من وحي الثورة الحسينيّة

 
 

الصفحة (160)

وحكم المسلمين من بعده ولده المهدي بنفس الروح اللئيمة الحاقدة على العلويِّين وصلحاء المسلمين ، وخفّت في عهده حدّة القتل الجماعي للعلويين وشيعتهم ومطاردتهم ، ولكنّه سخر جماعة من أعوانه ومرتزقته لانتحال صفة الزندقة لكلّ مَنْ يناوئه من العلويِّين وشيعتهم ، وأصبح الاتهام بالزندقة من أيسر التهم التي تلصق بالأبرياء كما جاء في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلاميّة .

وقال عبد الرحمن بدوي : إنّ الاتهام بالزندقة في ذلك العصر كان يسير جنباً إلى جنب مع الانتساب إلى مذهب الرافضة ، وفي ذلك يقول الطغرائي من جملة أبيات له :

ومتى تولّى آلَ أحمدَ مسلمٌ        قـتلوهُ أو وسموهُ  بالإلحادِ

ولمّا جاء دور خليفته الهادي العباسي سلّط على العلويِّين جلاّديه وجلاوزته , فألحّوا في طلبهم ومطاردتهم ، وقطع أرزاقهم وأعطياتهم ، وكتب إلى سائر المقاطعات الإسلاميّة يهدّد ويتوعّد كلّ مَنْ يأويهم ويحسن إليهم .

وكانت معركة فخ التي قُتل فيها أكثر من مئة وخمسين من رجال العلويِّين ونسائهم وأطفالهم بسبب ما لحقهم من الاضطهاد يومذاك ، وتولّى قيادتها الحسين بن علي بن الحسن [ ابن الحسن بن الحسن ](1) ابن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) .

وكان موسى الهادي قد استخلف على المدينة إسحاق بن عيسى , فأوعز إسحاق إلى رجل من ولد عمر بن الخطاب يُعرف بعبد العزيز بن عبد الله , فحمل على الطالبيِّين وأفرط في التحامل عليهم ومضايقتهم ، فاجتمع على الحسين بن علي صاحب فخ جماعة من الشيعة فخرج بهم . وكانت المعركة في القرب من مكة ، وفي المكان المعروف بفخ ، وقُتل الحسين ومَنْ معه من العلويِّين وشيعتهم ، وحُملت رؤوسهم إلى موسى الهادي .

ـــــــــــــــــــ
(1) ما بين المعقوفتين من إضافات معهد الإمامين الحسَنَين (عليهما السّلام) .

الصفحة (161)

ولمّا بلغ العمري والي المدينة ما جرى للحسين بن علي قائد معركة فخ , أمر بهدم داره ودور الطالبيِّين , وصادر أموالهم وممتلكاتهم .

وجاء في مقاتل الطالبيِّين للأصفهاني : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) مرّ بفخ فنزل وصلّى ركعتين ، وقبل أن ينتهي منهما بكى وهو في صلاته ، فلمّا رآه المسلمون بكوا لبكائه ، ولمّا سألوه عن سبب بكائه قال : (( نزل عليّ جبريل لمّا صلّيت الركعة الأولى وقال : يا محمّد , إنّ رجلاً من ولدك يُقتل في هذا المكان ، وأجر الشهيد معه أجر شهيدي . فبكيت لما يجري على ذرّيتي من بعدي ))(1) .

ولمّا جاء دور الرشيد الخليفة العباسي الخامس مثّل أسوأ الأدوار معهم ، وأقسم ـ كما جاء في الأغاني طبع دار الكتب بالقاهرة ـ على استئصالهم ، وكلّ مَنْ يتشيّع لهم , وقال : حتّى مَ أصبر على آل أبي طالب ؟! والله لأقتلنّهم وأقتل شيعتهم أينما حلّوا . وأمر بإخراجهم من بغداد إلى المدينة ، وأمر واليه عليها أن يأخذ الضمانات منهم ، ويتعهّد بعضهم ببعض .

وعندما أرسل الجلودي لحرب محمّد بن جعفر بن محمّد أمره أن يغير على دور آل أبي طالب ويسلب ما على نسائهم من الثياب ، ولا يترك لكلّ واحدة منهنَّ إلاّ ثوباً واحداً يسترها .

ولم يكتب بذلك حتّى هدم قبر الحسين ، وقطع السدرة الكبيرة التي كانت إلى جانبه ، لا لشيء إلاّ لأنّ زوّار قبر الحسين (عليه السّلام) كانوا يستظلّون تحتها من حرارة الشمس ، وقد تولّى له تنفيذ هذه المهمّة موسى بن عيسى بن موسى العباسي(2) .

ـــــــــــــــــــ
1 ـ انظر مقاتل الطالبيِّين ـ لأبي الفرج / 290 وما بعدها .
2 ـ تاريخ الشيعة ـ للمظفر ، والكنى والألقاب ـ للشيخ عباس القمي ، والمناقب ـ لابن شهر آشوب ، والكامل ـ لابن الأثير .

الصفحة (162)

وتوّج موبقاته كلّها بحبس الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) ، وأخيراً بقتله بالسمّ بواسطة جلاّديه وجلاوزته . وفي عهده امتلأت سجونه من العلويِّين وشيعتهم ، وكلّ مَنْ يتّهم بالتشيّع لهم على حدّ تعبير أحمد أمين في المجلد الثالث من (ضحى الإسلام) .

واشتهر المتوكّل بعدائه الشديد للعلويين ؛ فقد جاء في تاريخ ابن الأثير وهو يستعرض حوادث سنة 236 : إنّ المتوكّل العباسي كان شديد البغض والكراهة لعلي وآل علي ، وإذا بلغه إنّ أحداً يتولّى علياً وآل علي صادر أمواله وقتله .

وأضاف إلى ذلك : أنّه كتب إلى واليه في مصر يأمره بإخراج آل أبي طالب منها وطردهم إلى العراق ، وكانوا في مصر يردّدون في مجالسهم ما صنعه الاُمويّون مع الحسين وأسرته وأصحابه ويبكون لما أصابهم ، فأخرجهم الوالي منها واستتر أكثر مَنْ كان فيها من شيعة أهل البيت (عليهم السّلام) .

كما استعمل على المدينة ومكة المكرمة عمر بن الفرج الرجحي , فمنع من البرّ بآل أبي طالب ، كما منع العلويِّين من التعرّض للناس والاتصال بأحد ، ولم يبلغه عن أحد برّ علويّاً إلاّ أنهكه عقوبة وأثقله عزماً ، فساءت حالة العلويِّين , واضطر نساؤهم إلى التزام بيوتهن عاريات يتبادلن القميص المرقّع في الصلاة ، الواحدة تلو الأخرى , ويجلسن عاريات على مغازلهنّ ؛ لكي يشترين ما يسدّ رمقهنّ من خبز الشعير بأثمان غزلهن .

لقد قضت مشيئة خليفة المسلمين العباسي , في نسبه الأموي الحاقد في روحه ومشاعره أن تعتكف العلويّات الطاهرات في بيوتهن عاريات يتبادلن القميص المرقع إذا حضرت أوقات الصلاة ، ثمّ يجلسن على مغازلهنّ عاريات ليشترين بأثمان غزلهن ما يسدّ رمقهنّ من الخبز ، وأن تختال نساؤهم وجواريهم الفاجرات الراقصات بالحلي ، وحلل الحرير والديباج بين الغلمان والسكارى من حواشي الخليفة ، ويجلسن على موائد الطعام المؤلّفة من جميع المأكولات والخمور ، وأهل البيت (عليهم السّلام) ونساؤهم


الصفحة (163)

وأطفالهم يتلوون من آلام الجوع أذلاء صاغرين .

وكان يقرّب إليه كلّ مَنْ يكره علياً أمير المؤمنين كعلي بن الجهم وأمثاله ممّن كانوا يشتمون علياً (عليه السّلام) ، ونظراً لأنّ أباه الجهم بن بدر كان من الموالين لعلي ، قال بعض شعراء الشيعة في علي بن الجهم :

لَعمركَ ما الجهمُ بن بدرٍ  بشاعر        وهـذا  علي ابنه يدّعي  الشعرا
ولـكن أبـي قد كان جاراً  لاُمّه        فلمّا ادّعى الأشعار أوهمني أمرا

يشير بهذين البيتين إلى الحديث الشائع عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال لعلي (عليه السّلام) بحضور جماعة من المهاجرين والأنصار : (( يا علي ، لا يبغضك إلاّ ابن حيض أو زنى )) .

وكان ابن السكّيت من كبار العلماء والاُدباء في زمانه ، وقد ألزمه المتوكّل بتعليم ولديه المعتز والمؤيد ، فقال له يوماً : أيّهما أحبّ إليك , ابناي هذان أو الحسن والحسين ؟

فردّ عليه ابن السكيت بقوله : والله ، إنّ قنبراً خادم الحسن والحسين أحبّ إليّ منك ومن ولديك .

فأوعز المتوكّل إلى جلاّديه من الأتراك أن يستخرجوا لسانه من قفاه ، ففعلوا به ذلك ومات من ساعته ، وكان يقول :

يُـصابُ  الـفتى مـن عثرةٍ  بلسانه        وليسَ يُصابُ المرءُ من عثرةِ الرجلِ
فـعثرتهُ  فـي الـقولِ تذهبُ  رأسَه        وعـثرتُهُ  في الرجل تبرأ على مهلِ

لقد نسي (رحمه الله) هذين البيتين اللذين كان يردّدهما ، وكأنّه كان يعني نفسه بهما ، لقد سيطر عليه الولاء لأهل البيت (عليهم السّلام) ، واستفزّه استخفاف المتوكّل بهم ، فأبت له نفسه الكبيرة أن يتّقيه ويقول ما لا يؤمن به ، فذهب في قافلة الشهداء ، ولعلّه كان من أفاضلهم بمقتضى قول النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( أفضل الشهداء عمّي الحمزة , ورجل قال كلمة حقّ في وجه جائر فقتله )) .


الصفحة (164)

المتوكّل ومرقد الحسين (عليه السّلام) وزوّاره

لم يكتفِ المتوكّل بالتنكيل بشيعة أهل البيت (عليهم السّلام) ومطاردتهم , فأراد أن يمنعهم عن زيارة الحسين (عليه السّلام) , ففرض عليهم الضرائب ، وهدّدهم وتوعّدهم بالقتل ، ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم , فلم يخضعوا لتهديده ولا لوعيده ، واستمرت وفود الشيعة على كربلاء في تصاعد مستمر ، يكمنون بالنهار ويسيرون ليلاً .

ولمّا لم يجد سبيلاً لاستئصال هذه الظاهرة الشيعيّة اتّخذ قراراً بهدم القبر وإزالة معالمه ؛ ليضيع مكانه ولا يهتدون إليه ، ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نورة ولو كره المشركون .

لقد أراد معاوية من قبله أن لا يتحدّث أحد في فضل علي وآثاره فكتب إلى عمّاله في جميع المقاطعات الإسلاميّة : برئت الذمّة ممّن يروي حديثاً في فضل عليّ وآل علي ، وممّن يذكرهم بخير . وكتب المتوكّل الهاشمي وابن عمّ العلويِّين إلى عمّاله : برئت الذمّة ممّن يبرّ العلويِّين ويحسن إلى أحد منهم .

وقتل معاوية الحسن بن علي والمئات من صلحاء المسلمين ؛ لأنّهم لم يعلنوا براءتهم من علي وآل علي (عليهم السّلام) , وكذلك فعل المتوكّل وأسلافه من أحفاد هاشم وعبد المطلب .

وقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي (عليه السّلام) وعشرين شاباً من أحفاد أبي طالب , وقال المنصور العباسي حفيد عبد المطلب : قتلت من ولد فاطمة ألفاً أو يزيدون . وترك لولده المهدي غرفة من غرف قصره مملوءة برؤوسهم ، ومع كلّ رأس رقعة باسمه ونسبه ؛ ليقتدي به خليفته من بعده(1) .

وهدم المتوكّل قبر أمير المؤمنين (عليه السّلام) وقبر الحسين (عليه السّلام) حتّى لا يهتدي إليهما أحد من الشيعة ويذهب لزيارتهما ، ولكن طيب تراب القبر دلّ على القبر , فكان معاوية بمحاولته الفاشلة إخفاء فضائل أمير المؤمنين كأنّه يأخذ بضبعه إلى السماء على حدّ تعبير الشعبي وعبد الله بن عروة بن الزبير لولديهما .

ـــــــــــــــ
(1) انظر الطبري ، والنزاع والتخاصم ـ للمقريزي .

الصفحة (165)

وكأن المتوكّل بمحاولاته لإخفاء قبر الحسين (عليه السّلام) أنّه يجعله من الأبراج التي تناطح السحاب ، وتثير أحقاد الحاكمين من حكّام العصور .

ونعود بعد هذه اللمحات القصار عن مواقف العباسيِّين من العلويِّين إلى الحديث عن مرقد الحسين لنعود إلى إعطاء صورة أوسع عن جور العباسيِّين بعد الفراغ من هذا الفصل الذي خصّصناه للمآتم الحسينيّة وزيارة مرقده .

وما دمنا بصدد الحديث عن المآتم الحسينيّة وزيارة مرقد الحسين (عليه السّلام) نعود لأبي الفرج الأصفهاني لنرى ما فعله المتوكّل بقبر الحسين ومع زائريه ؛ فقد جاء في مقاتل الطالبيِّين : إنّ المتوكّل الهاشمي كان شديد الوطأة على آل أبي طالب ، غليظاً على جماعتهم ، وشديد الحقد والغيظ عليهم ، وكان وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان يشاركه في سوء الرأي بهم فحسّن له القبيح في معاملتهم ، وبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من بني العباس قبله ، وكان من سوء فعله أن كرب قبر الحسين ، وعفى آثاره ، ووضع على سائر الطرق المؤدّية إليه مسالح من جنده لا يجدون أحداً في طريقه لزيارته إلاّ قتلوه أو أنهكوه تعذيباً .

ومضى يقول : لقد حدّثني أحمد بن الجعد الوشاء ـ وقد شاهد بنفسه ذلك ـ فقال : كان السبب في حراثة قبر الحسين أنّ بعض المغنيات كانت تبعث بجواريها إلى المتوكّل قبل خلافته يغنين له إذا شرب ، فلمّا تولّى الخلافة بعث إلى تلك المغنية فعرف إنّها كانت غائبة في زيارة الحسين (عليه السّلام) ، ولمّا بلغها خبره أسرعت في الرجوع ، وبعثت إليه بجارية من جواريها كان يألفها , فقال لها : أين كنتم ؟

فقالت : لقد خرجت مولاتي إلى الحج وأخرجتنا معها ، وكان ذلك في شعبان .

فقال : وإلى أين حججتم ونحن في شعبان ؟

فقالت : قصدنا قبر ابن عمّك الحسين بن علي (عليه السّلام) . فاستشاط غضباً , وأمر بمولاتها فوضعها في سجنه ، وصادر أملاكها ، وبعث برجل من أصحابه يُقال له (الديزج) ـ وكان يهودياً ـ إلى مرقد الحسين (عليه السّلام) وأمره بهدمه ، وأن يكرب محلّه ولا يترك له أثراً .


الصفحة (166)

توافد الزوار عليه بعد هدمه

كما أمره بهدم كلّ ما حوله من الأبنية ، فمضى لذلك ونفّذ جميع ما أمره به المتوكّل ، فهدم ما حوله من البناء والبيوت التي كان أصحابها يستقبلون الزوار فيها ، وكرب نحواً من مئتي جريب حوله .

فلمّا بلغ إلى القبر لم يتقدّم لهدمه أحد ممّن كانوا معه من جنود المتوكّل وأنصاره ، فأحضر قوماً من اليهود فهدموه ، ثمّ كربوه وأجروا الماء عليه وعلى ما حوله من الأراضي ، وأوكل أمر ملاحقة الزوار إلى جنوده وجلاوزته ، فكلّ مَنْ وجدوه متوجّهاً لزيارته اعتقلوه وأرسلوه إليه .

وأضاف إلى ذلك الأصفهاني في مقتله : إنّ محمّد بن الحسين الأشتاني قال : لقد بعد عهدي بالزيارة في تلك الأيام خوفاً من السلطة الحاكمة ، ثمّ عملت على المخاطرة بنفسي فيها ، وساعدني رجل من العطّارين على ذلك ، فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتّى أتينا نواحي الغاضرية , وخرجنا منها نصف الليل .

فسرنا بين مسلحتين حتّى أتينا محلّ القبر ، وقد خفي علينا , فجعلنا نشمّه ونتحرّى جهته حتّى أتيناه ، وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه واُحرق , واُجري الماء عليه فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق , فزرناه ، ثمّ انكببنا عليه فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها في جميع أنواع الطيب ، فقلت للعطّار الذي كان معي : أيّ رائحة هذه ؟

فقال : لا والله , ما شممت مثلها شيئاً من العطر . فودّعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدّة مواضع ، فلمّا قُتل المتوكّل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيِّين والشيعة حتّى صرنا إلى القبر , فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه(1) .

وجاء في الأمالي للشيخ الطوسي عن عبد الله بن دانية الطوري أنّه قال : حججت سنة 247 , فلمّا انتهيت من أعمال الحجّ ورجعت إلى العراق

ــــــــــــــــــ
1 ـ انظر مقاتل الطالبيِّين ـ لأبي الفرج / 395 ـ 396 .

الصفحة (167)

زرت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) على حال خيفة من السلطان ، ثمّ توجّهت إلى زيارة الحسين (عليه السّلام) في كربلاء , فإذا مرقده قد حُرث وفجّر فيه الماء ، وأرسلت الثيران والعوامل في الأرض ، فبعيني وبصري رأيت الثيران تُساق في الأرض فتنساق لهم حتّى إذا وصلت القبر حادت عنه يميناً وشمالاً , فتضرب بالعصي الضرب الشديد فلا ينفع ذلك ، ولا تطأ القبر بحال أبداً ، فلم أتمكّن من الزيارة ، فتوجّهت إلى بغداد وأنا أقول :

تاللهِ إن كـانت أمـيّةُ قـد  أتتْ        قـتلَ  ابـنِ بنتِ نبيّها  مظلوما
فـلقد أتـاه بـنو أبـيه بـمثلِهِ        هـذا لَـعمركَ قـبرُهُ  مـهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا        فــي قـتلهِ فـتتبّعوه  رمـيما

وقيل كما هو الشائع : إنّ الأبيات للشاعر البسامي ، ويجوز أن يكون عبد الله بن دانية قد استشهد بها بعد شيوعها .

وقال الطبري في المجلد التاسع وفي أحداث 236 : إنّ عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية التي فيها القبر : مَنْ وجدناه عند قبر الحسين بعد ثلاثة أيام بعثنا به إلى المطبق . فهرب الناس من حواليه(1) .

وقد أثّر هذا الإرهاب إلى حدّ ما على نشاط تحرّكات الشيعة نحو زيارة مراقد الأئمّة (عليه السّلام) وبخاصّة زيارة الحسين ، بعد أن تعاظم أسلوب القمع والإرهاب لبعض الوقت إلى حدّ حمل الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن (عليه السّلام) إلى إصدار توجيه عام إلى الشيعة ينهاهم فيه عن زيارة مرقد الإمامين موسى بن جعفر ومحمد الجواد في مقابر قريش ، وحرم الحسين في كربلاء كما جاء في أعلام الورى ، وغيبة الطوسي .

ولكنّ أساليب

ـــــــــــــــــــــ
(1) المطبق : سجن تحت الأرض لا يرى الشمس ولا الهواء غالباً ، وقلّما ينجو أحد ممّن يدخلون إليه , وهي سجن المحكومين بالإعدام .

الصفحة (168)

القمع والإرهاب لم تدم طويلاً , وكان لها ردّة فعل واسعة في الأوساط الشيعيّة ، فما إن أحس الشيعة بالانفراج حتّى أخذوا يتوافدون على زيارة مرقد الحسين (عليه السّلام) بكثافة ، وبصورة أشدّ تنوّعاً ممّا كانت عليه قبل أن يصدر الحاكمون أوامرهم بالمنع والتنكيل بالزائرين .

واعتقد الشيعة أنّ المرقد الشريف لم يتأثر أبداً بالماء ، وظلّ على حاله , والشيعة يتوافدون عليه في مواسم معدودة من كلّ عام . وبعد قرن من الزمن كتب ابن حوقل عن المشهد الذي بُني فوق ضريح الحسين (عليه السّلام) , ووصفه بأنّه غرفة واسعة تعلوها قبة لها باب من كلّ جهاتها الأربع .

وفي عهد البويهيِّين هاجم البلدة المحيطة بضريح الحسين (عليه السّلام) فريق من الأعراب جاؤوا من عين التمر ، وضربوا المشهد وغيره من الأماكن المجاورة له ، فصبّ عليهم بنو بويه جام غضبهم وعاقبوهم بأقسى ما يكون من العقوبات . وأعاد عضد الدولة بناء المرقد وما تهدّم حوله إلى ما كان عليه ، وبسط عليها الحماية ؛ فجعل الناس يتهافتون إلى زيارته من كلّ مكان .

وفي ربيع الأول من سنة 407 هجرية ـ 1016 ميلادية ، شبّ حريق في البناء فتهدّمت القبة التي على المرقد والأروقة واحترقت ، وأعاد بناءها الحسين بن الفضل , وبنى سوراً حول كربلاء ، ومن ذلك الوقت تشابه تاريخ النجف وكربلاء فاحترمهما الأتراك الذين احتلوا العراق .

وزار ملك شاه سنة 479 المشهدين ، ووزّع الصدقات والأموال على أهالي البلدتين ، ونجتا من غزو المغول ، وتوالت زيارة أمراء الشيعة وحكّامهم إلى البلدتين ورعايتهما .

وخلال القرن السابع زار كربلاء الخان غازي أحد حكّام إيران ، وحمل معه إلى المرقد الشريف بعض الهدايا الثمينة ، وشقّ أرغون من نهر الفرات إلى البلدة قناة أصبحت تُعرف فيما بعد بنهر الحسينيّة ، كما حافظ العثمانيون على المشهدين في كربلاء والنجف ، وكانت الأوامر تصدر إلى


الصفحة (169)

الولاة في بغداد بالمحافظة عليهما والعناية بهما(1) .

وبقي مرقد الحسين ومراقد الأئمّة (عليهم السّلام) كعبة تتوافد إليهما الملايين في كلّ عام من مختلف أنحاء العالم ؛ للتبرّك بهما والعبادة والتوسّل إلى الله سبحانه بقضاء حوائجهم ، بالرغم من جميع وسائل الإرهاب والقمع التي استعملها الحاكمون للتنكيل بالوافدين على مراقدهم . وبقي أعداؤهم لعنة على لسان الأجيال ، ومراقدهم محلاً لتجمّع النفايات في البلاد التي دفنوا فيها .

ومهما كان الحال ، فلقد انفرجت الأزمة التي اجتاحت الشيعة بموت المتوكّل العباسي إلى حدّ ما ، واستيلاء ولده المنتصر على السلطة من بعده كما نصّ على ذلك ابن الأثير وغيره من المؤرّخين ؛ فلقد قال في معرض حديثه عن حوادث سنة 248 : إنّ المنتصر أمر بزيارة قبر الحسين وعلي (عليهما السّلام) ، وآمن العلويِّين وأطلق سراحهم ، وردّ عليهم فدكاً ، وكان أوّل ما أحدثه أن عزل عن المدينة صالح بن علي الذي كان يتتبّعهم بكلّ أنواع الأذى والظلم والجور ، وعيّن مكانه علي بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمّد .

ولمّا دخل عليه ليودعه وهو في طريقه إلى المدينة قال له : يا علي , إنّي موجّهك إلى لحمي ودمي وساعدي , فانظر كيف تكون للقوم ، وكيف تعاملني فيهم .

المراحل التي مرّت بها المآتم الحسينيّة

واسترحم الشيعة أينما حلّوا يحتفلون بذكرى الحسين (عليه السّلام) الأليمة ، ويردّدون ما جرى عليه وعلى أسرته وعائلته من القتل والسبي والتمثيل ، وبكل مظاهر التشيّع , في العشرة الأولى من المحرّم وغيرها من المناسبات ؛ سواء في ذلك البلاد التي غلب عليها التشيّع كالعراق ، أو غيرها من المقاطعات التي كان

ــــــــــــــــــ
(1) انظر ص 135 من كتاب الحسين وبطلة كربلاء ـ للشيخ محمّد جواد مغنية .

الصفحة (170)

الشيعة فيها يشكّلون الأقلية بالنسبة إلى غيرهم ، كما هو الحال في مصر يوم كانت في سلطة كافور الأخشيدي الذي كان كما يصفه بعض المؤرّخين : شديد التعصّب على أهل البيت وشيعتهم .

ومع ذلك فقد أظهروا فيها من الصلابة والتماسك مع قلّتهم بالنسبة لغيرهم ما فرض على كافور أن يصانعهم ، ويتغاضى عمّا يقومون به في كلّ عام من مظاهر الحزن والجزع لما أصاب أهل البيت (عليهم السّلام) .

ولم تنفرج الأزمة في مصر انفراجاً كاملاً إلاّ بعد أن تغلّب عليها الفاطميّون ، وحكمها المعز لدين الله الفاطمي , فارتفعت معنويات الشيعة بوجودهم ، وهيّؤوا لهم جميع الأجواء المناسبة ، واشتركوا معهم في إحياء تلك الذكرى ، وبذلوا في سبيلها الأموال بسخاء لا مثيل له ، وكان ذلك منهم ـ كما لا يبعد ـ ردّاً على حملات التشكيك في نسبهم التي شنّها عليهم العباسيّون ، وساهم فها كبار علماء السنّة يومذاك .

وقال المقريزي في خططه : كان الفاطميون في يوم عاشوراء ينحرون الإبل والبقر لإطعام الناس ، ويكثرون النوح والبكاء ، ويتظاهرون بكلّ مظاهر الحزن والأسف ، واستمروا على ذلك حتّى انقرضت دولتهم ، وجاء عهد الأيوبيين الذين مثّلوا أدوار الاُمويِّين والعباسيِّين مع الشيعة .

وأضاف المقريزي إلى ذلك بروايته عن ابن ذولاق في سيرة المعز لدين الله : إنّه في يوم عاشوراء من سنة 363 انصرف خلق من الشيعة إلى قبري اُمّ كلثوم ونفيسة ، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالهم بالنياحة ، والبكاء على الحسين ومَنْ قُتل معه من أسرته وبنيه وكسروا أواني السقائين .

وفي سنة 396 جرى الأمر على ما كان يجري في كلّ عام من تعطيل الأسواق ، وخروج المنشدين إلى جامع القاهرة ، ونزولهم مجتمعين بالنوح والبكاء والنشيد .

واستطرد المقريزي في وصف ما كان عليه حال


الصفحة (171)

الفاطميِّين من قيامهم بمناسبة ذكرى مصرع الحسين بمظاهر الحزن والأسف حكومة وشعباً ، ومضى يقول : إذا كان يوم العاشر احتجب الخليفة عن الناس لمدّة من الوقت ، فإذا ارتفع النهار ركب قاضي القضاة والشهود وغيّروا زيهم ومضوا إلى مشهد الحسين ، فإذا دخلوا أخذوا ينشدون الشعر في رثاء أهل البيت (عليهم السّلام) إلى أن تمضي عليهم ثلاث ساعات والنشيد متواصل .

وبعدها يستدعيهم الخليفة إلى قصره فيدخل قاضي القضاة والدّاعي ومَنْ معهما إلى باب الذهب ، فيجدون الدهاليز قد فرشت بالحصر فيجلس القاضي والدّاعي إلى جانب الخليفة ، ويجلس الباقون من سائر الطبقات في الأماكن التي أعدّت لهم ، فيقرأ القرّاء شيئاً من القرآن ، ثمّ ينشدون المراثي ويتقدّمون بعد ذلك إلى المائدة لتناول الطعام المؤلّف من الأجبان والألبان والعسل وغير ذلك .

وبعد الفراغ يتوجّه فريق من الناس والمنشدين ينوحون ويبكون في شوارع القاهرة ، وقد أغلقت المحلاّت والحوانيت ، وتعطّلت جميع الأعمال في ذلك النهار حتّى المساء إلى غير ذلك من المظاهر التي كانت تعمّ المدن والقرى في جميع أنحاء مصر طيلة العهد الفاطمي .

وظلّت هذه المظاهر تتصاعد وتشتدّ في مصر وغيرها من الأقطار إلى أن جاء دور الأيوبيِّين فحاربوا هذه المظاهر ، وتوعّدوا الناس والشيعة بأقصى العقوبات إذا استمروا عليها ، واستبدلوا مظاهر الحزن والأسى بمظاهر الفرح والسرور عند دخول شهر المحرّم ، وأصبح اليوم العاشر منه من أعظم أعيادهم ، يتباهون فيه بالملابس الفاخرة وأنواع الطعام والحلوى والأواني الجديدة , وما إلى ذلك ممّا يعبّر عن ارتياحهم واغتباطهم في ذلك اليوم ؛ ليرغموا بذلك أنوف الشيعة على حدّ تعبير المقريزي في خططه .

وفي عهد البويهيِّين كان الشيعة والحكّام يمثّلون دور الفاطميِّين . وجاء في تاريخ أبي الفداء خلال حديثه عن أحداث 352 : إنّ معزّ الدولة كان في


الصفحة (172)

اليوم العاشر من المحرّم يأمر بتعطيل الأسواق ، كما يأمر الناس أن يخرجوا بالنياحة ، والنساء ناشرات الشعور قد شققن ثيابهن ولطمن وجوههن .

وأيّد ذلك ابن كثير في بدايته وهو يتحدّث عن البويهيين وما كانوا يصنعونه في بغداد في الأيام الأولى من شهر المحرّم والعاشر منه في كلّ عام ، إلى غير ذلك ممّا رواه الرواة والمؤرّخون عن مواقف الشيعة وحكّامهم من ذكرى مجزرة الطفّ ، منذ حدوثها خلال القرون التي حكم الشيعة فيها بعض المناطق الإسلاميّة ، وغيرها من القرون التي كان الحكم فيها لأعداء الشيعة كالاُمويِّين والعباسيِّين والأيوبيين والأتراك .

وبالرغم من كلّ وسائل العنف التي مارسها الحاكمون ضدّ التشيّع ومظاهره ، فقد بقيت المآتم الحسينيّة تُقام ولم تتأثر بالأخطار ووسائل العنف من الحاكمين ، وأعداء أهل البيت الذين أدركوا إنّ المآتم الحسينيّة في واقعها ليست إلاّ تعبيراً عن المعارضة لحكمهم الجائر ، وإدانة صريحة لتجاوزاتهم واستغلالهم لخيرات الشعوب والمستضعفين في الأرض .

ولعل هذا المحتوى للمآتم الحسينيّة كان من أولى الدوافع لدعوة الأئمّة (عليه السّلام) على إحياء هذه الذكرى ، والالتزام بها مهما كانت النتائج والمضاعفات ، كما كان لتلك المآتم التي كانت تعقد هنا وهناك حتّى في أشدّ الأدوار تعقيداً وقسوة آثار واضحة في حدوث تلك الانتفاضات الشيعيّة التي كانت ترفع شعارات الثورة الحسينيّة ، وتجعل منها مناراً وشعاراً لبعث الروح النضالية ، والتضحية في سبيل الحقّ والعقيدة إلى أبعد الحدود .

وفي الوقت ذاته ، فلقد كانت تلك الشعارات التي تُرفع هنا وهناك كما يبدو من أقوى الدوافع على تمكين الثورة الحسينيّة في عقول الناس وقلوبهم ؛ سواء في ذلك ما كان منها في العصر الأموي أو العباسي .

فانتفاضات الحسينيِّين في العصر العباسي ردّاً على ما ارتكبه اُولئك الطغاة من قتل وتشريد ، وأسر وتفنن في أساليب التعذيب ، هذه الانتفاضات كانت روح كربلاء تحرّكها وتدفعها إلى المضي


الصفحة (173)

في المقاومة مهما كلّفها ذلك من التضحيات ، وما زالت الانتفاضات التي تحدث على مرور الزمن هنا وهناك تستلهم من ثورة الحسين (عليه السّلام) التي لم يحدّث التاريخ عن ثورة أكثر منها عطاء وتصميماً .

لقد واجهت هذه الذكرى في تاريخها الطويل قمعاً واضطهاداً كانا يضطرّانها إلى الخمود والتستّر ، كما شهدت انفراجات محدودة حيناً ، وأحياناً انفراجات واسعة ، ولكنّ أعمال القمع والاضطهاد لم تفلح في القضاء التام عليها ، بل بقيت تُقام في مواعيدها ، وفي دور من التستّر حتّى في العصر الأموي ، وفي عصري المنصور والمتوكّل اللذين يعتبران من أشدّ العهود قسوة وظلماً .

وكانت عندما تتوفر لها الانفراجات الواسعة تنفجر كالبركان كما حدث لها في عهود الفاطميِّين والبويهيين في بغداد وجهاتها ، والحمدانيين في سوريا والموصل ، وعندما أصبح الحكم في بلاد الفرس وغيرها بيد الشيعة ؛ لأنّ أساليب العنف والاضطهاد من الصعب أن تستأصل المبادئ والمعتقدات وحتى العادات ، بل تزيدها ترسيخاً وصلابة ، وعندما تتوفّر لها الظروف والمناسبات تبرز بشكل أقوى وأشدّ ممّا كانت عليه ، وقديماً قيل : لا شيء أجدى وأنفع للأفكار والمعتقدات من محاربتها .

إنّ الذين يحاربون الأفكار والمعتقدات يساهمون في ترسيخها وحياتها من حيث لا يريدون ، ولا شيء أدلّ على ذلك من مواقف الاُمويِّين والعباسيِّين المسعورة ، بل وجميع الحاكمين من أهل البيت وفضائلهم وآثارهم ، ومع كلّ ما بذلوه من جهود للقضاء عليها فقد بقيت من أفضل الرموز الشامخة وأقدسها ، وظلّوا في القمّة بين عظماء التاريخ ، وظهر من صحيح فضائلهم وآثارهم ما ملأ الخافقين ، وما زالت محاسنهم تُحكى وآياتهم تُروى .

هذا بالإضافة إلى ما أضافه عليها المحبّون ممّا كان أهل البيت (عليهم السّلام) أنفسهم يحاربونه ، ويرونه إساءة لهم ، ويقولون : (( لعن الله مَنْ قال فينا ما لم نقله في أنفسنا )) .

وكانوا في مجالسهم ومجتمعاتهم يلعنون أصحاب


الصفحة (174)

تلك المقالات ، ويتبرَّؤون منهم ومن مقالاتهم ، ويقولون لمَنْ يجتمعون إليهم من أصحابهم وغيرهم : لعن الله مَنْ قال فينا ما لم نقله في أنفسنا .

لقد كان لتلك المواقف الجائرة التي وقفها الحاكمون من المآتم الحسينيّة ، ومن زيارة الحسين وأبيه (عليهما السّلام) التي تعني فيما تعنيه الإجابة لأولئك الطواغيت ، والمعارضة المستترة لسياستهم الجائرة ، كان لها ردود فعل في الأوساط الشيعيّة جعلتهم يتصلّبون في تمسّكهم بتلك المآتم ، ويعتبرونها وسيلة للتنفيس عن عواطفهم الحزينة الغاضبة ، والكبت النفسي الذي كان الشيعي يعانيه من ضغط الحاكمين وقسوتهم .

ومهما كان الحال ، فلقد مرّت تلك المآتم والذكريات منذ أن ولدت بعد مصرع الحسين (عليه السّلام) وحتى عصرنا الحالي بأدوار كثيرة ، ولم تثبت على صيغة واحدة في تلك العصور المتعاقبة ، وكان من الطبيعي أن تتطوّر حسب متطلّبات العصر ، وأن تخمد وتنطلق بين الحين والآخر حسب الظروف المحيطة بها .

لقد انطلقت بشكل لم يكن معروفاً ومألوفاً من قبل خلال الحكم الشيعي في مصر وبغداد وحلب وجهاتها ، وفي فترات متعاقبة من الزمن ، وعادت إلى ما كانت عليه في العصر الذي سبق عصر الفاطميِّين بعد أن تقلّص ظلّ حكّام الشيعة في تلك المقاطعات ، وظلّت تُقام في مواعيدها في أجواء تتّسم بالسرّية والتكتّم كما كانت عليه في تلك العصور المظلمة .

وفي العصور المتأخرة تطوّرت بشكل أخرجها عمّا وجدت من أجله وعمّا كان الأئمّة (عليهم السّلام) قد رسموه لها ؛ لتبقى منطلقاً ورمزاً لمعارضة الحكم المستبد الظالم ، وأدخلت عليها بعض الزيادات التي تسيء إليها وإلى التشيّع ، ويستغلّها أعداء الشيعة للتنديد والتشويه والسخرية .

وهذه الزيادات لقد أُدخلت عليها كما هو الراجح عن طريق الأقطار الشيعيّة بعد أن حكمها الشيعة وغلب على أهلها التشيّع ؛ كإيران وأفغانستان وغيرهما من الأقطار التي تسرّبت إليها عادات الهنود القدامى ، كالضرب بالسلاسل الحديدية


الصفحة (175)

والسيوف , وما إلى ذلك من المظاهر التي لا يقرّها الشرع ، ولا تحقّق الأهداف التي كان الأئمّة (عليهم السّلام) يحرصون عليها من تلك الذكريات .

ولا يزال هذا النوع من المظاهر الدخيلة يُمارس خلال الأيام الأولى من شهر المحرّم في العراق وإيران ، في حين إنّ الذين يضربون ظهورهم بالسلاسل الحديدية ورؤوسهم بالسيوف ليصبغوا أبدانهم بالدماء ليسوا من الملتزمين بالدين ، ويمارسون الكثير من المنكرات .

وقد انتقلت هذه الظاهرة الشاذّة عن طريق بعض الفئات إلى بعض القرى الشيعيّة من جنوب لبنان في مطلع النصف الثاني من القرن الهجري المنصرم ، ولا تزال حتّى يومنا هذا مصدر لسخرية الأجانب الذين يقصدون تلك البلدة في اليوم العاشر من المحرّم ويسمّونه يوم جنون الشيعة . وبلا شك إنّ الأئمّة (عليهم السّلام) لا يرضون بهذه المظاهر ويتبرؤون منها .

أمّا بقية القرى الشيعيّة من جنوب لبنان فلا تزال تحتفظ بذكرى مجزرة كربلاء في العشرة الأولى من شهر المحرّم ، وفي بعض المناسبات الطارئة بين الحين والآخر ، ولكن بالشكل المألوف الذي لا يتعدّى قراءة أبيات في رثاء الحسين (عليه السّلام) ومَنْ قُتل معه لبعض شعراء الطفّ بأسلوب يستثير العواطف ، وبعض الجوانب المثيرة من المصيبة الحسينيّة التي تلهب المشاعر وتحضّ على الظالمين . وفي اليوم العاشر يتولّى أحد الحضور قراءة المصرع بكامله مع الاحتفاظ بمظاهر الحزن في الغالب .

وستبقى تلك المآتم مع الزمن تستمد أصالتها واستمرارها من مواقف الحسين (عليه السّلام) وبطولاته الخالدة التي ضرب فيها أروع الأمثلة في البذل والعطاء ، وعلّم أبناء آدم كيف يعيشون أحراراً ويموتون كراماً في مملكة الجبابرة وفراعنة العصور لو أرادوا أن يعيشوا أحراراً ويموتوا كراماً .

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى