الإمام الحسين (ع) قدوة الصديقين

 
 

الصفحة (111)

سر عظمة الإمام الحسين (عليه السّلام)

ترى لماذا كتب الله (عزّ وجلّ) عن يمين العرش بأنّ الحسين (عليه السّلام) (مصباح هدى وسفينة نجاة)(1) ؟ وكيف جعل السبط الشهيد بمثابة سفينة نوح مَن ركبها نجا ومَن تخلف عنها هلك ؟ ولماذا هذه الكرامة البالغة لشخص أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) عند الله , وأنه ـ كما جاء في الحديث ـ : (( إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض ))(2) , أي إنّ أهل السماء أعرف بالحسين وكرامته من أهل الأرض , مع أنّنا نجد أنّ كرامته عند أهل الأرض ليست بالقليلة ؟

في كلِّ عام يحلّ علينا موسم محرّم ، موسم الحزن الثائر ، فنجد الدنيا وكأنها قد انقلبت ؛ فالشوارع تتجلّل بالسواد ، والناس يفرضون على أنفسهم لباس الحزن ، والإذاعات ومحطات التلفاز تبثّ برامج خاصة بهذه المناسبة ؛ فهذا الموسم هو نسمة جديدة تهب على قلوب العالمين ليس في المناطق التي يسكنها أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) فحسب , وإنما في سائر مناطق العالم .

فلماذا أعطى الله سبحانه هذه الكرامة لأبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ؟

ـــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 91 / 184 ، ح1 .
(2) المصدر نفسه .

الصفحة (112)

نظرات في عظمة الإمام الحسين (عليه السّلام)

البعض من الناس عندما يقفون إزاء عظمة عاشوراء ، وملحمة كربلاء ، فإنّهم يعبّرون عن إعجابهم بالحسين (عليه السّلام) , وبتلك الثورة الناهضة التي ما تزال حيّة في أفئدة الجماهير ؛ فهم يقدّرونه (عليه السّلام) لأنه كان حراً لم تستعبده السلطة ، ولأنه دافع عن حريته ، ودعا الناس إلى التحرر .

كل ذلك صحيح , ولكنه ليس كل القضية بل هو جزء بسيط منها ؛ فالأحرار كثيرون ، وكثير من الناس عاشوا وماتوا أحراراً ، في حين أنّنا لا نقدّسهم ولا نقدّرهم كما نقدّس ونقدّر أبا عبد الله الحسين (عليه السّلام) .

والبعض الآخر يرى أنّه (عليه السّلام) ناضل وجاهد من أجل إقامة حكم الله في الأرض ، وثار من أجل إقامة العدل ، وإحياء الدين ، وبث روح القيم القرآنية في الاُمّة . وهذا صحيح أيضاً ، ولكنه هو الآخر لا يمثل كل القضية ؛ فكثيرون هم اُولئك الذين ثاروا من أجل إقامة حكم الله تعالى ، وقُتلوا في هذا الطريق ، والبعض منهم استطاع أن يحقق هدفه ؛ فأقام حكم الله في قطعة معينة من الأرض .

والبعض الآخر يرى أنّ سرّ بقاء ملحمة كربلاء في أنّها كانت ملحمة مأساوية لم ولن تقع في التاريخ ملحمة أشد فظاعة وإيلاماً وحزناً منها ، حتّى مضى هذا المثل في التاريخ (لا يوم كيومك يا أبا عبد الله) .

فيوم الحسين (عليه السّلام) أعظم من كل يوم ؛ فقد اقرح الجفون ، وأسبل الدموع ، ولكن ليس هذا هو سرّ عظمة أبي عبد الله (عليه السّلام) ؛ فالمآسي في التاريخ كثيرة ، والذين قُتلوا ودُمّروا وقُتلت عوائلهم كثيرون ؛ من مثل الحسين شهيد فخ ، وزيد بن علي اللَّذين تعرّضا للإبادة هما


الصفحة (113)

وعوائلهما بشكل فظيع ، ومع ذلك فإنّنا لا نجد كلَّ الناس يهتمون بهذه الأحداث , بل لعل أكثرهم لا يعرفون عنها شيئاً .

الخلوص والصفاء

وبناءً على ذلك فإنّ عظمة الحسين (عليه السّلام) لا تكمن فقط في أنّ شخصيته كانت شخصيّةً ثائرة حرّة ، أو لأنّها تعرضت للإبادة بشكل فظيع . إذاً , فما هو سرّ هذه العظمة ؟

للإجابة على هذا السؤال نقول : لا بدّ أن نعلم بأنّ الله سبحانه هو خالق الكون , ومليك السماوات والأرض ، وبيده الأمر ، وأنّه يرفع مَن يشاء ويضع مَن يشاء ، وأنّ مَن تمسّك بحبله رفعه ، ومَن ترك حبله وضعه .

ومن المعلوم أنّ الحسين (عليه السّلام) تمسك بحبل الله فرفعه ، وأخلص العمل له فأخلص الله له ودّ المؤمنين ، وجعل له في قلب كلِّ مسلم حرارة . وقديماً عندما خلق الله (تقدّست أسماؤه) آدم (عليه السّلام) وأسكنه الجنّة ، رأى آدم ما رأى حول العرش من الأنوار ، ثمّ علّمه جبرائيل تلك الأسماء والكلمات ، ونطق بها ، وأقسم على الله (عزّ وجلّ) بتلك الكلمات والأنوار الخمسة ... فلما ذكر الحسين (عليه السّلام) سالت دموعه وانخشع قلبه ، وقال : يا أخي جبرئيل , في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي !

قال جبرئيل (عليه السّلام) : ولدك هذا يُصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب .

فقال : يا أخي , وما هي ؟

قال : يُقتل عطشانَ غريباً , وحيداً فريداً , ليس له ناصرٌ ولا معين … فبكى آدم وجبرئيل بكاء الثكلى(1) .

وهكذا فإنّ قيمة الإمام (عليه السّلام) تكمن في أنّه كان مخلصاً صفياً ، فهو (عليه السّلام)

ــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 44 / 245 .

الصفحة (114)

لو كان يمتلك ألف ابن مثل عليّ الأكبر , وكان عليه أن يضحّي بهم في لحظة واحدة لما تردّد في فعل ذلك ؛ لأنه جرّد نفسه عن أهوائه رغم أنه (عليه السّلام) كان يحب عليّ الأكبر حباً لا حدّ له ، حباً لا يمكن أن يضمره أي أبٍ لابنه ؛ لأنّ علياً الأكبر كان أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) خَلقاً وخُلقاً ، ومع ذلك فإنّ حب الحسين (عليه السّلام) لله تعالى كان أشدّ كما يقول سبحانه : (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبَّاً لِلَّهِ)(البقرة/165) .

ونحن إذا رأينا اليوم أنّ الناس يقدّرون أبا عبد الله (عليه السّلام) ، وإذا رأيناهم يحملون إلينا في كل شهر محرم موسماً جديداً وميموناً من ذكراه (عليه السّلام) , فلأن ثورته كانت ثورة ربانية ، ولأنه كان أباً للأحرار ، وثائراً من أجل الدين ، وكان يريد إقامة حكم الله في الأرض ، ومع كل ذلك فإنّ هذه المزايا تعّد اُموراً ثانوية .

فالإمام الحسين (عليه السّلام) عندما وقف في عرفة وقرأ ذلك الدعاء الخالد الذي هو بحق كنز من كنوز الرحمة ، وموسوعة توحيدية كبرى ، فإنّه قد جسّد فقرات هذا الدعاء في كربلاء ؛ فهو عندما قال وهو متوجّه إلى الله جل جلاله : (( إلهي , ماذا فقد من وجدك , وماذا وجد من فقدك ))(1) ؟ فإنّه كان يرى أن كل شيء في الوجود ، وكل القيم متمثلة في حب الله ومعرفته .

وقد جسّد (عليه السّلام) كل ذلك في كربلاء كلما كان يفقد عزيزاً أو ابناً أو أخاً من أعزّ الاُخوان عليه ؛ فعلى سبيل المثال فإنّ أبناء واُخوان وأصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) الذين ضرّجوا بدمائهم في كربلاء كان كل واحد منهم يمثّل نجماً في اُفق التوحيد ؛ فقد كان بعض أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) أصحاباً للنبي (صلّى الله عليه وآله) ؛

ــــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ دعاء الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عرفة / 273 .

الصفحة (115)

من مثل حبيب بن مظاهر الذي اُوتي علم المنايا والبلايا ، ومن مثل مسلم بن عوسجة الذي كان فقيهاً وعالماً من العلماء العظام . ولقد قُتل هؤلاء الواحد تلو الآخر , ومع ذلك فإنّ وجه أبي عبد الله (عليه السّلام) كان يزداد إشراقاً رغم أنّ قلبه كان يتفطّر ألماً عليهم .

وبعد أن أكمل (عليه السّلام) مهمته قبض قبضة من تراب كربلاء ، ووضع جبهته الشريفة عليه وقال : (( صبراً على قضائك يا رب , لا إله سواك يا غياث المستغيثين , ما لي رب سواك , ولا معبود غيرك ... ))(1) .

وفي الحقيقة فإنّ ما نعطيه ويعطيه العاملون لتجديد ذكرى أبي عبد الله (عليه السّلام) لو وضع في كفة ، ووضعت كلمة الحسين (عليه السّلام) هذه في تلك اللحظة ، وفي ذلك الموقف في كفة اُخرى لرجحت كلمة الحسين على أعمالنا جميعاً ؛ فلقد أعطى (عليه السّلام) كلَّ ما يملك في سبيل الله حتّى الطفل الرضيع ، وعائلته التي وضعها في بحر من الأعداء الشرسين المتوحشين ، ومع كلِّ ذلك فقد قال : (( صبراً على قضائك يا رب , لا إله سواك يا غياث المستغيثين , ما لي رب سواك , ولا معبود غيرك ... )) .

وهكذا فإنّ الذي جعل ذكرى الحسين (عليه السّلام) خالدة هو أنّ ما كان لله يبقى ، والإمام الحسين (عليه السّلام) عمل مخلصاً لوجه الله .

ونحن إذا أردنا أن نرضي الخالق تبارك وتعالى ، والحسين ، وجدّه واُمّه , وأباه وأخاه ، والأئمة من ولده (عليهم الصلاة والسّلام جميعاً) فلا بدّ أن نخلص أعمالنا لوجه الله ، وأن نفعل كلَّ ما يمكننا من أجل أن نخلّد ونجدّد ذكرى الثورة الحسينيّة حتّى من خلال التظاهر بالعزاء ، والبكاء عليه بصوت عالٍ بحيث يسمعنا الآخرون .

ــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للمقرم / 357 .

الصفحة (116)

مأساة تستدر الدموع

وفي هذا المجال روى لي أحد الخطباء قصة طريفة يقول فيها : كنّا نقيم مجالس العزاء على الحسين (عليه السّلام) في بلد أجنبي , في صالة نستأجرها كلّ عام ، فسألني أحد الأشخاص المسيحيين قائلاً : إنّكم تأتون إلى هذه الصالة وتستأجرونها سنوياً لتبكوا ، في حين أنّ الآخرين يستأجرونها لإقامة مجالس الأعراس والأفراح ، فلماذا تفعلون ذلك ؟!

فقلت له : لأننا في عزاء .

فقال : عزاء مَن ؟

فقلت : عزاء سيّدنا وإمامنا وقائدنا .

فقال لي : متى اُصيب , وكيف ؟

فقلت : قبل ألف وأربعمئة عام .

فتعجّب من ذلك ، وأصابته الدهشة لأننا ما زلنا نبكي على رجل مات قبل مئات السنين . فقلت له : إنّ مقتله لم يكن عادياً ؛ فلقد قُتل مظلوماً , وبشكل مأساوي بعد أن دعاه الناس ، ووعدوه بالنصرة ، فإذا بهم يخذلونه ، ويسلمونه للأعداء ، ويحيطون به في صحراء قاحلة حيث لا ماء ولا طعام ، وحتّى طفله الرضيع لم يسقوه شربة من الماء , بل رموه بدلاً من ذلك بسهم قاتل .

يقول الخطيب : وبعد أن شرحت للرجل المسيحي سبب بكائنا على الإمام الحسين (عليه السّلام) إذا به يجهش بالبكاء ، وتتقاطر دموعه ، ويظهر تعاطفه معنا ، ثمّ طلب منّا أن نسمح له بأن يشاركنا في العزاء على أبي عبد الله (عليه السّلام) .

وهكذا فإنّ سر خلود الثورة الحسينيّة يكمن في أنها كانت ثورة ربّانية خالصة لوجه الله الكريم ، وأنها كانت من الأحداث التي قدّر الله لها أن تحدث منذ الأزل ؛ فقد كانت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالمشيئة الإلهية .

وأمّا بالنسبة للعوامل الاُخرى التي تُذكر في تفسير سر خلود ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) فهي أسباب ثانوية تتفرّع من السبب الرئيس الذي ذكرناه .


الصفحة (117)

 

الفصل الثالث

 

على هدى الإمام الحسين (عليه السّلام)

 


الصفحة (118)


الصفحة (119)

كربلاء البداية لا النهاية

(وإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا اُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَآ إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي َقالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وإِلهَ ءَابآئِكَ إبراهيم َوإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ إِلهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(البقرة/127 ـ 133) .

هل كانت فاجعة الطف الأليمة نهاية أم بداية ؟

كثير من الناس يزعمون أنّ هذه الفاجعة كانت نهاية ؛ لأنّ أهل البيت (عليهم السّلام) , وفي طليعتهم حجة الله الإمام الحسين بن علي سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد قُتلوا بتلك الطريقة المأساوية الأليمة التي لم ولن يأتي


الصفحة (120)

الزمان بمثلها ؛ ولذلك يبنون كلَّ حياتهم على هذا الأساس . فلأن الإمام الحسين (عليه السّلام) قد قُتل واستشهد , وسُبيت عياله وحريمه ، إذن لا يمكن لأحد أن يقوم بالسيف ويطالب بالحق ؛ لأنّ الإمام الحسين (سلام الله عليه) لم يستطع أن يقيم دولة الإسلام ، فلن تقوم للإسلام دولة أبد الدهر .
وهكذا تتسلسل في خيالاتهم حلقات الهزيمة والانطواء ، ويكتفون بأن يُخلّدوا هذه الذكرى بأية طريقة ممكنة ، لا لكي يتّخذوا منها منطلقاً ، وإنّما لكي يتّخذوا منها مبرّراً وعُذراً وتعلّلاً لكيلا يتحركوا ولا يعملوا شيئاً ؛ فالإمام الحسين قُتل ونحن نبكي عليه ونلطم ، ونقيم الشعائر المختلفة من أجل إحياء ذكراه وحسب , وكفى الله المؤمنين القتال !

تكامل مسيرة التاريخ

ولكن الحقيقة هي على العكس من ذلك , ففاجعة الطفِّ كانت البداية ؛ فمنذ القطرة الأخيرة التي اُريقت من دم أبي عبد الله الحسين (سلام الله عليه) بدأت شجرة الإسلام بالحياة من جديد ، وكان ذلك اليوم بداية الربيع ؛ حيث إنّ عشرات الملايين من البشر اهتدوا بأبي عبد الله الحسين (سلام الله عليه) , وبدأت مسيرة التاريخ تتكامل وتتكامل ، وتتحقق كلمة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ، حيث قال : (( حسينٌ منّي وأنا من حسين ))(1) .

فالبداية كانت في تلك اللحظة التي وقفت فيها الصدّيقة الصغرى زينب الكبرى (سلام الله عليها) في يوم الحادي عشر من شهر محرم سنة إحدى وستين للهجرة ، على مصرع أخيها الحسين (عليه السّلام) , وألقت

ــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ القرشي 2 / 265 .

الصفحة (121)

خطاباً أكّدت فيه على أنّ هذا المصرع سيكون عَلَماً وبدايةً للتاريخ ، وسيجتمع المسلمون حول هذا المكان ليتّخذوا منه منطلقاً للبعثة , وتحولاً جديداً للإسلام .

وكانت (سلام الله عليها) صادقة ؛ لأنّها كانت تتحدّث عن أبيها (عليه السّلام) ، عن جدها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، عن جبرئيل (عليه السّلام) ، عن الله سبحانه وتعالى ، حديثاً ذا سلسلة ذهبية تتصل برب العزة .

فبداية التحول أو التحول نفسه شمل قتلة الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فهذا سنان ـ وهو أحد القتلة ـ يأتي برأس الحسين (عليه السّلام) إلى عمر بن سعد وهو يقول :

أوقر ركابي فضـةً أو ذهبـا    إنّـي قتلتُ السيـّد المحجّبـا
قتلتُ خير الناس اُمّـاً وأبـا    وخيرهم إذ ينسبون النسبا
(1)

مما لا شك فيه إنّ هذا الرجل مصيره النار ، وقد بدأ يعترف بجرائمه بحق خير الناس , وهكذا تبدأ الاعترافات الواحدة تلو الاُخرى ، كلٌّ يقول ماذا فعل ؛ ولذلك وبعد حوالي أقل من خمس سنوات من مقتل أبي عبد الله الحسين (سلام الله عليه) قام الصحابي الجليل سليمان بن صُرد الخزاعي بتلك الثورة العملاقة (ثورة التوابين) .

وكان سليمان (عليه الرحمة) آنذاك رجلاً طاعناً في السن ، ناهز التسعين من عمره ، ومع ذلك استطاع أن يعبِّئ أربعة آلاف شخص مستعد للشهادة ، وكانوا يجمعون السلاح في شوارع الكوفة وينادون : يا لثارات الحسين .

وكانوا أول من سقى الناس الماء مجّاناً ، وكانوا يقولون لمن يسقونه الماء : (اشرب والعن قاتل الحسين) ، مع أنّ

ــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ القرشي 3 / 305 .

الصفحة (122)

جلب الماء كان صعباً حينها ؛ لبُعد منابعه ومصادره عن المدينة ، ولكنهم جمعوا بهذا الاُسلوب الأنصار ، وقرروا الذهاب إلى الشام لمقاتلة الظلمة قاتلي الإمام الحسين (عليه السّلام) ، حيث استشهد معظمهم في معركة غير متكافئة , فهل كانت حركتهم بداية أم نهاية ؟

إنها بداية تبعتها حركة المختار الثقفي ، ثم حركة أهل المدينة التي عُرفت بـ (واقعة الحرة) , والتي خلع فيها أهل المدينة بيعة يزيد والاُمويِّين من رقابهم بعد أن عرفوا حقيقتهم ، فأرسل إليهم يزيد عشرة آلاف رجل بقيادة (مسلم بن عقبة) , أو كما يسميه المسلمون (مُسْرِف) ؛ لإسرافه في القتل , وتجاوزه على مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وصحابته والتابعين , وهتك أعراضهم ، فما استسلم أهل المدينة ، بل حاربوا حرباً استشهادية فدائية , أي حرب من نوع جديد تعلّموها من أبي عبد الله الحسين (سلام الله عليه) .

فإذن هنا كانت البداية ، ثمّ انّطلقت الثورات والتي كان أبرز المشاركين فيها أعقاب الإمام الحسن (سلام الله عليه) ، أبناء وأحفاد الحسن المثنى الذي شارك في معركة كربلاء ولم يُقتل ، وإنما جُرح ، فضلاً عن أبناء خاله وخالاته ، وكان قد عولج وشفي .

وقد نظم هؤلاء السادة الحسنيون حركات وثورات متلاحقة لا يرد ذكرها في الأخبار عادة . وكانت الأنظمة الحاكمة تُلقي هؤلاء الثوار في سجون رهيبة ، هي عبارة عن حُفر يُلقى الطعام إليهم فيها من كوى صغيرة في الأعلى ، وكانوا لا يميزون الليل من النهار في تلك الحفر إلاّ بمقدار قراءتهم القرآن الكريم , أي إنهم كانوا يقرؤون


الصفحة (123)

ثمانية أجزاء من القرآن مثلاً حتّى يحين موعد صلاة الظهر ، ثم ثمانية اُخرى حتّى يحين موعد صلاة المغرب , وهكذا فلا ليل ولا نهار ، وإذا مات أحدهم لا يُدفن ، بل يُترك في مكانه حتّى يتحلّل ، ثمّ يموت آخر وآخر ، يموتون جميعاً ، فيُهدم السجن على جثثهم ويصبح قبراً لهم .

ورغم ذلك كانوا يثورون , وقد كان عيسى بن زيد بن علي بن الحسين صغيراً عندما توفّي والده في المنفى ، وقد سُمّي بالسيد السقّاء ؛ لأنّه خرج من بلده ودخل الكوفة ، واستأجر بعيراً , وكان يسقي عليه ، ويأكل من ثمن السقاية ، وكان لا يُعرف عنه شيء سوى أنه سقّاء .

ولمّا توفي ترك ولدين أخذهما أحد أصحابه وجاء بهما إلى المهدي العباسي ، وما إن قيل للمهدي العباسي : إنّ فلاناً جاء , قال : دعوه يدخل ، فقد جاء إلى الموت برجله ؛ إذ إننا نبحث عنه , وقد رصدنا مكافأة لمن يقبض عليه .

فجاء ودخل ومعه الطفلان ، وسلّم على الخليفة العباسي ، فلم يرّد عليه سلامه ، ولكنه قال له : لقد جئت برجلك إلى الموت .

قال : يا خليفة ، جئتك معزّياً ومبشراً .

قال : بم تبشّرني ؟

قال : لقد توفي عيسى بن زيد .

فقال : إنها والله لبشارة حقاً .

وقد كان عيسى قبل وفاته رجلاً كبيراً في السن ، وكان مجرّد سقّاء ، ومع ذلك كان شبحه يلاحق الخليفة في قصره ببغداد .

ثم قال : وبم تعزّيني ؟

قال : هذان ولداه وقد أصبحا يتيمين . وبكى , ثم قال له المهدي العباسي : لقد عفونا عنك لبشارتك ، وأمّا الطفلان فسيبقيا عندي ؛ لقرابتهما منّي ، فهما وأنا من بني هاشم !

وهكذا بقي مزيد بن عيسى والحسين بن عيسى عند المهـدي الذي وضعهم في دار الخلافة مع أولاده , حيث يصطحبونهم يومياً


الصفحة (124)

إلى الصيد , أي إنهما كانا سجينين في دار الإمارة ، وعندما كبر أحدهم وأصبح عمره سبعة عشر عاماً ، ذهب إلى أحد الأصقاع وجمع أنصاراً وقاد ثورة على المهدي العباسي .

حملة الرسالة

وهكذا فقد حمل أولاد الإمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) الرسالة والثورة ، ليس من الجانب الثوري وجانب حمل السلاح فقط ، بل ومن جانب العبادة والعلم , وتبليغ الرسالة , وقيادة الاُمّة في مختلف المجالات أيضاً . إذاً فكربلاء كانت البداية . والسؤال هو : كيف أصبحت كربلاء البداية نهايةً في أذهان بعضنا ؛ مما جعلها وسيلة للتبرير والاعتذار عن العمل والتعلل ؟

إنني اُريد أن أستوحي الإجابة السليمة من الآيات القرآنية التي توّجتُ بها الحديث : إنّ في كل حركة في التاريخ جانبين ؛ جانب الهدم وجانب البناء ، فأنت إذا أردت أن تبني عمارة ضخمة فلا بدّ لك قبل كلِّ شيء من أن تهدم العمارة السابقة المنهارة والخاوية على عروشها ، وتسوّي الأرض , وترسي القواعد , وتبني تلك العمارة الضخمة التي تريدها ، أليس كذلك ؟

وكربلاء أرض كانت فيها رسالتان ؛ رسالة الهدم ورسالة البناء , وقد جاء الإمام الحسين (سلام الله عليه) بهاتين الرسالتين ، فأعلن : لا ليزيد , ولا لبني اُميّة , ولا للطاغوت ، وقال : (( مثلي لا يبايع مثله ))(1) .

ــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 44 / 325 .

الصفحة (125)

و (( هيهات منّا الذلة ! ))(1) , وهذا يعني الهدم . أي هدم بناء بني اُميّة ، ذلك البناء الجاهلي الفاسد .

وكل حركة كانت في هذا الاتجاه كانت هدماً للطغيان الاُموي ، ولكن هل كانت كل الحركات للهدم فقط ؟ كلا بالطبع ؛ فقد كان إلى جانب هذا الهدم بناء ، والبناء هنا يعني بناء الحركة ؛ فالإمام الحسين أكد أيضاً أنه : لا ليزيد ، نعم لولاية الله تعالى وولاية رسوله (صلّى الله عليه وآله) ، وولاية علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , وولاية الإمام الحسن (عليه السّلام) ، وولاية الحسين (عليه السّلام) نفسه ، وولاية أولاده المعصومين (عليهم السّلام) .

كفى المشكلة أنه منذ ظهور الخوارج ظهرت مجموعات من الناس لا تقول سوى (لا) , وليس عندها (نعم) . كانوا يقولون : (لا حكم إلاّ لله) , ولكن الله هو الذي ينزّل الشرائع من السماء ويحكم . وقد لاحظنا عبر التاريخ أن الله يرسل أنبياءه ليحكموا , (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بإِذْنِ اللّهِ )(النساء/64) ، (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)(النساء/64) .

إذاً فالقصة قصة (لا) و (نعم) ؛ لا للطاغوت ، نعم للرسول ، نعم للإمام . وحينما قال الخوارج : (لا) حاربوا الإمام علياً (عليه السّلام) , وحاربوا الإمام الحسين (عليه السّلام) , وحاربوا يزيد , وحاربوا معاوية , وحاربوا بني العباس …

وبدا أنهم يجهلون ما يريدون ! ثم حاربوا أنفسهم إلى أن انتهوا

ــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ القرشي 2 / 193 .

الصفحة (126)

وانقرضوا تقريباً ؛ فلقد انهى السلب والنفي والرفض كلَّ شيء لديهم حتّى وجودهم .

حركات ذات بعدين

تعتبر حركة الإسلام حركة ذات بعدين ؛ حيث بدأ الإسلام بكلمة (لا إله إلاّ الله) . فحينما نقول : (لا إله) فإنّنا نعني ألا يكون هناك وثن , ولا صنم , ولا عبادة للشمس , ولا عبادة للنجم , ولا عبادة للطاغوت , ولا عبادة للقوم , ولا عبادة للعنصر , ولا عبادة للدم , ولا عبادة للوطن , ولا عبادة للأرض . أما حينما نقول : (إلاّ الله) فذلك يعني أننا نقول : نعم لله ورسوله وخلفائه , وحزبه وجنده .

في حين أن الخوارج أخذوا فقط (لا إله) فسكتوا ؛ لأنّ الذي ينفي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ينفي الله ، والذي ينفي علياً (عليه السّلام) ينفي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، والذي ينفي الحسن ينفي علياً (عليهما السّلام) ، والذي ينفي الحسين ينفي الحسن (عليهما السّلام) , أي إنّ الذي لا يقبل التالي إنّما يرفض الأوّل تلقائياً ، يرفضه ويتسلسل .

وهذه الناحية الثانية ظلت عالقة في تاريخنا مع الأسف ؛ فقد عمّقنا الرفض في أنفسنا ، ولكننا لم نفلح في تعميق حالة الإيجاب ؛ ولذلك أصبحنا اُمة رافضة دون أن نكون اُمة بانية لتاريخها . إذاً كيف بُني التاريخ ؟

أعلى درجات الإيمان

لقد بُني التاريخ من خلال القرآن الكريم ؛ فالقرآن الكريم يؤكّد ويركز ـ وبالذات في الآيات التي تلوناها ـ على حقيقة مهمة ، وهي بصيرة التسليم ؛ فلقد كانت من أعظم صفات النبي إبراهيم (عليه السّلام) صفة التسليم .


الصفحة (127)

والتسليم يعني القبول والرضا , والطاعة والاتّباع , (وإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإِسْمَاعِيلُ)(البقرة/127) . كان النبي إبراهيم يرفع القواعد , وإسماعيل يساعده , (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ)(البقرة/127 ـ 128) , والإسلام يعني التسليم والرضا المطلق .

حينما وضع النبي إبراهيم (عليه السّلام) في المنجنيق ورُمي به تلقّاه جبرئيل في الهواء , فقال : هل لك من حاجة ؟

قال : أمّا إليك فلا ؛ حسبي الله ونعم الوكيل .

فاستقبله ميكائيل فقال : إن أردت أخمدتُ النار ؛ فإنّ خزائن الأمطار والمياه بيدي .

فقال : لا اُريد .

وأتاه ملك الريح فقال : لو شئت طيرّت النار .

قال : لا اُريد .

فقال جبرئيل : فاسأل الله .

فقال : حسبي من سؤالي علمهُ بحالي(1) .

إنّ النبي إبراهيم (عليه السّلام) يطلب من الله أن يجعله من المسلمين ؛ فالإسلام درجة أعلى من كل الدرجات , (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا اُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْـتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَـةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ)(البقرة/128 ـ 130) .

تُرى كيف اقتضى الاستنتاج القرآني أنّ مَن لا يرغب بسلوك طريق النبي إبراهيم (عليه السّلام) أن يكون من السفهاء ؟

ـــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 68 / 156 .

الصفحة (128)

الجواب : (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا)(البقرة/130) ؛ لأنّ الله اصطفى إبراهيم (عليه السّلام) ، وكان أفضل الخلق في عصره , (وَإِنَّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)(البقرة/130) ؛ لأنه حينما (قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ)(البقرة/131) ، أي ارضَ بكلام الله ، (قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)(البقرة/131) ، أي إنه لا يوجد لدي اعتراض على الله ؛ فأنا مستعد لتنفيذ ما يأمر به .

هكذا هي ملة النبي إبراهيم (عليه السّلام) ، والأنبياء (عليهم السّلام) جميعاً لديهم هذه الملـة , (وَوَصَّى بِهَآ إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ)(البقرة/132) . هذا الخط الممتد من النبي إبراهيم (عليه السّلام) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يدعو كله إلى كلمة واحدة , وهي كلمة الإسلام , أي التسليم والرضا المطلق . (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ)(البقرة/132) , أي مسلمون لرب العالمين , وهكذا تتسلسل الآيات .

وحينما تكون الاُمّة مسلمة فهي تهدم العدو وتبني الصديق ؛ لأنّ الإسلام يقتضي التسليم للقيادة والأوامر والأحكام الشرعية ، وأيضاً رفع الاختلافات .

وقد قال ربنا في آية اُخرى : (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ


الصفحة (129)

حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)(النساء/65) ، أي يجعلوك حاكماً فيما نمى بينهم من الخلافات والصراعات ، (ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(النساء/65) .

إنّ القضايا المتواضعة التي تفتّتنا هي سبب تخلفنا ، وهي في الواقع جراثيم تتكاثر وتتكاثر إلى أن تصبح خلافات وصراعات ضخمة . إنّ تعبير القرآن الكريم تعبير بليغ ، فهو يقول : (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ، ولو أنّ المتخاصمين ذهبوا منذ الوهلة الاُولى لبروز الخلاف إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وحسموه لما تحول هذا الخلاف إلى أنهارٍ من الدم , ومعولٍ لهدم الاُمّة والحضارة .

نحن يجب أن نبني ، وعلينا ان نأخذ من واقعة كربلاء منطلقاً للبناء ؛ وذلك بتكريس حسِّ الولاء لأهل البيت (عليهم السّلام) في أنفسنا ؛ بحيث نوالي أهل البيت (عليهم السّلام) , ونوالي أولياءهم ، ونعادي اعداءهم ..


الصفحة (130)

الحزب الجاهلي والتحدي الرسالي

كان الرجل مسافراً في سفرة طويلة ، فلمّا عاد إلى أهله بعد سنين وجد في البيت بنتاً ذات خمس أو ست سنوات , سأل زوجته : مَن هذه البنت ؟ فقالت : كنتُ حاملاً حينما سافرت .

فأضمر الرجل في قلبه شراً , وتحيّن الفرصة , وذات يوم اصطحب ابنته إلى ضاحية القرية التي كان يسكنها ، وبدأ بحفرِ حفرة ، بينما جلست البنت على طريق الصحراء تنظر إلى أبيها ، وهي لا تعلم لِمَ كان مشغولا بحفر تلك الحفرة ، وكان كلما تعب وعاد ليجلس تأتي هذه الطفلة التي هي في عمر الورود لتمسح عن وجهه التراب والغبار والعرق ، إلى أن حانت ساعة الجريمة ؛ فأخذها ودسّها في الحفرة وأهال عليها التراب .

في تلك اللحظة كانت أصوات الاستغاثة تتعالى من فم ابنته ، لكن قلبه القاسي كان عصيّاً على الرحمة ؛ فلذا دسّها ثم عاد إلى البيت ينفض ثيابه من التراب !

إحدى صور المعاناة

هذه صورة واحدة من صور المعانات التي فرضتها الجاهليّة على العرب قبل الإسلام ؛ فقد كانت ثقافتهم مليئة بالعصبية وإثارة التمايز القبلي , والتعصب القومي والعنصرية المقيتة , ولم يكن الجد والاجتهاد وسائر القيم


الصفحة (131)

البنّاءة هو ما يسود اقتصادهم ، بل كان اقتصادهم مبنياً على الغارات الليلية التي كانوا يباغتون بها بعضهم بعضاً .

فإذا أحست القبيلة بالفقر فإنّها تفكر في الغزو ، وتعتبره عملاً مشروعاً ؛ حيث تغير بالليل أو بالنهار على قبيلة اُخرى ؛ فتقتل الرجال , وتسبي النساء , وتغنم ما استطاعت أن تغنمه من الأموال .

وكانت الغارات المتبادلة بينهم تخيّم على حياتهم ، حتّى إنّ الإمام أمير المؤمنين (سلام الله عليه) يقول حينما يصوّر حياتهم : (( كان شعارهم الخوف , ودثارهم السيف ))(1) . ففي خارج ثيابهم يحملون السيف ، وفي داخل أنفسهم كان يعشعش الخوف , وكانت نظرتهم الثقافية بدائية إلى أبعد الحدود .

أمّا عبادتهم فحدّث ولا حرج ؛ فما كانت صلاتهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية (تصفيق وتصفير)، فكانوا يطوفون حول البيت عراة ، وينشدون الأشعار الفاحشة أثناء الطواف ، ويدعون الله بهذه الكلمات : (اغفر اغفر , وإن لم تغفر جزماً تغفر) , أو كانوا يقولون : (لبّيك اللَّهمَّ لبّيك ، لبّيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك ...)(2) .

لكلِّ قبيلةٍ صنم

وكانت الكعبة بهذه المساحة تحمل أكثر من ثلاثمئة وستين صنماً ، أمّا في بلادهم فكانوا يعبدون الأصنام التي يصنعونها بأيديهم من مواد شتى ، بين حجارة أو تمر أو خشب , أمّا علاقاتهم الاجتماعية فكانت مبنية على أساس الخوف والترقّب ؛ لأنّ أبسط الاُمور كانت قد تؤدي إلى

ــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة ـ خطبة رقم 89 .
(2) بحار الأنوار 3 / 253 .

الصفحة (132)

 نشوب حرب طاحنة تستمر أعواماً متطاولة كما حدث في حرب (داحس والغبراء) , وربما (البسوس) التي استمرت ثلاثمئة عاماً , وكان سببها أن رجلاً قتل ناقة آخر .

وعموماً فقد كان الفقر والجوع والخوف والتردي الحضاري يسيطر على حياتهم إلى أبعد الحدود ، فجاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليغيّر هذه الحالة رأساً على عقب ؛ فليس من العبث أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم تبق له في هذه الدنيا إلاّ بنت واحدة يقول عنها : (( فاطمة بضعة منّي , يريبني ما رابها(1) ... فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ))(2) .

وليس عبثاً أنّ الله سبحانه وتعالى قدّر لهذه البنت أن تكون الكوثر ، وأن تكون ذرّية النبي (صلّى الله عليه وآله) منها ، بل إنّ ذلك لكي يغيّر الإسلام , وتغيّر التقادير الإلهية كل تلك السنن الباطلة والثقافات السخيفة التي كانت سائدة في العصر الجاهلي .

عمل فريد من نوعه

وقد عمل النبي (صلّى الله عليه وآله) خلال ثلاث وعشرين سنة ما لم يعمله النبي نوح (عليه السّلام) بين قومه خلال ألف سنة إلاّ خمسين عاماً ، وما لم يفعله الأنبياء العظام اُولوا العزم والشدة في قرون عديدة .

فقد اختصر جهودهم في أقل من ربع القرن الذي عاشه مع اُمّته ، وتحدى ركام الخرافات والأساطير والثقافات الباطلة ، وكوّن حضارة يكمن أساس قيمتها في التعاون على البر والتقوى ؛ بحيث وصلت الحال

ـــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 21 / 279 .
(2) بحار الأنوار 43 / 54 .

الصفحة (133)

بالمسلمين إلى درجة أنّ جرحى معركة (مؤتة) كانوا يرفضون الواحد بعد الآخر شرب الماء الذي أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسقيهم به ، طالبين تقديمه لإخوتهم المجروحين ، ولسان حال أحدهم يقول : إن صاحبي أشد عطشاً مني فاسقه قبلي . رغم أنهم كانوا يحتضرون جميعاً ، وأنّ من المستحب أن يُسقى المحتضر قبل وفاته . وهكذا فقد آثر كلٌّ منهم صاحبه على نفسه ولو كانت به خصاصة حتّى ماتوا عطاشى عن بكرة أبيهم .

لقد تحول اُولئك العرب الذين كان أحدهم يقتل صاحبه بسبب لقمة خبز إلى هذه القمة العالية من المحبة والعطاء والرقة ؛ فعندما كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يلقي خطاباً فيهم كانت دموعهم تسيل على خدودهم ؛ إذ قد تحوّل قساة القلوب إلى ذوي قلوب لينة كنبتة الربيع .

وحينما وقف الإمام الحسين (عليه السّلام) على مصرع حبيب بن مظاهر قال : (( لله درّك يا حبيب ! لقد كنت فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة ))(1) . هكذا تحوّل اُولئك الناس ، وإذا بالأرض الإسلاميّة تخضرّ ، وإذا باُولئك الأذلاء يتحولون إلى أعزّة ، وإذا برسل العرب وكتبهم تتواتر وتتوافد على أقطار الأرض ، وإذا بهرقل الروم وكسرى فارس وقيصر الروم والغساسنة يكتبون الرسائل للنبي (صلّى الله عليه وآله) أو لمن جاء بعده متوسّلين قبول عذرهم ، وإذا بالجيوش الإسلاميّة تقتحم المدن بعد المدن وتصل إلى ما تصل إليه .

وخلال ربع قرن ساد الإسلام مناطق واسعة من العالم ؛ ذلك لأنّ القيم الجاهليّة الشيطانيّة الخبيثة تحولت إلى قيم ربانية عالية . ولكن الجاهليّين

ـــــــــــــــ
(1) مجمع مصائب أهل البيت (عليهم السّلام) / 131 .

الصفحة (134)

جاؤوا ولبسوا رداء الإسلام وتسللوا إلى مواقع السلطة ، وهؤلاء هم بنو اُميّة ومَن لفَّ لفيفهم ، وقد حملوا راية الكفر علنا ، وكان هدفهم الأساس إعادة تلك الجاهليّة الاولى بكل تفاصيلها .

ولهذا قال الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وعلى الإسلام السلام إذ قد بُليت الاُمّة براع مثل يزيد ! ))(1) ؛ لأن يزيد جاء فعلاً لهدف تصفية الإسلام تصفية تامة ، وهو لم يكن أرعنَ كما يدّعي بعض المؤرّخين ، بل كان يدرك جيداً ما يفعل ، وكان الحزب الاُموي يحكم من خلاله ، ومن خلال أبيه ، ومن خلال من تلاه من خلفاء الجور .

صراع مبدئي

إنّ قصة الصراع بين أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) وبين الحزب الاُموي ليست حكاية بسيطة ذات دوافع هامشية ، بل إنها صراع بين الحزب الرسالي (حزب الله) , والحزب الجاهلي (حزب الشيطان) .

أو هو صراع بين الشجرة الطيبة (مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ)(إبراهيم/24) ، والشجرة الملعونة في القرآن ( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرض مَالَهَا مِن قَرَارٍ)(إبراهيم/26) ؛ فالشجرة الاولى تنتج الورد والثمار الطيبة ، والشجرة الثانية تنتج الحنظل والأشواك ، والصراع إنّما هو بين منهجين وبرنامجين .

ومثلما كان لدى الاُمويِّين مخطط مدروس بدأ بتنفيذه معاوية , واستمر طيلة حكم بني اُميّة ، كذلك كان لدى آل الرسول (سلام الله عليهم) برنامج واضح أيضاً ، قام كلٌّ منهم فيه بدور ، وهذا البرنامج ليس من الأرض وإنما جاء من السماء .

ــــــــــ
(1) بحار الأنوار 44 / 326 .

الصفحة (135)

وقصة عاشوراء ليست طارئة ، وإنّما هي حلقة من المخطط ، أي إنّه لا بدّ أن يصطدم الفريقان ، ولا بد أن يُقتل الإمام الحسين (عليه السّلام) ليفتح بشهادته خطّاً جديداً للاُمة لمقاومة التحريفية الاُمويّة , وينبغي أن يحدث ذات الأمر في مواجهة أية تحريفية اُخرى في التاريخ . وهذا البرنامج أزلي أبدي منذ خلق الله الكون وإلى ما شاء الله سبحانه .

ما هي مسؤوليتنا ؟

وإزاء مثل هذا المخطط الاُموي المستمر حتّى الآن ، وفي سياق البرنامج الرسالي الأزلي الأبدي ، ما هي مسؤوليتنا نحن ؟

إنّ هذه المسؤولية تتمثل ـ أوّلاً ـ بالدفاع عن تلك القيم التي دافع عنها الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ حيث جاء ليدافع عن الصلاة والصوم , والزكاة والحج . أما إذا فصلنا الحسين (عليه السّلام) عن هذه القيم فسنصبح كأننا نقبل بالنبي (صلّى الله عليه وآله) ، ولكننا نتصوره بشكل آخر في أذهاننا لا كما بعثه الله سبحانه وتعالى . والنبي الذي لا يأمر بالصلاة والصيام والحج ليس نبياً ، ولم يبعثه الله .

وحينما نقرأ زيارة وارث ونقول : (( أشهد أنّك قد أقمت الصلاة , وآتيت الزكاة ، وأمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر )) , فهذا الكلام يعني أن الإمام الحسين (عليه السّلام) قد جسّد هذه القيم ، واستشهد من أجلها .

ولو سُئلتُ أن اُلخص هدف الإمام الحسين (عليه السّلام) في كلمة واحدة ، لقلت : إنّ هدفه وهدف كلِّ الأنبياء والأئمة (عليهم السّلام) هو القرآن ، هذا الكتاب الذي بين أيدينا ، والذي هو الثقل الأكبر ؛ فقد ضحى أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) من أجله , ولو بقي القرآن غريباً بيننا ، لا يتدبر الواحد منّا في


الصفحة (136)

آياته ، ولا يقرأ الآخر تفسيره ، ولا يطبقه الثالث على حياته ، فسنكون ممّن وجّهوا السهام إلى قلب الحسين المقدس .

وبقيت كلمة هامة ؛ فإذا رأينا قناة انحصر عنها الماء فلا ينبغي أن نسدها ، وإذا رأينا صحناً قلَّ فيه الطعام فلا يستحسن أن نهشمه ، وإذا رأينا قرآننا لا يُطبَّق لا نمزق رسمه , أي لا بدّ أن تبقى قضية الحسين (عليه السّلام) ساخنة في كل مجال حتّى لو كانت مفرغة لبعض الوقت من جلّ مضامينها ؛ لأنّه سوف يأتي قوم ويملؤون هذا الفراغ ، ويحوّلون هذه القضية إلى قضية رائدة .

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى