السجود على التربة الحسينية

 

 

السجود على التربة الحسينية

 

محمد عبدالحكيم الموسوي الصافي

 


الصفحة (5)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وصلّى الله على محمد وآله الهداة ، وصحبه الميامين , والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين


الصفحة (6)

 


الصفحة (7)

 

الإهداء

 

إلى صاحب التربة الدامية الذي قال فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( حسين منّي وأنا من حسين )) ، وإلى روح فقيد الإسلام الأميني (رضوان الله عليه) .


الصفحة (8)

 


الصفحة (9)

 

مقدّمة

إنّ الشيعة الإمامية الذين أظهروا حبّهم وولاءهم لأهل البيت (عليهم السّلام) ؛ استجابة لقوله تعالى : ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) .

أخرج الإمام أحمد والطبراني والحاكم ، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال : لمّا نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله ، مَنْ قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودّتهم ؟

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( علي وفاطمة وابناهما ))(1) .

وإكباراً لمقامهم لقوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، روى الترمذي عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : لمّا نزلت هذه

ــــــــــــــ
(1) الإتحاف بحبّ الأشراف ـ لمؤلِّفه الشيخ عبد الله الشبراوي الشافعي / 5 .

الصفحة (10)

الآية : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ . . . ) في بيت اُم سلمة (رضي الله عنها) دعا فاطمة وحسناً وحسيناً وجللّهم بكساء ، وعلي خلف ظهره ، ثمّ قال : (( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي , اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ))(1) .

هؤلاء الشيعة يسجدون على قطع من الأرض مقولبة يحملونها معهم ، والتربة الحسينية وهي عبارة عن تراب أخذ من أرض كربلاء الشاسعة المترامية الأطراف للسجود عليها ، لا كما يظنّ البعض أنّها من تراب مزج بدم الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ولكن هذه الإضافة أكسبتها شرافة كالإضافة إلى سائر المقامات العالية .

وجرى العقلاء على الاهتمام بهذه الاُمور الاعتبارية ، والشيعة الإمامية اعتادوا السجود على التربة الحسينية ؛ حيث اجتمعت فيها كلّ الشروط التي يجب توافرها في مسجد الجبهة من طهارة وإباحة إلى آخر الشروط المقرّرة في الموسوعات الفقهية ، وقد أجمع فقهاء الأمة الإسلاميّة على أن السجود على الأرض هو الأفضل ؛ فحملها البعض منهم

ـــــــــــــ
(1) الإتحاف بحبّ الأشراف / 5 .

الصفحة (11)

معه رعاية للاحتياط ، وحرصاً على الأفضلية ؛ لأنّ البيوت اليوم والأماكن العامّة كسيت أرضيتها بأبسطة قطنية ، أو بالسجاد الصوفي ، أو مسقلبة ، أو معبّدة بما يخرجها عن كونها أرضاً , فيقع المصلّي بين محذورين ؛ إمّا فوات الأفضلية أو بطلان الصلاة كما سيأتي .

ولم يكن السجود على التربة عند الشيعة من الواجبات في الصلاة ؛ ولذا نراهم في المسجد الحرام وفي مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله) يسجدون على قاع المسجد ؛ لأنّ أرضية المسجدين الشريفين مبلّطة بالحجر الطبيعي ، أو مفروشة بالحصى ، وكلّ منهما يسمّى أرضاً ويصح السجود عليه .

ولكن من المؤسف أنّ بعض إخواننا المسلمين يرمي الشيعة بالشرك والمروق عن الدين ؛ لسجودهم على هذه القطعة من الأرض ، وقد قال تعالى : ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً )(1) .

فكيف بمَنْ يشهد الشهادتين ، ويؤدّي الصلوات الخمس ، ويحجّ البيت الحرام , إلى آخر فروع الدين ، وهل إنّ الاختلاف في الفروع الفقهية يوجب الخروج عن الدين والكفر بسنّة سيّد المرسلين ؟!

ـــــــــــــ
(1) سورة النساء / 94 .

الصفحة (12)

في حين نرى إنّ المذهب الواحد قد يختلف فقهاؤه في كثير من الفروع الفقهية ؛ لأنّ كلّ فقيه يُفتي بما يؤدّي إليه نظره ، وما أدّى إليه نظره فهو حكم الله الظاهري في حقّه ، وهكذا بالنسبة إلى الفقيه الآخر ، ولا نرى إنّ أحدهما يكفّر صاحبه ، بل قالوا : مَنْ أخطأ فله حسنة ، ومَنْ أصاب فله عشر حسنات .

والشيعة الإمامية تضع جباهها على التربة الحسينية ؛ لأنّها أرض طبيعية ، والأرض أفضل المساجد ، وقد صح عن الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ))(1) .

ولو كان الشيعة يسجدون لها لكانوا يسجدون دونها لا أن يضعوا جباههم عليها ! وهناك فرق بين السجود لها والسجود عليها ، وليس كلّ مسجود عليه معبوداً ، وإلاّ لكان الساجد على البساط ساجداً له ، والساجد على السجّاد عابداً له , وهكذا … في حين لا يقول بذلك أحد .

وما أفاده العلاّمة المغفور له الشيخ عبد الحسين الأميني (طاب ثراه) (مؤلّف موسوعة الغدير الكبرى) في محاضرة ألقاها في سوريا ، وهي التي بين يديك ـ قارئي العزيزـ يغني طالب الحقيقة ومَنْ

ـــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 1 / 60 .

الصفحة (13)

أراد أن يطّلع على هذه المسألة الفقهية الهامة .

وقد خاض (قدّس سرّه) في كلّ المسانيد والصحاح ، واُمهات الكتب الفقهية ، ثمّ عرض علينا في محاضرته هذه زبدة هذا المخاض من الأحاديث الواردة في هذا الباب ، وناقشها مناقشة علمية ينجلي فيها الريب عن كلّ مَنْ له قلب ، أو ألقى السمع وهو شهيد .

وصنّف ما ورد من أحاديث في السجود إلى ثلاثة أقسام(1) : السجود على الأرض(2) ، السجود على النبات كالحصير والفحل (حصير كبير مصنوع من سعف النخل) ، والخمرة (حصير صغير من سعف النخل يتّخذ للصلاة)(3) ، السجود على الثياب القطنية أو الصوفية .

وسلّط الأضواء على هذا القسم الثالث ، وكانت روايات هذا القسم يفسّرها ظرفها ؛ حيث كانت جميعها ـ إلاّ ما شذّ ـ صريحاً في أنّ السجود على الثوب كان ـ إمّا في صيف قائظ شديد الحر ، أو في برد قارص ـ يتعذّر أو يتعسّر مباشرة المصلّين فيه للأرض اللاهبة أو القارصة .

وقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام لها الحكومة على سائر الأدلّة كما يقول الفقهاء ، وما ينجم عنه الضرر يحرم فعله .

ومن هذا نعلم أنّ السجود على الصوف أو القطن اختياراً يوقع المسلم في


الصفحة (14)

حيرة من أمره ؛ لأنّ ذلك لا يجوز على أساس أنّ العبادات توقيفيّة ، فالتعدي عنها إلى غيرها إدخال ما ليس من الدين في الدين ، وهو بدعة محرّمة ، وأمر محدث ، وقد ورد عنه (صلّى الله عليه وآله) : (( شرّ الاُمور محدثاتها )) . وسوف يأتي تفصيل ذلك .

وهناك فيض من روايات جاءت في كراهة نفخ موضع السجود غصت بها كتب الحديث ، تفيدنا أنّ المسلمين ما كانوا يسجدون على غير الأرض ، وغير الحصر النباتية ، وإليك قارئي الكريم بعض منها :

فقد أورد الإمام مالك بن أنس في الموطأ قال(1) : حدّثني يحيى ، عن مالك ، عن أبي جعفر القارئ أنّه قال : رأيت عبد الله بن عمر إذا هوى ليسجد مسح الحصباء لموضع جبهته مسحاً خفيفاً .

وأورد أيضاً قال : حدّثني مالك ، عن يحيى بن سعيد أنّه بلغه أنّ أبا ذر كان يقول : مسح الحصباء مسحة واحدة وتركها خير من حمر النعم(2) .

والملاحظ في هذين الحديثين الالتزام بالسجود على الأرض .

وأورد أيضاً الحافظ عبد العظيم

ــــــــــــــــــ
(1) موطأ الإمام مالك 1 / 157 , صححه وأخرج أحاديثه محمد فؤاد عبد الباقي .
(2) الإبل .

الصفحة (15)

المنذري في كتابه (الترغيب والترهيب) من الحديث الشريف في السجود على الحصى ، وكراهة نفخ موضع السجود . نورد بعضاً منها :

1 ـ قال : عن أبي ذر (رضي الله عنه) ، عن النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( إذا قام أحدكم في الصلاة فإنّ الرحمة تواجهه ، فلا تحرّكوا الحصى )) . رووه كلّهم من رواية أبي الأحوص عنه .

2 ـ وعن معيقب إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( لا تمسح الحصى وأنت تصلّي ، فإن كنت لا بدّ فاعلاً فواحدة )) . (تسوية الحصى) رواه البخاري ومسلم ، والترمذي والنسائي ، وأبو داود وابن ماجة .

3 ـ وعن جابر (رضي الله عنه) قال : سألت النبي عن مسح الحصى في الصلاة , فقال : (( واحدة ، ولئن تمسك خير لك من مئة ناقة كلّها سود الحدق )) . رواه ابن خزيمة في صحيحه .

4 ـ وعن أبي صالح مولى طلحة (رضي الله عنه) قال : كنت عند اُمّ سلمة زوج النبي فأتى ذو قرابتها شاب ذو حجّة ، فقام يصلّي فلمّا أراد أن يسجد نفخ ، فقالت : لا تفعل ؛ فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)


الصفحة (16)

كان يقول لغلام لنا أسود : (( يا رباح ، ترّب وجهك )) . رواه ابن حيان في صحيحه(1) .

ومن مجموعة روايات كراهة النفخ وما أكثرها جاء ذكر السجود على الأرض فيها في حين كان السجود بأماكن خاصّة ، وأماكن عامّة .

فمثلاً : هذا الشاب قرابة اُمّ سلمة الذي جاء ضيفاً إلى بيت رسول الله ، وعادة كما قيل : ولكلّ قادم كرامة ، فلِمَ لم تفرش له اُمّ سلمة أجود بساط عندها ؟ ولا أعتقد أنّ اُمّ سلمة تفتقد وجود بساط في بيتها ، ولو كانت صلاته بالمسجد لقلنا إنّ المسجد فرش بالحصى ، وكلّ المسلمين يسجدون عليه ، أمّا والشاب يصلّي في بيت اُمّ سلمة فلا يمكن أن يأتي هذا الافتراض ، ومع هذا تنهاه اُمّ سلمة عن نفخ موضع سجوده ، وتريده أن يضع جبهته على الحصى ومع غباره .

والذي يُقال في المقام : إنّ الذين وفّقهم الله لاستقصاء أحاديث السجود الواردة في مضانها ، وسبر المسانيد والموسوعات الفقهية لم يوافونا ولا بحديث واحد صريح في أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الترغيب والترهيب 1 / 581 حقّقه محمد محيي الدين عبد الحميد .

الصفحة (17)

أو أحد أصحابه المكرمين سجد على بساط من القطن أو الصوف .

إذاً ، والحالة هذه يتبيّن لنا أنّه لا يجوز السجود على الصوف ، ولا على القطن ، ولا على أيّ شيء سوى الأرض وما أنبتت ما لم يؤكل أو يلبس ، وعلى القرطاس دون غيرها .

والعبادات (قارئي الكريم) توقيفيّة يقتصر فيها على مورد النصّ ، وفعل الرسول (صلّى الله عليه وآله) وقوله هو سنّة بمثابة نصّ قرآني .

نعم ، قد يُستفاد من بعض الأحاديث إنّ بعض الصحابة سجد على ثياب ، وقد تقدّم أنّه يجوز ذلك عند الضرورة ، والضرورات تُبيح المحظورات .

كما وقد أورد عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ، للشيخ بدر الدين العيني تعليقاً على حديث الخمرة , قال : ( الرابع : جواز الصلاة على الخمرة من غير كراهة ) . وعن ابن المسيّب : ( الصلاة على الخمرة سنّة ) .

وقد فعل ذلك جابر , وأبو ذر ، وزيد بن ثابت , وابن عمر (رضي الله عنهم)(1) .

وكانت سيرة الشيعة الإمامية العمل بالأفضل ؛ لذا يسجدون على تربة تُصنع من أرض طابت وطهرت ـ والأرض تشقى وتسعد ـ يأخذونها من أرض كربلاء ؛ لِما ورد

ـــــــــــــــــــــــ
(1) عمدة القاري شرح صحيح البخاري 4 / 108 .

الصفحة (18)

عنه (صلّى الله عليه وآله) : (( حسين منّي وأنا من حسين )) , و (( الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة ))(1) .

وقد قضى الحسين مجاهداً عندما رأى أنّ الرذيلة استولت على الفضيلة ، والماديّة على الروحيّة ، والعدالة ذبيحة ، والحقّ صريع ، وقد طغى على العالم الإسلامي استبداد اُموي ، فنهض هو وأهل بيته وصحبه الغرّ الميامين لتصحيح المسار ، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأصيلة حتى تساقطوا صرعى في هذه البقعة الشريفة التي منها يأخذ الشيعة التربة .

فهي إذن توحي للمسلم الجهاد في سبيل الله ، والدفاع عن حياض العقيدة ، والجهاد باب من أبواب الجنّة ، والجنّة تحت ظلال الأسنّة .

وورد في تفسير الآية الكريمة : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ )(2) ، عن الجلال السيوطي في الدر المنثور في تفسير هذه الآية قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : إنّ بيت النبي (ص) وبيوت أهل بيته من أفاضلها وأعلاها(3)(4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخصائص الكبرى ـ لمؤلِّفه جلال الدين السيوطي 3 / 362 , تحقيق الدكتور محمد خليل هراس .
(2) سورة النور / 26 .
(3) الشيعة في عقائدهم وأحكامهم ـ لمؤلِّفه السيد أمير محمد القزويني / 7 .
(4) يظهر أن صاحب المقدّمة قد ذكر الرواية بالمضمون ؛ حيث وردت في مصدرها الأساس على هذا النحو : أخرج ابن مردويه ، عن أنس بن مالك وبريدة قالا : قرأ رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) هذه الآية : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) , فقام إليه رجل فقال : أي بيوت هذه يا رسول الله ؟ قال : (( بيوت الأنبياء )) . فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله ، هذا البيت منها ؟ [ وأشار إلى ] بيت علي وفاطمة . قال : (( نعم ، من أفاضلها )) . راجع الدرّ المنثور 5 / 50 تفسير سورة النور . (موقع معهد الإمامين الحسنين)

الصفحة (19)

فاكتسبت الأرض شرافة بالأجسام الطاهرة الثاوية في رحابها ، والمكان بالمكين كما قيل .

وقد ورد في الذخائر القدسية في زيارة خير البرية : إنّ المسلمين كانوا يستشفون بتربة حمزة بن عبد المطلب وتربة صهيب الرومي .

قال ما نصه(1) : من ذلك الاستشفاء بتربة حمزة وتربة صهيب اللّذين استثنيا من حرمة نقل تراب الحرم المدني إلى غيره ، فيجوز نقلها كما سننبه على ذلك .

أمّا الأول : فهو مجرّب للصداع . وأمّا الثاني : فقد جرّبه العلماء للشفاء من الحمّى شرباً وغسلاً .

لكن الشرب هو الوارد في حديث ابن النجار وغيره ، لمّا أصابت بني الحرث قال لهم النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( أين أنتم من تراب صهيب )) . قالوا : وما نصنع به ؟ قال : (( تجعلونه في الماء ... )) إلى آخر الحديث .

ومن المعلوم إنّ مقام الحسين (عليه السّلام) أجلّ وأسمى من مقام الحمزة وصهيب (رضوان الله عليهما) عند الله وعند رسوله ؛ للأحاديث الواردة فيه من الرسول العظيم ، والتي تشيد بذكره وعلوّ مكانته .

ولقائل أن يقول : لماذا لم يحمل

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذخائر القدسية في زيارة خير البرية ـ لمؤلِّفه عبد الحميد بن محمد أقدس ابن الخطيب المدرّس بالجامع الحرام بمكة / 112 .

الصفحة (20)

معهم الصحابة والسلف الصالح تربة من أرض الحرمين الشريفين في سفرهم وحضرهم ؟

نقول في جواب ذلك بما ذكره صاحب الذخائر القدسية : من حرمة نقل تراب الحرم المدني ، وطبعاً الحرم المكي بطريق أولى .

فقد أورد (رضوان الله عليه)(1) : أن لا ينقل معه شيئاً من حجارة حرم المدينة وترابها ؛ فإنّ ذلك حرام عند أئمّتنا ولو إلى مكة ، وإن نوى ردّه إليه كما في التحفة .

نعم ، استثنوا من ذلك نقل تراب احتيج إليه للدواء ، كتراب مصرع حمزة (رضي الله عنه) للصداع ، وتربة صهيب (رضي الله عنه) كما مرّ التنبيه عليه ؛ لإطباق السلف والخلف على نقل ذلك .

ومنه يعلم حرمة نقل الآجر , والآكر ، والأواني المعمولة من تراب المدينة إلاّ أن اضطر إلى آنية لنحو ماء ؛ بأن لا يجد غيرها حساً وشرعاً ، وإلاّ وجب عليه ردّها وإن انكسرت الآنية كما استظهره في التحفة ، وإلاّ كان آثماً ولا ينقطع دوام عصيانه إلاّ بردّها ما دام قادراً عليه .

وإجماع الفقهاء على المنع كما ذكره صاحب الذخائر القدسيّة عاق سكان الحرمين عن حمل تربة من هذه الديار المقدسة .

ولو رجعنا إلى

ــــــــــ
(1) المصدر نفسه / 18 .

الصفحة (21)

مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) ورد فيهم إنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قال : (( إنّي تارك فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي , لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ))(1) , لرأينا فيضاً من نصوص حديثية وردت عنهم (عليهم السلام) صريحة في أنّ ما يسجد عليه هو الأرض أو نباتها ، أو القرطاس (الورق) ، وغير ذلك لا يجوز السجود عليه .

كصحيح هشام بن الحكم أنّه قال للإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) : أخبرني عمّا يجوز السجود عليه وعما لا يجوز ؟ قال (عليه السّلام) : (( لا يجوز السجود إلاّ على الأرض ، أو على ما أنبت الأرض إلاّ ما اُكل أو لبس )) .

فقال له : جعلت فداك ! ما العلّة في

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقول السيّد محمد تقي الحكيم في كتابه الأصول العامّة للفقه المقارن / 164 : وهذا الحديث يكاد يكون متواتراً ، بل هو متواتر فعلاً إذا لوحظ مجموع رواته من الشيعة والسنة في مختلف الطبقات ... إلى أن يقول : وحسب الحديث لأن يكون موضع اعتماد الباحثين أن يكون من رواته كلّ من صحيح مسلم وسنن الدارمي ، وخصائص النسائي وسنن أبي داود ، وابن ماجة ومسند أحمد ، ومستدرك الحاكم وذخائر الطبري ، وحلية الأولياء وكنز العمال وغيرها ، وأن تعنى بروايته كتب المفسرين أمثال : الرازي والثعلبي ، والنيسابوري والخازن وابن كثير وغيرهم ، بالإضافة إلى الكثير من كتب التاريخ واللغة ، والسير والتراجم .

الصفحة (22)

ذلك ؟ قال (عليه السّلام) : (( لأنّ السجود خضوع لله (عزّ وجلّ) فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس ؛ لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة الله (عزّ وجلّ) فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها ))(1) .

والحقيقة : إنّ الصلاة مظهر عبودي لله علينا أن نكون مخلصين له الدين ، ولا نشرك بعبادة ربّنا أحداً ؛ ولذا قال الفقهاء ببطلان الصلاة مع الرياء ؛ لأنّ نيّة القربة بدأت تتأرجح ، والمردد لا يقع ، فكذلك السجود على الملبوس والمأكول له انعكاسات على نيّة التقرّب يمكن أن تأتي بمردود غير مستحسن تتساقط أمامه نيّة التقرّب إلى الله .

والخلاصة : يصح للمسلم أن يسجد على ما يطلق عليه أرضاً ؛ سواء أكان تراباً ، أو صخراً ، أو رملاً ، أو طيناً ، أو على الرخام (الحجر الطبيعي) ؛ لأنّ كلّ ذلك يسمّى أرضاً ، وعلى كلّ نبات بشرط أن لا يكون مأكولاً كسائر الفواكه والبقول التي اعتاد الناس أكلها كالتمر والتفاح ، والبصل والبطاطا .

أمّا النوى والقشور ، وورق الأشجار وأخشابها ،

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى ـ للسيد محسن الحكيم (قدّس سرّه) 5 / 338 .

الصفحة (23)

وسعف النخل فلا مانع من السجود عليها ، كما لا يجوز السجود على ما يلبس كالقطن والكتان ، والقنب والمنسوج منهما ، كما ويجوز السجود على القرطاس (الورق) .

فقد سأل داود بن فرقد أبا الحسن (عليه السّلام) عن القراطيس والكواغد المكتوب عليها هل يجوز السجود عليها أم لا ؟ فكتب (عليه السّلام) : (( يجوز ))(1) .

وقد يُقال : لماذا لم يكن رسول الله (ص) يحمل تربة معه ؟

يجاب عن ذلك :

أوّلاً : بناءً على ما تقدّم من عدم جواز نقل تراب الحرمين إلى غيرهما حتى من أحدهما إلى الآخر .

ثانياً : إنّ تصرفات الرسول (ص) الشخصية كلبس ثوب خاصّ ، وعمامة خاصّة ، بشكلية خاصّة ، فنحن غير ملزمين بأن نلبس مثل ذلك لوناً وحجماً وشكلاً ، وإلاّ لما جاز أن نحمل أقلاماً في جيوبنا ؛ لأنّ رسول الله (ص) [ لم ] يكن يحمل

ـــــــــــــ
(1) المصدر السابق نفسه .

الصفحة (24)

قلماً في جيبه ، ويقتضي أن لا يجوز لنا أن نطوّق معاصمنا بساعات يدوية ؛ لأنّ رسول الله لم يكن يطوّق معصميه بساعة يدوية ، وعلينا أن نترك العوينات الطبيّة ؛ لأنّ رسول الله لم يكن يستعملها وبطلانه واضح .

ثالثاً : قد تقدّم إنّ كلّ الذين نقلوا لنا كيفية سجود رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قالوا إنّه كان في سجوده يباشر الأرض بجبهته الشريفة ، أو يسجد على الحصر .

وقد ورد أيضاً عن أبي حميد إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض ، رواه أبو داود والترمذي وصححه(1) .

وكان مسجده الشريف في حينه مفروشاً بالحصباء ، فلماذا يتحمّل عناء حمل تربة معه ؟ والتاريخ الصحيح والسنّة النبوية النقية ، وكبار الفقهاء يشهدون إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما سجد على قطن أو صوف .

نعم ، في حالة إن صحت فهي اضطرارية

ـــــــــــــــ
(1) فقه السنّة ـ سيد سابق ج1 .

الصفحة (25)

حيث كانت في شدّة حرّ أو برد كما ورد في نفس الأحاديث ، وأمّا التي خلت من ذلك القيد وجاءت مطلقة فالذي يجب فيها أن تقيّد بالتي ذكر فيها الحرّ والبردّ على أصول الجمع بين الأحاديث كما يقرّر ذلك أهل العلم من حمل المطلق على المقيّد .

وقد أورد القسطلاني في كتابه (إرشاد الساري شرح صحيح البخاري) قال : روي أنّ عمر بن عبد العزيز كان يؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليها(1) .

وختاماً : اللّهمّ أخرجنا من ظلمات الوهم ، وأكرمنا بنور الفهم . اللّهمّ افتح علينا أبواب رحمتك ، ويسّر علينا خزائن علومك ، برحمتك يا أرحم الراحمين .

محمد عبد الحكيم الموسوي الصافي

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 1 / 204 ـ 205 .

الصفحة (26)

 


الصفحة (27)

 


الصفحة (28)

 

[ ذكر العلامة الأميني (قُدّس سرّه) في محاضرته كلاماً وافياً حول موالاة أهل البيت (عليهم السّلام) ووجوب مودّتهم ، بعد أن استطرد في الأسباب التي دعته إلى التعرض لمثل هكذا مواضيع , ثم قال ](*)

 

ـــــــــــــــــــــــ
(*) ما بين المعقوفتين هو من توضيحات (موقع معهد الإمامين الحسنَين) ؛ حيث لم يُشر المُقدّم إلى الكلام الذي حذفه من أصل المحاضرة والذي سبق موضوع السجود على التربة الحسينيّة . 

الصفحة (29)

وأما السجدة وما يصح السجود عليه واتخاذ الأرض مسجداً ، فإنّ الواجب المتسالم عليه على المصلّي لدى جميع الأمّة المسلمة على بكرة أبيهم أن يسجد على الأرض ، ومرفوعة : (( جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) , من المتّفق عليه ، أصفق عليها أئمّة المذاهب ، ولا مندوحة لدى الاختيار والإمكان من السجود عليها ، أو على ما ينبت منها كما يأتي حديثه .

وأخذ الصحابة الأوّلين حصاة المسجد عند حرارتها في الظهائر ، وتبريدها بتقليبها باليد كما سيوافيك حديثه يومئ إلى


الصفحة (30)

عدم كفاية غيرها مهما يتمكّن المصلّي من السجود عليها ولو بالعلاج ورفع العذر .

وكذلك حديث افتراشه (صلّى الله عليه وآله) تحت يديه اللباس عند حرارة الحصاة وبرودتها ، والسكوت عن الافتراش على المسجد والسجود عليه يؤيد إيجاب السجدة على التراب فحسب ليس إلاّ .

وأمّا حين عدم تيسّر السجود عليها والتمكّن منه ؛ لحرارة قارصة ، أو لإيجاب عذر آخر فلا وازع عندئذ من السجود على غيرها ؛ إذ الضرورات تُبيح المحظورات .

والأحاديث الواردة في الصلاة على الحصير والفحل(1) , والخمرة وأمثالها تسوغ جواز السجدة على ما ينبت من الأرض غير المأكول والملبوس .

والأنسب بالسجدة التي إن هي إلاّ التصاغر والتذلل تجاه عظمة المولى سبحانه ، ووجاه كبريائه أن تتّخذ الأرض لديها مسجداً يُعفّر المصلّي بها خدّه ، ويرغم أنفه ؛ لتذكّر

ــــــــــ
(1) الفحل بمعنى الخمرة .

الصفحة (31)

الساجد لله طينته الوضيعة الخسيسة التي خُلق منها ، وإليها يعود ، ومنها يُعاد تارة اُخرى ؛ حتى يتّعظ بها ، ويكون على ذكر من وضاعة أصله ، ليتأتي له خضوع روحي ، وذلّ في الباطن ، وانحطاط في النفس ، واندفاع في الجوارح إلى العبودية ، وتقاعس عن الترفّع والأنانية ، ويكون على بصيرة من أنّ المخلوق من التراب حقيق وخليق بالذلّ والمسكنة ليس إلاّ .

ولا توجد هذه الأسرار قطّ وقطّ في المنسوج من الصوف والديباح والحرير ، وأمثاله من وسائل الدعة والراحة ممّا يُري للإنسان عظمة في نفسه ، وحرمة وكرامة ومقاماً لديه ، ويكون له ترفّعاً وتجبراً واستعلاءً ، وينسلخ عند ذلك من الخضوع والخشوع .

وها نحن نقدّم إلى القارئ جميع ما جاء في الصحاح الست وغيرها من اُمهات المسانيد والسنن ، من سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الواردة فيما يصح السجود عليه ، ونمضي على ضوئها ونتّخذها سنّة متّبعة ، وطريقة حقّة لا محيد عنها ، وهي على ثلاثة أقسام :


الصفحة (32)

القسم الأول :

ما يدلّ على السجود على الأرض :

1 ـ (( جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) .

وفي لفظ مسلم : (( جُعلت لنا الأرض كلّها مسجداً ، وجُعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء )) .

وفي لفظ الترمذي : (( جُعلت لي الأرض كلّها مسجداً وطهوراً )) ، عن علي ، وعبد الله بن عمر , وأبي هريرة ، وجابر , وابن عباس ، وحذيفة , وأنس ، وأبي أمامة , وأبي ذر . ‌‌‌

وفي لفظ البيهقي : (( جُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً )) .

وفي لفظ له أيضاً : (( جُعلت لي الأرض طيبة ومسجداً ، وأيّما أدركته الصلاة صلّى حيث كان ))(1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 1 / 86 ، 113 , صحيح مسلم 2 / 64 , صحيح النسائي 2 / 32 , صحيح أبي داود 1 / 79 ، صحيح الترمذي 2 / 114 , السنن الكبرى 2 / 433 ، 435 .

الصفحة (33)

2 ـ (( الأرض لك مسجداً حيثما أدركت الصلاة فصلِّ )) . قاله (صلّى الله عليه وآله) لأبي ذر(1) .

3 ـ ابن عباس : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) سجد على الحجر(2) .

4 ـ أبو سعيد الخدري قال : أبصرت عيناي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلى أنفه أثر الماء والطين(3) .

5 ـ رفاعة بن رافع مرفوعاً : ثمّ يكبّر فيسجد فيمكن جبهته حتى تطمئن مفاصلة وتستوي(4) .

6 ـ ابن عباس ، وأنس وبريدة بإسناد صحيح مرفوعاً : (( ثلاثة من الجفاء ؛ يمسح جبهته قبل أن يفرغ من

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح النسائي2 / 32 .
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 473 وصححه هو والذهبي .
(3) صحيح البخاري1 / 173 ، 198 ، 2 / 253 ، 254 ، 256 ، 258 ، 259 , سنن أبي داود 1 / 143 ، 144 , السنن الكبرى 2 / 104 .
(4) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 2 / 102 .

الصفحة (34)

صلاته )) . وفي لفظ واثلة بن الأسقع : (( لا يمسح الرجل جبهته من التراب حتى يفرغ من الصلاة ))(1) .

7 ـ جابر بن عبد الله قال : كنت اُصلّي مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صلاة الظهر ، فآخذ بيدي قبضة من حصى في كفّي تبرد حتى أسجد عليها من شدّة الحرّ .

وفي لفظ لأحمد : كنّا نصلّي مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صلاة الظهر ، وآخذ بيدي قبضة من حصى فأجعلها في يدي الاُخرى حتى تبرد ثمّ أسجد عليها من شدّة الحرّ .

وفي لفظ البيهقي : كنت أصلّي مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صلاة الظهر , فآخذ قبضة من الحصى في كفّي حتى تبرد ، وأضعها بجبهتي إذ سجدت من شدّة الحرّ .

فقال البيهقي : قال الشيخ : ولو جاز السجود على ثوب متّصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في الكفّ ووضعها للسجود عليها ، وبالله التوفيق(2) .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البزّار والطبراني , راجع مجمع الزوائد / 83 ـ 84 .
(2) مسند احمد 1 / 327 ، السنن الكبرى 2 / 105 .

الصفحة (35)

8 ـ أنس بن مالك : كنّا نصلّي مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في شدّة الحرّ , فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه(1) .

9 ـ خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شدّة الرمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكنا(2) .

10 ـ عمر بن الخطاب : مطرنا من الليل فخرجنا لصلاة الغداة ، فجعل الرجل يمرّ على البطحاء فيجعل في ثوبه من الحصباء فيصلّي عليه ، فلمّا رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذاك قال : (( ما أحسن لذا البساط )) . فكان ذلك أوّل بدء الحصباء .

وأخرج أبو داود ، عن ابن عمر : مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلّة ، فجعل الرجل يأتي بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته(3) . الحديث .

11 ـ عياض بن عبد الله القرشي : رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

ــــــــــ
(1) السنن الكبرى  2 / 106 .
(2) السنن الكبرى 2 / 105 ، 107 ، نيل الأوطار 2 / 268 .
(3) أبو دواد 1 / 75 , السنن الكبرى 2 / 440 .

الصفحة (36)

رجلاً يسجد على كور عمامته , فأومأ بيده : ارفع عمامتك ، وأومأ إلى جبهته(1) .

12 ـ علي أمير المؤمنين : (( إذا كان أحدكم يصلّي فليحسر العمامة عن جبهته ))(2) .

13 ـ نافع : إنّ عبد الله بن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى يضع جبهته بالأرض(3) .

14 ـ عبادة بن الصامت : إنّه كان إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة عن جبهته(4) .

15 ـ أبو عبيدة : إنّ ابن مسعود كان لا يصلّي أو لا يسجد إلاّ على الأرض(5) .

ــــــــــ
(1) السنن الكبرى 2 / 105 .
(2) المصدر نفسه .
(3) المصدر نفسه .
(4) المصدر نفسه .
(5) أخرجه الطبراني في الكبير ، وعنه في المجمع 2 / 57 .

الصفحة (37)

16 ـ إبراهيم : إنّه كان يقوم على البردي ويسجد على الأرض . قلنا : ما البردي ؟ قال : الحصير(1) .

17 ـ صالح بن حيوان السبائي : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رأى رجلاً يسجد بجنبه وقد اعتمّ على جبهته , فحسر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن جبهته(2) .

ــــــــــ
(1) أخرجه الطبراني في الكبير ، وعنه في المجمع 2 / 57 .
(2) السنن الكبرى 2 / 105 , نصب الراية ـ للزيلعي 1 / 386 .

الصفحة (38)

القسم الثاني :

فيما ورد من السجود على غير الأرض من دون أي عذر :

1 ـ أنس بن مالك : أن جدته مليكة دعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لطعام صنعته له , فأكل منه ، ثمّ قال : (( قوموا فلاُصلّي لكم )) .

قال أنس : فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لُبس فنضحته بماء , فقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وصففت , واليتيم وراءه ، والعجوز من ورائنا(1) . (الحديث)

وفي لفظ صحيح النسائي : إنّ اُمّ سلمة سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يأتيها فيصلّي في بيتها فتتّخذه مصلّى ، فأتاها , فعمدت إلى حصير فنضحته بماء فصلّى عليه وصلّوا معه(2) .

وفي لفظ ابن ماجة : قال : صنع بعض عمومتي للنبي طعاماً ، فقال للنبي (صلّى الله عليه وآله) : إنّي

ـــــــــــ
(1) صحيح البخاري 1 / 101 .
(2) صحيح النسائي 2 / 57 .

الصفحة (39)

أحبّ أن تأكل في بيتي وتصلّي فيه ، قال : فأتاه وفي البيت فحل من هذه الفحول فأمر بناحية منه فكنس ورش ، فصلّى وصلّينا معه(1) .

فقال : قال أبو عبد الله ابن ماجة : الفحل : هو الحصير الذي قد اسودّ . ‌

وفي سنن البيهقي : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يُقيل(2) عند اُمّ سليم فتبسط له نطعاً فتأخذ من عرقه فتجعله في طيبها ، وتبسط له الخمرة ويصلّي عليها(3) .

وفي لفظ آخر : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحسن الناس خلقاً ، فربّما تحضره الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ، ثمّ يقوم فنقوم خلفه فيصلّي بنا . قال : وكان بساطهم من جريد النخل(4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن ابن ماجة 1 / 255 .
(2) من قال يقيل قيلولة : نام في القائلة , أي منتصف النهار .
(3) سنن البيهقي 2 / 421 .
(4) المصدر نفسه / 436 .

الصفحة (40)

وفيه أيضاً بلفظ : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دخل بيتاً فيه فحل فكسح ناحية منه ورشّ فصلّى عليه .

قال في هامش السنن : الفحل : حصير معمول من سعف فحال النخل .

وأخرجه الترمذي في الصحيح ملخصاً عن أنس قال : نضح بساط لنا فصلّى عليه(1) .

2 ـ ابن عباس : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يصلّي على الخمرة .

قال الإمام ابن العربي المالكي : الخمرة : حصير الصلاة(2) .

3 ـ أبو سعيد الخدري : إنّه دخل على النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فرأيته يصلّي على حصير يسجد عليه(3) .

4 ـ ميمونة اُمّ المؤمنين : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح الترمذي 2 / 128 .
(2) المصدر نفسه / 126 .
(3) صحيح مسلم 2 / 62 ، 128 ، وأخرجه ابن ماجة في السنن 1 / 321 ، والترمذي في جامعه 2 / 127 وليس فيها : يسجد عليه .

الصفحة (41)

وأنا حذاؤه ، وربّما أصابني ثوبه إذا سجد ، وكان يصلّي على خمرة(1) .

وأخرج مسلم ، عن عائشة قالت : قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ناوليني الخمرة من المسجد )) . قالت : إنّي حائض . فقال : (( إنّ حيضتك ليست في يدك ))(2) .

5 ـ ابن عمر : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يصلّي على الخمرة ويسجد عليها(3) .

6 ـ اُمّ سلمة اُمّ المؤمنين : كان لرسول الله حصير وخمرة يصلّي عليهما(4) .

وعن اُمّ حبيبة مثله صحيحاً كما في المجمع(5) .

ـــــــــ
(1) البخاري 1 / 101 , مسلم 2 / 128 , ابن ماجة 1 / 320 , النسائي 2 / 57 , البيهقي 2 / 421 .
(2) صحيح مسلم 1 / 168 .
(3) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط .
(4) أخرجه أبو يعلى ، والطبراني في الكبير والأوسط ، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح .
(5) المجمع 2 / 57 .

الصفحة (42)

7 ـ أنس : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يصلّي على الخمرة ويسجد عليها(1) .

ــــــــــــ
(1) أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير بأسانيد بعضها صحيح ، رجاله ثقات كما في المجمع 2 / 57 .

الصفحة (43)

القسم الثالث :

فيما ورد من السجود على غير الأرض لعذر .

1 ـ أنس بن مالك : كنّا إذا صلّينا مع النبي (صلّى الله عليه وآله) فلم يستطع أحدنا أن يُمكّن جبهته من الأرض من شدّة الحرّ طرح ثوبه ثمّ سجد عليه .

وفي لفظ البخاري : كنّا نصلّي مع النبي (صلّى الله عليه وآله) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ في مكان السجود .

وفي لفظ مسلم : كنّا نصلّي مع النبي (صلّى الله عليه وآله) في شدّة الحرّ ، فإذا لم يستطع(1) أحدنا أن يُمكّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه .

وفي لفظ : كنّا إذا صلّينا مع النبي (صلّى الله عليه وآله) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ مكان السجود(2) .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في لفظ ابن ماجة : لم يقدر .
(2) البخاري 1 / 101 , مسلم 2 / 109 , ابن ماجة 1 / 321 , أبو داود 1 / 106 , سنن الدارمي 1 / 308 , مسند أحمد 1 / 100 , السنن الكبرى 2 / 10 , ونيل الأوطار 2 / 268 .

الصفحة (44)

قال الشوكاني في النيل : الحديث يدلّ على جواز السجود على الثياب ؛ لاتّقاء حرّ الأرض ، وفيه إشارة إلى أنّ مباشرة الأرض عند السجود هي الأصل ؛ لتعليق بسط ثوب بعدم الاستطاعة ، وقد استدلّ بالحديث على جواز السجود على الثوب المتّصل بالمصلّي .

قال النووي : وبه قال أبو حنيفة والجمهور أهـ .

2 ـ أنس بن مالك : كنّا إذا صلّينا خلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالظهائر سجدنا على ثيابنا ؛ اتّقاء الحرّ(1) .

وقال الإمام السندي في شرحه : (الظهائر) : جمع ظهيرة ، وهي شدّة الحرّ نصف النهار . (سجدنا على ثيابنا) : الظاهر إنّها الثياب التي هم لابسوها ضرورة أنّ الثياب في ذلك الوقت قليلة ، فمن أين لهم ثياب فاضلة ؟ فهذا يدلّ على جواز أن يسجد المصلّي على ثوب هو لابسه كما عليه الجمهور أهـ .

وعلى هذه الصورة يحمل ما جاء عن ابن عباس : رأيت

ــــــــــ
(1) أخرجه ابن ماجة في صحيحه 2 / 216 .

الصفحة (45)

رسول الله يصلّي يسجد على ثوبه(1) .

وأخرج البخاري في الصحيح في باب السجود على الثوب في شدّة الحرّ : وقال الحسن : كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه(2) .

لفت نظر :

هناك حديث حمله الفقهاء على هذه الصورة أيضاً مع أنّه ليس فيه ذكر عن السجدة على الثوب ، ألا وهو :

عن ابن عباس : رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في كساء أبيض في غداة باردة يتّقي بالكساء برد الأرض بيده ورجله .

وفي لفظ احمد : لقد رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في يوم مطير وهو يتّقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه إلى الأرض إذا سجد .

وعن ثابت بن صامت : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه أبو يعلى ، والطبراني في الكبير .
(2) صحيح البخاري 1 / 101 .

الصفحة (46)

قام يُصلّي في مسجد بني عبد الأشهل وعليه كساء ملتفّ به , يضع يده عليه يقيه برد الحصى .

وفي لفظ : رأيته واضعاً يديه في ثوبه إذا سجد .

في لفظ ابن ماجة : فرأيته واضعاً يديه على ثوبه إذا سجد(1) .

قال الشوكاني في نيل الأوطار : الحديث يدلّ على جواز الاتّقاء بطرف الثوب الذي على المصلّي , ولكن للعذر ؛ إمّا عذر المطر كما في الحديث ، أو الحرّ والبرد كما في رواية ابن أبي شيبة ، وهذا الحديث مصرّح بأنّ الكساء الذي سجد عليه كان متصلاً به أ هـ .

ونحن لم نرَ هذا الحمل في محلّه ؛ إذ الحديث لا يدلّ بظاهره إلاّ على اتّقاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالكساء برد الأرض بيده ورجله فحسب ، وليس فيه إيعاز قطّ إلى السجدة والجبهة ، وسبيله سبيل حديث السيّدة عائشة : كان

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن ابن ماجة 1 / 321 ، السنن الكبرى 2 / 108 ، نصب الراية 1 / 386 ، نيل الأوطار 2 / 269 ، 275 .

الصفحة (47)

رسول الله إذا صلّى لا يضع تحت قدميه شيئاً , إلاّ إنّا مطرنا يوماً فوضع تحت قدميه نطعاً(1) .

وهناك مرفوعة أخرجها أحمد في المسند : عن محمد بن ربيعة ، عن يونس بن الحرث الطائفي ، عن أبي عون ، عن أبيه ، عن المغيرة بن شعبة قال : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يصلّي ، أو يستحبّ أن يصلّي على فروة مدبوغة(2) .

والإسناد ضعيف بالمرّة ، وبمثله يستدلّ في الأحكام ، فيه يونس بن الحرث ، قال أحمد : أحاديثه مضطربة . وقال عبد الله بن أحمد : سألته عنه مرّة اُخرى فضعّفه . وعن ابن معين : لا شيء . وقال أبو حاتم : ليس بقوي . وقال النسائي : ضعيف . وقال مرّة : ليس بالقوي . وقال ابن أبي شيبة : سألت ابن معين عنه فقال : كنّا نضعّفه ضعفاً شديداً . وقال الساجي : ضعيف إلاّ إنّه لا يتّهم بالكذب(3) .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الطبراني في الأوسط , والبيهقي 2 / 436 , وضعّفه الهيثمي في المجمع 2 / 57 ؛ لمكان إبراهيم بن إسحاق الضبّي في إسناده .
(2) مسند أحمد 4 / 254 , وأخرجه أبو داود 1 / 106 , والبيهقي في السنن 2 / 420 بالإسناد المذكور .
(3) تهذيب التهذيب 11 / 437 .

الصفحة (48)

وفيه أبو عون عبيد الله بن سعيد الثقفي الكوفي ، قال أبو حاتم كما في الجرح والتعديل لابنه : هو مجهول ، وقال ابن حجر : حديثه عن المغيرة مرسل .

على أنّ متن المرفوعة ساكت عن السجدة وحكمها ، والملازمة بين الصلاة على الفروة والسجدة عليها منتفية .

القول الفصل :

هذا تمام ما ورد في الصحاح والمسانيد مرفوعاً وموقوفاً فيما يجوز السجود عليه برمته ، ولم يبقَ هناك حديث لم نذكره ، وهي تدلّ بنصّها على أنّ الأصل في ذلك لدى القدرة والإمكان الأرض كلّها ، ويتبعها المصنوع ممّا ينبت منها أخذاً بأحاديث الخمرة عنه ، والفحل والحصير والبساط ، ولا مندوحة عنها عند فقدان العذر ، وأمّا في حال العذر وعدم التمكّن منها فيجوز السجود على الثوب المتصل دون المنفصل ؛ لعدم ذكره في السنة .

وأمّا السجدة على الفراش , والسجّاد , والبسط المنسوجة من الصوف , والوبر , والحرير وأمثالها ، والثوب المنفصل فلا دليل يسوغها قطّ ، ولم يرد في السنّة أي مستند لجوازها .


الصفحة (49)

وهذه الصحاح الستّ وهي تتكفّل بيان أحكام الدين ، ولا سيّما الصلاة التي هي عماده ، لم يوجد فيها ولا حديث واحد ، ولا كلمة إيماء وإيعاز إلى جواز ذلك .

وكذلك بقيّة اُصول الحديث من المسانيد والسنن المؤلّفة في القرون الأولى الثلاثة ليس فيها أي أثر يمكننا الاستدلال به على جواز ذلك ؛ من مرفوع أو موقوف ، من مسند أو مرسل .

فالقول بجواز السجود على الفرش والسجّاد والالتزام بذلك ، وافتراش المساجد بها للسجود عليها كما تداول عند الناس بدعة محضة ، وأمر محدث غير مشروع يخالف سنّة الله وسنّة رسوله ، ولن تجد لسنّة الله تحويلاً .

وقد أخرج الحافظ الكبير الثقة أبو بكر ابن أبي شيبة بإسناده في المصنّف في المجلد الثاني , عن سعيد بن المسيّب ، وعن محمد بن سيرين : إنّ الصلاة على الطنفسة محدث ، وقد صح عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله : (( شرّ الاُمور محدثاتها )) ، وكلّ محدثة بدعة .


الصفحة (50)

 


الصفحة (51)

 

السجود على تربة كربلاء

 


الصفحة (52)

 


الصفحة (53)

وأما السجدة على تربة كربلاء واتّخاذها مسجداً , فإنّ الغاية المتوخّاة منها للشيعة إنّما هي تستند إلى أصلين قويمين ، وتتوقّف على أمرين قيّمين :

أوّلهما : استحسان اتّخاذ المصلّي لنفسه تربة طاهرة يتيقّن بطهارتها من أيّ أرض أخذت ، ومن أيّ صقع من أرجاء العالم كانت ، وهي كلّها في ذلك شرع سواء سواسية ، لا امتياز لأحدهن على الاُخرى في جواز السجود عليها ، وإن هو إلاّ كرعاية المصلّي طهارة جسده وملبسه ومصلاّه .

يتّخذ المسلم لنفسه صعيداً طيّباً يسجد عليه في حلّه وترحاله ، وفي حضره وسفره ، ولا سيّما في السفر ؛ إذ الثقة بطهارة كلّ أرض يحلّ بها ويتّخذها مسجداً لا تتأتى له في كلّ موضع من المدن والرساتيق ، والفنادق والخانات ، وباحات النزل والساحات ، ومحال المسافرين ، ومحطّات وسائل السير والسفر ، ومهابط فئات الركاب ، ومنازل الغرباء ، أنّى له بذلك وقد يحلّ بها كلّ إنسان من الفئة المسلمة وغيرها ، ومن أخلاط الناس الذين لا يُبالون ولا يكترثون لأمر الدين في موضوع الطهارة والنجاسة ؟


الصفحة (54)

فأيّ وازع من أن [يحتاط] المسلم في دينه ، ويتّخذ معه تربة طاهرة يطمئن بها وبطهارتها يسجد عليها لدى صلاته ؛ حذراً من السجدة على الرجاسة والنجاسة والأوساخ التي لا يتقّرب بها إلى الله قطّ ، ولا تجوز السنّة السجود عليها ، ولا يقبله العقل السليم بعد ذلك التأكيد التّام البالغ في طهارة أعضاء المصلّي ولباسه ، والنهي عن الصلاة في مواطن منها : المزبلة ، والمجزرة ، والمقبرة ، وقارعة الطريق ، والحمام ، ومعاطن الإبل(1) ؛ والأمر بتطهير المساجد وتطييبها(2) ؟

وكأنّ هذه النظرة الصائبة القيّمة الدينيّة كانت متّخذة لدى رجال الورع من فقهاء السلف في القرون الأولى ، وأخذاً بهذه الحيطة المتحسنة جدّاً كان التابعي الفقيه الكبير

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن ابن ماجة 1 / 252 ، ومسانيد وسنن اُخرى .
(2) سنن ابن ماجة 1 / 256 ومصادر اُخرى .

الصفحة (55)

الثقة العظيم المتّفق عليه مسروق بن الأجدع(1) يأخذ في أسفاره لبنة يسجد عليها ، كما أخرجه شيخ المشايخ الحافظ الثقة إمام السنّة ومسندها في وقته أبو بكر ابن أبي شيبة في كتابه (المصنّف) في المجلد الثاني في باب مَنْ كان يحمل في السفينة شيئاً يسجد عليه .

فأخرج بإسنادين : أنّ مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها .

هذا هو الأصل الأوّل لدى الشيعة ، وله سابقة قدم منه يؤم الصحابة الأوّلين والتابعين لهم بإحسان .

وأمّا الأصل الثاني : فإنّ قاعدة الاعتبار المطّردة تقتضي التفاضل بين الأراضي

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مسروق بن الأجدع عبد الرحمن بن مالك الهمداني أبو عائشة ، المتوفّي (62) ، تابعي عظيم من رجال الصحاح الست ، يروي عن أبي بكر ، وعمر , وعثمان ، وعلي .
كان فقيهاً عابداً ثقة صالحاً ، كان في أصحاب ابن مسعود الذين كانوا يعلّمون الناس السنّة ، وقال حين حضره الموت ـ كما جاء في طبقات ابن سعد ـ : اللّهمّ لا أموت على أمر لم يسنّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولا أبو بكر , ولا عمر .
راجع تاريخ البخاري الكبير 4 ق2 / 35 , طبقات ابن سعد 6 / 565 , الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 4 ق1 / 396 , تهذيب التهذيب 10 / 109 ـ 111 .

الصفحة (56)

بعضها على بعض ، وتستدعي اختلاف الآثار والشؤون والنظرات فيها ، وهذا أمر طبيعي عقلي متسالم عليه ، مطّرد بين الاُمم طراً لدى الحكومات والسلطات والملوك العالمية برمتهم .

إذ بالإضافات والنسب تقبل الأراضي والأماكن والبقاع خاصّة ، ومزيّة بها تجري عليها مقرّرات وتنتزع منها أحكام لا يجوز التعدّي والصفح عنها .

ألا ترى أنّ المستقلات والساحات ، والقاعات والدور ، والدوائر الرسمية المضافة إلى الحكومات ، وبالأخصّ ما يُنسب منها إلى البلاط الملكي ، ويعرف باسم عاهل البلاد وشخصه , لها شأن خاصّ ، وحكم ينفرد بها يجب للشعب رعايته ، والجري على ما صدر فيها من قانون ؟

فكذلك الأمر بالنسبة إلى الأرضي والأبنية ، والديار المضافة المنسوبة إلى الله تعالى فإنّ لها شؤوناً خاصّة ، وأحكاماً وطقوساً ، ولوازم وروابط لا مناص ولا بد لمَنْ أسلم وجهه لله من أن يراعيها ويراقبها ، ولا مندوحة لمَنْ عاش تحت راية التوحيد والإسلام من القيام بواجبها والتحفّظ عليها والأخذ بها .


الصفحة (57)

فبهذا الاعتبار المطّرد العام المتسالم عليه انتزع للكعبة حكمها الخاصّ ، وللحرم شأن يخصّ به ، وللمسجدين الشريفين ؛ جامع مكّة والمدينة أحكامهما الخاصّة بهما ، وللمساجد العامّة والمعابد والصوامع والبيع التي يذكر فيها اسم الله في الحرمة والكرامة ، والتطهير والتنجيس ، ومنع دخول الجنب والحائض والنفساء عليها ، والنهي عن بيعها نهياً باتاً نهائياً من دون تصوّر أيّ مسوّغ لذلك قطّ ، خلاف بقيّة الأوقاف الأهلية العامّة التي لها صور مسوّغة لبيعها وتبديلها بالأحسن ، إلى أحكام وحدود اُخرى منتزعة من اعتبار الإضافة إلى ملك الملوك ربّ العالمين .

فاتّخاذ مكّة المكرّمة حرماً آمناً ، وتوجيه الخلق إليها ، وحجّهم إليها من كلّ فجّ عميق ، وإيجاب كلّ تلكم النسك ، وجعل كلّ تلكم الأحكام حتى بالنسبة إلى نبتها وأبّها ، إن هي إلاّ آثار الإضافة ، ومقرّرات تحقق ذلك الاعتبار ، واختيار الله إيّاها من بين الأراضي .

وكذلك عدّ المدينة المنوّرة حرماً إلهياً محترماً ، وجعل كلّ تلكم الحرمات الواردة في السنّة الشريفة لها ، وفي أهلها


الصفحة (58)

وتربتها ، ومَنْ حلّ بها ومَنْ دُفن فيها ، إنّما هي لاعتبار ما فيها من الإضافة والنسبة إلى الله تعالى ، وكونها عاصمة عرش نبيّه الأعظم صاحب الرسالة الخاتمة (صلّى الله عليه وآله) .

وهذا الاعتبار وقانون الإضافة كما لا يخصّ بالشرع فحسب ، بل هو أمر طبيعي أقرّ الإسلام الجري عليه ، كذلك لا ينحصر هو بمفاضلة الأراضي ، وإنّما هو أصل مطّرد في باب المفاضلة في مواضيعها العامّة من الأنبياء والرسل والأوصياء ، والأولياء والصديقين ، والشهداء وأفراد المؤمنين وأصنافهم , إلى كلّ ما يتصوّر له فضل على غيره لدى الإسلام المقدّس .

بل هذا الأصل هو محور دائرة الوجود ، وبه قوام كلّ شيء ، وإليه تنتهي الرغبات في الاُمور ، ومنه تتولّد الصلات والمحبات ، والعلائق والروابط لعدّة عوامل البغض والعداء ، والشحناء والضغائن .

وهو أصل خلاف وشقاق ونفاق ، كما إنّه أساس كلّ وحدة واتّحاد ، وتسالم ووئام وسلام ، وعليه تُبنى صروح الكليات ، وتتمهّد المعاهد الاجتماعية ، وفي إثره تُشكّل


الصفحة (59)

الدول ، وتختلف الحكومات ، وتحدث المنافسات والمشاغبات ، والتنازع والتلاكم ، والمعارك والحروب الدامية ، وعلى ضوئه تتحزّب الشعوب والقبائل ، وتتكثّر الأحزاب والجمعيات ، وبالنظر إليه تؤسس المؤسسات في أمور الدين والدنيا ، وتتمركز المجمّعات الدينية ، والعلمية والاجتماعية ، والشعوبية والقومية ، والطائفية والحزبية ، والسياسية إلى كلّ قبض وبسط ، وحركة وسكون ، ووحدة وتفكّك ، واقتران وافتراق .

فالحكومة العالمية العامّة القويّة ، القهارة الجبّارة الحاكمة على الجامعة البشرية بأسرها من أوّل يومها وهلمّ جرّاً إلى آخر الأبد ، من دون شذوذ لأي أحد وخروج فرد عن سلطتها ، ومن دون اختصاص بيوم دون يوم إنّما هي حكومة (ياء النسبة) بها قوام الدين والدنيا ، وإليها تنتهي سلسلة النظم الإنسانية ، وقانون الاجتماع العام ، وشؤون الأفراد البشري .

والبشر مع تكثّر أفراده على بكرة أبيهم مسيّر بها ، مقهور تحت نير سلطتها ، مصفد بحبالها ، مقيّد في شراكها ،


الصفحة (60)

لا مهرب له منها ، هي التي تحكم وتفتق ، وتنقض وتبرم ، وترفع وتخفض ، وتصل وتقطع ، وتقرب وتبعد ، وتأخذ وتعطي ، وتعزّ وتذلّ ، وتثيب وتعاقب ، وتحقّر وتعظّم .

هي التي تجعل الجندي المجهول مكرماً معظماً محترماً ، وتراه أهلاً لكلّ إكبار وتجليل وتبجيل لدى الشعب وحكومته ، وتنثر الأوراد والأزهار على تربته وقبره ، وتدعه يُذكر مع الأبد ، خالداً ذكره في صفحة التاريخ .

هي التي تهون لديها الكوارث والنوازل ، وبمقاييسها يقاسي الإنسان الشدائد والقوارع والمصائب الهائلة ، ويبذل النفس والنفيس دونها .

هي التي جعلت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقبل الصحابي العظيم عثمان بن مظعون وهو ميت ، ودموعه تسيل على خديه كما جاء عن السيّدة عائشة(1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه أبو القاسم عبد الملك بن بشران في أماليه , وأبو الحسن علي بن الجعد الجوهري في الجزء العاشر من مسنده , والحاكم النيسابوري في المجلد الثالث من المستدرك , وحفّاظ وأعلام آخرون .

الصفحة (61)

هي التي دعت النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أن يبكي على ولده الحسين السبط ، ويقيم كلّ تلكم المآتم ، ويأخذ تربة كربلاء ويشمّها ويقبّلها إلى آخر ما سمعت من حديثه .

هي التي جعلت السيّدة اُمّ سلمة اُمّ المؤمنين تصر تربة كربلاء على ثيابها .

هي التي سوّغت للصديقة فاطمة (عليها السّلام) أن تأخذ تربة قبر أبيها الطاهر وتشمّها .

هي التي حكمت على بني ضبّة يوم الجمل أن تجمع بعرة جمل عايشة اُمّ المؤمنين وتفتّها وتشمّها كما ذكره الطبري .

هي التي جعلت علياً أمير المؤمنين (عليه السّلام) أخذ قبضة من تربة كربلاء لمّا حلّ بها , فشمّها وبكى حتى بلّ الأرض بدموعه ، وهو يقول : (( يُحشر من هذا الظهر سبعون ألفاً يدخلون الجنّة بغير حساب ))(1) .

هي التي جعلت رجل [ من ] بني أسد يشمّ تربة الحسين (عليه السّلام) ويبكي .

قال هشام بن محمد : لمّا أجرى الماء على قبره الحسين نضب

ــــــــــــ
(1) أخرجه الطبراني ، وقال الهيثمي في المجمع 9 / 191 : رجاله ثقات .

الصفحة (62)

بعد أربعين يوماً وامتحى أثر القبر ، فجاء إعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة من التراب ويشمّه حتى وقع على الحسين , فبكى وقال : بأبي واُمّي ! ما كان أطيبك حيّاً , وأطيب تربتك ميّتاً ! ثمّ بكى وأنشأ يقول :

أرادوا  لـيخفوا قبرَه عن iiعداوةٍ      وطيبُ تراب القبر دلَّ على القبر(1)

فالفرد البشري كائناً مَنْ كان ، أينما كان وحيثما كان ، من أي عنصر وشاكلة , على تكثّر شواكله واختلاف عناصره ، في جميع أدوار الحياة هو أسير تلك الحكومة ، ورهين لفظة :

روحي ، بدني ، مالي ، أهلي ، ولدي ، أقاربي ، رحمي ، اُسرتي ، تجارتي ، نِحلتي ، ملّتي ، طائفتي ، مبدأي ، داري ، ملكي ، حكومتي ، قادتي ، سادتي . . . إلى ما لا يُحصى من المضاف المنسوب إليه .

ـــــــــــ
(1) راجع تاريخ ابن عساكر 4 / 342 , كفاية الحافظ الكنجي / 293 .

الصفحة (63)

وهذه هي حرفيّاً بصورة الجمع الإضافي مأكلة بين شدقي الحكومات والدول ، والجمعيات والهيئات ، والأحياء والشعوب ، والقبائل والأحزاب ، والملل والنحل ، والملوك والطوائف ، والسلطات الحاكمة إلى كليات لا تتناهى .

وبمجرد تمامية النسبة وتحقق الإضافة في شيء جزئي أو كلي ، أو أمر فردي أو اجتماعي لدى أولئك المذكورين تترتب آثار ، وتتسجّل أحكام لا منتدح لأي أحد من الخضوع لها والإخبات إليها ، والقيام دونها ، والتقيّد بها .

وهذا بحث جدّ ناجع تنحلّ به مشكلات المجتمع في المبادئ والآراء والمعتقدات ، وعقود الضغينة والمحبّة ، وعويصات المذاهب ، ومقرّرات الشرع الأقدس ، وفلسفة مقرّبات الدين الحنيف ، ومقدّسات الإسلام وشعائره ، والحرمات والمقامات والكرامات .

فبعد هذا البيان الضافي يتّضح لدى الباحث النابه الحرّ سرّ فضيلة تربة كربلاء المقدّسة ، ومبلغ انتسابها إلى الله سبحانه وتعالى ، ومدى حرمتها وحرمة صاحبها دنوّاً


الصفحة (64)

واقتراباً من العلي الأعلى ، فما ظنّك بحرمة تربة هي مثوى قتيل الله ، وقائد جنده الأكبر المتفاني دونه ، هي مثوى حبيبه وابن حبيبه ، والدّاعي إليه ، والدالّ عليه ، والناهض له ، والباذل دون سبيله أهله ونفسه ونفيسه ، والواضع دم مهجته في كفّه تجاه إعلاء كلمته ، ونشر توحيده ، وتحكيم معالمه ، وتوطيد طريقه وسبيله .

فأيّ من ملوك الدنيا ومن عواهل البلاد من لدن آدم ـ وهلم جرّا ـ عنده قائد ناهض طاهر كريم ، وفيّ صادق ، أبيّ شريف عزيز مثل قائد شهداء الإخلاص بالطفّ (الحسين المفدّى) ؟

لماذا لا يباهي به الله ، وكيف لا يتحفّظ على دمه لديه ، ولا يدع قطرة منه أن تنزل إلى الأرض لمّا رفعه الحسين بيديه إلى السماء(1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي بإسناده , والحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام 4 / 338 بإسناده عن الخطيب , والحافظ الكنجي في الكفاية / 284 عن الحسن المثنى ، عن مسلم بن رياح مولى أمير المؤمنين قال : كنت مع الحسين (عليه السّلام) يوم قُتل , فرمي في وجهه بنشابة , فقال لي : (( يا مسلم , ادنُ يديك من الدم )) . فأدنيتها , فلمّا امتلأت قال : ((اسكبه في يدي )) . فسكبته في يديه , فنفخ بهما إلى السماء وقال : (( اللّهمّ اطلب بدم ابن بنت نبيّك )) . قال مسلم : فما وقع إلى الأرض منه قطرة .
وقد جاء إنّ الحسين (عليه السّلام) رمى بدم حنكه إلى السماء لمّا أصابه السهم ، وأخرج حديثه جمع من الحفّاظ .

الصفحة (65)

كيف لا يديم ذكره في أرضه وسمائه ، وقد اتّخذت محبّة الله بمجاميع قلبه ؟

وكيف لا يسودّ وجه الدنيا في عاشورائه ؟ ولا يبدي بيّنات سخطه وغضبه يوم قتله في صفحة الوجود ؟ ولماذا لم تبك عليه الأرض والسماء كما جاء عن ابن سيرين فيما أخرجه جمع من الحفّاظ ؟ ولماذا لم تمطر السماء يوم قتله دماً كما جاء حديثه متواتراً ؟

ولماذا لم يبعث الله رسله من الملائكة المقربين إلى نبيّه (صلّى الله عليه وآله) بتربة كربلائه ؟ ولماذا لم يشمّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولم يقبّلها ولم يذكرها طيلة حياته ؟ ولماذا لم يتّخذها بلسماً في بيته ؟

فهلمّ معي أيّها المسلم الصحيح ، أفليست السجدة على تربة هذا شأنها لدى التقرّب إلى الله في أوقات الصلوات , أطراف الليل والنهار أولى وأحرى من غيرها من كلّ ارض وصعيد ، وقاعة وقرارة طاهرة ، أو من البسط والفرش والسجّاد المنسوجة على نول هويات مجهولة ولم يوجد في السنّة أي مسوغ للسجود عليها ؟


الصفحة (66)

أليس أجدر بالتقرب إلى الله ، وأقرب بالزلفى لديه ، وأنسب بالخضوع والخشوع والعبودية له تعالى أمام حضرته وضع صفح الوجه والجباه على تربة في طيّها دروس الدفاع عن الله ، ومظاهر قدسه ، ومجلى التحامي عن ناموسه ناموس الإسلام المقدّس ؟

أليس أليق بأسرار السجدة على الأرض السجود على تربة فيها سرّ المنعة والعظمة والكبرياء والجلال لله (جلّ وعلا) ، ورموز العبودية والتصاغر دون الله بأجلى مظاهرها وسماتها ؟

أليس أحقّ بالسجود تربة فيها بيّنات التوحيد والتفاني دونه ، تدعو إلى رقّة القلب ، ورحمة الضمير والشفقة والتعطف ؟

أليس الأمثل والأفضل اتّخاذ المسجد من تربة تفجّرت في صفيحها عيون دماء اصطبغت بصبغة حبّ الله ، وصيغت على سنّة الله وولائه المحض الخالص ؟

فعلى هذين الأصلين نتّخذ نحن من تربة كربلاء قطعاً لمعاً ، وأقراصاً نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنوّرة يسجد عليها ،


الصفحة (67)

والرجل تلميذ الخلافة الراشدة ، فقيه المدينة ومعلّم السنّة بها ، وحاشاه من البدعة ، ففي أيّ من الأصلين حزازة وتعسّف ؟ وأيّ منهما يُضاد نداء القرآن الكريم ، أو يخالف سنّة الله وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله) ؟ وأيّهما يُستنكر ويُعدّ بدعة ؟ وأيّهما خروج عن حكم العقل والمنطق والاعتبار ؟

وليس اتّخاذ تربة كربلاء مسجداً لدى الشيعة من الفرض المحتّم ، ولا من واجب الشرع والدين ، ولا ممّا ألزمه المذهب ، ولا يفرّق أيّ أحد منهم منذ أوّل يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها ‎، خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم ، وإن هو عندهم إلاّ استحسان عقلي ليس إلاّ ، واختيار لما هو الأولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت .

وكثير من رجال المذهب يتّخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء ممّا يصح السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته ، أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم .

ونحن نرى أنّ الأخذ بهذين الأصلين القويمين ، والنظر


الصفحة (68)

إلى رعاية أمري الحيطة والحرمة ومراقبتهما يحتّم على أهالي الحرمين الشريفين ؛ مكّة والمدينة ، واللائذين بجنابهما ، والقاطنين في ساحتهما , أن يتّخذوا من تربتهما أقراصاً وألواحاً مسجداً لهم ؛ أخذاً بالأصلين , وتّخلصاً من حرارة حصاة المسجد الشريف القارصة أيّام الظهائر وشدّة الرمضاء , يسجدون عليها في حضرهم ، ويحملونها معهم مسجداً طاهراً مباركاً في أسفارهم ؛ سيرة السلف الصالح نظراء الفقيه مسروق بن الأجدع كما سمعت حديثه .

ويجعلونها في تناول يد الزائرين والحجّاج والوافدين إلى تلكم الديار المقدّسة من الحواضر الإسلاميّة ، تقتنيها الأمّة المسلمة مسجداً لها في الحضر والسفر ، وتتّخذها تذكرة وذكرى لله ولرسوله ولمهابط وحيه ، تذكّرها ربّها ونبيّها متى ما ينظر إليها ، وتشمّها وتستشمّ منها عرف التوحيد والنبوّة .

وتكون نبراساً في بيوت المسلمين تتنوّر منها القلوب ، وتستضيء بنورها أفئدة أولي الألباب ، ويتقرّب المسلمون إلى الله تعالى في كلّ صقع وناحية في أرجاء العالم بالسجود على تربة أفضل بقعة اختارها الله لنفسه ، بيت أمن ودار حرمة وعظمة وكرامة ، ولنبيّه حرماً ومضجعاً مباركاً .


الصفحة (69)

وفيها وراء هذه كلّها دعاية كبيرة قوية عالمية إلى الإسلام ، وإلى كعبة عبادته وعاصمة سنّته ، وصاحب رسالته ، ذلك ومَنْ يعظّم حرمات الله فهو خير له عند ربّه .

عبد الحسين الأميني

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمد وآله الطاهرين

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث