الإمام الحسين (ع) قدوة الصديقين

 
 

الصفحة (92)

الإمام الحسين (عليه السّلام) ومنهج البراءة من المشركين

لقد دافع المسلمون في الجزيرة العربية عن الوحي في العصر الأوّل أفضل دفاع ، وجاهدوا الكفّار دون هوادة حتّى نصرهم الله تعالى ، فعمّ الإسلام الجزيرة ، ورفرفت على ربوعها راية التوحيد ، وحينئذ أنزل الخالق (عزّ وجلّ) سورة البراءة التي هي السورة الوحيدة في القرآن التي لا تفتتح باسم الله الرحمن الرحيم ؛ دلالة على غضب الله وشدة انتقامه .

وعندما نزلت هذه السورة على قلب الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وأراد إبلاغ المسلمين في الموسم الأكبر في الحجِّ بأنه منذ تلك اللحظة , وإلى أربعة أشهر يمهل المشركين أن يتركوا الجزيرة العربية ولا يعودوا إلى حرم الأمن الإلهي .

نزل جبرائيل (عليه السّلام) على الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأخبره بأن لا يحمل هذه السورة إلى المشركين إلاّ هو أو شخص يمثّله ويكون نفسه . وحينئذ دعا النبي (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السّلام) وحمله هذه السورة , فصدع الإمام (عليه السّلام) بها في الموسم .

وكانت القبائل العربية المشركة المتوافدة إلى موسم الحج الأكبر متواجدة في المشاعر كما في مكة المكرمة ، ولكن الإمام (عليه السّلام) أعلن البراءة بكلِّ صراحة في ذلك الموسم العظيم .


الصفحة (93)

والملاحظ في هذا المجال أنّ كل الطغاة عبر التأريخ يرفضون الحديث عن البراءة , فلا بأس أن تتحدث عن الصدق , والوفاء , وصلة الرحم , والصلاة , والزكاة , ولكن إيّاك ان تتحدث عن الشرك ، والرشوة ، والفساد ، والانحراف ، والمنكر .

ترى لماذا تبدأ كلمة التوحيد بالرفض وتنتهي بالإثبات (لا إله إلاّ الله) ؟ ولماذا يغفر الله تعالى كل ذنب ولكنه لا يغفر الشرك به ؟ ولماذا يعد الشرك ظلماً عظيماً ؟ ولماذا كانت معركة الأنبياء (عليهم السّلام) عبر التأريخ مع الشرك والمشركين الذين كانوا يتّخذون مع الله آلهة ، ومن دونه أولياء ؟

السبب في كل ذلك هو أن المنزلق الأكبر للبشرية إنّما هو منزلق أن لا يرفضوا الله تعالى ، ولكنهم يشركون به في نفس الوقت ؛ فكل شيء يشهد على وجود الله , ولكن الناس يريدون عادة أن يعبدوا مع الله غيره ، وأن يتّخذوا مخلوقاته أولياء من دونه ؛ سواء كانوا حجراً أم بشراً أم مناهج .

فالمشكلة هي أن الإنسان يريد أن يعبد الله تعالى عندما تكون له مصلحة في ذلك ؛ فتراه يعبد الله حيناً , ويخضع للطاغوت حيناً . فالمنزلق الخطير الذي يوقع الشيطان الإنسان فيه هو هذا المنزلق , فلا بأس أن يصلي من الليل إلى الصباح ، ولكن إذا تعيّن عليه أن يطبّق قوله سبحانه : (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ)(النساء/ 135) أن يقوم لله ، ويشهد بالقسط ، وينكر المنكر ، ويقاوم الطاغوت ، ويرفض الانحراف ، فحينئذ تبدأ الصعوبة .

فالذي يقوم أمام سلطان جائر وينكر عليه فساده وانحرافه ، فإن هذا السلطان لن يسكت عنه ؛ ولذلك كان


الصفحة (94)

إبراهيم الخليل (عليه السّلام) محطّماً للأصنام ؛ لأنّه رفض الانحراف ، بل إنه بدأ مسيرة التوحيد من خلال الرفض ؛ رفض عبادة الشمس والكواكب حتّى قـال : (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأرض)(الأنعام/ 79) ، فلولا رفضه لعبادة من هو دون الله لما كان موحداً ، ولما عمد إلى تحطيم الأصنام .

الرفض بداية الإيمان

وهكذا فإن الرفض هو بداية الإيمان ، ولقد علّمنا أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) درس الرفض والتوحيد ؛ فالسرّ الذي جعل العالم كلّه يقف إجلالاً له (عليه السّلام) كلّما مرت ذكرى محرم هو في أنّ منهج التوحيد علّمه كيف يرفض الانحراف ولو كلّفه ذلك أن يسفك دمه .

فالإمام الحسين (عليه السّلام) أعلن عن ثورته بقوله : (( إنّا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ... ويزيد رجل فاسق , شارب الخمر ، قاتل النفس المحّرمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ... ))(1) . فلم يقل : أنا لا اُبايع يزيد ، بل قال : إنّ منهجي يختلف عن منهجه .

فمثل أبي عبد الله الحسين الذي رضع من ثدي الإيمان ، وترعرع في حضن فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، وشبَّ تحت رعاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) لا يمكنه أن يبايع رجلاً فاسقاً كيزيد . فمَن كان مع الحسين (عليه السّلام) لا يمكن أن يكون مع يزيد ، وهذا هو الطريق الصحيح .

ولقد أعلن الحسين (عليه السّلام) مرة اُخرى عن منهجه التوحيدي في رسالته إلى العلماء ؛ حيث نقل في هذه الرسالة حديثاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( مَن رأى سلطاناً جائراً , مستحلاً لحرم الله ، ناكثاً

ــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 44 / 325 .

الصفحة (95)

لعهد الله ، مخالفاً لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، ثمّ لم يغيّر عليه بقول ولا فعل ، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله ))(1) , أي إنّ الإنسان الذي يداهن السلاطين ولا يتبرأ منهم فإنه سيكون شريكاً في جرائمهم .

وقد كان الإمام الحسين (عليه السّلام) يستهدف من هذه الرسالة استنهاض همم العلماء ليقوموا قياماً واحداً ضد يزيد الطاغية . وفي هذا المجال يقول تعالى : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)(الزمر/17) ، وفي موضع آخر يقول (عزّ وجلّ) : (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(البقرة/256) .

فالكفر بالطاغوت هو بداية الطريق ، والذي لا يكفر به لا يمكن أن يؤمن بالله , فكيف من الممكن أن تجتمع على إنسان واحد قيادتان ؟ وكيف يقوده إمامان ؛ إمام الهوى ، وإمام الهدى ؟

إنّ حركة الإنسان لا تتحمل قيادتين ؛ ولذلك فإن الرفض هو بداية التسليم والإيمان ، وهذا هو ما فعله الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فهو لم يترك جانباً من جوانب حياتنا إلاّ وأضاءه بنهضته الكبرى .

إنّ الحسين (عليه السّلام) بدأ نهضته هذه بقضية هامة ، وهي أنه قد نظر إلى العاقبة منذ بداية الطريق ؛ فقد أعلن في أول خروجه من مكة المكرمة قائلاً : (( … خُطَّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخيّر لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات ، بين النواويس وكربلاء …)) .

ــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 44 / 382 .

الصفحة (96)

ثمّ قال (عليه السّلام) : (( مَن كان فينا باذلاً مُهجته ، موطّناً على لقاء الله نفسه , فليرحل معنا ؛ فانّي راحل مصبحاً إن شاء الله ))(1) .

وهكذا فإنه (عليه السّلام) لم يُمَنِّ الناس بالإمارة والنصر والخيرات , وإنما أعلن لهم أنّ هذا الطريق لا بدّ وأن ينتهي بالشهادة . وعندما يتسلح قوم بهذه الفلسفة وهذه الروحية العالية فإنهم لا يمكن أن يغلبوا عن ضعف ؛ لأنّ النهاية هي الشهادة ، وهم قد بدؤوا بالنهاية هذه , أي اعتبروها بداية الطريق كما فعل الإمام الحسين (عليه السّلام) .

ونحن اليوم نجدد ذكرى أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، ونستقبل شهر محرم بما فيه من نفحات إلهية ، وفرص للهداية ، وعواطف جياشة ، وأعين دامعة ، وبما فيه من مجالس .

علينا أن نستقبله بالكلمة المسؤولة التي تحمّل الناس مسؤوليتهم الشرعية ؛ فالقرآن الكريم يقول : (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ)(الرعد/11) ، ويقول : (وَأَن لَّيْسَ لِلإنسان إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى)(النجم/40) .

فالكل سوف يقف في ذلك اليوم الرهيب لكي يجيب ربه , ولا فرق في ذلك بين الكبير والصغير ، والعالم والجاهل ، والغني والفقير ؛ فالجميع سوف يحملون معهم المسؤولية ، فأنت مسؤول ، وأنا مسؤول ، وكلنا مسؤولون .

ومن مسيرة الإمام الحسين (عليه السّلام) ونهضته نستلهم ثمة أفكار ، منها :

درس المسؤولية

1 ـ فكرة المسؤولية , وهي الفكرة الاُولى التي زرعها الإمام الحسين (عليه السّلام) في روع الاُمّة ؛ فهناك الكثير ممن جاء إلى الإمام الحسين (عليه السّلام)

ــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 44 / 366 ـ 367 .

الصفحة (97)

وأوصاه بأن لا يحمل معه عياله وأهل بيته إذا كان متأكداً من أنه سيُقتل في سبيل الله ، ولكنه (عليه السّلام) كان يريد أن يعلّمنا درس المسؤولية ، وأنّ كلَّ واحد منّا يجب أن يتحمل قدراً منها .

وفعلاً , فقد حمل الجميع هذه الرسالة في يوم عاشوراء ؛ اعتباراً من حبيب بن مظاهر , ذلك الرجل الذي احدودب ظهره بسبب شيخوخته ، وانتهاءً بالطفل الرضيع علي الأصغر ، وهذه هي فكرة المسؤولية التي يجب أن نبيّنها للناس عبر المنابر والمجالس .

إنّ الأوضاع المتردية التي نجدها في اُمتنا ، والفساد العريض ، والتشتت والاختلاف , كل ذلك رهين بالمسؤولية التي لا بدّ أن نتحملها ؛ فالعلماء بعلمهم ، والخطباء بألسنتهم ، والكُتّاب بأقلامهم ، والتجار بأموالهم ، وكلّ حسب قدرته وطاقته . فبما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الفرائض الدينية ، فالجميع يجب أن يتحملوا المسؤولية .

وكلّ واحد منا عندما يريد البحث عن خطيب يعلمه معالم دينه ، فلا بدّ أن يفتّش عن خطيب يحمله المسؤولية ، لا أن يبحث عن خطيب يبرّر له ويخدّره ؛ فالدين ليس بالتمني ، بل بالعمل والاجتهاد والورع .

فالجماهير يجب أن تلتف حول خطباء ينطقون عن أبي عبد الله (عليه السّلام) بكلماتهم وسلوكهم ؛ فالخطيب الذي يجلس على منبر أبي عبد الله (عليه السّلام) إنّما ينطق باسمه ؛ فلذا لا بدّ أن يكون مثله .

اتّباع القيادة الربانيّة

2 ـ أمّا الفكرة الثانية التي لا بدّ أن نستقبل بها شهر محرم فهي فكرة القيادة الربانيّة ؛ فعندما حمل الحسين (عليه السّلام) الراية قال : (( إنّا نحن أهل


الصفحة (98)

بيت النبوة ، ومعدن الرسالة … ))(1) , أي إنّ الخط الصحيح يتمثّل في قيادة ربانية إلهية تتّصف بصفة النبوة والرسالة ، أي تحمل الحقائق الإلهية إلى الناس . ومعنى ذلك أنّ القائد الشرعي هو الذي يحمل في داخله حقائق التوحيد ليحملها إلى الآخرين ، وهذا هو معنى القيادة الربانيّة .

فعندما تريد أن تعرف قائدك فانظر إليه , هل يدافع عن قيم الوحي ، وهل يدعو إلى قيم الرسالة ، وهل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر , أم يداهن السلاطين ويسكت عنهم ؟

ومن هنا فإن الاُمّة الإسلاميّة لا يمكن أن يسودها الصلاح إلاّ بالتفافها حول القيادات الربانيّة ، وهذه القيادات لا بدّ أن نعرفها ونبحث عنها ؛ فالله سبحانه وتعالى أخفى أولياءه بين عباده ، وقد تحدّث القرآن عن صفاتهم قائلاً : (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ)(المائدة/54) .

اختيار المنهج السليم

3 ـ الفكرة الثالثة التي نستلهمها من نهضة الحسين (عليه السّلام) الكبرى هي الطريق الواضح والمنهج السليم ؛ فلقد اختار (عليه السّلام) طريقاً ومنهجاً محددين ، فلو كان قد قُتل وهو متعلق بأستار الكعبة لما أصبحت ثورته عظيمة ، ولكنه أعلن أوّلاً البراءة من المشركين ، وعبّأ الاُمّة الإسلاميّة بالوعي , ثم قَدِمَ إلى كربلاء .

صحيح أنه (عليه السّلام) قد استشهد في أرضٍ بعيدة عن موطنه , ولكن أرض العراق كانت مأهولة بالقرى والمدن ، وهو (عليه السّلام)


الصفحة (99)

عندما قُتل فيها صبغ أرضها بدمه الشريف ، وكانت رايته هي المنتصرة رغم انكسارها الظاهري ؛ ولذا أصبحت الكوفة بعد ذلك بفترة قصيرة مركزاً للثورات المتلاحقة طوال تأريخها ؛ ففي سنة (65) للهجرة انفجرت حركة التوابين , ثمَّ حركة المختار . وإذا ما سمعنا عن كلِّ الحركات الكبرى في التأريخ فإنّ منشأها الكوفة ؛ وذلك ببركة دم أبي عبد الله (عليه السّلام) .

وعندما قُتل (عليه السّلام) في كربلاء فإنّ أهل بيته الذين اُسروا حملوا رسالته إلى الكوفة , ومنها إلى الشام ثمَّ إلى المدينة . وهكذا فقد كانت رايته (عليه السّلام) تدور في الآفاق حتّى أسقطت أنظمة الطغاة .

ونحن يجب أن نفتش عن الاستراتيجية الصحيحة والمنهج اللاحب الذي نسير به إلى الأهداف المرسومة ، من خلال تحمل المسؤولية ، واتباع القيادة الربانيّة ، وتعيين الاستراتيجية الواضحة ، وبذلك ستنتصر الاُمّة على أعدائها ، وتتغلب على مشاكلها ، وتحقق أهدافها بإذن الله . وهذه هي دروس ثورة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) .

وكلمة أخيرة , وهي أنّ علينا تطهير أنفسنا في هذا الشهر من الحمية الجاهليّة ، والأفكار الخاطئة ، والثقافات الدخيلة ، والأحقاد والضغائن ، وأن نوحّد أنفسنا تحت راية الإسلام والإيمان . فالإمام الحسين (عليه السّلام) هو سفينة النجاة , فلنركب هذه السفينة ، وهو مصباح هدى , فلنهتدِ بهذا المصباح في الظلمات ، وهو شفيع هذه الاُمّة , فلنطلب الشفاعة من الله تبارك وتعالى به ليغفر الله ذنوبنا ويكفّر عنا سيئاتنا .

ونسأله تعالى أن يوفقنا لأن نكون حسينيِّين قولاً وعملاً ، وأن نكون مع الحسين (عليه السّلام) وتحت رايته في الدنيا والآخرة .


الصفحة (100)

الإمام الحسين (عليه السّلام) محور حكمة الخلق , ومظهر تحدّي الطغيان

عندما يتذكر الإنسان أبا الأحرار وسيّد الشهداء أبا عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، ينهمر في قلبه شلاّل من مشاعر شتى ؛ فمن جهة يتدفق في قلب الإنسان تيار من الحزن عند ذكر السبط الشهيد ، ومن جهة اُخرى يتفجّر في قلبه إحساس عميق بالشجاعة والبطولة والتحدّي ، ومن جهة ثالثة ينساب على قلب الإنسان ـ عندما تثور في نفسه ذكرى الإمام الحسين (عليه السّلام) ـ نور من السرور والبهجة بهذا السبط الشهيد الذي غيّر العالم بكيانه المتميز .

الإمام الحسين (عليه السّلام) محور حكمة الخلق

ونحن عندما ندرس طبيعة الخلقة ، والحكمة الكامنة وراءها من خلال آيات الذكر الحكيم ، والسنة النبوية الشريفة ، وعبر ما يهتدي إليه عقل الإنسان وفكره الصافيان , فحينئذ سندرك أن الإمام الحسين (عليه السّلام) كان محوراً أساسياً في حكمة الخلق ، وأنّه لا بدّ لمثل هذا الرجل أن يأتي ، ولا بدّ أن يكتب بدمه عنوان حياة الإنسان ، وأن تكون ملحمة كربلاء رمز وجود الخلقة بفضل تلك الإرادة التي جعلت السبط الشهيد يقتحم


الصفحة (101)

غمار الموت بكل رحابة صدر . فكلما ازدحمت عليه المصائب ، وتراكمت عليه الآلام , وتزاحمت الجراحات على جسده الشريف كلّما كان وجهه الكريم يتلألأ إشراقاً وبهجة ؛ لأنّه ـ وهو العبد المطيع ـ كان يقترب من ربه ، رب العزة والقدرة .

وهكذا , فإنّ تلك الإرادة هي سرّ خلق الإنسان ، فلولا إرادة الصدّيقين ، ولولا المشيئة التي امتحن الله (عزّ وجلّ) بها النبيين والصالحين من عباده ، لما كان لهذا الخلق من حكمة .

فالله تبارك وتعالى لم يخلق الإنسان لكي يفسد في الأرض ويسفك الدماء كما ظنّت الملائكة ؛ فقد كان تعالى يعلم ما لا يعلمون ، ويعلم بعلمه الأزلّي أنّ بين أبناء آدم ، ومن بين هذا التراب واللحم والأعصاب سوف يسمو اُناس ليرتقوا إلى أعلى علّيين ، وليصلوا إلى تلك الدرجة التي قال عنها جبرائيل (عليه السّلام) : ولو دنوت أنملة لاحترقت(1) .

الإرادة حكمة الخلق

ولذلك فإنّ هذه الإرادة ، الإرادة الإنسانيّة التي تتحدّى الشهوات ، وثقل المادة ، والحنين إلى التراب ، وضغوط الإرهاب , والإعلام المضلّل ، هذه الإرادة هي فلسفة وحكمة خلق الإنسان على هذا الكوكب ، بل إنّني استطيع أن اُقرّر وبكلِّ ثقة واطمئنان بأنّ هذه الإرادة هي حكمة خلق الكون بأسره .

إنّ الله جلّ وعلا الذي يقول للشيء كن فيكون ، ويخلق بين الكاف والنون مجرّات ومنظومات شمسيّة هائلة ، لا يقدّر ولا يقيّم الوجود بسبب

ـــــــــــ
بحار الأنوار 18 / 382 .

الصفحة (102)

 ضخامته تلك ، بل إنّه تعالى إنّما يقيم ويكرّم شيئاً واحداً هو إرادة الإنسان ، حبّ الله ، والإيثار ، والشهادة ، وتسامي الإنسان من أرض الشهوات إلى اُفق الحبّ الإلهي .

كربلاء خلاصة بطولات التاريخ

ومن المعلوم أنّ هناك في تاريخ الأنبياء (عليهم السّلام) العديد العديد من التضحيات ، والأعمال والإنجازات المتميّزة التي لا يكاد العقل البشري يبلغها ، ولكن كل تلك المكارم والتضحيات والإيثار والفداء تجمّعت مرة واحدة في كربلاء خلال فترة زمنية قصيرة .

ولندرس في هذا المجال القرآن الكريم الذي سجّل تاريخ الأنبياء في أصدق وأوضح مظاهره المشرقة ؛ فماذا فعل النبي آدم ، وماذا فعل النبي نوح ، وماذا فعل النبي إبراهيم (عليهم السّلام) ؟ وماذا كانت سيرة النبي موسى والنبي عيسى (عليهما السّلام) ؟

لقد فعلوا أشياء كثيرة ، ولكنها تجسّدت جميعاً في كربلاء ؛ ولذلك فإننا نقف أمام ضريح الإمام الحسين (عليه السّلام) لنقول : (( السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله ، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله ، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله ، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله ... ))(1) .

وبالطبع فإنّي لا أعلم متى كلّم الله تعالى الحسين الشهيد (عليه السّلام) ، ولكنني قرأت في التأريخ أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال عن شهيد من شهداء الإسلام إنّ الله سبحانه كلّمه مجابهة ، ولا ريب أن سيّد الشهداء

ــــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ زيارة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 428 .

الصفحة (103)

وحجة الله أحرى بأن يكلّم مشافهة بعد شهادته ؛ ولذلك فقد أضحى (عليه السّلام) وريث موسى كليم الله .

ثمّ إنّ السبط الشهيد هو وارث عيسى روح الله ، ومن المعلوم أنّ عيسى بن مريم (عليه السّلام) لم يكن يمتلك من حطام الدنيا شيئاً ، وهذه كانت خصيصة متميّزة في حياته ؛ فهو لم يكن يمتلك بيتاً ، ولا أثاثاً ، ولا زوجةً ، ولا أولاداً ، ولا أموالا , إلى درجة أنّه لم يكن يمتلك حتّى وطناً ؛ ولذلك سمّي بـ (المسيح) ؛ لإنه كان يسيح في الأرض ، وكان يلتحف السماء ، ويفترش التراب ، ويأكل مما تنبته الأرض .

أمّا الإمام الحسين (عليه السّلام) فقد كان يمتلك كل شيء دون أن يملكه شيء ، وهذا هو أعظم الزهد ؛ فقد كان (عليه السّلام) يمتلك الأموال الطائلة التي جاء بها إلى كربلاء ، كما كان يمتلك أفضل الأصحاب , وأحسن الاُخوان ، وأفضل الأولاد وأبرّهم ، ولكنه أعطى في لحظة واحدة كلَّ ما كان يمتلكه ، وقدّمه قرباناً لربّه ؛ ولذلك صحّ أن نقف أمام ضريحه المقدّس ونقول : (( السلام عليك يا وارث عيسى روح الله )) .

الشهادة كرامة عظيمة

والسؤال المهمّ الذي نريد أن نطرحه في هذا المجال هو : كيف بلغ السبط الشهيد (عليه السّلام) تلك الدرجة العليا ، وما هي التربية التي تلقّاها بحيث أصبح مهيّأًً لهذه الكرامة الإلهية العظيمة ؟

للجواب على ذلك نقول : إنّ الشهادة كرامة عظيمة من الله تعالى للإنسان ، لا يؤتاها إلاّ مَن هيَّأ في نفسه أسبابها وعواملها . ومن المعلوم أنّ كلمات الإنسان رسول عقله ، والتعبير عن شخصيته ، ونحن عندما نقرأ


الصفحة (104)

أدعية أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) وخصوصاً قمة أدعيته وذروتها جميعاً المتمثلة في دعاء يوم عرفة , فإننا سنكتشف شخصيته ، وندرك أن هذه الشخصية تتلخص في كلمة واحدة , وهي أنّه (عليه السّلام) حبيب الله ؛ فهو (عليه السّلام) يخاطب ربه قائلاً : (( ماذا وجد من فقدك ، وماذا فقد من وجدك ))(1) .

لقد كان (عليه السّلام) يقف الساعات الطوال في صحراء عرفة ، ودموعه تجري على خديه دون أن يشعر بالتعب ؛ لأنّه كان يقف بين يدي حبيبه ، وقد كان هذا هو ديدنه حتّى في اللحظات الأخيرة من حياته الشريفة ؛ حيث ازدحم عليه ما يقرب من ثلاثين الفاً كلّهم يريدون سفك دمه ، ومع ذلك فإنّه لم يطلب من بارئه أن ينقذه وينجيه , بل كانت كلماته كلمات إنسان عارف بالله تعالى ، فكان يقول : (( اللَّهمَّ أنت متعالي المكان ، عظيم الجبروت ، شديد المحال ، غنيٌّ عن الخلايق ، عريض الكبرياء … ))(2) .

ذعر الحكم الاُموي من الإمام الحسين (عليه السّلام)

وبعد استشهاد الإمام الحسن (عليه السّلام) ، وتفاقم الانحرافات التي بدت من معاوية ، كان الأخير يحاول أن يستميل أبا عبد الله الحسين (عليه السّلام) ويشتري رضاه أو سكوته على الأقل ، ولكن الحسين (عليه السّلام) كان كزبر الحديد أمامه لا يلين .

وفي هذا المجال يروى أن مروان كان حاكماً من قبل معاوية على المدينة ، وأنّه كتب رسالة إلى أميره يقول فيها : أمّا بعد , فقد كثر اختلاف

ــــــــــــــــ
(1) مفاتيج الجنان ـ دعاء الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عرفة / 273 .
(2) مفاتيح الجنان ـ أعمال اليوم الثالث من شعبان / 164 .

الصفحة (105)

الناس إلى حسين ، والله إنّي لأرى لكم منه يوماً عصيباً(1) .

وهنا لننظر بتأمل ودقة في جواب معاوية لمروان : اترك حسيناً ما تركك ولم يظهر لك عداوته ويبد صفحته ، وأكمن عنه كمون الثرى إنشاء الله , والسّلام(2) .

وبعد فترة يقترح مروان على معاوية إبعاد الإمام (عليه السّلام) عن يثرب , وفرض الإقامة الجبرية عليه في الشام ؛ ليقطعه عن الاتّصال بأهل العراق . ولم يرتضِ معاوية ذلك , فرد عليه : وأردت والله أن تستريح منه وتبتليني به(3) ! فقد كان معاوية يعلم حق العلم أنّ الحسين (عليه السّلام) إذا جاء إلى الشام فإنّ هذا البلد سينقلب عليه .

ثم يبعث معاوية برسالة إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) مضمّناً تلك الرسالة بعض التهديدات , فيقول : فقد اُنهيت إليّ عنك اُمور إن كانت حقاً فإنّي لم أظنها بك رغبة عنها ، وإن كانت باطلة فأنت أسعد الناس بمجانبتها … فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك ؛ فانك متى تنكرني أنكرك ، ومتى تكدني أكدك , فاتّقِ الله يا حسين في شق عصا الاُمّة ، وأن تردهم في فتنة ...(4) .

الردّ الحاسم

ولننظر فيما يلي نظرة تأمّل ودقّة في جواب الإمام الحسين (عليه السّلام) على تلك الرسالة التهديدية : (( أما بعد , فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنه

ـــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ القرشي 2 / 223 .
(2) المصدر نفسه .
(3) المصدر نفسه .
(4) المصدر نفسه / 224 .

الصفحة (106)

انتهت إليك عني اُمور … أمّا ما ذكرت أنه رُقي إليك عني ، فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون المشاؤون ... )) .

وهنا يوضح (عليه السّلام) أنّ جهاز الحكم لا يمكنه أن يكسب ثقة الناس من خلال سياسة الاستخبارات والجاسوسية ؛ لأنّ الوشاة والنمّامين يفرّقون قبل أن يوحّدوا . ثمّ ينفي (عليه السّلام) أن يكون قد أعدّ العدة لشن حرب عسكرية ظاهرية ضد معاوية ؛ لأنّ سياسته وإستراتيجيته كانتا تقومان على أساس تشكيل معارضة قوية ضد الحكم الاُموي , تتفجّر بعد معاوية وتستمر إلى ما شاء الله .

ثم يقول (عليه السّلام) مهّدداً هو الآخر معاوية : (( … وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك ... )) , أي إن كانت هناك خشية فهي خشيتي من الله تعالى في أن أتركك أنت يا معاوية تتحكم في رقاب المؤمنين ، (( … ومن الإعذار فيه إليك وإلى أوليائك القاسطين حزب الظلمة ))(1) .

جرائم الحزب الاُموي

إنّ هذه الرسالة يكتبها رجل ينبغي أن يكون ـ حسب زعمهم ـ مطيعاً لمعاوية بن أبي سفيان الذي سيطر على البلاد الإسلاميّة جميعاً ، ولكن لننظر إلى لهجة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) الذي يتحدى الطاغوت الاُموي الجائر ، ويستعرض المظالم والجرائم التي ارتكبها بحق المؤمنين الصالحين ، وإعلائه في مقابل ذلك لشأن السفلة ، وشذّاذ الآفاق ، وتسليطهم على رؤوس المسلمين : (( ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين , الذين كانوا ينكرون الظلم ، ويستعظمون البدع ، ويأمرون بالمعروف ،

ـــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ القرشي 2 / 225 .

الصفحة (107)

 وينهون عن المنكر ، ولا يخافون في الله لومة لائم ، ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلظة ، والمواثيق المؤكدة ؛ جرأة على الله , واستخفافاً بعهده ؟!

أوَلست قاتل عمرو بن الحمق الخزاعي صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , العبد الصالح الذي أبلته العبادة ؛ فنحل جسمه واصفرّ لونه ، فقتلته بعد ما أمنته وأعطيته ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال ؟!

أوَلست بمدّعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف ، فزعمت أنه ابن أبيك ، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : الولد للفراش وللعاهر الحجر , فتركت سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعمداً , وتبعت هواك بغير هدى من الله , ثمّ سلّطته على أهل الإسلام ؛ يقتلهم , ويقطع أيديهم وأرجلهم ، ويسمل أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنك لست من هذه الاُمّة وليسوا منك ؟!

أوَلست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه إليك زياد أنه على دين علي (عليه السّلام) , فكتبت إليه أن اقتل كلّ مَن كان على دين علي ؛ فقتلهم ومثّل بهم بأمرك ، ودين علي هو دين ابن عمه (صلّى الله عليه وآله) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين ؛ رحلة الشتاء والصيف ؟!

وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ودينك , ولاُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) , واتقِ شقَّ عصا هذه الاُمّة ، وأن تردهم إلى فتنة أعظم على هذه الاُمّة من ولايتك عليها ... ))(1) .

الفتنة الكبرى

فمن الفتن الكبرى أن يدير اُمور المسلمين رجل مثل معاوية ويزيد ، والطغاة الذين يتحكّمون برقاب المسلمين اليوم .

ـــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ القرشي 2 / 225 ـ 226 .

الصفحة (108)

ثمَّ يقول (عليه السّلام) : (( … ولا أعظم لنفسي ولديني ولاُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) أفضل من أن اُجاهرك ؛ فإن فعلت فإنّه قربة إلى الله ، وإن تركته فإني استغفر الله لديني ، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري ))(1) . فليس الاحتياط في ترك السلاطين ؛ فمن حارب السلطان ضَمِنَ الجنّة ، ومن ترك محاربته فلقد يمتلك عذراً عند الله تعالى ، وقد لا يمتلكلا .

يقول (عليه السّلام) مستمراً في لهجته التهديدية : (( … وقلت فيما قلت : إنّي إن أنكرتك تنكرني ، وإن أكدك تكدني ؛ فكدني ما بدا لك … ))(2) .

 فلنتأمل هذا التحدي الذي صدر من رجل هو في الظاهر من عامة الناس , يخاطب طاغوت زمانه : (( فكدني ما بدا لك ؛ فإني أرجو أن لا يضرني كيدك ، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك ؛ لأنّك قد ركبت جهلك , وتحرّصت على نقض عهدك . ولعمري ما وفيت بشرط ، ولقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان , والعهود والمواثيق , فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقُتلوا ، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقّنا …

فابشر يا معاوية بالقصاص ، واستيقن بالحساب ، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ احصاها . وليس الله بناسٍ لأخذك بالظنة , وقتلك أولياءه على التهم ، ونفيك إياهم من دورهم إلى دار الغربة , وأخذك الناس ببيعة ابنك الغلام الحدث , يشرب الشراب ، ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلاّ قد خسرت

ـــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ القرشي 2 / 226 .
(2) المصدر نفسه .

الصفحة (109)

نفسك ، وتبرت دينك , وغششت رعيتك , وسمعت مقالة السفيه الجاهل , وأخفت الورع التقي ، والسلام ))(1) .

الإعداد للثورة

ولعل هذه المرحلة كانت في اُخريات أيام معاوية ؛ حيث جمع الحسين (عليه السّلام) في مكة المكرمة وفي أيام الحج كلَّ مَن كان يمتّ إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بصلة من بقية الأصحاب , ولعل سبعين رجلاً منهم كان قد حضر , بالإضافة إلى التابعين الذين قدم منهم ما يقرب من أربعمئة رجل ، بالإضافة إلى المؤمنين الصالحين الذين دعاهم الحسين (عليه السّلام) للاجتماع في مكة ؛ حيث أقام معهم مؤتمراً سياسياً بيّن لهم فيه الوضع الخطير الذي يسود الاُمّة ، ثم أمرهم أن يبلغوا المسلمين ، ويعدّوهم للثورة .

وقد هيّأ الإمام الحسين (عليه السّلام) كلَّ تلك المقدمات في عصر معاوية ، وكان من ضمن ما قاله (عليه السّلام) في الأصحاب والتابعين : (( أما بعد , فإنّ هذا الطاغية ـ يعني معاوية ـ قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم ، وعلمتم وشهدتم ، وإني اُريد أن أسألكم عن شيء ؛ فإن صدقت فصدّقوني ، وإن كذبت فكذّبوني .

 اسمعوا مقالتي ، واكتبوا قولي ، ثمَّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم ؛ فمن أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا ؛ فإني أتخوف أن يدرس هذا الأمر ويغلب ، والله متم نوره ولو كره الكافرون ))(2) .

ـــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ القرشي 2 / 226 ـ 227 .
(2) المصدر نفسه / 228 ـ 229 .

الصفحة (110)

ثمَّ بيّن (عليه السّلام) في حديث طويل فضائل أهل البيت (عليهم السّلام) ، والطريق الإسلامي القويم ، وأعلن عن منشور ثورته . وهكذا فإنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) كان قد بدأ ـ في الواقع ـ ثورته ضد الحزب الاُموي منذ أيام معاوية ، ولكنّ حركته كانت حركة سرية ، ثم تحوّلت إلى حركة علنية بعد موت معاوية .

ونحن إذا درسنا التاريخ بعمق ودقة نجد أن نهضة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) هي التي أسقطت ، لا الحزب الاُموي فحسب بل تلك القيم الجاهليّة التي كان الاُمويّون يحاولون زرعها في الأمّة ؛ أي إنّ الحسين (عليه السّلام) نجح في محاربة الردّة الجاهليّة الاُموية ، والدليل على نجاحه هو تلك الثورات والانتفاضات التي توالت بعد عصره (عليه السّلام) ، وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا .

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى