الحسين أبو الشهداء

 
 

الصفحة (179)

ألف وسبعمئة ، وسائرهم من النّاس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان .

وحادث واحد من حوادث التمثيل والاستباحة يدلّ على سائر الحوادث من أمثاله . . . دخل رجل من جند مُسلم بن عقبة على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها , فقال : هل من مال ؟ قالت : لا والله , ما تركوا لنا شيئاً . قال : والله , لتخرجنّ إليَّ شيئاً أو لأقتلنّك وصبيك هذا . فقالت له : ويحك ! إنّه ولد ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله . فأخذ برجلِ الصبي والثدي في فمه ، فجذبه من حجرها فضرب به الحائط فانتثر دماغه على الأرض .

وهو مثل من أمثال قد تكررت بعدد تلك البيوت التي قتل فيها اُولئك الألوف من النّسوة والأطفال ، والآباء والاُمّهات . . . وقد مات هذا السّفاح وهو في طريقه إلى مكّة يهمّ بأن يعيد بها ما بدأ بالمدينة . . . فدُفن في الطريق وتعقّبه بعض الموتورين من أهل المدينة فنبشوا قبره وأحرقوه .

جريرة العدل :

ولم تنقض سنوات أربع على يوم كربلاء حتّى كان يزيد قد قضى نحبه ، ونجمت بالكوفة جريرة العدل التي حاقت بكلّ مَن مدّ يداً إلى الحُسين وذويه . . .


الصفحة (180)

فسلط الله على قاتلي الحُسين كفؤاً لهم في النقمة والنكال , يفلّ حديدهم بحديده ويكيل لهم بالكيل الذي يعرفونه , وهو المُختار بن أبي عبيد الثقفي داعية التوابين من طلاب ثأر الحُسين , فأهاب بأهل الكوفة أن يكفّروا عن تقصيرهم في نصرته ، وأن يتعاهدوا على الأخذ بثأره فلا يبقين من قاتليه أحد ينعم بالحياة ، وهو دفين مذال القبر في العراء . . .

فلم ينجُ عبيد الله بن زياد ، ولا عمرو بن سعد ، ولا شمر بن ذي الجوشن ، ولا الحصين بن نمير ، ولا خولّي بن يزيد ، ولا أحد ممّن اُحصيت عليهم ضربة أو كلمة ، أو مدّوا أيديهم بالسلب والمهانة إلى الموتى أو الأحياء .

وبالغ في النقمة فقتل وأحرق ومزّق وهدم الدور وتعقّب الهاربين ، وجوزي كلّ قاتل أو ضارب أو ناهب بكفاء عمله ؛ فقُتل عبيد الله واُحرق ، وقُتل شمر بن ذي الجوشن واُلقيت أشلاؤه للكلاب ، ومات مئات من رؤسائهم بهذه المثلات , وألوف من جندهم وأتباعهم مغرقين في النهر أو مطاردين إلى حيث لا وزر لهم ولا شفاعة . . . فكان بلاؤهم بالمختار عدلاً لا رحمة فيه ، وما نحسب قسوة بالآثمين سلمت من اللوم أو بلغت من العذر ما بلغته قسوة المختار .

ولحقت الجريرة الثالثة بأعقاب الجريرة الثانية في مدى سنوات معدودات . . .


الصفحة (181)

فصمد الحجاز في ثورته أو في تنكره لبني اُميّة إلى أيّام عبد الملك بن مروان ، وكان أخرج الفريقين من سبق إلى أحرج العملين . وأحرج العملين ذاك الذي دفع إليه ـ أو اندفع إليه ـ الحجاج عامل عبد الملك . . . فنصب المنجنيق على جبال مكّة ، ورمى الكعبة بالحجارة والنيران فهدمها , وعفى على ما تركه منها جنود يزيد بن معاوية , فقد كان قائده الذي خلّف مُسلم بن عقبة وذهب لحصار مكّة أوّل مَن نصب لها المنجنيق وتصدى لها بالهدم والإحراق .

وما زالت الجرائر تتلاحق حتّى تقوض من وطأتها ملك بني اُميّة ، وخرج لهم السّفاح الأكبر وأعوانه في دولة بني العبّاس . . . فعمّوا بنقمتهم الأحياء والموتى ، وهدموا الدور ، ونبشوا القبور ، وذكر المنكوبون بالرّحمة فتكات المختار بن أبي عبيد ، وتجاوز الثأر كلّ مدى خطر على بال هاشم واُميّة يوم مصرع الحُسين (ع) .

لقد كانت ضربة كربلاء ، وضربة المدينة ، وضربة البيت الحرام ، أقوى ضربات اُميّة لتمكين سلطانهم وتثبيت بنيانهم وتغليب ملكهم على المنكرين والمنازعين . . . فلم ينتصر عليهم المنكرون والمنازعون بشيء كما انتصروا عليهم بضربات أيديهم ولم يذهبوا بها ضاربين حقبة حتّى ذهبوا بها مضروبين إلى آخر الزمان .

وتلك جريرة يوم واحد هو يوم كربلاء . . . فإذا بالدولة العريضة تذهب في عمر رجل واحد مديد الأيّام ، وإذا بالغالب في يوم كربلاء أخسر من المغلوب إذا وضعت الأعمار المنزوعة في الكفتين . . .


الصفحة (182)


الصفحة (183)

نهاية المطاف

مَن الظافِر ؟

غبن أن يفوت الإنسان جزاؤه الحقّ على عمله وخُلقه . . . وأثقل منه في الغبن أن ينقلب الأمر فيُجزى المُحسن بالإساءة ، ويُجزى المسيء بالإحسان .

وقد تواضع النّاس منذ كانوا على معنى للتاريخ والأخلاق ، ووجهة للشريعة والدين . . . والجزاء الحقّ هو الوجهة الواحدة التي تلتقي فيها كلّ هذه المقاصد الرفيعة . . . فإذا بطل الجزاء اُلحق ففي بطلانه الإخلال كلّ الإخلال بمعنى التاريخ والأخلاق ، ولباب الشرائع والأديان , وفيه حكم على الحياة بالعبث وعلى العقل الإنساني بالتشويه والخسار .

والجزاء الحقّ غرض مقصود لذاته يحرص عليه العقل الإنساني كرامة لنفسه ويقيناً من صحته وحسن أدائه ، كالنّظر الصحيح نحسبه


الصفحة (184)

هو غرضاً للبصر يرتاح إلى تحقيقه ويحزن لفواته وإن لم يكن وراء ذلك ثواب أو عقاب ؛ لأنّ النّظر الصحيح سلامة محبوبة والإخلال به داء كريه .

ولا يستهدف هذا القسطاس المستقيم لمحنة من محنه التي تزري بكرامة العقل الإنساني ، كاستهدافه لها وهو في مصطدم التضحية والمنافع ، أو في الصراع بين الشُهداء وأصحاب الطمع والحيلة . . . ففي هذا المصطدم يبدو للنظرة الأولى أنّ الرجل قد أضاع كلّّ شيء وانهزم ، وهو في الحقيقة غانم ضافر .

ويبدو لنا أنّه قد ربح كلّ شيء وانتصر وهو في الحقيقة خاسر مهزوم ؛ ومن هُنا يدخل التاريخ ألزم مداخله وأبينها عن قيمة البحث فيه ؛ لأنّه المدخل الذي يفضي إلى الجزاء الحقّ والنتيجة الحقّة ، وينتهي بكلّ عامل أفلح أو أخفق في ظاهر الأمر إلى نهاية مطافه وغاية مسماه في الأمد الطويل .

وقد ظفر التاريخ في الصراع بين الحُسين بن عليّ ويزيد بن معاوية بميزان من أصدق الموازين التي تُتاح لتمحيص الجزاء الحقّ في أعمال الشُهداء وأصحاب الطمع والحيلة ، فقلّما تُتاح في أخبار الاُمم شرقاً أو غرباً عبرة


الصفحة (185)

كهذه العبرة بوضوح معالمها أو أشواطها ، وفي تقابل النصر والهزيمة فيها بين الطوالع والخواتم ، على اختلاف معارض النصر والهزيمة . . . فيزيد في يوم كربلاء هو صاحب النصر المؤزّر الذي لا يشوبه خذلان ، وحُسين في ذلك اليوم هو المخذول الذي لم يطمح خاذله من وراء الظفر به إلى مزيد . . . ثمّ تنقلب الآية أيما انقلاب ، ويقوم الميزان ، فلا يختلف عارفان بين كفّة الرّجحان وكفّة الخسران . . . وهذا الذي قصدنا إلى تبيينه وجلائه بتسطير هذه الفصول .

* * *

وما من عبرة أولى من هذه بالتبيين والجلاء لدارس التاريخ ودارس الحياة وطالب المعنى البعيد في أطوار هذا الوجود .

ولسنا نقول إنّ الصراع بين الحُسين ويزيد مثل جامع لكلّ ألوان الصراع بين الشّهادة والمنفعة أو بين الإيمان والمآرب الأرضية ؛ فإنّ لهذا الصراع لألواناً تتعدّد ولا تتكرر على هذا المثال ، وإنّ له لَعناصر لم تجتمع


الصفحة (186)

كلّها في طرفي الخصومة بين الرّجلين ، وأشواطاً لم تتخذ الطريق الذي اتخذته هذه الخصومة في البداية أو النّهاية .

ولسنا نقول إنّ الصراع بين الحُسين ويزيد مثل جامع لكلّ ألوان الصراع وتفرّدها بارزة ماثلة للتأمل والتعقيب ، وهي أنّ مسألة الحُسين ويزيد قد كانت صراعاً بين خلقين خالدين ، وقد كانت جولة من جولات هذين الخلقين اللذين تجاولا أحقاباً غابرات ، ولا يزالان يتجاولان فيما يلي من الأحقاب ، وقد أسفرا عن نتيجة فاصلة ينفرد لها مكان معروف بين سائر الجولات ، وليست جولة اُخرى منهن بأحقّ منها بالتعليق والتصديق .

ووجهتنا من هذه العبرة أن يُعطى كلّ خُلق من أخلاق العاملين حقّه بمعيار لا غبن فيه ، فإذا سعى أحد بالحيلة فخدع النّاس وبلغ مأربه فليكن ذلك مغنمه وكفى ، ولا ينفعه ذلك في استلاب السمعة المحبوبة والعطف الخالص والثناء الرفيع . . . وإذا خسر أحد حياته في سبيل إيمانه فلتكن تلك خسارته وكفى ، ولا ينكب فوق ذلك بخسارة في السمعة والعطف والثناء .

فلو جاز هذا لكان العطف الإنساني أزيف ما عرفناه في هذه الدُنيا من الزيوف ؛ لأنّ خديعة واحدة تشتريه وتستبقيه , وما من زيف في


الصفحة (187)

العروض الاُخرى إلاّ وهو ينطلي يوماً وينكشف بقية الأيّام .

* * *

وإذا كان احتيال الإنسان لنفسه معطيه كلّ ما تهبه الدُنيا من غنم النفع والمحبّة والثناء ، فقد ربح المحتالون وخسر نوع الإنسان ، وإذا كانت خسارة المرء في سبيل إيمانه تجمع عليه كلّ خسارة ، فالأحمق الفاشل من يطلب الخير للناس ويغفل عن نفسه في طلابه .

فكفى الواصل ما وصل إليه . . . وكثير عليه أن يطمع عند الخلف والسلف فيما ادخرته الإنسانيّة من الثناء والعطف لِمن يكرمونها بفضيلة الشّهادة والتضحية ، ويخسرون . وهذا الفيصل العادل أعدل ما يكون فيما بين الحُسين ويزيد . . .

فإذا قيل : إنّ معاوية قد عمل وقد أفلح بالحيلة والدهاء ، فيزيد لم يعمل ولم يفلح بحيلة ولا دهاء ، ولكنّه ورث المنافع التي يشتري بها الأيدي والسّيوف ، فجال بها جولة رابحة في كفاح الضمائر والقلوب ، فينبغي ألاّ يربح بهذه الوسيلة ؛ فأمّا وقد ربح فينبغي أن يقف الرّبح عند ذاك ، وينبغي للعذر الكاذب والثناء المأجور ألاّ يحسبا على النّاس بحساب العذر الصادق والثناء الجميل .

وقد تزلّف إلى يزيد مَن يتزلفون إلى أصحاب المال والسُلطان ثمّ


الصفحة (188)

أخذوا اُجورهم ، فينبغي أن يقوم ذلك الثناء بقيمة تلك الاُجور وأن يكون ما قبضوه من أجرٍ غاية ما استحقوه إنْ كانوا مستحقيه ؛ أمّا أنّ يُضاف ثناء الخلود إلى صفقة اُولئك المأجورين ، فقد أصبح ثناء الخلود إذن صفقة بغير ثمن ، أو هو علاوة مضمونة على صفقة كلّ مأجور .

إنّ صاحب الثناء المبذول لا يسأل عن شيء غير العطاء المبذول ، ولكن التاريخ خليق أن يسأل عن أعمال وأقوال قبل أن يبذل ما لديه من ثناء . وليس في تاريخ يزيد عمل واحد صحيح أو مدعى ، ولا كلمة واحدة صحيحة أو مدعاة تقيمه ؛ بحيث أراده المأجورون من العذر الممهد والمدح المعقول ، أو تخوّله مكان الترجيح في الموازنة بينه وبين الحُسين . . .

كلّ أخطائه ثابتة عليه ، ومنها ـ بل كلّها ـ خطؤه في حقّ نفسه ودولته ورعاياه ، وليس له فضل واحد ثابت ولا كلمة واحدة مأثورة تنقض ما وصفه به ناقدوه وعائبوه ؛ فقد كانت له ندحة عن قتل الحُسين ، وكان يخدم نفسه ودولته لو أنّه استبقاه حيث يتقيه ويرعاه . . .

وكانت له ندحة عن ضرب الكعبة ، واستباحة المدينة ، وتسليط أمثال مُسلم بن عقبة وعبيد الله بن زياد على خلائق الله . وكانت له ندحة عن السمعة التي لصقت به ولم تلصق به افتراء ولا


الصفحة (189)

ادعاء كما يزعم صنائعه ومأجوروه ؛ لأنّ واصفيه بتلك السمعة لم يلصقوا مثلها بأبيه . . . ومَن كان حقّه في النعمة التي نعم بها مغتصباً ينتزعه عنوة ، لا يكن حقّه في الفضل والكرامة جزافاً لا حسيب عليه .

* * *

وتسديد العطف الإنساني هُنا فرض من أقدس الفروض على الناظرين في سير الغابرين ؛ لأنّ العطف الإنساني هو كلّ ما يملك التاريخ من جزاء ، وهو الثروة الوحيدة التي يحتفظ بها الخلود . . .

وإنّنا لندع الخطأ في سياسة النفعيين ، وننظر إليهم كأنّهم مصيبون في السّياسة بُصراء بمواقع التدبير . فعلى هذه الصفة ـ لو تمّت لهم ـ لا يحقّ لخادم زمانه أن ينازع الشُهداء في ذخيرة العطف الخالد ، وهُم خدام العقائد التي تتخطى حياة الأجيال كما تتخطى حياة الأفراد ؛ فإنّ حرمان الشُهداء حقّهم في عطف الأسلاف خطأ في الشّعور ، وخطأ كذلك في التفكير . . .

والنّاس خاسرون إذا بطل عطفهم على الشُهداء ، وليس قُصارى أمرهم أنّهم قُساة أو جاحدون ؛ لأنّ الشّهادة فضيلة تروح وتأتي وتكثر


الصفحة (190)

حيناً وتندر في غير ذلك من الأحيان . أمّا حبّ المنفعة فإن سميته فضيلة فهو من الفضائل التي لن تفارق الأحياء أجمعين ، من ناطقة وعجماء .

* * *

على أن الطبائع الآدمية قد أشربت حبّ الشُهداء والعطف عليهم وتقديس ذكرهم بغير تلقين ولا نصيحة ، وإنّما تنحرف عن سواء هذه السنّة لعوارض طارئة أو باقية تمنعها أن تستقيم معها , وأكثر ما تأتي هذه العوارض من تضليل المنفعة والهوى القريب ، أو من نكسة في الطبع تغريه بالضغن على كلّ خلق سوي وسجية سمحة محببة إلى النّاس عامّة ، أو من الأفراد في حبّ الدعة حتّى يجفل المرء من الشّهادات ؛ استهوالاً لتكاليفها واستعظاماً للقدوة بها ، فيتّهم الشُهداء بالهوج ويتعقب أعمالهم بالنقد ؛ لكيلا يتهم نفسه بالجبن والضعة ويستحقّ المذمة واللوم في رأي ضميره , وإن لم يتهمهم بالهوج ولم يتعقبهم بالنقد ، وقف من فضائلهم موقف ازورار وفتور ، وجنح إلى معذرة الآخرين والتفاهم بينه وبين مَن لا يستشهدون ، ثمّ يعارضون الشُهداء فيما يطمحون إليه .

ومعظم المؤرّخين الذين يُعارضون الشُهداء ودعاتهم لغير منفعة أو نكسة هُم من أصحاب الدعة المفرطة وأنصار السّلامة النّاجية ، ويغلب على هذه الخلّة أن تسلبهم ملكة التاريخ الصحيح أنّها تعرّضهم للخطأ في الحكم والتفكير ، كما تعرّضهم للخطأ في العطف والشّعور .


الصفحة (191)

ومن المعقبين على تاريخ هذه الفترة عندنا ـ في العربيّة ـ مؤرخ يُتخذ منه المثل لكلّ من العذر والعطف حين يصل الأمر إلى الاستشهاد كراهة للظلم ودرءاً للمنكرات ، وهو الأستاذ مُحمّد الخضري صاحب تاريخ الاُمم الإسلاميّة رحمه الله . . .

ففي تعقيبه على ثورة المدينة ـ التي قدّمنا الإشارة إليها ـ يقول : إنّ الإنسان ليعجب من هذا التهور الغريب والمظهر الذي ظهر به أهل المدينة في قيامهم وحدهم بخلع خليفة في إمكانه أن يجرّد عليهم من الجيوش ما لا يمكنهم أن يقفوا في وجهه , ولا ندري ما الذي كانوا يريدونه بعد خلع يزيد ؟

أيكونون مستقلين عن بقية الأمصار الإسلاميّة ، لهم خليفة منهم يلي أمرهم , أم حمل بقية الاُمّة على الدخول في أمرهم ؟ وكيف يكون هذا وهم منقطعون عن بقية الأمصار ولم يكن معهم في هذا الأمر أحد من الجنود الإسلاميّة ؟ . . إنّهم فتقوا فتقاً وارتكبوا جرماً فعليهم جزء عظيم من تبعة انتهاك حُرمة المدينة ، وكان اللازم على يزيد وأمير الجيش أن لا يسرف في معاملتهم بهذه المعاملة ؛ فإنّه كان من الممكن أن يأخذهم بالحصار .

* * *

ويخيّل إليك وأنت تقرأ كلام الأستاذ عن هذه الفترة كلّها أنّ لديه أعذاراً ليزيد وليس لديه عذر لأهل المدينة ؛ لأنّه يفهم كيف يغضب المرء


الصفحة (192)

لما في حوزته ، ولا يفهم كيف تضيق به كراهة الظلم وغيرة العقيدة عن الاحتمال ، وشعوره هذا يحول بينه وبين الحكم الصحيح على حوادث التاريخ ؛ لأنّه يحول بينه وبين انتظار هذه الحوادث حيث تنتظر لا محالة ، واستبعادها حيث هي بعيدة عن التقدير .

فلم يحدث قط في مواجهة الظلم وانتزاع الدول المكروهة أن شعر النّاس كما أرادهم الأستاذ أن يشعروا أو فكّروا في الأمر كما أرادهم أن يفكّروا ، ومستحيل حدوث هذا أشدّ الاستحالة ، وليس قصاراه أنّه لم يحدث من قبل في حركات التاريخ ؛ فهذه الحركات التي تواجه الدول المكروهة لا تنتظر ـ ولا يمكن أن تنتظر ـ حتّى تربى قوتها وعدتها على ما في أيدي الدولة التي تكرهها من قوة وعدّة . . .

ولكنّها حركة أو دعوة تبدأ بفرد واحد يجترئ على ما يهابه الآخرون ، ثمّ يلحق به ثان وثالث ورابع ما شاء له الإقناع وضيق الذرع بالاُمور ، ثمّ ما ينالهم من نقمة فيشيع الغضب وينكشف الظُلم عمّن كان في غفلة عنه ، ثمّ يشتدّ الحرج بالظالم فيدفعه الحرج إلى التخبط على غير هُدى ، ويخرج من تخبط غليظ أحمق إلى تخبط أغلظ منه وأحمق . . . فلا هُم


الصفحة (193)

يقفون في امتعاضهم وتذمرهم ولا هو يقف في بطشه وجبروته ، حتّى يغلو به البطش والجبروت فيكون فيه وهنه والقضاء عليه .

على هذا النحو يعرف المؤرّخ الذي يعالج النّفوس الآدمية ما هو من طبعها وما هو خليق أن ينتظر منها ، فلا يُعالجها حقّ العلاج على أنّها مسألة جمع وطرح في دفتر الحساب بين هذا الفريق وذاك الفريق ، وعلى هذا النحو تكون حركة الحُسين قد سلكت طريقها الذي لا بدّلها أن تسلكه ، وما كان لها قط من مسلك سواه .

* * *

وصل الأمر في عهد يزيد إلى حدّ لا يعالج بغير الاستشهاد وما نحا منحاه ، وهذا هو الاستشهاد ومنحاه , وهو ـ بالبداهة التي لا تحتاج إلى مقابلة طويلة ـ منحى غير منحى الحساب والجمع والطرح في دفاتر التجار ، ومع هذا يدع المؤرّخ طريق الشّهادة تمضي إلى نهاية مطافها ثمّ يتناول دفتر التجّار كما يشاء ؛ فإنّه لواجد في نهاية المطاف أنّ دفتر التجّار لن يكتب الربح آخراً إلاّ في صفحة الشُهداء .

فالدُعاة المستشهدون يخسرون حياتهم وحياة ذويهم ، ولكنّهم يرسلون دعوتهم من بعدهم ناجحة متفاقمة , فتظفر في نهاية مطافها بكلّ شيء حتّى المظاهر العرضية والمنافع الأرضية . . .

وأصحاب المظاهر العرضية والمنافع الأرضية يكسبون في أوّل


الصفحة (194)

الشّوط ثمّ ينهزمون في وجه الدعوة المستشهدة حتّى يخسروا حياتهم أو حياة ذويهم ، وتوزن حظوظهم بكلّ ميزان ، فإذا هُم بكلّ ميزان خاسرون ، وهكذا أخفق الحُسين ونجح يزيد . . . ولكن يزيد ذهب إلى سبيله وعوقب أنصاره في الحياة والحطام والسمعة بعده بشهور ، ثمّ تقوضت دولته ودولة خلفائه في عمر رجل واحد لم يجاوز السّتين . . .

وانهزم الحُسين في كربلاء واُصيب هو وذووه من بعده , ولكنّه ترك الدعوة التي قام بها مُلك العبّاسيين والفاطميين وتعلل بها اُناس من الأيوبيّين والعثمانيين ، واستظل بها الملوك والاُمراء بين العرب والفرس والهنود ، ومثل للناس في حلّة من النّور تخشع لها الأبصار ، وباء بالفخر الذي لا فخر مثله في تواريخ بني الإنسان غير مستثنى منهم عربي ولا أعجمي ولا قديم ولا حديث .

أبو الشُهداء (ع) :

فليس في العالم اُسرة أنجبت من الشُهداء من أنجبتهم اُسرة الحُسين عدّة وقدرة وذكرة ، وحسبه أنّه وحده في تاريخ هذه الدُنيا الشّهيد ابن الشّهيد أبو الشُهداء في مئات السّنين . . .


الصفحة (195)

وأيسر شيء على الضعفاء الهازلين أن يذكروا هُنا طلب المُلك ليغمروا به شهادة الحُسين وذويه . . . فهؤلاء واهمون ضالون مُغرقون في الوهم والضلال ؛ لأنّ طلب المُلك لا يمنع الشّهادة ، وقد يطلب الرجل المُلك شهيداً قدّيساً ويطلبه وهو مجرم بريء من القداسة ، وإنّما هو طلب وطلب ، وإنّما هي غاية وغاية ، وإنّما المعول في هذا الأمر على الطلب لا على المطلوب .

فمَن طلب المُلك بكلّ ثمن ، وتوسّل له بكلّ وسيلة ، وسوّى فيه بين الغصب والحقّ وبين الخداع والصدق وبين مصلحة الرّعية ومفسدتها ، ففي سبيل الدُنيا يعمل لا في سبيل الشّهادة ، ومَن طلب المُلك وأباه بالثمن المعيب ، وطلب المُلك حقّاً ولم يطلبه ؛ لأنّه شهوة وكفى ، وطلب المُلك وهو يعلم أنّه سيموت دونه لا محالة ، وطلب المُلك وهو يعتزّ بنصر الإيمان ولا يعتزّ بنصر الجند والسلاح ، وطلب المُلك دفعاً للمظلمة وجلباً للمصلحة كما وضحت له بنور إيمانه وتقواه ، فليس ذلك بالعامل الذي يخدم نفسه بعمله ، ولكنّه الشّهيد الذي يلبّي داعي المروءة والأريحية ، ويطيع وحي الإيمان والعقيدة ، ويضرب للناس مثلاً يتجاوز حياة الفرد الواحد وحياة الأجيال الكثيرة . . .

مَن ثمّ يقيم الآية على حقيقة الحقائق في أمثال هذا الصراع بين الخلقين أو بين المزاجين والتاريخين . . .


الصفحة (196)

وهي أنّ الشّهادة خصم ضعيف مغلوب في اليوم والأسبوع والعام ، ولكنّها أقوى الخصوم الغالبين في الجيل والأجيال ومدى الأيّام ، وهي حقيقة تُؤيّدها كلّ نتيجة نظرت إليها بعين الأرض أو بعين السّماء على أن تنظر إليها في نهاية المطاف .

ونهاية المطاف هي التي يدخلها نوع الإنسان في حسابه ويوشج عليها وشائج عطفه وإعجابه ؛ لأنّه لا يعمل لوجبات ثلاث في اليوم ، ولا ينظر إلى عمر واحد بين مهد ولحد ، ولكنّه يعمل للدوام وينظر إلى الخلود . . .


الصفحة (197)

عاشق الجمال

إذا لحقت السيرة بعالم المثال الذي يتطلع إليه خيال الشُعراء وتتغنى به قرائح أهل الفن ، فقد تنزهت عن ربقة الجسد وأصبحت صورة من الصور المُثلى في عالم الجمال . . . ومن آيات الجمال إنّه يتحدى المنفعة ويؤثر البطولة على السّلامة .

فإذا تعلقت القريحة بالجمال ، فلا جرم تزن الاُمور بغير ميزان الحساب والصفقات ، فتعرض عن النعمة وهي بين يديها وتقبل على الألم وهي ناظرة إليه ، وتلزمها سجية العشق الآخذ بالأعنّة ، فتنقاد له ولا تنقاد لنصيحة ناصح أو عذل عاذل ؛ لأنّ المشغوف بالجمال ينشده ولا يُبالي ما يلقاه في سبيله .

وقد تمثّلت سجية عاشق الجمال في كلّ شعر نظّمه شُعراء الحُسين وذويه ؛ تعظيماً لهم وثناء عليهم . . . لم يتجهوا إليهم ممدوحين وإنّما اتجهوا


الصفحة (198)

إليهم صوراً مُثلى يهيمون بها كما يهيم المحب بصورة حبيبه ، ويستعذبون من أجلها ما يصيبهم من ملام وإيلام .

وفي معنى كهذا المعنى يقول الكميت شاعر أهل البيت (عليهم السّلام) :

طربتُ وما شوقاً إلى البيضِ أطربُ      ولا  لـعباً مـنِّي وذو الشّيبِ iiيلعبُ
ولـم يـلهني دارٌ ولا رسـمُ iiمنزلِ      ولـم يـتطرّبني بـنانٌ iiمـخضَّبُ
ولا أنـا مـمَّن يـزجرُ الطيرُ iiهمَّهُ      أصـاحَ  غـرابٌ أم تعرّضَ iiثعلبُ
ولا  الـسانحاتُ الـبارحاتُ iiعشيّةً      أمـرَّ سليمُ القرنِ أم مرَّ أعضبُ
(1)
ولـكنْ إلـى أهلِ الفضائلِ iiوالنّهى      وخـيرِ  بـني حوّاءَ والخيرُ يُطلبُ
إلـى الـنفرِ الـبيض الذين iiبحبِّهمْ      إلــى الله فـيما نـالني iiأتـقرّبُ

ــــــــــــــ
(1) السّانح : الطير الذي يمر من اليسار إلى اليمين وعكسه البارج . والأعضب : المكسور .

الصفحة (199)

بَـنِي  هَـاشِمٍ رَهط النَّبِيِّ فإنَّنِي      بِهِم ولَهُم أَرضَى مِرَاراً وأغضَبُ
خـفضتُ لهم منّي جناحَي iiمودَّة      إلـى كنفِ عِطفاهُ أهلٌ iiومرحبُ
يـشيرونَ بـالأيدي إليَّ iiوقولُهُمْ      ألا  خابَ هذا والمشيرون iiأخيبُ
فـطائفةٌ قـد كـفَّرتني iiبـحُبّكُمْ      وطـائفةٌ  قـالوا مسيءٌ iiومُذنبُ
فـما سـاءني تكفيرُ هاتيكَ منهمُ      ولا عيبُ هاتيكَ الّتي هي iiأعيبُ
يـعيبونني مـنْ خبّهمْ iiوَضلالِهمْ      على حُبّكم بل يسخرونَ iiوأعجبُ
وقـالوا تـرابيٌّ
(1) هواهُ iiورأيُهُ      بـذلك  أُدعـى فـيهمُ iiواُلـقّبُ
على ذاكَ إجريّاي فيكم iiضريبتي      وَلـو  جمعوا طرّاً عليَّ iiوأجلبوا

ــــــــــــــ
(1) مِن كُنى عليّ بن أبي طالب (أبو تراب) , وترابي نسبة إليه .

الصفحة (200)

وأحملُ أحقادَ الأقاربِ فيكمُ       وينصبُ لي في الأبعدينَ فأنصبُ

وقد مرّ بنا حديث زين العابدين رضي الله عنه ، وهو غلام عليل أوشك أن يتخطفه الموت بكلمة من عبيد الله بن زياد ؛ لأنّه استكبر أن تكون به جرأة على جوابه .

فهذا الغلام العليل قد عاش حتّى انعقد له مُلك القلوب ؛ حيث انعقد مُلك الأجسام لهشام بن عبد الملك سيّد ابن زياد وآله ، وذهب هشام بين جنده وحشمه يحجّ البيت ويترضّى النّاس ، فلم يخلص إلى الحجر الأسود لتزاحم الحجيج عليه , وأنّه لجالس على كرسيه ينتظر انفضاض النّاس إذا بزين العابدين يقبل إلى الحجر الأسود في وقاره وهيبته ، فيتنحى له الجيج ويحفوا به وهو يستلم الحجر مطمئناً غير معجّل ، ثمّ يعود من حيث أتى والنّاس مشيعوه بالتجلّة والدُعاء .

وتهوّل رجلاً من حاشية هشام هذه المهابة التي لم يرها لمولاه فيسأل : مَن هذا الذي هابه النّاس هذه الهيبة ؟ ويخشى هشام أن يطّلع جنده على مكانة رجل لم يتطاول إلى مثل مكانته بسلطانه وعتاده فيقول : لا أعرفه . . . ويقتضب الجواب .

وهذا الذي تصدى له شاعر آخر قد غامر بحياته ونواله ليقول بالقصيد المحفوظ ما ثقل على لسان هشام أن يقوله في كلمتين عابرتين . . .

وذلك هو الفرزدق حيث قال :


الصفحة (201)

هذا  الذي تعرفُ البطحاءُ iiوطأتَهُ      والـبيتُ يـعرفُهُ والحلُّ iiوالحرمُ
هـذا ابـنُ خـيرِ عبادِ اللهِ كُلِّهمُ      هـذا الـتقيّ النقيّ الطاهرُ iiالعَلمُ
هـذا ابنُ فاطمةٍ إنْ كنتَ iiجاهلَهُ      بـجدَّهِ أنـبياءُ اللهِ قـد iiخـتمُوا
ولـيسَ قـولُك مَن هذا iiبضائرِهِ      العربُ تعرفُ مَنْ أنكرتَ والعجمُ
إذا  رأتـهُ قـريشٌ قـالَ iiقائلُها      إلـى  مـكارمِ هذا ينتهي iiالكرمُ
مـن  معشرٍ حبُّهمْ دينٌ iiوبغضُهمُ      كـفرٌ  وقـربُهُمُ منجىً iiومعتصمُ

* * *

وتصدى عبيد الله بن كثير لأمير مكّة خالد بن عبيد الله ، فلعنه وهو قادر على قتله ؛ لأنّه يلعن عليّاً وحُسيناً في خطبه ، وأنشد :

لعنَ اللهُ من يَسُبّ عليّاً      وحُسيناً منْ سوقةٍ وإمامِ


الصفحة (202)

أيـسبُّ  المطهّرونَ iiجدوداً      والـكرامُ الآبـاءِ iiوالأعمامِ
يأمنُ  الطيرُ والحمامُ ولا iiيأ      منُ  آلُ الرّسول عند iiالمقامِ
طبتَ بيتاً وطابَ أهلُكَ أهلاً      أهـلُ  بيتِ النّبيِّ iiوالإسلامِ
رحـمةُ اللهِ والـسّلامُ iiعليهِ      كُـلّما  قـامَ قـائمٌ iiبـسلامِ

* * *

وتنقضي السنون وتتسامح العربيّة بشاعر فحل لم يسلم من لسانه أحد ، ولم ينزه أحداً من المجزلين أو المقترين عليه عن استحقاق الهجاء . . . فكان ينشد الأبيات المقذعة ، ويسأل عن صاحبها فيقول : لم يستحقها أحد بعينه بعد ، ولسوف يستحقها كثيرون .

هذا الشاعر العجيب هو دعبل الخزاعي الذي يهزّ أوتار النّفوس بأمثال هذه الأبيات في آل البيت :

مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ      ومنزلُ وحيٍ مُقفرُ العرصاتِ


الصفحة (203)

لآلِ رسول الله بالخيفِ من منى      وبالرُّكنِ  والتعريف iiوالحُجراتِ
ديـارُ عـليٍّ والحسينِ iiوجعفرٍ      وحمزةَ والسجَّادِ ذي iiالثفناتِ
(1)
ديـارٌ  عـفاها كلُّ جونٍ مُبادرٍ      ولـمْ تـعفُ لـلأيام والسنواتِ

إلى أنْ يقول :

مـلامك فـي أهـل النبيَّ iiفإنَّهمْ      أحـبّايَ مـا عاشوا وأهلُ iiثُقاتي
فيا  ربِّ زدني من يقيني بصيرةً      وزدْ  حـبَّهُمْ يا ربِّ في حسناتي
أُحبُّ قَصيّ الرّحمِ من أجل حُبِّهمْ      وأهـجرُ  فـيهم اُسرتي iiوبناتي
لـقد حـفّتِ الأَيامُ حولي iiبشرِّها      وإنّـي  لأرجو الأمنَ بعد iiوفاتي

ــــــــــــ
(1) كان عليّ بن الحُسين يُلقب بذي الثفنات ؛ لأنّ جبهته أصبحت كثفنة البعير ـ أي ركبته ـ من كثرة السّجود .

الصفحة (204)

ألـمْ تَـرَ أَنّي من ثلاثينَ حجةً      أَروحُ  وأَغـدو دائمَ iiالحسراتِ
أَرَى فـيئهُمْ في غيرِهم مُتقسّماً      وأَيـديَهمْ  مـن فيئهمْ صفراتِ
فآلُ  رسولِ الله نحفٌ iiجسومُهمْ      وآلُ زيـادٍ حفّلُ iiالقصراتِ
(1)
بناتُ زيادٍ في القصورِ iiمصونةً      وآلُ  رسـول الله في iiالفلواتِ
إذا وتِروا مَدّوا إلى أَهلِ وترِهِمْ      أكُـفّاً عـن الأوتارِ iiمُنقبضاتِ

* * *

ووهب عليّ بن موسى الرّضا للشاعر جائزة من دراهمه المضروبة باسمه وخلع عليه من ثيابه ، فبذل له أهل الشّام (قم) ثلاثين ألف درهم ليبيعهم الخلعة فضنّ بها , ثمّ ترصدوا له في الطريق ليأخذوها منه عنوة تبرّكاً وذكرى , فسمح بالمال ولم يسمح بالخلعة . . . واسترضوه فلم يرض إلاّ أنْ يعطوه كُمّاً من أكمامها ليُدفن معه في كفنه ، وتقسّموا الخلعة بينهم

ـــــــــــــ
(1) القصرة : الرقبة . وحفل القصرات : أي غلاظ الرّقاب من السّمن .

الصفحة (205)

فخورين بها غير مبالين ما بذلوه في ثمنها .

وانقضت فترة لم تطل . . . وتسامعت العربيّة بشاعر آخر أفحل من دعبل وأقدر منه على التصرّف بالهجاء والمديح ؛ ذلك هو أبو العبّاس عليّ بن الرومي الذي نسي ممدوحيه من آل طاهر وبني العبّاس ليذكر حقّ حفيده الحُسين يحيى بن عمر الشّهيد , ولو كلّفه ذكره القتل والحرمان .

وفي بعض ما ساقه من النذر لأمراء زمانه مهلكة له قلّما يفلت منها قائل بحياته ، وذاك حيث يقول من قصيدته الجيمية :

غـررتُمْ  لـئنْ صـدّقتُمُ أنّ iiحالةً      تـدومُ  لـكُمْ والدهرُ لونانِ iiأخرجُ
لـعلّ  لهُمْ في مُنطوى الغيبِ ثائراً      سيسمو لكمْ والصبحُ في الليل مُولجُ
بـمجرٍ تضيق الأرضُ من iiزفراتِهِ      له زجلٌ ينفي الوحوشَ iiوهزمجُ
(1)
يـودّ  الـذي لاقـوه أَنّ iiسـلاحَهُ      هـنالك  خـلخالٌ عـليهِ iiودمـلجُ

ـــــــــــــــ
(1) الهزمجة : اختلاط الصوت . والمجر : الجيش الكبير .

الصفحة (206)

فـيدركُ ثـأرَ الله أنصارُ iiدينِهِ      ولـلهِ أوسٌ آخـرون وخزرجُ
ويقضي إمامُ الحقِّ فيكُمْ قضاءَهُ      مـبيناً وما كلُّ الحواملِ iiتُخدجُ

وكل اُولئك شاعر ينسى التقوى في مواطن شتّى من عمله وقوله ولا ينساها في حقّ الشُهداء من آل الحُسين وصحبه ؛ لأنّه يحسّ الجمال إحساس الشُعراء ويهتزّ للصورة المُثلى اهتزاز الأريحية التي يحلم بها رواد الخيال , فهُم هُنا بمربأة من قيود العيش ووساوس الحاجة وأعباء النوازع الأرضيّة ، يستوحون سليقة القول فيما ينبغي أن يُقال ، فيجري على لسانهم كأنّهم مسوقون إليه .

بل كلّ اُولئك شاعر لا يسخو بالمدح وهو موصول بالعطاء الجزيل ، ثمّ هو يسخو به للشُهداء وآلهم على غير أمل في نوال ، وعلى خوف شديد من الحرمان والوبال . . .

* * *

وشاعر آخر لم يكن يهجو من النّاس هذا أو ذاك ، ولكنّه كان سيّئ الظنّ بالنّاس أجمعين . . . وكان يقول ما بدا له في الدُنيا والدين ، ولكنّه يُجامل مع المجاملين فلا يقصر عن شأوهم في السّابقين أو اللاحقين .

ذلك هو أبو العلاء المعرّي حيث قال في الفجر والشّفق :


الصفحة (207)

وعلى الدّهرِ من دماءِ iiالشّهيدِ      يـنِ عـليٍّ ونـجلهِ شاهدانِ
فـهُما  في أواخرِ الليلِ فجرا      نِ وفــي أُولـياتِهِ شـفقانِ
ثبتاً في قميصه ليجيءَ الحشْ      رَ مـستعدياً إلـى iiالـرحمنِ

وأنّ وحي الشّعر من سرائر النّفوس لأصدق حكماً من لسان التاريخ إذا اختلف الحكمان ، ولكنّهما قد توافيا معاً على مقال واحد ؛ فجلّوا لنا من سيرة الحُسين رضي الله عنه صورة الجمال في عالم المثال ، وكذلك يعيش ما عاش في أخلاد النّاس .


الصفحة (208)

الفهرست

مُقدّمة النّاشر / 5 .

مُقدّمة المؤلف / 7 .

مزاجان تاريخيان : طبائع النّاس / 11 .

الخصومة : أسباب التنافس / 25 .

الخصمان : موازنة / 41 .

أعوان الفريقين : رجال المعسكرين / 73 .

خروج الحُسين : الحُسين في مكّة / 83 .

هل أصاب خطأ الشُهداء / 105 .

كربلاء : الحرم المقدّس / 129 .

جزيرة كربلاء : موطن الرّأس / 163 .

نهاية المطاف : من الظافر / 180 .

في عالم الجمال : عاشق الجمال / 197 .

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى