من وحي الثورة الحسينيّة

 
 

الصفحة (125)

وقد جرت عادة الأمم والدول في زماننا هذا على الاحتفاظ ببيوت عظمائها وقبورها ، وإحاطتها بهالة من التقديس والتعظيم حتّى ولو عرض للبيع أي شيء ينتسب للعظماء لبذل أتباعه في سبيله أغلى الأثمان ، وما ذاك إلاّ لشرف الانتساب إليه .

وحدّث المؤرّخون أنّه حين أُدخل رأس الحسين (عليه السّلام) على يزيد بن معاوية كان في مجالس الشراب , فوضعوا الرأس بين يديه ، فدخل عليه رسول ملك الروم في ذلك الوقت فأنكر عليه أشدّ الإنكار حينما علم أنّ الرأس للحسين ابن بنت نبيّهم ، وقال ليزيد : هل سمعت يا يزيد بكنيسة الحافر ؟

قال : وما هي ؟

قال : عندنا مكان يُقال بأنّ الحمار الذي كان يركبه عيسى بن مريم مرّ به ، فبنينا كنيسة في ذلك المكان سمّيناها كنيسة الحافر نسبة إلى حافر حمار عيسى ، ونحن نحجّ إلى المكان في كلّ عام , ومن كلّ قطر وناحية ، وننذر له النذور ونعظّمه كما تعظّمون كتبكم ومقدّساتكم . وأنتم تقتلون ابن نبيّكم وتطوفون برأسه في البلدان !

فأشار عليه جلاوزته بقتله لئلا يفضحه بعد رجوعه لبلاده , فقتله وصلبه على باب قصره بعد أن قام النصراني إلى الرأس فقبّله وتشهّد الشاهدتين .

وهذا شيء مألوف لدى جميع الأمم على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم ، والكل حينما يعظّمون مرقداً ، أو أثراً من آثار عظمائهم إنّما يعظّمونه باعتباره رمزاً لما كان يتمتّع به من صفات ومواهب ، وما قدّمه لأمّته ووطنه من خدمات وتضحيات وإصلاحات .

وقال العقّاد في كتابه (أبو الشهداء) : إنّ حرم الحسين (عليه السّلام) في كربلاء يزوره المسلمون للعبرة والذكرى ، ويزوره غيرهم للنظر والمشاهدة ، ولكنّ كربلاء لو أُعطيت حقّها من التنويه والتخليد لحقّ لها أن تُصبح مزاراً لكلّ آدمي يعرف لبني نوعه نصيباً من القداسة وحظّاً من الفضيلة ؛ لأنّنا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل والمناقب أسمى وألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم الحسين (عليه السّلام) بعد مصرعه فيها .

ولولا الحسين وشقيقته زينب شريكته في الجهاد والتضحيات ، وبقيّة الأئمّة لم تكن تلك القباب الشامخة التي أصبحت رمزاً للحقّ والعدالة والفضيلة ، ومقصداً لمئات الاُلوف من المسلمين في كلّ عام شيئاً مذكوراً .


الصفحة (126)

تتمة الحديث عن مرقد العقيلة

ومهما كان الحال فمرقد العقيلة زينب بنت علي وفاطمة مردّد بنظر العلماء والباحثين بين المدينة المنوّرة والشام ومصر .

وكما ذكرنا أنّ مرقدها في المدينة لم يعدّ له وجود كغيره من مراقد الأئمّة وأعلام الصحابة والتابعين ؛ لأنّ بناء المراقد وتعظيم مَنْ حلّ فيها على حدّ الشرك بالله بنظر حماة الحرمين .

أمّا المرقدان المنسوبان إليها في الشام ومصر فلا يزالان كعبة الوفّاد في كلّ عام على مرور الشهور والأيام ، تقصدهما مئات الألوف للزيارة والتوسّل بها وبأبيها وجدّها لقضاء حوائجهم .

ولا أحسب أنّ الذين يتوافدون على زيارة أبيها وأخيها (عليهما السّلام) في كربلاء والنجف أكثر ممّن يتوافدون على المرقدين المنسوبين إليها في الشام والقاهرة .

وجاء في جريدة الأهرام تاريخ 23 ـ 6 ـ 1972 مقال للاُستاذ فتحي رضوان وزير الثقافة يومذاك , يصف فيه الوافدين على حي السيدة زينب جاء فيه : إنّ مسجد السيدة زينب تُشدّ إليه الرحال وكأنّه الكعبة أكثر ممّا تُشدّ الرحال إلى المسجد الحسيني ؛ فالألوف الذين يقصدون هذا المسجد من فقراء الريف والحضر من النساء والرجال والمرضى ، وأصحاب الحاجات من المغلوب على أمرهم ، والذين سُدّت في وجوههم الأبواب ، وتحطّمت الآمال كانوا قد أطلقوا على صاحبة الضريح أسماء تدخل إلى قلوبهم العزاء ، وتبعث فيهم الرجاء ، وكانوا يهتفون حول قبرها : يا اُمّ العواجز ، ويا اُمّ هاشم ، ويابنة محمّد والزهراء .

ومضى يقول : ولكم رأيت رجالاً ونساء في مقتبل العمر ، وفي خريف الحياة , قد وضعوا أيديهم على شباك ضريح السيدة


الصفحة (127)

زينب ورائحة البخور تملأ المسجد كلّه ، وراحوا يهمسون في ذهن اُمّ العواجز ، وقد تمثّلت لهم بشراً يسمع ويتنفس ، ويمدّ راحتيه ويضعهما بين أيد الزائرين والقاصدين ، وأصوات الزائرين تتعالى : يا اُمّ العواجز ، ويا اُمّ هاشم ، يا أخت الإمام ، ويا بنت الإمام نظرة بحقّ جدّك النبي .

والآن ونحن بصدد الحديث عن مرقدها الشريف الذي تدّعيه الأقطار الثلاثة ، ويتوافد عليه المسلمون من جميع الأقطار لا لشيء إلاّ لأنّها وقفت إلى جانب أخيها من الطغاة والظالمين دفاعاً عن الحقّ والعقيدة وكرامة الإنسان ، وبقيت في سجل الخالدين والخالدات لتكون القدوة الصالحة الغنية بالمثل والقيم للرجال والنساء في جميع نواحي الحياة , لا بدّ لنا ونحن بصدد البحث عن مرقدها أن نقف ولو قليلاً مع أدلّة الأقوال الثلاثة في محاولة كشف ما أُحيط بمرقدها من غموض لا يزال محلّ أخذ وردّ بين الباحثين .

لم يختلف أحد من المؤرّخين والمحدّثين بأنّ السيدة زينب بنت علي وفاطمة تركت بيتها وزوجها ، ورافقت أخاها الحسين (عليه السّلام) في رحلته إلى الشهادة التي لم يجد وسيلة غيرها ؛ لإنقاذ شريعة جدّه ممّا كان يخطّطه لها الحزب الأموي الحاكم من تحريف وتشويه ، وأدّت دورها خلال مواقفها في كربلاء والكوفة ومجلس ابن ميسون في قصر الخضراء ، تلك المواقف التي جعلتها في طليعة الخالدين والخالدات من أبناء آدم وحواء .

كما لم يختلفوا في أنّها رجعت من الشام على رأس تلك القافلة من السبايا والأسرى إلى مدينة جدّها عاصمة الإسلام الأولى في الحجاز ، وإنّ مسؤوليتها التاريخية كانت هي إثارة الرأي العام الإسلامي على حكومة يزيد وجلاّديه ، واستطاعت خلال أشهر معدودات أن تلهب المشاعر ، وتقلب الدنيا على رؤوس الحاكمين حتّى أصبحت المدينة التي كان الحاكمون يحسبون لها ألف حساب وحساب بكلّ فئاتها الموالية لأهل البيت وغيرها


الصفحة (128)

تكيل اللعنات لأميّة وأحفادها ، وترى أنّ من أقدس واجباتها مناهضة الحكم الأموي ، وإعلان موقفها المعادي منه مهما كلّفها ذلك من تضحيات .

كلّ ذلك لم يخالف فيه أحد من الباحثين والمؤرّخين ، أمّا خروجها من المدينة بعد أن دخلت إليها حاملة لرسالة أخيها إلى الشام مع زوجها بسبب المجاعة التي اجتاحت المدينة سنة 67 للهجرة ، أو 74 كما جاء في رواية ثانية , إلى قرية كان يملكها في الغوطة من ضواحي الشام ، وعند وصولها إلى مشارف الشام عاودتها تلك الذكريات الأليمة المريرة ، وخيّم عليها جوّ من الحزن والألم تسبب لها بمرض كانت به نهاية حياتها ، ودفنت في تلك الضيعة حيث مرقدها الآن كما يدّعي القائلون بأنّ المرقد الحالي لقد ضمّ رفاتها وهو لها لا لغيرها من الزينبيات العلويّات اللواتي يحملن هذا الاسم , فليس في التاريخ ما يبعث على الاطمئنان بصحته .

وممّن ذهب إلى ذلك من الذين كتبوا على مرقدها المازندارني في الجزء الثاني من معالي السبطين ، والسيد حسن الصدر ، وصاحب الخيرات الحسان ، والسيد هبة الدين الشهرستاني عن ناسخ التواريخ لمؤلّفه لسان الملك ، كما جاء في كتاب المرقد الزينبي للشيخ عمران القطيفي .

والظاهر اتّفاق جميع القائلين بأنّ المرقد الموجود في ضواحي الشام هو مرقدها , على أنّ رجوعها إلى الشام كان بسبب المجاعة التي أصابت أهل المدينة ، وأنّ زوجها عبد الله بن جعفر انتقل بها سنة 65 أو 74 إلى ضيعته بغوطة دمشق وتوفيت بها في النصف من رجب ذلك العام .

لقد اختلف القائلون بأنّها توفّيت في ضواحي الشام ، وفي ضاحيتها حيث المرقد الموجود الآن دفنت في تاريخ وفاتها بين 65 و74 ، واتّفقوا على أنّ المجاعة التي أصابت أهل المدينة هي التي فرضت على زوجها الرحيل بها إلى ذلك المكان ، في حين إنّ المجاعة التي تفرض على شخص كعبد الله بن جعفر كان واسع الثراء ، وكثير العطاء ، ويعرف ببحر الجود ، وتضطرّه على أن يرحل بزوجته وأولاده إلى غوطة


الصفحة (129)

دمشق لا بدّ وأن يكون لها أثرها البالغ بالنسبة لعامّة الناس ، وأن تفتك بالطبقات الكادحة الفقيرة . وحدثٌ من هذا النوع يصيب مدينة الرسول في تلك الفترة من التاريخ لا يتجاهله التاريخ ، ولا الذين كانوا يسجّلون أحداث العالم الإسلامي صغيرها وكبيرها ! مع العلم أنّ المؤرّخين لأحداث 65 و74 لم يتعرض أحد منهم لحدث من هذا النوع .

وعلى تقدير صحة ذلك فلا بدّ وأن تكون المجاعة التي شردت بحر الجود وعقيلته الحوراء ابنة علي وفاطمة (عليهما السّلام) قد أصابت بقيّة العلويِّين والعلويات ، وتلك القافلة من النساء والأطفال التي كانت ترعاها وتحرسها عقيلة آل أبي طالب ، فإلى أين ذهب العلويّون بنسائهم وأطفالهم وعلى رأسهم الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) الذي لم يفارق المدينة وبها كانت وفاته ؟

إنّ التاريخ لم يتعرّض لشيء من هذا النوع ، وهل يجوز على بحر الجود وعقيلته أن يتركا العلويِّين والطالبيِّين ، وأبناء الحسن والحسين , يتجرّعون مرارة الجوع ويفرّا منها إلى عاصمة الجلاّدين دمشق التي سيقت إليها بالأمس القريب ابنة علي والزهراء على رأس تلك القافلة من الأسرى ، والرؤوس التي كانت يتقدّمها رأس الحسين (عليه السّلام) ، وكانت تتمنّى الموت في كلّ مرحلة كان الحداة يسيرون بها ، وتفضله على أن تتعرض لأولئك الشامتين من أعداء جدّها وأبيها ؟

فهل يجوز عليها مع ذلك كلّه وعلى ابن عمّها بحر الجود أن يتركوا العلويِّين ونساءهم وأطفالهم يقاسون آلام الجوع ومرارته ويذهبا إلى عاصمة معاوية ؛ لينعما بطيّبات العيش ومتع الحياة ؟ لو جاز ذلك على أبي المساكين ـ كما كان يسميه أهل المدينة ـ لا يجوز على مَنْ وهبت حياتها لخدمة أخيها وعائلته ورعايتها بعد مصرعه كما أوصاها بذلك .

إنّ الذين رووا أسطورة خروج عبد الله من المدينة إلى قريته بضواحيها مع زوجته عقيلة الطالبيِّين كلّهم من متأخّري المؤلّفين ، ومن غير


الصفحة (130)

المعروفين ببعد النظر وتحرّي الحقائق ، ولم يسندوها إلى أحد المؤرّخين القدامى ، ولا إلى أحد الرواة الذين كانوا يتتبعون أحداث تلك الفترة من تاريخ المسلمين .

هذا بالإضافة إلى أنّ سنة خمس وستين كانت سنة صراع على الخلافة بين الاُمويِّين أنفسهم في بلاد الشام ، وكان قد تغلّب على دمشق الشام الضحّاك بن قيس بعد أن اتّفق الاُمويّون على خلافة مروان وخالد بن يزيد من بعده ، ومن بعدهما عمرو بن سعيد بن العاص .

وبعد أن اتّفق رأي الاُمويِّين على التوجّه إلى دمشق ، وكان الضحّاك قد تغلّب عليها ، ووقعت بينهم معارك طاحنة في مرج راهط ، وكان مع الضحّاك جماعة من أهالي دمشق وفتيانهم الأشداء ، وأمدّه النعمان بن بشير عامل حمص بشرحبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص ، وزفر بن الحارث الكلابي بقيس بن طريف بن حسّان الهلالي ، وانتهت المعركة لصالح مروان بن الحكم والاُمويِّين(1) .

ومن المستبعد والبلاد الإسلاميّة تموج بالفتن بسبب الصراع على الحكم والمعارك بين مروان بن الحكم ومعارضيه في ضواحي دمشق وعلى أبوابها أن يرحل بزوجته وأولاده إلى قريته الواقعة في ضواحي دمشق كما يدّعي القائلون بذلك !

أمّا القول بأنّها هاجرت مع زوجها إلى غوطة دمشق هرباً من المجاعة سنة 74 هجرية فهو أبعد عن الواقع من القول الأوّل ؛ ذلك لأنّ المسعودي في المجلد الثاني من مروجه يقول : إنّ عبد الله بن جعفر توفّي وله من العمر سبع وستون سنة .

ويدّعي عبد العزيز سيد الأهل أنّ عبد الله بن جعفر كان له من العمر عشر سنوات عند وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) , عن الجزء الثاني من معالي السبطين . ولازم ذلك إنّ ولادته كانت في الحبشة كما هو مؤكّد ؛

ــــــــــــــــــ
1 ـ انظر تاريخ اليعقوبي الجزء الثالث / 3 , طبع النجف .

الصفحة (131)

إمّا في السنة التي هاجر فيها النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة أو قبلها ، وهو أكبر أولاد جعفر الطيّار .

ويروي الرواة عنه أنّه قال : لقد دخل علينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد موت أبي وقال : (( لا تبكوا على أخي بعد اليوم )) . ودعا بالحلاّق فحلق رؤوسنا .

ولا بدّ وأن يكون في السادسة أو السابعة يومذاك على أبعد التقادير ، فلم يعد مجال للقول بأنّه هاجر إلى ضيعته في ضواحي الشام سنة 74 ؛ لأنّ وفاته تكون قبل هذا التاريخ بسبع سنوات تقريباً إذا لم يكن قد عاش أكثر من سبع وستين عاماً كما يدّعي ذلك المسعودي وغيره .

ومهما كان الحال فالقول بأنّ المرقد الزينبي الموجود في ضاحية دمشق الذي يقصده مئات الألوف من المسلمين في كلّ عام للزيارة والتبرك ، ويبذلون في سبيله الملايين من النقود هو لزينب الكبرى عقيلة الهاشميِّين لا يعتمد على دليل مقبول ، ولا يؤيّده المنطق ولا الدراسة بحال من الأحوال ، بل هو لإحدى العلويّات بلا شك في ذلك ، وسيبقى تعيينها غامضاً لعدم توفّر الأدلة على هذا الأمر ، ولا يمنع ذلك من زيارة العقيلة في ذلك المكان ما دام يرمز الزائر يقصدها بالذات ، وما دامت الأعمال مرهونة بالنوايا .


الصفحة (132)

المرقد الزينبي في مصر

بعد استقصاء أدلّة القائلين بأنّ السيدة زينب توفيت في مصر ، ودفنت فيها في المرقد المنسوب إليها . بعد استقصاء تلك الأدلة يبدو للمتتبع ولأوّل نظرة أنّها أسلم وأقرب إلى المنطق من أدلّة القائلين بأنّها خرجت مع زوجها إلى ضاحية من ضواحي الشام فراراً من المجاعة وتوفيت فيها كما تشير إلى ذلك رواية القائلين بأنّ مرقدها في محلّة الفسطاط من القاهرة .

لقد اعتمد القائلون بأنّها توفيت في مصر ودفنت فيها على رواية ابن عساكر في تاريخه الكبير ، وابن طولون في كتابه الزينبيات . ويدّعي أنصار هذا الرأي أنّها بعد رجوعها من السبي مع عائلة الحسين وعائلات القتلى من آل أبي طالب والأنصار , كانت لا تدع البكاء والنحيب والحديث بما جرى للحسين ومَنْ معه ، وتحاول إثارة الرأي العام على الاُمويِّين وأنصارهم ، واستطاعت خلال أشهر معدودات أن تشحن النفوس بالحقد والكراهية ليزيد وأسرته ، وأصبحت المدينة كالبركان المهيّأ للانفجار بين لحظة وأخرى .

فكتب عمر بن سعيد الأشدق إلى يزيد يخبره بتأزّم


الصفحة (133)

الموقف ، وبمواقف العقيلة التي ألهبت المشاعر وهيّجت عليه الرأي العام ، فكتب إليه كما جاء في ص 185 من زينب الكبرى للشيخ جعفر نقدي ، عن الطراز المذهّب لعباس قلي خان ، فكتب إليه ابن معاوية يأمره بأن يفرّق بينها وبين الناس ، ويخرجها من الحجاز .

فجاءها الوالي وعرض عليها كتاب يزيد بن مسيون ، وطلب منها أن تخرج من الحجاز إلى حيث شاءت ، فرفضت طلب الوالي وأصرّت على عدم خروجها من المدينة ، وقالت : لقد علم الله بما جرى علينا من القتل والسبي ، وكنّا نساق كما تساق الأنعام من بلد إلى بلد على الأقتاب . ومضت تقول : فوالله لا أخرج من مدينة جدّي وإن أهرقت دماؤنا , على حدّ تعبير الراوي .

ولمّا أصرّ الوالي على إخراجها اجتمع عليها نساء بني هاشم في محاولة لإقناعها بالخروج من المدينة ، وقالت لها زينب بنت عقيل : يابنة عمّاه ، لقد صدقنا الله وعده وأورثنا الأرض نتبوّأ منها حيث نشاء ، فطيبي نفساً وقرّي عيناً , وسيجزي الله الظالمين بما جنته أيديهم . أتريدين بعد هذا هواناً ؟ ارحلي إلى بلد آمن .

واتّفق الرأي على خروجها فاختارت مصر ، وخرج معها من العلويّات كلّ من سكينة وفاطمة ابنتي أخيها الحسين ، وكان ذلك سنة إحدى وستين ، وفي شهر شعبان من تلك السنة ، وبعد مرور سبعة أشهر على مجزرة كربلاء ، وخمسة أشهر على رجوعها من السبي إلى المدينة .

واستقبلها الوالي على مصر مسلمة بن مخلّد الأنصاري في جماعة معه ، وأنزلها حارة في الحمراء كما تدّعي الرواية التي وصفت رحلتها ، فأقامت بها أحد عشر شهراً وتوفيت في النصف من رجب سنة 62 هجرية ، ودفنت بالقرب من دار الوالي ، ومن بساتين عبد الرحمن بن عوف على حدّ تعبير جعفر نقدي ، عن النسابة العبيدلي .

ولم يرد في حديثه عن ملابسات رحلتها ، وعن سفرها ذكر لزوجها عبد الله بن جعفر ، ولا لأحد ممّن بقي مع الأحياء من أولادها وأولاد إخوتها وغيرهم من الهاشميِّين .


الصفحة (134)

وقالت الدكتورة بنت الشاطئ في ص 137 من كتابها (بطلة كربلاء) في وصف رحلتها إلى مصر : لقد بزغ هلال شعبان من سنة إحدى وستين في اللحظات التي وطأت فيها السيدة أرض النيل ، فإذا جموع من الناس قد احتشدت لاستقبالها ، وساروا في موكبها حتّى بلغوا قرية بلبيس ، فقابلتهم هناك جموع آتية من عاصمة الوادي الأمين ، ومسلمة بن مخلدة الأنصاري أمير مصر في وفد من أعيان البلاد وعلمائها قد خرجوا لاستقبال ابنة الزهراء وأخت الإمام الشهيد .

فلمّا أطلّت عليهم بطلعتها المشرقة بنور الاستشهاد والنبوّة أجهشوا بالبكاء والنحيب ، ومضوا بركبها حتّى إذا بلغوا العاصمة مضى بها مسلمة بن مخلدة إلى داره , فأقامت بها قرابة عام لم ترَ خلاله إلاّ عابدة متبتّلة . وكانت وفاتها عشية الأحد لأربع عشرة مضين من رجب عام 62 على أصح الأقوال على حدّ تعبير بنت الشاطئ .

وأكثر الذين يدّعون بأنّ المرقد الموجود في مصر هو مرقدها ؛ يدّعون أنّ خروجها من المدينة كان بعد رجوعها من السبي إليها بأشهر معدودات ، وفي الشهر الأخير من سنة 61 بالذّات ، وأنّ يزيدَ أخرجها من المدينة ؛ لأنّ بقاءها بها كان يشكّل خطراً على دولته ، وأنّها كانت تعمل لإعداد أهل المدينة وغيرهم من المسلمين للثورة ، ولم يسجّلوا موقفاً لزوجها ، ولا لأحد من أولادها والعلويِّين والطالبيِّين من رحلتها ، ولم يذكروا أنّ أحداً منهم كان معها في منفاها .

ويبدو بعد التتبع أنّ القائلين بأنّها توفيت في مصر ودُفنت فيها أكثر من القائلين بأنّ المرقد الموجود في ضاحية الشام هو مرقدها . وإنّ ابن عساكر في تاريخه الكبير ، وابن طولون الدمشقي في رسالته (الزينبية) كانا أوّل مَنْ تعرّض لمرقدها على هذا النحو ، ودونه من بعدهما الشعراني في كتابه (لواقح الأنوار) ، والشيخ محمّد الصبان في (إسعاف الراغبين) ، والشبلنجي في كتابه (نور الأبصار) ، والشبراوي في الإتحاف ، إلى غير ذلك ممّن تأخّر عنهما من المؤلّفين .

في حين إنّ المؤلّفين والمؤرّخين القدامى


الصفحة (135)

الذين كانوا يتتبعون الأحداث كبيرها وصغيرها لم يتعرّضوا لشيء من ذلك ، مع العلم بأنّ إخراجها من المدينة لو كان على النحو المذكور من المستبعد أن يتجاهله المؤرّخون الذين كتبوا التاريخ والسير ، ولم يتجاهلوا شيئاً ممّا حدث بين المسلمين ، وبخاصة ما كان منها في تلك الفترة من تاريخهم المشحون بالأحداث والاضطرابات .

ومهما كان فالذي أراه أنّ حديث سفرها إلى مصر وأسبابه ليس بأسلم من جميع جهاته من حديث سفرها إلى ضواحي الشام ووفاتها بها ، ولا بأقرب إلى الواقع منه ذلك ؛ لأنّهم لم يتعرّضوا لزوجها عبد الله بن جعفر مع العلم بأنّه كان حيّاً يرزق ، ومن أعلام المسلمين يومذاك ، ولا لأحد من أولادهم وإخوتها وآل أبي طالب من هذا الحادث .

وهل يجوز على رجل كعبد الله بن جعفر الذي كان يتمتع بمكانة عالية بين أولاد المهاجرين والأنصار أن يقف مكتوف اليدين من تسفير زوجته عقيلة آل أبي طالب ، ولا يتدخّل في إنقاذها أو يسافر معها ؟

وإذا جاز عليه ولو من باب الافتراض فهل يجوز ذلك على ابن أخيها السجّاد (عليه السّلام) ، وهي التي كانت ترعاه وتحرسه منذ خروجها من المدينة في ركب أخيها إلى حين رجوعها إليها ، وقد تعرّض للقتل أكثر من مرّة ، ولكنّها كانت تدافع عنه دفاع مَنْ لا يرى للحياة وزناً بدونه ، وتطلب من اُولئك الجزّارين أن يقتلوها قبله ؟

ولماذا لم يخرج معها أحد سوى فاطمة وسكينة كما تدّعي الرواية ؟ وأين منها أولادها وأولاد إخوتها ، وأحفاد عبد المطلب وأبو طالب , والهاشميات من بنات أبي طالب ؟ وهل كانت وحدها تحرّض الناس على الثورة بعد مجزرة كربلاء ، وكل الدلائل تشير إلى أنّ جميع مواقف العلويِّين والعلويّات والطالبيّات كانت تلهب المشاعر ، وتحث الجماهير المسلمة على الثورة والانتقام من يزيد وحزبه لمقتل الحسين ؟


الصفحة (136)

ولم تكن مواقف الإمام علي بن الحسين (عليه السّلام) بأقل تأثيراً على الرأي العام من مواقف عمّته العقيلة ابنة علي والزهراء إن لم تكن أكبر تأثيراً منها .

لقد بقي (عليه السّلام) لسنوات عديدة ، وقيل أكثر من عشرين عاماً , يبكي أباه وبقية القتلى من إخوته وأبناء عمومته كلّما ذكرهم ذاكر , وعندما يقدّم له طعامه يبلّه بدموع عينيه كما يدّعي الرواة ، والمسلمون يتلوون لحاله .

وكان يدخل أحياناً سوق القصّابين ، ويوصيهم بأن يسقوا الذبيحة قبل ذبحها ، ثمّ يصيح : (( لقد ذُبح أبو عبد الله عطشانَ )) . فيجتمع عليه الناس يبكون لبكائه .

ولم تكن ثورة المدينة وليدة انفعال طائش ، بل كانت من نتائج مواقف الإمام السجّاد (عليه السّلام) وعمّته العقيلة ، والأحزان التي خيّمت على أهل البيت (عليهم السّلام) ، الإضافة إلى تحسّس المسلمين بوقع تلك الجريمة التي لم يحدّث التاريخ بأسوأ منها ، فلماذا لم يأمر ابن مسيون بإخراج الإمام السجّاد (عليه السّلام) من المدينة ؟

ولماذا ترك لها الخيار في الذهاب إلى أيّ بلد شاءت ، ولم يعارض في اختيارها لمصر ، في حين إنّ وجودها في مصر يشكّل عليه نفس الأخطار التي كان يتخوّفها من بقائها في الحجاز ؛ لأنّ المصريين كانوا أقرب إلى العلويِّين من الحجازيين ، وفيها من الشيعة يومذاك أعداد كبيرة ؟ والذين رووا أسطورة خروجها إلى مصر يدّعون بأنّ المصريين تلقّوها بالبكاء والعويل والنياحة كما ذكرنا .

وإذا كان حفيد هند وأبي سفيان يحاذر من بقاء زينب ابنة علي في الحجاز ، ويتخوّف أن يتسبب بقاؤها في الثورة عليه ، فكان من المفروض أن يضعها تحت رقابته وفي عاصمته ، أو في الربذة كما كان يفعل ابن عفّان مع مَنْ يخاف منهم ، فكان يرسلهم إلى الشام ليكونوا تحت رقابة معاوية ، وعندما يعجز معاوية عن وضع حدّ لنشاطهم إمّا أن يضعهم في سجونه ، أو يردّهم إلى المدينة ليحدّد الخليفة مصيرهم ، وكانت الربذة ومَنْ على شاكلتها من البراري المقفرة من أوفر الناس حظّاً بأولئك الأحرار كما فعل


الصفحة (137)

خليفة المسلمين مع الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري حتّى لا يرى أحداً ولا يراه أحد , وبها كانت نهايته .

هذا كلّه بالإضافة إلى أنّ يزيد بن معاوية ـ بعد تلك النقمة العارمة عليه بسبب مجزرة كربلاء ـ كان يتظاهر بالندم والتنصّل من مسؤولياتها ، ويحاول تغطية نتائجها المريرة بالتقرب من العلويِّين والإحسان إليهم ، وقد أوصى مسلم بن عقبة عندما أرسله إلى المدينة لقمع الثورة بعدم التعرّض لأحد من العلويِّين والطالبيِّين ، والإحسان إليهم .

وجرت بينه وبين عبد الله بن العباس (رحمه الله) مراسلة أوردها اليعقوبي في تاريخه وغيره بعد تلك الجريمة النكراء التي ارتكبها مع أهل البيت (عليهم السّلام) ، ولم يترك ابن عباس عيباً من العيوب إلاّ وألصقه فيه ، ولا منقصة إلاّ ووصفه فيها ؛ محتقراً له بكل ما في الاحتقار من معنى ، ومع ذلك لم يصدر منه ما يسيء إليه . ولم يكن ذلك منه إلاّ لما تركته في نفسه تلك المجزرة الرهيبة من الخوف والقلق على مصيره ، ومصير أسرته ودولته بعد النقمة العامة التي شملت جميع الأوساط الإسلاميّة على اختلاف ميولها واتجاهاتها .

ومهما كان الحال فإنّ أسطورة نفي العقيلة إلى مصر ووفاتها فيها ليست بأقرب إلى الواقع من خروجها من المدينة مع زوجها إلى الشام ووفاتها فيها إن لم تكن أبعد منها .


الصفحة (138)

أين مرقدها إذن

بعد هذا العرض اليسير لآراء الفريقين القائلين بأنّها دُفنت في ضواحي دمشق ، والقائلين بأنّها في محلة الفسطاط من القاهرة ، وما أبديناه من الملاحظات عليها التي كما أرى تثير أكثر من الشك في صحة ما يُقال : إنّها دُفنت في أحد هذين القطرين ، فلم يبقَ أمامنا سوى القول الذي يرجّح قائلوه إنّها دُفنت في مدينة جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) بعد رجوعها من السبي بأشهر معدودات أو سنوات معدودات . وإثبات ذلك لا يحتاج إلى مزيد من الاستدلال والبحث بعد العلم القطعي أنّها رجعت إلى المدينة على رأس تلك القافلة من السبايا والأسرى .

وتؤكّد جميع المصادر أنّها بقيت في المدينة لمدّة من الزمن تندب وتبكي وتتلوى هي والهاشميِّين والهاشميات على ما حلّ بأهلها وإخوتها ، ويبكي لحالها القريب والبعيد ، والعدوّ والصديق ، واستمرّت على ذلك حتّى تأثرت المدينة بكلّ فئاتها بمواقفها ومواقف العلويِّين وأحزانهم ، وأصبحت بكلّ فئاتها كالبركان المهيأ للانفجار بين لحظة وأخرى ، فرجوعها من الشام إلى المدينة لا يختلف فيه اثنان .


الصفحة (139)

أمّا خروجها من المدينة بعد خمس سنوات على رجوعها إليها إلى ضاحية من ضواحي الشام مع زوجها ووفاتها فيها كما يدّعي القائلون بأنّ المرقد الزينبي الموجود في تلك الضاحية هو مرقدها ، أو خروجها إلى مصر بعد أشهر معدودات من رجوعها إلى المدينة ووفاتها في مصر وفي محلّة الفسطاط من القاهرة فلم يخرج عن دائرة الشك أو الاحتمال ؛ لأنّ الأدلّة التي اعتمدها أنصار القولين لا تكفي لنقض اليقين السابق المتعلّق بوجودها في المدينة ، ولا تفيد أكثر من احتمال خروجها منها ووفاتها في خارجها ، وما لم يوجد لدينا دليل يفيد العلم أو الظن المعتبر شرعاً يتعيّن الرجوع إلى استصحاب بقائها في المدينة إلى حين العلم بوفاتها .

وهذا النوع من الاستصحاب ليس مثبتاً كما تخيّله بعض المؤلّفين في هذا الموضوع ؛ لأنّ المقصود منه إثبات عدم خروجها من المدينة إلى زمان العلم بوفاتها ، فأحد جزئي الموضوع يثبت بالاستصحاب ، والثاني وهو وفاتها بالوجدان .

وهذا غير ما يسمّيه الأصوليون بالأصول المثبتة ويدّعون أنّ أدلّة الاستصحاب لا تشمل هذا النوع من الأصول التعبدية ؛ لأنّ المقصود من الأصول المثبتة الأصل الذي يثبت أمراً عادياً أو عقلياً لم يكن موضوعاً للآثار الشرعية , كاستصحاب حياة زيد لهذه المدّة يكون حجّة شرعية لناحية الآثار الشرعية المترتبة على حياته ؛ كبقاء زوجته في عصمته ، ووجوب الإنفاق عليها وعلى أولاده ، وعدم انتقال أمواله إلى ورثته , ونحو ذلك .

أمّا نبات لحيته وزيادة طوله ووزنه مثلاً فالاستصحاب لا يكون دليلاً شرعياً بالنسبة لهذا النوع من الآثار ، ومن ذلك استصحاب بقاء زيد حياً إلى زمن يلزمه بالقياس إليه أن يكون قد بلغ التسعين من عمره ؛ فإنّ كونه من ذوي التسعين أو المئة من اللوازم العقيلة أو العادية لبقاء زيد حياً لسنة الثمانين فيما لو كانت ولادته سنة تسعين وحصل الشك في


الصفحة (140)

بقائه حياً سنة ثمانين من القرن الثاني مثلاً ، فأدلّة الاستصحاب لا تشمل هذا النوع من الآثار .

وما نحن بصدد إثباته بأصالة عدم خروجها من المدينة هو بقاؤها فيها إلى زمان القطع بوفاتها ، ويرافق القطع بوفاتها القطع بأنّها لم تنقل بعد وفاتها من البلد الذي توفيت فيه إلى بلد آخر قد وقع عليه الاختيار ليكون مدفناً لها .

وممّن رجّح أنّها دُفنت بالمدينة في البقيع إلى جوار مرقد زوجها عبد الله بن جعفر عباس قلي خان في كتابه (الطراز المذهّب) , عن كتاب (بحر المصائب) ، والشيخ ميثم البحراني كما نقل عنه الشيخ مهدي المازندراني في كتابه (معالي السبطين) ، والسيد محسن الأمين في المجلد الثالث والثلاثين من (أعيان الشيعة)(1) .

وجاء في (المرقد الزينبي) للشيخ فرج القطيفي : إنّ لجنة الأوقاف الدينية في كربلاء أوردت في كتابها أجوبة المسائل الدينية بأنّ للإمام علي (عليه السّلام) ثلاثة من البنات كلّ منهنّ تُعرف بزينب ، وتُكنى بأمّ كلثوم :

أولاهن : زينب شقيقة الحسين (عليه السّلام) لأمّه وأبيه ، وهذه سقط عليها الحائط وتوفيت فصلّى عليها الحسين (عليه السّلام) ودفنها بالمدينة .

والثانية : زينب الوسطى , وهي من فاطمة أيضاً , وهذه تزوّجها عبد الله بن جعفر ، وهي التي رافقت الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء مع ولديها محمّد بن عبد الله وعون بن عبد الله ، وهي التي كانت تدير شؤون العائلة والسبايا ، ولمّا عادت إلى المدينة سافرت مع زوجها إلى ضواحي الشام على أثر مجاعة أصابت أهل المدينة ، وتوفيت فيها فدفنها في ضيعته ، وإليها يُنسب المرقد الزينبي الموجود هناك , وتُعرف بزينب الوسطى .

والثالثة : كانت تُسمّى بزينب الصغرى ، وتُكنى بأمّ كلثوم ، ولكنّها ليست من فاطمة الزهراء (عليها السّلام) .

وأضافوا إلى ذلك أنّها كانت من أشدّهن بكاء ولوعة

ــــــــــــــــــ
1 ـ انظر المرقد الزينبي ـ للشيخ عمران القطيف / 87 وما بعدها .

الصفحة (141)

على أخيها الحسين في كربلاء وغيرها من المواقف ، وبعد وقعة الحرّة واستباحة المدينة كانت تقيم النياحات والمآتم على الحسين ، وتشنّع على يزيد وجوره ، وهي التي نفاها عمرو بن سعيد الأشدق إلى مصر وتوفيت فيها ، ودفنت في المكان الذي يقدّسه المصريون ويتبركون به إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تعتمد على غير الحدث ، والظن الذي لا يغني عن الحقّ شيئاً .

ولقد تعرّض الشيخ المفيد في إرشاده لأخوات الحسين (عليه السّلام) خلال حديثه عن أولاد أمير المؤمنين (عليه السّلام) , وعدّ من بناته اللواتي ولدن له من غير فاطمة , زينب الصغرى . وخلال حديثه عن أحداث كربلاء وما رافقها من تقتيل وسلب وأسر وسبي لم يتعرّض لغير زينب العقيلة شقيقة الحسين (عليه السّلام) لاُمّه وأبيه ، وأسهب في الحديث عنها وتعداد مواقفها ، وما تجرّعته من آلام وغصص من أجل أخيها وعياله وأطفاله .

أمّا زينب الصغرى هذه فلم يتعرّض هو وغيره من المؤلّفين في مقتل الحسين (عليه السّلام) لها ، ولم يسجّلوا لها موقفاً من المواقف خلال أحداث كربلاء ، وما تلاها من المواقف من الكوفة وقصر الحمراء وغيرهما ، وجميع أحاديثهم كانت عن العقيلة الحوراء .

كما وإنّ الذين كتبوا عن أهل البيت (عليهم السّلام) من أعلام الشيعة الأوائل كالكليني والصدوق ، والمرتضى والطوسي والحلّي وغيرهم من المتقدّمين لم يتعرّضوا لزينب العقيلة وما جرى عليها بعد رجوعها من السبي إلى المدينة بأكثر من أنّها كانت لا تدع البكاء والنحيب على أخيها ومَنْ قُتل معه ، ولا لمرقدها ومراقد غيرها من الزينبيات ، كما لم يتعرّض لذلك أحد من المؤرّخين القدامى .

ومن مجموع ذلك تبيّن أنّ أقرب الأقوال إلى الواقع إنّها دُفنت في المدينة ، وفي البقيع مقبرة المسلمين الأوائل ، ولم تخرج من المدينة بعد رجوعها إليها من السبي مع النساء والأطفال وابن أخيها السجاد ، وإذا صح بأنّه وجد على القبر الموجود في ضواحي الشام هذا


الصفحة (142)

قبر زينب الوسطى بنت علي بن أبي طالب (عليه السّلام) كما يدّعي الشيخ فرج القطيفي ، يمكن أن يكون القبر المذكور لإحدى بنات أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ولكن ذلك وحده لا يبعث على الاطمئنان بهذا الأمر ، ولا يمنع من أن تكون الصخرة وضعت على القبر بعد ذلك بمئات السنين حينما بني القبر وشيّد بشكله الحالي اعتماداً على الشهرة ، أو لأسباب أخرى لعلّ أيدي الذين حكموا بلاد الشام من الشيعة ضالعة في ذلك .

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى