الحسين أبو الشهداء

 
 

الصفحة (150)

ساعات بعد ساعات ، ومنهم مَن كان يلوي الحديد فلا يقيمه غيره ، ومنهم مُحمّد بن الحنفيّة الذي صرع جبابرة القوّة البدنية بين العرب والعجم في زمانه ، ومن أشهر هؤلاء الجبابرة رجل كان في أرض الرّوم يفخر به أهلها , فأرسله ملكهم إلى معاوية يعجز به العرب عن مصارعته واتقاء باسه , فجلس مُحمّد بن الحنفيّة وطلب من ذلك الجبّار الرومي أن يقيمه ، فكان كأنّما يحرّك جبلاً لصلابة أعضائه وشدّة أسره , فلمّا أقرّ الرّجل بعجزه , رفعه مُحمّد فوق رأسه ثمّ جلد به الأرض مرّات .

والحُسين رضي الله عنه قد كان هو ومَن معه من شباب آل عليّ ممّن ورث هذه القوّة البدنية كما ورثوا ثبات الجأش وحمية الفؤاد ، وكانوا كفؤاً لمبارزة الأنداد واحداً بعد واحد حتّى يفرغ جيش عبيد الله من فرسانه القادرين على المبارزة ، ولا يبقى منهم غير الهمل يتبددون في منازلة الشّجعان ، كما تتبدد السّائمة المذعورة بالعراء . . .

وكان مع الحُسين نخبة من فُرسان العرب كلّهم لهم شهرة بالشّجاعة والبأس وسداد الرمي بالسهم ومضاء الضرب بالسيف ، ولن تكون صُحبة الحُسين غير ذلك بداهة وتقديراً لا يتوقفان على الشهرة الذائعة والوصف المتواتر ؛ لأنّ مزاملة الحُسين في مثل تلك الرحلة هي وحدها آية على الشّجاعة في ملاقاة الموت وكرم النحيزة في مُلاقاة الفتنة والإغراء . . . فإذا جرى القتال كلّه مبارزة بين أمثال هؤلاء ومَن يبرزون لهم من جيش عبيد الله ، فهم كفء للمنازلة وليس أملهم في الغلب بضعيف .


الصفحة (151)

وقد بدأ القتال بهجوم الخيل من قبس جيش ابن زياد ، فأشرع أصحاب الحُسين لها رماحهم وجثوا على الركب ينتظرونها , فلم تقم الخيل للرماح وأوشكت أن تجفل مولّية بفرسانها . . .

فعدل الفريقان إلى المبارزة ، فلم يتعرّض لها أحد من جيش ابن زياد إلاّ فشل أو نكص على عقبيه ، فخشي رؤوس الجيش عقبى هذه المبارزة التي لا أمل لهم في الغلبة بها ، وصاح عمر بن الحجاج برفاقه : أتدرون من تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان المصر وقوماً مستميتين . لا يبرز إليهم منكم أحد ؛ فإنّهم قليل ، لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم . فاستصوب عمر بن سعد مقاله ، ونهى النّاس عن المبارزة .

فلمّا برز عابس بن أبي شبيب الشّاكري بعد ذلك ، وتحدّاهم للمبارزة ، تحاموه لشجاعته ، ووقفوا بعيداً منه , فقال لهم عمر : ارموه بالحجارة .  فرموه من كلّ جانب ، فاستمات وألقى بدرعه ومغفره وحمل على مَن يليه ، فهزمهم وثبت لجموعهم حتّى مات .

وعجزت خيل القوم مع كثرتها عن مقاومة خيل الحُسين ، وهي


الصفحة (152)

تنكشف كلّ ساعة عن فارس قتيل . . . فبعث عروة بن قيس مقدم الفرسان في جيش ابن زياد يقول لعمر بن سعد : ألا ترى ما تلقى خيلي هذا اليوم من هذه العدّة اليسيرة ؟ ابعث إليهم الرّجال والرماة . فبعث إليه بخمسمئة من الرّماة وعلى رأسهم الحُسين بن نمير ، فرشقوا أصحاب الحُسين بالنبل حتّى عقروا الخيل وجرحوا الفُرسان والرّجال .

وكان أبو الشّعثاء يزيد بن زياد الكندي ممّن عدل إلى جيش الحُسين وهو من أشهر رُماة زمانه , فلمّا تكاثر عليهم رمي النبال والسهام ، جثا بين يدي الحُسين وأرسل مئة سهم لم يكد يخيب منها خمسة أسهم ، وقاتل حتّى مات .

وكان الذين عدلوا إلى عسكر الحُسين أشدّ أنصاره عزمة في القتال وهجمة على الموت ، ومنهم الحرّ بن يزيد ـ الذي تقدّم ذكره ـ فجاهد ما استطاع ؛ ليقنع أصحابه الأوّلين بالكفّ عن حرب الحُسين أو بالعدول إلى صفّه . . . وقام على فرسه يخطب أهل الكوفة ويزجرهم ، فسكتوا هنيهة ثمّ رشقوه بالنبل فعقروا فرسه وجرحوه ، فما زال يطلب الموت ويتحرّى من صفوفهم أكثفها جمعاً وأقتلها نبلاً حتّى سقط مثخناً بالجراح وهو يُنادي الحُسين : السّلام عليكم يا أبا عبد الله .

ولم يكن من أصحاب الحُسين إلاّ مَن يطلب الموت ويتحرّى مواقعه وأهدافه ، فكان نافع بن هلال البجلي يكتب اسمه على أفواق نبله ويرسلها فيقتل بها ويجرح ، وقلّما يخطئ مرماه , فأحاطوا به وضربوه


الصفحة (153)

على ذراعيه حتّى كُسرتا ، ثمّ أسروه والدم يسيل من وجهه ويديه ، فحسبوه يلين للوعيد ويجزع من التمثيل به ، فأسمعهم ما يكرهون وراح يستزيد غيظهم ويقول لهم : لقد قتلت منكم اثني عشر رجلاً سوى مَن جرحت ، ولو بقيت لي عضد وساعد لزدت .

مصرع الحُسين (ع) :

واستهدف الحُسين رضي الله عنه لأقواس القوم وسيوفهم ، فجعل أنصاره يحمونه بأنفسهم ولا يقاتلون إلاّ بين يديه , وكلّما سقط منهم صريع ، أسرع إلى مكانه من يخلفه ليلقى حتفه على أثره .

فضاقت الفئة الكثيرة بالفئة القليلة ، وسوّل لهم الضيق بما يعانون من ثباتها أن يقوّضوا الأخبية التي أووا إليها النساء والأطفال ؛ ليحيطوا بالعسكر القليل من جميع جهاته , ثمّ أخذوا في إحراقها ، وأصحاب الحُسين يصدّونهم ويدافعونهم ، فرأى رضي الله عنه أنّ اشتغال أصحابه بمنعهم يصرفهم عن الاشتغال بقتالهم ، فقال لهم : (( دعوهم يحرقونها ؛ فإنّهم إذا أحرقوها لا يستطيعون أن يجوزوا إليكم منها . . . )) .

وظلّ على حضور ذهنه وثبات جأشه في تلك المحنة المتراكبة التي تعصف بالصبر وتطيش بالألباب . . . وهو جهد عظيم لا تحتويه طاقة اللحم والدم ، ولا ينهض به إلاّ أولو العزم من أندر من يلد آدم وحواء .


الصفحة (154)

فإنّه رضي الله عنه كان يقاسي جهد العطش والجوع والسهر ونزف الجراح ومتابعة القتال ، ويلقي باله إلى حركات القوم ومكائدهم ، ويدبّر لرهطه ما يحبطون به تلك الحركات ويتّقون به تلك المكائد ، ثمّ هو يحمل بلاءه وبلاءهم . . . ويتكاثر عليه وقر الأسى لحظة بعد لحظة كلّما فجع بشهيد من شهدائهم .

ولا يزال كلّما أصيب عزيز من اُولئك الأعزاء حمله إلى جانب إخوانه وفيهم رمق ينازعهم وينازعونه ، وينسون في حشرجة الصدور ما هُم فيه ، فيطلبون الماء ويحزّ طلبهم في قلبه كلّما أعياه الجواب ، ويرجع إلى ذخيرة بأسه فيستمدّ من هذه الآلام الكاوية عزماً يناهض به الموت ويعرض به عن الحياة . . . ويقول في أثر كلّ صريع : (( لا خير في العيش من بعدك )) . ويهدف صدره لكل ّما يلقاه . . .

وإنّه لفي هذا كلّه ، وبعضه يهدّ الكواهل ويقصم الأصلاب . . . إذا بالرّماح والسّيوف تنوشه من كلّ جانب ، وإذا بالقتل يتعدّى الرّجال المقاتلين إلى الأطفال والصبيان من عترته وآل بيته ، وسقط كلّ مَن معه واحداً بعد واحد فلم يبق حوله غير ثلاثة يناضلون دونه ويتلقون الضرب عنه ، وهو يسبقهم ويأذن لِمَن شاء منهم أن ينجو بنفسه وقد دنت الخاتمة ووضح المصير .

وكان غلام من آل الحُسين ـ هو عبد الله بن الحسن أخيه ـ ينظر من الأخبية ، فرأى رُجلاً يضرب عمّه بالسيف ؛ ليصيبه حين أخطأ زميله ، فهرول الغلام إلى عمّه وصاح في براءة بالرجل :


الصفحة (155)

يابن الخبيثة ! أتقتل عمّي ؟ فتعمّده الرجل بالسيف يريد قتله ، فتلقّى الغلام ضربته بيده , فانقطعت وتعلّقت بجلدها ، فاعتنقه عمّه وجعل يواسيه وهو مشغول بدفاع مَن يليه .

ثمّ سقط الثلاثة الذين بقوا معه ، فانفرد وحده بقتال تلك الزحوف المطبقة عليه . وكان يحمل على الذين عن يمينه فيتفرّقون ، ويشدّ على الخيل راجلاً ويشقّ الصفوف وحيداً ، ويهابه القريبون فيبتعدون ، ويهمّ المتقدمون بالإجهاز عليه ثمّ ينكصون ؛ لأنّهم تحرّجوا من قتله ، وأحبّ كلّ منهم أن يكفيه غيره مغبّة وزره ، فغضب شمر بن ذي الجوشن وأمر الرماة أن يرشقوه بالنبل من بعيد ، وصاح بمن حوله : ويحكم ! ماذا تنتظرون بالرجل ؟ اقتلوه ثكلتكم اُمّهاتكم !

فاندفعوا إليه تحت عيني شمر ؛ مخافة من وشايته وعقابه . . . وضربه زرعة بن شريك التميمي على يده اليسرى فقطعها ، وضربه غيره على عاتقه فخرّ على وجهه ، ثمّ جعل يقوم ويكبو وهُم يطعنونه بالرّماح ويضربونه بالسّيف حتّى سكن حراكه ، ووجدت بعد موته رضوان الله عليه ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة غير إصابة النّبل والسّهام ، وأحصاها بعضهم في ثيابه فإذا هي مئة وعشرون .


الصفحة (156)

ونزل خولّي بن يزيد الأصبحي ليحتزّ رأسه ، فملكته رعدة في يديه وجسده ، فنحاه شمر وهو يقول له :

ـ فتّ الله في عضدك ! . . .

واحتزّ الرّأس وأبى إلاّ أن يسلّمه إليه في رعدته ؛ سخرية به وتمادياً في الشرّ ، وتحدّياً به لِمَن عسى أن ينعاه عليه , وقضى الله على هذا الخبيث الوضر أن يصف نفسه بفعله وصفاً لا يطرقه الشّك والاتهام ، فكان ضغنه هذا كلّه ضغناً لا معنى له ولا باعث إليه إلاّ أنّه من اُولئك الذين يخزيهم اللؤم فيسلّيهم بعض السّلوى أن يؤلموا به الكرام ، ويجعلوه تحدّياً مكشوفاً كأنّه معرض للزهو والفخار ، وهُم يعلمون أنّه لا يفخر به ولا يزهى , ولكنّهم يبلغون به مأربهم إذا آلموا به من يحسّ فيهم الضعة والعار . . .

وبقيت ذروة من الحمية يرتفع إليها مرتفع . . . وبقيت وهدة من الخسّة ينحدر إليها منحدرون كثيرون . . . فلم يكن في عسكر الحُسين كلّه إلاّ رمق واحد من الحياة باق في رجل طعين مثخن بالجراح ، تركوه ولم يجهزوا عليه لظنّهم أنّه قد مات ؛ ذلك الرّجل الكريم هو سويد بن أبي المطاع أصدق الأنصار وأنبل الأبطال . . .


الصفحة (157)

فأبى الله لهذا الرّمق الضعيف أن يُفارق الدُنيا بغير مكرمة يتمّ بها مكرمات يومه ، وتشتمل عليها النّفوس الكثيرات فإذا هي حسبها من شرف مجد وثناء .

* * *

تنادى القوم بمصرع الحُسين , فبلغت صيحتهم مسمعه الذي أثقله النزع وأوشك أن يجهل ما يسمع , فلم يخطر له أن يسكن لينجو وقد ذهب الأمل وحمّ الختام ، ولم يخطر له أنّه ضعيف منزوف يعجّل به القوم قبل أن ينال من القوم أهون منال ، ولم يحسب حساب شيء في تلك اللحظة العصيبة إلاّ أن يجاهد في القوم بما استطاع ، بالغاً ما بلغ من ضعف هذا المستطاع . . .

فالتمس سيفه فإذا هُم قد سلبوه ، ونظر إلى شيء يجاهد به فلم تقع يده إلاّ على مدية صغيرة لا غناء بها مع السّيوف والرّماح . . . ولكنّه قنع بها وغالب الوهن والموت ، ثمّ وثب على قدميه من بين الموتى وثبة المستيئس الذي لا يفرّ من شيء ولا يُبالي مَن يُصيب وما يُصاب , فتولاّهم الذعر وشلّت أيديهم التي كانت خليقة أن تمتدّ إليه ، وانطلق هو يثخن فيهم قتلاً وجرحاً حتّى أفاقوا له من ذعرهم ومن شغلهم بضجتهم وغنيمتهم ، فلم يقووا عليه حتّى تعاون على قتله رجلان ، فكان هذا حقّاً هو الكرم والمجد في عسكر الحُسين إلى الرّمق الأخير .


الصفحة (158)

خسّة ووحشية :

وكان حقّاً لا مجازاً ما توخّيناه حين قُلنا إنّها طرفان متناقضان ، وأنّها حرب بين أشرف ما في الإنسان وأوضع ما في الإنسان .

فبينما كان الرجل في عسكر الحُسين ينهض من بين الموتى ولا يضن بالرمق الأخير في سبيل إيمانه ، إذا بالآخرين يقترفون أسوأ المآثم في رأيهم ـ قبل رأي غيرهم ـ من أجل غنيمة هينة لا تسمن ولا تغني من جوع , فلو كان كلّ ما في عسكر الحُسين ذهباً ودرّاً لما أغنى عنهم شيئاً وهُم قرابة أربعة آلاف . . .

ولكنّهم ما استيقنوا بالعاقبة ـ قبل أن يُسلم الحُسين نفسه الأخير ـ حتّى كان همّهم إلى الأسلاب التي يطلبونها حيث وجدوها ، فأهرعوا إلى النّساء من بيت رسول الله (ص) ينازعونهن الحلي والثياب التي على أجسادهن ، لا يزعهم عن حرمات رسول الله وازع من دين أو مروءة , وانقلبوا إلى جثّة الحُسين يتخطفون ما عليها من كساء تخللته الطعون حتّى أوشكوا أن يتركوها على الأرض عارية لولا سراويل لبسها رحمه الله ممزّقة ، وتعمّد تمزيقها ؛ ليتركوها على جسده ولا يسلبوها .

ثمّ ندبوا عشرة من الفرسان يوطئون جثّته الخيل كما أمرهم ابن زياد ، فوطئوها مقبلين ومدبرين حتّى رضّوا صدره وظهره .

وقد يُساق الغنم هُنا معذرة للأثم بالغاً ما بلغ هذا من العظم ، وبالغاً ما بلغ ذلك من التفاهة , لكنّهم في الحقيقة قد ولعوا بالشرّ للشرّ من غير ما طمع في مغنم كبير أو صغير , فحرّموا الريّ على الطفل الظامئ


الصفحة (159)

العليل وأرسلوا إلى أحشائه السهام بديلاً من الماء ، وقتلوا مَن لا غرض في قتله وروعوا مَن لا مكرمة في ترويعه . . . فربما خرج الطفل من الأخبية ناظراً وجلاً لا يفقه ما يجري حوله ، فينقضّ الفارس الرامح فوق فرسه ويطعنه الطعنة القاضية بمرأى من الاُمّ والاُخت ، والعمّة والقريبة ، ولم تكن في الذي حدث من هذا القبيل مبالغة يزعمونها كما زعم اُجراء الذمم بعد ذلك عن حوادث كربلاء وجرائر كربلاء , فقد قُتل فعلاً في كربلاء كلّ كبير وصغير من سلالة عليّ رضي الله عنه ، ولم ينج من ذكورهم غير الصبي عليّ زين العابدين ، وفي ذلك يقول سراقة الباهلي :

 عينُ  جودي بعبرةٍ iiوعويلِ      واندُبي ما ندبتِ آلَ الرسولِ
سـبعةٌ  منهمُ لِصُلبِ iiعليٍّ       قـد  اُبـيدوا وسبعةٌ iiلعقيلِ

وما نجا عليّ زين العابدين إلاّ باُعجوبة من أعاجيب المقادير ؛ لأنّه كان مريضاً على حجور النساء يتوقعون له الموت هامة اليوم أو غد ، فلمّا همّ شمر بن ذي الجوشن بقتله ، نهاه عمر بن سعد عنه إمّا حياء من قرابة الرحم أمام النساء ـ وقد كان له نسب يجتمع به في عبد مُناف ـ وأمّا توقّعاً لموته من السقم المضني الذي كان يعانيه ، فنجا بهذه الاُعجوبة في لحظة عابرة ، وحُفظ به نسل الحُسين من بعده ، ولولا ذلك لباد .


الصفحة (160)

ثمّ قطعوا الرّؤوس ورفعوها أمامهم على الحراب ، وتركوا الجثث مُلقاة على الأرض لا يدفنونها ولا يصلّون عليها كما صلّوا على جثث قتلاهم . . . ومرّوا بالنّساء حواسر من طريقها فولولن باكيات , وصاحت زينب رضي الله عنها : يا مُحمّداه ! هذا الحُسين بالعراء ، وبناتك سبايا ، وذرّيّتك مقتّلة تسفي عليها الصبا . . . فوجم القوم مبهوتين وغلبت دموعهم قلوبهم , فبكى العدو كما بكى الصديق .

* * *

لم تنقض في ذلك اليوم خمسون سنة على انتقال النّبي مُحمّد (ص) من هذه الدُنيا إلى حظيرة الخلود , مُحمّد الذي برّ بدينهم ودُنياهم فلم يُنقل من الدُنيا حتّى نقلهم من الظُلمة إلى النور ، ومن حياة التيه في الصحراء إلى حياة عامرة يسودون بها اُمم العالمين .

ثمّ هذه خمسون سنة لم تنقضِ بعد ، وإذا هُم في موكب جهير يجوب الصحراء إلى مدينة بعد مدينة , سباياه بنات مُحمّد حواسر على المطايا ، وأعلامه رؤوس أبنائه على الحراب ، وهُم داخلون به دخول الظافرين .

وبقيت الجثث حيث نبذوها بالعراء تسفي عليها الصبا ، فخرج لها مع الليل جماعة من بني أسد كانوا ينزلون بتلك الأنحاء . . .


الصفحة (161)

فلمّا أمنوا العيون بعد يوم أو يومين , سروا مع القمراء إلى حيث طلعت بهم على منظر لا يطلع القمر على مثله ـ شرفاً ولا وحشة ـ في الآباد بعد الآباد . . .

وكان يوم المقتل في العاشر من المُحرّم ، فكان القمر في تلك الليلة على وشك التمام ، فحفروا القبور على ضوئه ، وصلّوا على الجثث ودفنوها ، ثمّ غادروها هُناك في ذمّة التاريخ , فهي اليوم مزار يطيف به المُسلمون متّفقين ومختلفين ، ومن حقّه أن يطيف به كلّ إنسان ؛ لأنّه عنوان قائم لأقدس ما يشرّف به هذا الحي الآدمي بين سائر الأحياء .

فما أظلّت قبّة السّماء مكاناً لشهيد قط هو أشرف من تلك القباب بما حوته من معنى الشّهادة وذكرى الشُهداء . . .


الصفحة (162)


الصفحة (163)

موطن الرّأس

اتفقت الأقوال في مدفن جسد الحُسين (عليه السّلام) ، وتعددت أيما تعدد في موطن الرأس الشّريف ، فمنها : أنّ الرأس قد اُعيد بعد فترة إلى كربلاء فدُفن مع الجسد فيها ، ومنها : أنّه اُرسل إلى عمرو بن سعيد بن العاص وإلي يزيد على المدينة ، فدفنه بالبقيع عند قبر اُمّه فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، ومنها : أنّه وجد بخزانة ليزيد بن معاوية بعد موته ، فدُفن بدمشق عند باب الفراديس ، ومنها : أنّه كان قد طيف به في البلاد حتّى وصل إلى عسقلان ، فدفنه أميرها هُناك وبقي بها حتّى استولى عليها الافرنج في الحروب الصليبية . . . فبذل لهم الصالح طلائع ـ وزير الفاطميين بمصر ـ ثلاثين ألف درهم على أن ينقله إلى القاهرة حيث دُفن بمشهده المشهور .

قال الشّعراني في طبقات


الصفحة (164)

الأولياء : إنّ الوزير صالح طلائع بن رزيك خرج هو وعسكره حفاة إلى الصالحية ، فتلقى الرأس الشّريف ووضعه في كيس من الحرير الأخضر على كرسي من الأبنوس وفرش تحته المسك والعنبر والطيب ، ودفن في المشهد الحُسيني قريباً من خان الخليلي في القبر المعروف .

وقال السائح الهروي في الإشارات إلى أماكن الزيارات : وبها ـ أي عسقلان ـ مشهد الحُسين (رضي الله عنه) ، كان رأسه بها ، فلمّا أخذتها الفرنج نقله المُسلمون إلى مدينة القاهرة سنة تسع وأربعين وخمسمئة .

وفي رحلة ابن بطوطة : أنّه سافر إلى عسقلان وبه المشهد الشهير حيث كان رأس الحُسين بن علي (عليه السّلام) ، قبل أن يُنقل إلى القاهرة .

وذكر سبط بن الجوزي فيما ذكر من الأقوال المتعددة : أنّ الرأس بمسجد الرّقة على الفُرات ، وأنّه لمّا جيء به بين يدي يزيد بن معاوية قال : لأبعثنّه إلى آل أبي معيط عن رأس عثمان . وكانوا بالرّقة ، فدفنوه في بعض دورهم , ثمّ دخلت تلك الدار بالمسجد الجامع ، وهو إلى جانب سوره هُناك .

فالأماكن التي ذكرت بهذا الصدد ستّة في ست مُدن هي : المدينة ، وكربلاء ، والرّقة ، ودمشق ، وعسقلان ، والقاهرة ، وهي تدخل في بلاد الحجاز والعراق والشّام وبيت المقدس والديار المصرية , وتكاد


الصفحة (165)

تشتمل على مداخل العالم الإسلامي كلّه من وراء تلك الأقطار ، فإن لم تكن هي الأماكن التي دُفن فيها رأس الحُسين فهي الأماكن التي تحيا بها ذكراه لا مراء .

وللتاريخ اختلافات كثيرة نسميها بالاختلافات اللفظية أو العرضية ؛ لأنّ نتيجتها الجوهرية سواء بين جميع الأقوال ، ومنها الاختلاف على مدفن رأس الحُسين (عليه السّلام) . فأيّاً كان الموضع الذي دُفن به ذلك الرأس الشّريف ، فهو في كلّ موضع أهل للتعظيم والتشريف .

وإنّما أصبح الحُسين ـ بكرامة الشّهادة وكرامة البطولة وكرامة الاُسرة النّبويّة ـ معنى يحضره الرجل في صدره وهو قريب أو بعيد من قبره , وأنّ هذا المعنى لفي القاهرة ، وفي عسقلان ، وفي دمشق ، وفي الرّقة ، وفي كربلاء ، وفي المدينة ، وفي غير تلك الأماكن سواء .

وقاحة ابن زياد :

فالمتواتر الموافق لسير الاُمور أنّهم حملوا الرؤوس والنساء إلى الكوفة ، فأمر ابن زياد أن يُطاف بها في أحياء الكوفة ثمّ تُرسل إلى يزيد . وكانت فعلة يدارونها بالتوقّح فيها على سنّة المأخوذ الذي لا يملك


الصفحة (166)

مداراة ما فعل . فبات خولّي بن يزيد ليلته بالرأس في بيته ، وهو يمني نفسه بغنى الدهر كما قال , فأقسمت امرأة له حضرمية : لا يجمع رأسها ورأسه بيت وفيه رأس ابن رسول الله .

ثمّ غدا إلى قصر ابن زياد وكان عنده زيد بن أرقم ـ من أصحاب رسول الله ـ فرآه ينكث ثنايا الرأس حين وضع أمامه في أجانة ، فصاح به مغضباً : ارفع قضيبك عن هاتين الثنيتين ، فوالذي لا إله غيره ، لقد رأيت شفتي رسول الله على هاتين الشفتين يقبّلهما . . . وبكى .

فهزئ به ابن زياد وقال له : لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك ، لضربت عنقك . فخرج زيد وهو يُنادي في النّاس ، غير حافل بشيء : أنتم معشر العرب العبيد بعد اليوم . . . قتلتم ابن فاطمة وآثرتم ابن مرجانة ، فهو يقتل شراركم ويستعبد خياركم .

واُدخلت السّيدة زينب بنت عليّ (رضي الله عنها) ، وعليها أرذل ثيابها ، ومعها عيال الحُسين وإماؤها ، فجلست ناحية لا تتكلم ولا تنظر إلى ما أمامها , فسأل ابن زياد : مَن هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها ؟


الصفحة (167)

فلم تجبه , فأعاد سؤاله ثلاثاً وهي لا تجيبه ، ثمّ أجابت عنها إحدى الإماء : هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فاجترأ ابن زياد قائلاً : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأبطل أحدوثتكم .

وقد كانت زينب (رضي الله عنها) حقّاً جديرة بنسبها الشّريف في تلك الرحلة الفاجعة التي تهدّ عزائم الرجال . . . كانت كأشجع وأرفع ما تكون حفيدة مُحمّد وبنت عليّ وأخت الحُسين , وكُتب لها أن تحفظ بشجاعتها وتضحيتها بقية العقب الحُسيني من الذكور . . . ولولاها لانقرض من يوم كربلاء . . . فلم تمهل ابن زياد أن ثارت به قائلة : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يُفضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا والحمد لله .

فقال ابن زياد : قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعُصاة . فغلبها الحزن والغيظ من هذا التشفّي الذي لا ناصر لها منه ، وقالت : لقد قتلت كهلي ، وأبدت أهلي ، وقطعت فرعي واجتثثت


الصفحة (168)

أصلي ، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت .

فتهاتف ابن زياد ساخراً وقال : هذه سجّاعة . . . لعمري , لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً . فقالت زينب : إنّ لي عن السّجاعة لشغلاً . . . ما للمرأة والسّجاعة !

عليّ زين العابدين (ع)

ثمّ نظر ابن زياد إلى غلام عليل هزيل مع السيّدة زينب فسأله : مَن أنت ؟ قال : (( عليّ بن الحُسين )) . قال : أو لم يقتل الله عليّ بن الحُسين ؟ قال : (( كان لي أخ يُسمى عليّاً قتله النّاس )) .

فأعاد ابن زياد قوله : الله قتله . فقال عليّ : (( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا(1) . وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ(2) )) .

فأخذت زياداً عزّة الإثم وانتهره قائلاً : وبك جرأة لجوابي ؟!

ــــــــــــــ
(1) سورة الزمر / 42 .
(2) سورة آل عمران / 145 .

الصفحة (169)

وصاح الخبيث الأثيم بجنده : اذهبوا به فاضربوا عُنقه .

فجاشت بعمّة الغلام قوّة لا يردّها سلطان ، ولا يرهبها سلاح ؛ لأنّها قوّة مَن هان لديه الموت وهانت عليه الحياة ، فاعتنقت الغلام اعتناق مَن اعتزم ألاّ يفارقه إلاّ وهو جثة هامدة ، وأقسمت لئن قتلته لتقتلني معه , فارتدّ ابن زياد مشدوهاً وهو يقول متعجباً : يا للرحم ! إنّي لأظنها ودّت أنّي قتلتها معه . ثمّ قال : دعوه لما به . . . كأنّه حسب أنّ العلّة قاضية عليه .

وعليّ هذا هو زين العابدين جدّ كلّ منتسب إلى الحُسين (عليهما السّلام) ، وكان كما قال ابن سعد في الطبقات : ثقة كثير الحديث عالياً رفيعاً ورعاً . وكما قال يحيى بن سعيد : أفضل هاشمي رأيته في المدينة . . . ولولا استماتة عمّته ـ كما ترى ـ لقد كادت تذهب بهذه البقية الباقية كلمة على شفتي ابن زياد

الرّأس عند يزيد :

ولمّا قضى الخبيث نهمة كيده من الطواف برأس الحُسين في الكوفة وأرباضها ، أنفذه ورؤوس أصحابه إلى دمشق مرفوعة على الرّماح ، ثمّ أرسل النّساء والصبيان على الأقتاب ، وفي الكرب عليّ زين العابدين مغلول إلى عنقه يقوده شمر بن ذي الجوشن ومحضر بن ثعلبة . . . فتلاحق


الصفحة (170)

الركبان في الطريق ودخلا الشّام معاً إلى يزيد .

وتكرر منظر القصر بالكوفة في قصر دمشق عند يزيد . . . ولا نستغرب أن يتكرر بعضه حتّى يظنّ أنّه قد وقع في التاريخ خلط بين المنظرين ؛ لأنّ المناسبة في هذا المقام تستوحي ضرباً واحداً من التعقيب وضرباً واحداً من الحوار . . .

فارتاع مَن بمجلس يزيد من نبأ المقتلة في كربلاء حين بلغتهم ، وقال يحيى بن الحكم ـ وهو من الاُمويّين ـ :

لـهامٌ  بـجنبِ الـطفِّ أدنـى iiقرابةً      من ابنِ زياد الوغلِ ذي الحسبِ الوغلِ
سُـميّةُ  أمـسى نـسلُها عدد iiالحصى      وبـنتُ  رسـول الله ليستْ بذي iiنسلِ

فأسكته يزيد . . . وقال وهو يشير إلى الرأس وينكث ثناياه بقضيب في يده : أتدرون من أين اُتي هذا ؟ إنّه قال : أبي عليّ خير من أبيه , واُمّي فاطمة خير من اُمّه ، وجدّي رسول الله خير من جدّه , وأنا خير منه وأحقّ بهذا الأمر . . .

فأمّا أبوه فقد تحاج أبي وأبوه إلى الله وعلم النّاس أيّهما حُكم له ؛ وأمّا اُمّه فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من اُمّي ؛ وأمّا جدّه فلَعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلاً ولا ندّاً ، ولكنّه اُتي من قبل فقهه ولم يقرأ : ( قُلْ اللَّهُمَّ


الصفحة (171)

مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ . . . )(1) .

وهو كلام يُنسب مثله إلى معاوية في ردّه على حجج عليّ في الخلافة . . . ولعلّ يزيد قد استعاره من كلام أبيه وزاد عليه .

ونظر بعض أهل الشّام إلى السيّدة فاطمة بنت الحُسين ـ وكانت جارية وضيئة ـ فقال ليزيد : هَب لي هذه . فأرعدت وأخذت بثياب عمّتها . . . فكان لعمّتها في الذود عنها موقف كموقفها بقصر الكوفة ، ذياداً عن أخيها زين العابدين ، وصاحت بالرجل : كذبت ولؤمت ، ما ذلك لك ولا له . فتغيّظ يزيد وقال : كذبت ، إنّ ذلك لي ، ولو شئت لفعلت . قالت : كلاّ والله ، ما جعل الله لك ذلك ، إلاّ أنْ تخرج من ملّتنا وتدين بغير ديننا .

فاشتدّ غيظ يزيد وصاح بها : إيّاي تستقبلين بهذا ؟! إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك . قالت : بدين الله ودين أبي وأخي وجدّي اهتديت أنت وأبوك وجدّك . فلم يجد جواباً غير أن يقول : بل كذبت يا عدوة الله . فقالت : أنت أمير تشتم ظالماً ، وتقهر بسلطانك .

فأطرق وسكت . . .

ــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 26 .

الصفحة (172)

واُدخل عليّ بن الحُسين مغلولاً ، فأمر يزيد بفكّ غلّه وقال له : إيه يابن الحُسين . . . أبوك قطع رحمي وجهل حقّي ونازعني سُلطاني ، فصنع الله به ما رأيت .

قال عليّ : (( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ(1) )) . فتلا يزيد الآية : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ )(2) . ثمّ زوى وجهه وترك خطابه .

وكان لقاء نساء يزيد خيراً من لقائه ؛ فواسين السيّدة زينب والسيّدة فاطمة ومن معهما ، وجعلن يسألنهن عمّا سلبنه بكربلاء فيرددن إليهن مثله وزيادة عليه . وأحبّ يزيد أن يستدرك بعض ما فاته ، فلجأ إلى النعمان بن بشير واليه الذي عزله من الكوفة لرفقه بدعاة الحُسين . . . وأمره أن يُسيّر آل الحُسين إلى المدينة ويُجهّزهم بما يصلحهم .

وقيل : إنّه ودّع زين العابدين ، وقال له : لعن الله ابن مرجانة . . . أما والله ، لو أنّي صاحب أبيك ما سألني خصلة أبداً إلاّ أعطيته إيّاها ، ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي , ولكنّ الله قضى ما رأيت . يا بُني ، كاتبني من المدينة ، وأنّه إليَّ كلّ حاجة تكون لك .

ــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحديد / 22 - 23 .
(2) سورة الشّورى / 30 .

الصفحة (173)

تبعة يزيد :

والنّاس في تقدير التبعة التي تصيب يزيد من عمل ولاته مشارب وأهواء ، يرجع كلّ منهم إلى مصدر من مصادر الرواية فيبني عليه حكمه .

فمنهم مَن يرى أنّه بريء من التبعة كلّ البراءة ، ومنهم مَن يرى أنّه أقرّ فعلة ابن زياد ثمّ ندم عليها ، ومنهم مَن يقول أنّه قد أمر بكلّ ما اقترفه ابن زياد وتوقّع حدوثه ولم يمنعه وهو مستطيع أن يمنعه لو شاء .

والثابت الذي لا جدال فيه ، إن يزيداً لم يعاقب أحداً من ولاته كبر أو صغر على شيء ممّا اقترفوه في فاجعة كربلاء ، وأنّ سياسته في دولته بعد ذلك كانت هي سياسة اُولئك الولاة على وتيرة واحدة ممّا حدث في كربلاء ، فاستباحة المدينة ـ دار النّبي (ص) ـ ، وتحكيم مسلم بن عقبة في رجالها ونسائها ، ليست بعمل رجل ينكر سياسة كربلاء بفكره وقلبه ، أو سياسة رجل تجري هذه الحوادث على نقيض تدبيره وشعوره .

وما زال يزيد وأخلافه يأمرون النّاس بلعن عليّ والحُسين وآلهما على المنابر في أرجاء الدولة الإسلاميّة ، ويستفتون مَن يفتيهم بإهدار دمهم وصواب عقابهم بما أصابهم . ومَن تجب لعنته على المنابر بعد موته بسنين ، فقتله جائز أو واجب في رأي لاعنيه .

ومَن أفرط في سوء الظن ، رجح عنده أنّ عبيد الله بن زياد كان على


الصفحة (174)

إذن مستور بكلّ ما صنع ، ويملي لهم في هذا الظن , أنّ استئصال ذرّيّة الحُسين من الذكور خطة تهمّ يزيد لوراثة المُلك في بيته وعقبه ، ويفيده أن يقدم عليها مستتراً من وراء ولاته ثمّ ينصل منها ويلقي بتبعتها عليهم , ولو لم يكن ذلك لكان عجيباً أنْ توكل حياة الحُسين وأبنائه وآله إلى والي الكوفة بغير توجيه من سيده ومولاه . . . فقد كان الزمن الذي انقضى منذ خروج الحُسين من مكّة إلى نزوله بالطفّ على الفُرات , كافياً لبلوغ الخبر إلى يزيد ورجوع الرّسل بالتوجيه الضروري في هذا الموقف لوالي الكوفة وغيره من الولاة ، فإن لم يكن الأمر تدبيراً متّفقاً عليه فهو المساءة التي تلي ذلك التدبير في السوء والشناعة ، وهي مساءة التهاون الذي لا تستقيم على مثله شئون دولة .

وقد روى ابن شريح اليشكري : أنّ عبيد الله صارحه بعد موت يزيد فقال : أمّا قتلي الحُسين , فإنّه أشار إليَّ يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله . وهو كلام متّهم لا تقوم به حجّة على غائب قضى نحبه . . .

ويبدو لنا أنّ الظنّ بتهاون يزيد هُنا أقرب إلى الظنّ بإيعازه وتدبيره ؛ لأنّه جرى عليه طوال حكمه وألقى حبل ولاته على غاربهم وهو لاهٍ بصيده وعبثه ، وأنّه ربما ارتاح في سريرته بادئ الأمر إلى فعلة ابن زياد وأعوانه ، ولكنّه ما عتم أن رأى بوادر العواقب توشك أنْ تطبق عليه بالوبال من كلّ جانب ، حتّى تيقّظ من غفلته بعد فوات الوقت فعمد إلى المحاسنة والاستدراك جهد ما استطاع ، ولم يكن في


الصفحة (175)

يقظته على هذا معتصماً بالحكمة والسّداد .

ولقد رأى البوادر منه غير بعيد ، ولمّا تنقض ساعة على ذيوع الخبر في بيته قبل عاصمة ملكه . . . فنعى ابن الحكم فعلة ابن زياد ، وناح نساؤه مشفقات من هول ما سمعن ورأين ، وبكى ابنه الورع الصالح معاوية , فكان يقول إذا سُئل : نبكي على بني اُميّة لا على الماضين من بني هاشم . ومهما تكن غفلة يزيد ، فما أحد قط يلمح تلك البوادر ثمّ يجهل أنّها ضربة هوجاء لن تذهب بغير جريرة ، ولن تهون جريرتها في الحاضر القريب ولا في الآتي البعيد .

والواقع أنّها قد استتبعت بعدها جرائر شتّى لا جريرة واحدة ، وما تنقضي جرائرها إلى اليوم . . . فلم تنقض سنتان حتّى كانت المدينة في ثورة حنق جارف يقتلع السدود ويخترق الحدود ؛ لأنّهم حملوا إليها خبر الحُسين محمل التشهير والشماتة , وضحك واليهم عمرو بن سعيد حين سمع أصوات البكاء والصراخ من بيوت آل النّبي ، فكان يتمثّل قول عمرو بن معد يكرب :

عجّتْ نساءُ بني زيادٍ عجّةً      كعجيجِ نسوتِنا غداةَ الأرنبِ


الصفحة (176)

وكانت بنت عقيل بن أبي طالب تخرج في نسائها حاسرة وتنشد :

مـاذا  تـقولونَ إنْ قال النّبيُّ iiلكُمْ      مـاذا فـعلتُمْ وأنـتم آخـر iiالاُممِ
بـعترتي  وبـأهلي بـعد iiمُفتَقدي      مـنهُمْ أسارى ومنهمْ ضُرّجوا iiبدمِ
ما كان هذا جزائي إذ نصحتُ iiلكُمْ      أنْ تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي

فكان الاُمويّون يجيبون بمثل تلك الشماتة ، ويقولون كما قال عمرو بن سعيد : ناعية كناعية عثمان .

ولا موضع للشماتة هُنا بالحُسين ؛ لأنّه قد اُصيب على باب عثمان وهو يذود عنه ويجتهد في سقيه وسقي آل بيته . . . ولكنّها شماتة هوجاء لا تعقل ما تصنع ولا ما تقول .

ثورة المدينة :

وللقدر المتاح لجّت بالولاة الاُمويّين رغبتهم في تلفيق المظاهرات الحجازية ، فلم يرعوا ما بأهل المدينة من الحزن اللاعج والأسى الدفين , وجعلوا همهم كلّه أنْ يكرهوا القوم على نسيان خطب الحُسين واصطناع الولاء المغتصب ليزيد , فحملوا إلى دمشق وفداً من أشراف


الصفحة (177)

المدينة لم يلبثوا أنْ عادوا إليها منكرين لحكم يزيد مجمعين على خلع بيعته ، وراحوا يقولون لأهل المدينة : إنّا قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ، ويضرب بالطنابير ، ويعزف عنده القيان ، ويلعب بالكلاب ، ويسمر عنده الخراب .

وقال رئيسهم عبد الله بن حنظلة الأنصاري ـ وهو ثقة عند القوم لصلاحه وزهده ـ : لو لم أجد إلاّ بنيّ هؤلاء ـ وكان له ثمانية بنين ـ لجاهدت بهم , وقد أعطاني وما قبلت عطاءه إلاّ لأتقوّى به .

والتهبت نار الثورة بالألم المكظوم والدعوة الموصولة , فأخرج المدنيون والي يزيد وجميع مَن بالمدينة من الاُمويّين ومواليهم ، وأعلنوا خلعهم للبيعة . . . وصدق ابن حنظلة النيّة ، فكان يقدّم بنيه واحداً بعد واحد حتّى قُتلوا جميعاً وقُتل بعدهم ؛ أنفة من حياة يسام فيها الطاعة ليزيد وولاته .

 وبدا في ثورة المدينة أنّ يزيد لم يستفد كثيراً ولا قليلاً من عبرة كربلاء ؛ لأنّه سلّط على أهلها رجلاً لا يقلّ في لؤمه وغلّه وسوء دخلته ، وولعه بالشر والتعذيب ، وعبثه بالتقتيل والتمثيل ، عن عبيد الله بن زياد ، وهو مسلم بن عقبة المري . فأمره أن يسوم الثائرين البيعة بشرطه ، وأن يستبيح مدينتهم ثلاثة أيّام إنْ لم يبادروا إلى طاعته ، وكان شرطه


الصفحة (178)

الذي سامهم إيّاه بعد اقتحام المدينة وانقضاء الأيّام الثلاثة التي انتظر فيها طاعتهم : إنّهم يبايعون أمير المؤمنين على أنّهم خول له , يحكم في دمائهم وأموالهم ما شاء .

وإذا كان شيء أثقل على النّفوس من هذا الشّرط ، وأقبح في الظلم من استباحة الأرواح والأعراض في جوار قبر النّبي (ص) . . . فذاك هو ولاية هذا النكال بيد مجرم مفطور على الغل والضغينة مثل مُسلم بن عقبة ، كأنّه يلقي على النّاس وزر ؛ مرض النفس ومرض الجسد ومرض الدم الذي أبلاه ، ولم يبل ما في طويته من رجس ومكيدة , فاستعرض أهل المدينة بالسّيف جزراً كما يجزر القصاب الغنم ، حتّى ساخت الأقدام في الدم , وقتل أبناء المهاجرين والأنصار .

وأوقع ـ كما قال ابن كثير ـ من المفاسد العظيمة في المدينة النّبويّة ما لا يحد ولا يوصف . . . ولم يكفه أن يسفك الدماء ويهتك الأعراض حتّى يلتذّ بإثارة الآمال والمخاوف في نفوس صرعاه قبل عرضهم على السيف ، فلمّا جاؤوه بمعقل بن سنان ـ صاحب رسول الله ـ هشّ له وتلقّاه بما يطمعه ، ثمّ سأله : أعطشت يا معقل ؟ حوصوا له شربة من سويق اللوز الذي زودنا به أمير المؤمنين . فلمّا شربها قال له : أما والله ، لا تبولها من مثانتك أبداً . . . وأمر بضرب عنقه .

ويروي ابن قتيبة : أنّ عدد مَن قُتل من الأنصار والمهاجرين والوجوه

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى