذه الراية فهي بعينها بداية راية مهدي الأمّة ، وتنتهي بتمكين الحقّ ، وبسط العدل على البسيطة . (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً) .

ــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 13 / 278 ، ب10 ، ح1 .
(2) سورة سورة الكهف / 60 .
(3) سورة الكهف / 61 .
(4) سورة الكهف / 61 ـ 62 .
(5) سورة الكهف / 63 .
(6) سورة الكهف / 64 ـ 65 .
(7) سورة الكهف / 66 ـ 67 .
(8) سورة الكهف / 71 .
(9) سورة الكهف / 74 .
(10) سورة الكهف / 77 .
(11) سورة الكهف / 78 .
(12) بحار الأنوار 101 / 197 ، ب18 ، ح32 .
 (**) هكذا ورد ، والصحيح هو ( قدم ثابت ) . (موقع معهد الإمامين الحسنين)
(13) بحار الأنوار 101 / 148 ، ب18 ، ح1 .
(14) المصدر نفسه .
(15) سورة الإسراء / 79 .
(16) سورة الإسراء / 33 .
(17) بحار الأنوار 44 / 218 ، ب28 ح7 , و51 / 30 ، ب2 ، ح8 ، و45 /298 ، ب45 ، ح7 .
(18) الكافي 8 / 255 ، ب8 ح364 .
(19) بحار الأنوار 45 / 53 ، ب37 .
(20) الإرشاد / 224 ، بحار الأنوار 45 / 46 ب37 .
(21) الملهوف / 103 .
(22) بحار الأنوار 44 / 582 ، ب43 ، ح32 .
(23) بحار الأنوار 101 / 352 ، ب30 ، ح1 .
(24) بحار الأنوار 25 / 307 ، ب26 ، ح82 .
(25) سورة آل عمران / 151 .
(26) بحار الأنوار 53 / 83 .
(27) بحار الأنوار 52 / 852 ، ب26 ، ح17 .
(28) بحار الأنوار 52 / 290 .
(29) عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) 1 / 273 ، علل الشرائع 1 / 219 ، بحار الأنوار 45 / 295 .
(30) سورة الإسراء / 60 .
(31) بحار الأنوار 33 / 263 .
(32) بحار الأنوار 33 / 208 .
(33) تفسير الصافي 3 / 199 .
(34) بحار الأنوار 101 / 292 .
(35) بحار الأنوار 101 / 293 .
(36) بحار الأنوار 46 / 337 .
(37) سورة البقرة / 275 .
(38) صحيفة نور 8 / 70 .
(39) صحيفة نور 8 / 75 .
(40) صحيفة نور 10 / 217 .
(41) صحيفة نور 16 / 208 .
(42) صحيفة نور 3 / 266 .
(43) صحيفة نور 10 / 31 .
(44) صحيفة نور 8 / 70 .
(45) صحيفة نور 21 / 208 .
(46) سورة القصص / 5 ـ 6 .

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى