من وحي الثورة الحسينيّة

 
 

الصفحة (143)

المرقد الزينبي في القاهرة وضاحية الشام

الظاهر إنّ هذين المرقدين ـ كما لعلّه أقرب الاحتمالات ، وبخاصّة بالنسبة إلى المرقد المصري ـ إنّ أحدهما وهو الموجود في ضاحية الشام , وفي المكان الذي يُعرف حالياً بقرية الست , هو لزينب بنت عبد الله الأصغر بن عقيل , من زوجته أم كلثوم الصغرى بنت أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ومن غير فاطمة الزهراء (عليها السّلام)(1) .

والمرقد الزينبي الموجود في محلّة الفسطاط عند قناطر السباع من القاهرة الذي يقدّسه المصريون ، ويقصدونه من سائر الجهات ، ويبذلون الأموال الطائلة في سبيله تقرّباً إلى الله تعالى هو لزينب بنت يحيى المتوّج بن الحسن الأنور بن زيد بن الحسن السبط (عليه السّلام) .

ولأجل وضع هذا الظنّ موضع الاعتبار والعناية ، وحتى لا يكون كغيره من

ـــــــــــــــــــ
(1) لقد نص في تاريخ الخميس / 286 من المجلد الثاني أنّ عبد الله الأصغر كان متزوّجاً من اُمّ كلثوم الصغرى بنت أمير المؤمنين (عليه السّلام) . وجاء في أهل البيت لأبي علم : إنّ زينب الشام هي ابنة اُمّ كلثوم كما سنتعرّض لذلك خلال هذا الفصل ، وهي غير اُمّ كلثوم التي تزوّجها ابن الخطّاب ومات عنها .

الصفحة (144)

الأقوال العابرة حول هذا الموضوع ، لا بد من المرور ببعض الجوانب عن حياة الحسن الأنور وابنته السيدة نفسية المعروفة عند المصريين بكريمة الدارين .

لقد ذكر جماعة من المؤلّفين في أحوال أهل البيت (عليهم السّلام) ، ومن بينهم المؤلّف المصري توفيق أبو علم رئيس إدارة مسجد السيدة نفسية ، ووكيل وزارة العدل الصادر بتاريخ 1970 .

فلقد عدّ في كتابه المذكور كغيره من جملة أولاد الحسن زيد بن الحسن السبط ، ووصفه بكرم الطبع ، وجلالة القدر ، وكثرة البرّ والإحسان ، وإنّ الناس كانوا يقصدونه من جميع الآفاق طمعاً في برّه وإحسانه ، وإنّه كان يتولّى صدقات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبقيت في يده إلى أن جاء للحكم سليمان بن عبد الملك فعزله عنها ، وأرجعها إليه عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي العادل .

ومضى يقول : إنّ محمّد بن بشير الخارجي كان من جملة الشعراء الذين مدحوه ، وقال فيه :

إذا نزلَ ابنُ المصطفى بطنَ  تلعةٍ        نفى جدبَها واخضرَّ بالنبتِ عودُها
وزيـدَ  ربيعُ الناسِ في كلِّ شتوةٍ        إذا  أخـفقت أنـواؤها  ورعودُها

وقد توفّى زيد بن الحسن وله من العمر تسعون عاماً ، وبكاه الناس ، ورثاه عدد من الشعراء .

ومن أولاده الحسن الأنور ، وكان من علماء أهل البيت المبرّزين ، وولاّه أبو جعفر المنصور العباسي سنة (150) هجرية أمارة المدينة بعد أن عزل عنها جعفر بن سليمان ، وبقي على المدينة لسنة (65)(1) , فعزله عنها لوشاية عليه بأنّه يُساند الثوّار العلويِّين لإعادة الخلافة إليهم ، ووضعه في حبسه إلى أن جاء ولده المهدي إلى الحكم فأخرجه من الحبس . وكان معروفاً بالصلاح والتقوى ، والبرّ والإحسان ، ومستجاب الدعاء على حدّ تعبير المؤلّف .

ـــــــــــــــــــــ
(1) هكذا ورد التاريخ , ولعله سنة (156) ؛ إذ لم يكن ليتخطى المنصور هذا التاريخ إلا بسنتين حتى هلك وهو في طريقه إلى مكّة , وذلك سنة (158) للهجرة . (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)

الصفحة (145)

لمحات عن نسب السيدة نفيسة وتاريخها

وقد تخلّف الحسن الأنور ـ كما يدّعي توفيق أبو علم ـ بتسعة ذكور وبنتين , وهما نفيسة واُمّ كلثوم ، ومن أولاده الذكور يحيى المتوّج .

واشتهرت نفيسة من بين أولاده بالزهد والصلاح والمعرفة ، وكانت تلقّب بنفيسة الدارين ، ونفيسة العلم والطاهرة والعابدة . ولمّا بلغت سنّ الزواج خطبها العلماء والأشراف من شباب العلويِّين وفتيانهم ، فكان والدها يأبى عليهم ويردّهم ردّاً جميلاً . وحينما خطبها إسحاق المؤتمن ابن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السّلام) زوّجها إيّاه , وذلك سنة 161 ، وكان من المعروفين بالفضل والصلاح والخير ، ومن المحيطين بأحاديث أبيه وأجداده كما وصفه المقريزي في خططه , وأولدها ولدين القاسم واُمّ كلثوم . ومن نسل القاسم السادة بنو زهرة في حلب ونواحيها(1) .

ورحلت السيدة نفيسة الدارين مع زوجها من المدينة إلى القاهرة وفي طريقها إلى القاهرة مرّت على دمشق الشام ، وزارت فيها بغوطة دمشق مقام السيدة زينب بنت اُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين ، واُمّ كلثوم هذه هي المعروفة بالصغرى من بنات أمير المؤمنين ومن غير فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، وكانت زوجة لعبد الله الأصغر بن عقيل بن أبي طالب كما جاء في ص 286 من المجلد الثاني من تاريخ الخميس .

والظاهر إنّ زينب التي زارت قبرها نفيسة هي ابنتها ؛ لأنّ اُمّ كلثوم الكبرى ابنة الزهراء (عليها السّلام) كانت زوجة لعمر بن الخطاب ، وقد أولدها ولداً سمّاه زيداً ، وبعد وفاة ابن الخطاب عنها تزوّجها محمّد بن عبد الله بن جعفر ولم تنجب منه كما جاء في تاريخ الخميس(2) .

ثمّ زارت قبر عمّتها فاطمة بنت الحسن بن علي (عليه السّلام) ، وقبر فضة جارية الزهراء (عليها السّلام) ، وقد استقبلها جمهور كبير من أهالي دمشق وعلمائها مرحّبين بقدومها .

وبعد دخولها دمشق بأيام قليلة رحلت منها إلى

ـــــــــــــــــــ
1 ـ انظر ص 283 ـ 284 و538 لتوفيق أبو علم .
2 ـ انظر ص 285 ـ 286 .

الصفحة (146)

القاهرة ، ودخلتها في شهر رمضان سنة 193 قبل أن يدخلها الشافعي بخمس سنين ، فاستقبلها المصريون رجالاً ونساء أحسن استقبال ، ونزلت داراً لأحد التجّار الكبار .

وأخيراً استقرت في البيت الذي أُعدّ لها مع زوجها ، وراح الناس بمختلف فئاتهم يتردّدون عليها وعلى زوجها يأخذون عنهما العلم والحديث ، واستفادوا من علمهما ، واستمر الناس يتدفّقون عليهما ، وأصبحت رمزاً للطهر والقداسة في تلك الديار .

ولم يكن لأخيها يحيى المتوّج سوى بنت واحدة تدعى زينب ، وكانت قد رحلت مع أبيها إلى مصر ، وحينما دخلتها عمّتها وغمرتها بعطفها وحنانها وعلقت بها ، وأبت أن تتزوّج من أحد بالرغم من توافد الخطّاب على أبيها ، ولازمت عمّتها ولاقت من عطف عمّتها عليها والإحسان إليها ما جعلها تتفانى في خدمتها ، وتسهر على حوائجها لمدّة طويلة من الزمن ، وبخاصة بعد أن بلغت من العمر سنّاً أقعدها عن القيام بأكثر حوائجها .

وروى عنها أبو علم أنّها كانت تقول : لقد خدمت عمّتي نفيسة أربعين سنة فما رأيتها نامت بليل , ولا أفطرت في نهار إلاّ في العيدين وأيام التشريق .

ومضت تقول كما جاء في ص 540 من كتاب أبو علم وكيل وزارة العدل المصرية : كانت عمّتي نفيسة تحفظ القرآن وتفسيره , وتقرأه وتبكي ، وكنت أجد عندها ما لا يخطر بخاطري , ولا أعلم مَنْ يأتيها به ، فكنت أتعجّب من ذلك , فتقول لي : يابنة أخي , مَنْ استقام مع الله كان الكون بيده وفي استطاعته .

ويدّعي توفيق أبو علم في كتابه (أهل البيت) بأنّ للسيدة نفيسة عشرات الكرامات التي لا تجوز على غير الأنبياء والصديقين ومن عباده الصالحين ، وهي جائزة عقلاً , ومن جملة الممكنات التي لا تستحيل على القدرة الإلهية . وقد غمر الله سبحانه آل بيت نبيه بفضله وشملهم بفيوضاته حتّى ظهرت


الصفحة (147)

على أيديهم الكرامات ، وتتابعت على الناس منهم البركات والنفحات ؛ من إجابة الدعوات ، وكشف الكربات ، وقضاء الحاجات .

وأضاف إلى ذلك : أنّ علماء أهل السنّة قد اتّفقوا على جوازها ، واختص بها الله مَنْ أحبّ من عباده وأوليائه وأصفيائه آل بيت نبيه الطاهرين .

وبقيت السيدة نفيسة في القاهرة نحواً من عشرين سنة ، ولما جاء أجلها على أثر مرض ألمّ بها , احتضنتها ابنة أخيها زينب بنت يحيى , وتوفيت في حضنها سنة 208 ، وكانت قد أعدّت لنفسها قبراً فدفنت فيه ، وراح الناس بعد ذلك يعدّون قبورهم حولها تبرّكاً بمرقدها . وفي سنة 544 أمر الحافظ لدين الله ببناء قبّة على قبرها ، ولا تزال من أعظم المزارات عند المصريين .

وكان أخوها يحيى قد توفّي قبلها في مصر وقبره لا يزال من المقدّسات عند المصريين يتبرّكون به ، ويتوسّلون إلى الله في قضاء حوائجهم ، وبعدهما توفّيت زينب بنت يحيى ودُفنت بجوار قبر عمرو ابن العاص .

ومضى أبو علم يقول : وكان أهل مصر يأتون لزيارة قبرها من كلّ فجّ ، وحتى إنّ الظاهر الخليفة الفاطمي كان يأتي لزيارتها ماشياً على قدميه ومعه جمهور من الناس .

وأضاف إلى ذلك : إنّ النيل توقّف في بعض السنين عن الجريان , فتوسّل المصريون بقبرها إلى الله فجرى النيل على عادته ، إلى غير ذلك ممّا جاء في كتابه عن نفيسة الدارين وابنة أخيها زينب .

بعد هذه اللمحات عن حياة السيدة نفيسة حفيدة الحسن السبط (عليه السّلام) يمكن القول : بأنّ المرقد المنسوب لزينب العقيلة في مصر ، والذي لا يزال المصريون يقدّسونه ويعظّمونه هو لزينب بنت يحيى المتوّج ، وبتعاقب العصور والأجيال أصبح يُنسب لزينب العقيلة ؛ لأنّها اشتهرت من نساء العلويِّين الأوائل ، وأصبح اسمها مقروناً باسم أخيها الحسين (عليه السّلام) بعد معركة الطفّ ، وتحدّث الكتاب والمؤلّفون عن مواقفها الخالدة من تلك المجزرة وما رافقها ، والألفاظ المشتركة تنصرف في الغالب إلى أكمل الأفراد


الصفحة (148)

وأكثرها شيوعاً .

وبلا شك فإنّ أكمل الزينبيات وأعلاهنَّ شأناً هي زينب العقيلة ، كما يحتمل أن يكون للفاطميين ضلع في نسبة ذلك المرقد لها ، ونسبة المرقد الثاني لرأس أخيها الحسين ، وهم الذين أشاعوا بأنّ الرأس كان مدفوناً في عسقلان ونقلوه إلى القاهرة ، وراحوا يعظّمون المرقدين لأسباب سياسية أو لغيرها .

أمّا المرقد الموجود في ضاحية الشام وفي بلدة الست بالذّات الذي زارته السيدة نفيسة في طريقها إلى مصر , فليس لزينب الكبرى عقيلة الطالبيِّين وبطلة كربلاء كما هو الراجح . ومن الجائز أن يكون لزينب بنت عبد الله الأصغر بن عقيل من زوجته اُمّ كلثوم الصغرى ابنة أمير المؤمنين (عليه السّلام) من غير الزهراء (عليها السّلام) ، وهي ليست باُمّ كلثوم التي تزوّجها عمر بن الخطاب وأولدها ولده زيداً ، وهذه قد تزوّجت بعد ابن الخطاب من محمّد بن جعفر ولم تنجب منه ، وهي شقيقة الحسين لأمّه وأبيه .

ومهما كان الحال ، فلا يمكن الجزم بشيء حول واقع تلك المراقد ، وأعود لأكرّر ما ذكرته سابقاً من أنّ المراقد التي يقدّسها الشيعة وبقية المسلمين المعتدلين لا يقدّسونها إلاّ بصفتها رمزاً لمَنْ تنتسب إليه ، وتقديراً لما كان يتمتّع به من القيم والمثل العليا ، والجهاد والتضحيات في سبيل المبدأ والعقيدة ، لا للبناء والأحجار المزخرفة والنفائس التي فيها ، وسواء كانت رفات ذلك الشخص صاحب تلك الفضائل في داخل ذلك المرقد أو لم تكن في واقع الأمر ، فمادام يرمز إليه فإنّ زيارته والتوسّل به إلى الله سبحانه من الأمور الراجحة ، وتعظيماً للدين وللقيم التي كان ذلك الشخص يجسّدها ويستهين بحياته من أجلها .

إنّ الزائر حينما يتّجه إلى المسجد الذي فيه مقام رأس الحسين في القاهرة ، ومقام السيدة زينب في ضاحية الشام ، وفي محلّة الفسطاط من القاهرة إنّما يتّجه بقلبه وأحاسيسه لمَنْ ترمز إليه تلك القباب الشامخة ، أي لرأس الحسين وللسيدة زينب وإن لم تكن في واقع الأمر قد ضمنت رفاتهما .


الصفحة (149)

وليس بغريب على الله سبحانه إذا استجاب للموالين لأهل البيت علي والزهراء ، ومَنْ تناسل منهما من الأئمّة الأطهار ، والصلحاء الأبرار الذين عناهم النبي (صلّى الله عليه وآله) بقوله ، كما جاء في رواية أبي بكر بن أبي قحافة أنّه قال : رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد خيّم خيمة وهو متكئ على قوس له عربية ، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السّلام) , وهو يقول : (( معاشر المسلمين ، أنا سلم لمَنْ سالم أهل هذه الخيمة ، وحرب لمَنْ حاربهم ، وولي لمَنْ والاهم ؛ لا يحبّهم إلاّ سعيد الجدّ ، طيّب المولد ، ولا يبغضهم إلاّ شقي الجدّ ، رديء الولادة ))(1) .

ليس بغريب إذا أجار الله مَنْ استجار بمراقدهم ، واستجاب لمَنْ توسّل إليه بهم في قضاء حوائجه ؛ لأنّهم قد بذلوا أنفسهم وكلّ ما يملكون في سبيله ، وتركوا الدنيا ومتعها ونعيمها بعد أن أصبحت تحت أقدامهم من أجل إعلاء كلمة الله وخير الناس أجمعين .

ورحم الله القائل في وصفهم :

همُ القومُ مَنْ أصفاهمُ الودَّ مخلصاً        تمسّكَ  في أُخراه بالسببِ  الأقوى
هـمُ الـقومُ فاقوا العالمينَ  مناقباً        مـحاسنُهمْ  تُحكى وآياتهم  تُروى
مـوالاتُهم  فـرضٌ وحبُّهمُ  هدىً        وطـاعتُهمْ  ودٌّ وودّهـمُ  تـقوى

ـــــــــــــــــــ
(1) أهل البيت ـ لتوفيق أبو علم / 8 .

الصفحة (150)

المآتم الحسينيّة

لقد كانت العشرة الأولى من شهر المحرّم ولا تزال مأتماً سنوياً للأحزان والآلام عند الشيعة منذ مجزرة كربلاء التي كان على رأس ضحاياها الحسين بن علي سبط الرسول وسيد شباب أهل الجنة , في اليوم العاشر من المحرّم سنة إحدى وستين للهجرة ، فكان الشيعة ولا يزالون في مختلف أنحاء دنيا الإسلام يجتمعون في مجالسهم وندواتهم , يردّدون مواقف أهل البيت (عليهم السّلام) وتضحياتهم في سبيل الحقّ والعدالة ، وكرامة الإنسان التي داستها أميّة بأقدامها ، وما حلّ بهم من أحفاد أميّة وجلاّديهم من القتل والسبي والتشريد ، والاستخفاف بجدّهم الأعظم الذي بعثة الله رحمة للعالمين .

هذه الذكريات الغنية بالقيم والمثل العليا ، والتي تعلّمنا كيف نعيش أحراراً ، وكيف نموت في مملكة الجلاّدين سعداء منتصرين ، لو أدركنا أهداف تلك الثورة ، وأحسننا استغلالها .

هذه الذكريات قد اقترنت كما يبدو بعد الإحصاء الدقيق لتاريخها بتلك المجزرة الرهيبة التي أيقظت المسلمين على اختلاف فئاتهم وانتماءاتهم ونزعاتهم ، وأدركوا بعدها أنّ


الصفحة (151)

كرامة الإسلام والمسلمين قد أصبحت بسبب تخاذلهم تحت أقدام الاُمويِّين وفراعنة العصور ، فاستولى عليهم الخوف والندم لتقصيرهم في نصرته وتخاذلهم عن دعواتهم .

ففريق وجدوا أنّ التكفير عن تخاذلهم لا يكون إلاّ بالثورة والثأر له من اُولئك الطغاة ، وآخرون سيطر عليهم الخوف فخلدوا إلى الهدوء ينتظرون الظروف المناسبة ، ولكنّ ذلك لم يكن ليمنعهم عن الاحتفال بذكراه كلّما هلّ شهر المحرّم من كلّ عام ، واستبدال جميع مظاهرهم بمظاهر الحزن والأسف ، وتريد الأحداث التي رافقت تلك المجزرة من تمثيل بالضحايا ، وأسر وسبي وما إلى ذلك من الجرائم التي لم يعرف المسلمون لها نظير في تاريخ المعارك والغزوات قبل ذلك اليوم .

وممّا يشير إلى أنّ المآتم الحسينيّة يقترن تاريخها بتلك المجزرة ما جاء في تاريخ العراق في ظلّ العهد الاُموي للدكتور علي الخرطبولي : إنّ بيعة أبي العباس السفّاح بدأت في الكوفة ، وشاء لها القدر أن تتمّ لأبي العباس كأوّل خليفة من خلفاء تلك الأسرة في عيد الشيعة الأكبر وهو يوم عاشوراء العاشر من المحرّم سنة 132 ، وفي نفس الوقت الذي كان الشيعة يحتفلون فيه بذكرى الحسين بن علي (ع)(1) .

ومعلوم إنّ كلمة عيد الشيعة الأكبر يوم العاشر من المحرّم تشير إلى أنّ الشيعة كانوا معتادين من زمن بعيد على الاحتفال بذكرى الحسين (عليه السّلام) في ذلك اليوم من كلّ عام ، وإنّه كان من أعظم المناسبات التي اعتادوا فيها أن يندبوا الحسين ويبكونه ، ويردّدون مواقفه وتضحياته من أجل الحقّ والمبدأ والعدالة التي تمكّن كلّ إنسان من حقّه ، وتحفظ له كرامته وحريته .

وكما اتّخذ الشيعة وأهل البيت (عليهم السّلام) تلك الأيام أيام حزن وأسف وبكاء

ــــــــــــــــــ
(1) انظر ص 226 من تاريخ العراق عن الأخبار الطوال للدينوري .

الصفحة (152)

على ما جرى للحسين وأسرته من قتل وأسر وسبي , اتّخذها غيرهم من الأعياد يتبادلون فيها التهاني والزيارات ، ويتباهون بكلّ مظاهر الفرح والسرور في ملابسهم وندواتهم ومآكلهم , وما إلى ذلك من مظاهر الفرح ؛ تحدّياً لشعور الشيعة ، واستخفافاً بأهل بيت نبيّهم الذين فرض الله ولاءهم على كلّ مَنْ آمن بمحمد ورسالته .

وجاء في ص 202 من البداية والنهاية لابن كثير المجلد الثامن : إنّ النواصب من أهل الشام لقد عاكسوا الرافضة والشيعة ، فكانوا في يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيّبون ، ويلبسون أفخر ثيابهم ، ويتّخذون ذلك اليوم عيداً يصنعون فيه أنواع الأطعمة ، ويظهرون الفرح والسرور فرحاً بقتله ؛ لأنّه حاول أن يفرّق كلمة المسلمين بعد اجتماعها على حدّ تعبيره .

ولا يزال المسلمون في أهل السنة يعتبرون أوّل يوم من المحرّم عيداً إسلاميّاً يتبادلون فيه التهاني والزيارات ، ويصرفون أكثر ساعاته في نوادي اللهو والطرب والحفلات ، ويسمّونه بعيد الهجرة ، مع العلم بأنّ هجرة النبي من مكة إلى المدينة كانت في السادس من ربيع الأول ، وفي الثاني عشر منه دخل المدينة ، ونزل ضيفاً على أبي أيوب الأنصاري .

ومهما كان الحال ، فلقد رافقت هذه الذكرى في أوساط الشيعة مصرع الحسين (عليه السّلام) ، وكان الأئمّة يحرصون على تخليدها واستمرارها ؛ لتكون حافزاً للأجيال على مقاومة الظلم والطغيان ، والاستهانة بالحياة مع الظالمين تقودهم بمعانيها السامية الخيرة للتضحية والبذل بسخاء في سبيل المبدأ والعقيدة .

لقد دخل الإمام علي بن الحسين زين العابدين إلى المدينة بعد أن أطلق سراحه وسراح عمّاته وأخواته يزيد بن معاوية ، وهو يبكي أباه وأهله وإخوته ، وظلّ لفترة طويلة من الزمن يبكيهم حتّى عدّه الناس من البكّائين .


الصفحة (153)

وكان عندما يسأله سائل عن كثرة بكائه يقول : (( لا تلوموني ؛ فإنّ يعقوب النبي فقد ولداً من أولاده فبكى عليه حتّى ابيضّت عيناه من الحزن , وهو حي في دار الدنيا ، وقد نظرت إلى عشرين رجلاً من أهل بيتي على رمال كربلاء مجزّرين كالأضاحي ، أفترون حزنهم يذهب من قلبي ؟ )) .

وروى الرواة عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( ما وضع بين يدي جدّي علي بن الحسين طعام إلاّ وبكى بكاء شديداً ، وإنّ أحد مواليه قال له : جعلت فداك ! إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين . فقال : إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله ، وأعلم من الله ما لا تعلمون ؛ إنّي لم أذكر مصارع بني فاطمة إلاّ وخنقتني العبرة )) .

وأحياناً كان الإمام السجّاد (عليه السّلام) يطلب المناسبة ، ويخلقها أحياناً ليحدّث الناس بما جرى للحسين وأهل بيته (عليهم السّلام) , فيذهب إلى سوق القصّابين في المدينة ليسألهم عمّا إذا كانوا يسقون الشاة قبل ذبحها ، وإنّه ليعلم إنّهم يفعلون ذلك ؛ لأنّه من السنن المأثورة ، ولكنّه يريد أن يحدّثهم عمّا جرى لأبيه ؛ ليبعث في نفوسهم النقمة على الظلم والظالمين ، فيقول لهم : (( لقد ذُبح أبو عبد الله عطشانَ كما تُذبح الشاة )) . فيجتمعون عليه ويبكون لبكائه .

وكان إذا رأى غريباً دعاه إلى بيته لضيافته ، ثمّ يقول : (( لقد ذُبح أبو عبد الله غريباً جائعاً )) .

واستمر طيلة حياته حزيناً كئيباً ، وهكذا كان غيره من الأئمّة يحرصون على بقاء تلك الذكرى حيّة في نفوس الأجيال ، خالدة خلود الدهر ؛ لأنّها لا تنفصل بمعانيها السامية عن أهداف الإسلام العليا ومقاصده الكريمة .

وقال الإمام الصادق (عليه السّلام) لجماعة من أصحابه دخلوا عليه في اليوم العاشر : (( أتجتمعون وتتحدثون ؟ )) . فقالوا : نعم يابن رسول الله . فقال : (( أتذكرون ما صُنع بجدّي الحسين ؟ لقد ذُبح والله كما يُذبح الكبش ، وقُتل


الصفحة (154)

معه عشرون شاباً من أهله وبنيه وإخوته ما لهم على وجه الأرض من مثيل )) .

وروى عنه معاوية بن وهب وقد دخل عليه في اليوم العاشر من المحرّم فرآه حزيناً كاسف اللون ، وهو يدعو ويقول : (( اللّهمّ يا مَنْ خصّنا بالكرامة ، ارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس ، وارحم تلك الخدود التي تقلّبت على قبر أبي عبد الله الحسين ، وارحم تلك الصرخة التي كانت لأجله )) .

ومضى يقول في دعائه لزوار الحسين (عليه السّلام) والباكين عليه كما جاء في رواية ابن وهب : (( اللّهمّ ارحم تلك الأنفس والأبدان حتّى توفيهم على الحوض يوم العطش الأكبر )) .

ولمّا استغرب معاوية بن وهب ما رآه من بكاء الإمام (عليه السّلام) ، ومن دعواته لزوار قبر أبي عبد الله والباكين عليه ، قال له : (( يابن وهب ، إنّ مَنْ يدعو لزوار قبر الحسين والباكين لما أصابه في السماء أكثر ممّن يدعون لهم في الأرض )) .

ودعاء الإمام لزوار قبر الحسين (عليه السّلام) يشير إلى أنّ الشيعة كانوا يتوافدون لزيارته من ذلك التاريخ .

ودخل جعفر بن عفّان عليه فقال له : (( بلغني إنّك تقول الشعر في الحسين وتجيده ، فأنشدني من شعرك فيه )) . ثمّ قام وأجلس نساءه خلف الستر ، فلمّا قرأ عليه من شعره في الحسين جعل يبكي ، وارتفع الصراخ والعويل من داخل الدار حتّى ازدحم الناس على باب الدار مخافة أن يكون قد حدث فيها حادث ، فلمّا وقف الناس على واقع الأمر , تعالى الصراخ من كلّ جانب ، ثمّ قال له : (( لقد شهدت ملائكة الله المقرّبون قولك في الحسين ، وبكوا كما بكينا )) .

وكان جعفر بن عفّان من شعراء أهل البيت (عليهم السّلام) ، وله مواقف مع ابن أبي حفصة شاعر العباسيِّين الذي كان يتملّق إليهم بانتقاص العلويِّين وهجائهم ، ومن قصائده التي كان يتملّق بها للعباسيين قوله في أبيات يخاطب لها العلويِّين :


الصفحة (155)

خلّو الطريق لمعشرٍ عاداتُهمْ        حطمَ  المناكب كلَّ يوم زحامِ
ارضوا  بما قسم الإلهُ لكم بهِ        ودعوا  وراثةَ كلّ أصيد حامِ
أنّى  يكون وليس ذلك بكائنٍ        لبني   البنات وراثةُ الأعمامِ

فـردّ عليه جعفر بن عفّان بقوله  :

لِـم لا يـكـونُ وإنّ ذاكَ لكائنٌ        لـبـنـي البناتِ وراثةُ الأعمامِ
لـلبنتِ   نـصفٌ كاملٌ من مالِه        والــعـمُّ مـتـروكٌ بغيرِ سهامِ
مـا لـلـطـليقِ وللتراثِ وإنّما        صلّى الطليقُ مخافةَ الصمصامِ(1)

وكان الإمام الرضا (عليه السّلام) يجلس للعزاء في العشرة الأولى من شهر المحرّم ولا يرى ضاحكاً قط ، كما كانت مظاهر الحزن والأسف تستولي على الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) وأصحابهم ، وتبدو ظاهرة في بيوتهم ومجالسهم ، ويقولون لمَنْ يحضر مجالسهم من الخاصّة والعامّة : (( قولوا متى ما ذكرتم الحسين وأصحابه : يا ليتنا كنا معك فنفوز فوزاً عظيماً )) .

إنّهم كانوا يريدون من أصحابهم وشيعتهم وجميع المسلمين أن يكونوا مع الحسين وأصحاب الحسين ، العاملين بمبادئ القرآن وسنن الأنبياء والمصلحين ، العاملين لخير الإنسان في كلّ زمان ومكان بأرواحهم وعزيمتهم وقلوبهم ، وبقاء هذه الذكرى خالدة خلود الإنسان ، وأن يشحنوا النفوس بالنقمة على الظالمين وفراعنة العصور الذين يتحكمون بكرامة الإنسان ، وخيرات الأرض التي أوجدها الله لأهل الأرض لا للحاكمين والجلادين .

ويريدون منهم أن يكونوا في كلّ زمان ومكان ثورة عارمة على مَنْ يحمل روح يزيد وجلاّديه ولا يختلف عنهما إلاّ بالاسم ، ويضحّوا بأنفسهم

ـــــــــــــــ
(1) انظر مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للمقرّم عن رجال الكشي , ومعاهد التنصيص / 119 .

الصفحة (156)

من أجل الحقّ والعدل كما ضحى الحسين وأصحابه في ثورته على يزيد زمانه .

لقد أرادوا منهم ذلك صراحة تارة ، وتلميحاً أخرى كما يبدو ذلك من حثّهم وترغيبهم على زيارة الحسين ، وتحمّل المشاق وإن عظمت في سبيلها ؛ لتبقى مواقفه وتضحياته ماثلة لدى الأجيال تتّخذ منها دروساً في الجهاد والتضحيات في سبيل العقيدة والمبدأ .

إنّهم كانوا يحثّون ويرغّبون في زيارته في أكثر من فصل من فصول السنة ؛ لأنّ الزائر عندما يقف أمام ضريحه الطاهر إذا كان مدركاً لواقعه لا بدّ وأن يتصوّر موقف الحسين (عليه السّلام) وحيداً في مقابل تلك الحشود التي اجتمعت لقتاله , غير هيّاب ولا وجل ، يدافع ويناضل عن شريعة جدّه وكرامة الإنسان بعزيمة أثبت من الجبال الرواسي كما وصفها بعض شعراء الطفّ بقوله :

من تحتهم لو تزول الأرضُ لانتصبوا        على الهوى هُضباً أرسى من  الهُضُبِ

هذه الخواطر التي تعترض زائر الحسين لا بدّ وأن تحدث في نفسه نقمة على الظلم والظالمين ، وتدفعه على الصمود في الشدائد والأهوال ، وتؤكّد صلاته بأهل هذا البيت الذين يجسّدون الإسلام فكراً وقولاً وعملاً .

هذا بالإضافة إلى أنّ الزائر يُعاهد الله ورسله وملائكته بالمضي على خطى الحسين وآبائه وأبنائه (عليهم السّلام) ، ومتابعتهم في القول والعمل ، ومواقفهم من الظالمين حينما يقف على ضريحه ويخاطبه بقوله : وأشهد الله وملائكته ورسله إنّي سلم لمَنْ سالمكم ، وحرب لمَنْ حاربكم ، وولي لمَنْ والاكم ، وعدو لمَنْ عاداكم ، وإنّي بكم مؤمن ، ولكم تابع في ذات نفسي ، وشرائع ديني ، وخواتيم عملي في منقلبي ومثواي .

إنّ هذا التأكيد من الأئمّة الأطهار على زيارة الحسين (عليه السّلام) ، والترغيب المغري بها في عدد من المواسم خلال كلّ عام لم يصدر منهم بالنسبة لزيارة غيره من الأئمّة (عليهم السّلام) ، ولا لزيارة مَنْ هو أعظم منه كجدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله) وأبيه


الصفحة (157)

المرتضى (عليه السّلام) ، في حين إنّ كلّ واحد منهم يجسّد الإسلام بجميع فصوله وخطوطه في أقواله وأفعاله ، وقد وهب حياته لله ولخير الناس أجمعين ، وهانت عنده الدنيا بكلّ ما فيها من متع ونعيم مغريات .

إنّ ذلك لم يكن إلاّ لأنّ شهادة الحسين (عليه السّلام) بما رافقها من الجرائم والفظائع تثير الأحاسيس ، وتحرّك الضمائر الهامدة ، وتحثّ على مقارعة الظلم ، والصبر في الشدائد والأهوال في سبيل المبدأ والعقيدة . ولأجل ما رافقها من تلك الأحداث القاسية التي لم يسجّل التاريخ لها نظيراً فقد اتّخذها الأئمّة (عليهم السّلام) وسيلة لإثارة العواطف ، وإلهاب المشاعر ، وبعث الروح النضالية في نفوس الجماهير المسلمة ؛ لتكون مهيّأة للثورة على الظلمة والجبابرة في كلّ أرض وزمان .

وفي الوقت ذاته فإنّ تلك المآتم والذكريات تكشف عن طبيعة القوى التي تناهض أهل البيت (عليهم السّلام) وتناصبهم العداء ، ومدى بعدها عن الإسلام , وتبيّن في الوقت ذاته أنّ جوهر الصراع بينهم وبين الحاكمين ليس ذاتيّاً ، ولا مصلحيّاً كما جرت العادة عليه في الصراعات بين الناس ، بل هو من أجل الإسلام وتعاليم الإسلام ، والجور الذي أصاب الناس .

لقد كان موقف الأئمّة (عليهم السّلام) من تلك المآتم ، والحثّ عليها والترغيب بها منذ قُتل الحسين (عليه السّلام) , من جملة الدوافع التي جعلت الشيعة يلتزمون بها بدون انقطاع في كلّ بلد حلّوا فيه ، بالرغم ممّا كانوا يتعرّضون له من الحاكمين وأعداء أهل البيت من التنديد والتنكيل والسخرية .

ومع كلّ ما قام به الحاكمون من جور وإرهاب فلم يفلحوا في كبح ذلك التيار الشيعي الجارف الذي بقي يتعاظم باستمرار مع الزمن ، وبقي في تصاعد مستمر حتّى في عهد العباسيِّين الذين وصلوا إلى الحكم على حساب العلويِّين كما تؤكّد ذلك عشرات الشواهد ، ومع ذلك فقد كانوا عليهم أشدّ من الاُمويِّين ، وحاربوهم على جميع الجبهات ، وتعرّضوا في عهودهم لأسوأ أنواع العسف والجور والتشريد .


الصفحة (158)

مقارنات بين العهدين الاُموي والعبّاسي

فقد قال المنصور العباسي عندما عزم على قتل الإمام الصادق (عليه السّلام) : قتلت من ولد فاطمة ألفاً أو يزيدون ، وتركت إمامهم وسيّدهم جعفر بن محمّد . كما جاء في شرح ميميّة أبي فراس ، والأدب في ظلّ التشيع(1) .

وترك لخليفته المهدي ميراثاً من رؤوس العلويِّين كان قد وضعها في غرفة من غرف قصره ، ودفع مفاتيح لزوجة خليفته ريطة وأوصاها بأن لا تفتحها إلاّ هي وزوجها بعد وفاته ، فأيقنت أنّها مملوءة من التحف والأموال . ولمّا توفّي فتحها المهدي هو وزوجته ليلاً فوجدها مملوءة من رؤوس العلويِّين , بينها رؤوس شيوخ وأطفال وشبان ، وفي كلّ رأس رقعة باسمه ونسبه(2) .

وهو القائل لعمّه عبد الصمد بن علي عندما لامه على تسرّعه في القتل والعقوبات : إنّ بني مروان لم تبلَ رممهم ، وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم ، ونحن بين قوم رأونا بالأمس سوقة واليوم خلفاء ، ولا نستطيع أن نبسط هيبتنا إلاّ بنسيان العفو واستعمال العقوبة(2) .

لقد وصل المنصور إلى الحكم على حساب آل أبي طالب كما ذكرنا ، وبعد أن استتبت له الأمور قتل منهم ألفاً أو يزيدون ، ووضع السيف في رقابهم , لا لشيء إلاّ لأنّه يخاف منهم على هيبته وسلطانه ، والخوف وحده يبرر له ولغيره من الحاكمين قتل الملايين من البشر في كلّ عصر وزمان .

وفي الوقت ذاته يتغنّون بالحرية والديمقراطية والسلام , وما إلى ذلك من الشعارات كما كان العباسيّون والأمويّون يتسترون بالإسلام ورسالة الإسلام ، ويتقرّبون من الوعّاظ وشيوخ السوء ليصنعوا لهم المبررات لجرائمهم .

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) ص 159 من الميمية ، وص 68 من الأدب في ظلّ التشيّع ، وتاريخ الطبري ، والنزاع والتخاصم للمقريزي .
(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي .

الصفحة (159)

وجاء في مناقب ابن شهر آشوب : إنّ المنصور قال للإمام الصادق (عليه السّلام) : لأقتلنّك , ولأقتلنّ أهلك حتّى لا اُبقي على الأرض منكم قامة سوط . ولقد همّ بقتله أكثر من مرّة ، وكان يستعين عليه بالله وحده , فأنجاه الله من شرّه .

ويدّعي عبد الجواد الكليدار آل طعمة في كتابه (تاريخ كربلاء) أنّه أوّل مَنْ تجرّأ على قبر الحسين وهدمه عندما رأى الشيعة يتوافدون إلى زيارته ، ويردّدون تلك المأساة الدامية التي حلّت بأهل البيت (عليهم السّلام) .

وجاء في مروج الذهب للمسعودي : إنّه جلس يوماً مع المسيّب بن زهرة وكان من أعوانه وجلاّديه ، فذكر الحجّاج بن يوسف ووفاءه للمروانيين في معرض التعريض والتنديد بأعوانه , ففهم المسيّب غايته ، فقال له المسيب : يا أمير المؤمنين ، والله , إنّ الحجّاج لم يسبقنا إلى أمر من الأمور ، ولم يخلق الله على وجه الأرض أحداً أحبّ إلينا من نبيّنا محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) ، ومع ذلك فقد أمرتنا بقتل أولاده وعترته فأطعناك وقتلناهم ، فهل كان الحجّاج أنصح لبني مروان منّا لك ؟ فسكت المنصور ولم يردّ عليه .

وروى الرواة عن أساليب تعذيبه للعلويين أنّه كان يضع العلويِّين في الاسطوانات ويسمرهم في الحيطان ، وأحياناً يضعهم في سجن مظلم ويتركهم يموتون جوعاً ، ويترك الموتى بين الأحياء فتقتلهم الروائح الكريهة ، ثمّ يهدم السجن على الجميع كما جاء في تاريخ اليعقوبي .

ولقد فرّ أبو القاسم الرسّي بن إبراهيم بن طباطبا المعروف بإسماعيل الديباج إلى بلاد السند خوفاً من المنصور ، وقال كما جاء عنه :

لـم يـروهِ ما أراق البغي من  دمنا        في كلِّ أرض فلم يقصر من الطلبِ
وليس  يشفي غليلاً في حشاه  سوى        أن لا يـرى فـوقها ابناً لبنت  نبي

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى