أم البنين عليها السلام

أم البنين (عليها السلام) *

فاطمة بنت حزام الكلابي العامري تلقب بأم البنين، زوجة علي بن أبي طالب بعد فاطمة الزهراء، تُعرف بأم البنين لأن لها أربع أبناء كلهم استشهدوا في كربلاء مع الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) .

- الاسم: فاطمة.

- الأب: حزام بن خالد بن ربيعة الكلابي.

- الأم: ثمامة بنت سهل الكلابي.

- القبيلة: بنو كلاب من العرب الأقحاح من بني عامر بن صعصعة، شهيرة بالشجاعة والفروسية.

- الكنية: أم البنين ، وأم العباس.

- الولادة: على الأرجح في السنة الخامسة للهجرة الشريفة.

- الزوج: الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، ولم تتزوج بعده إلى أن وافاها الأجل .

- الزواج: ليس هناك تاريخ محدد - للأسف - ، ولكن الأرجح أنه كان بعد سنة 24 للهجرة الشريفة، وذلك لأن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) تزوجها بعد إمامة بنت زينب.

- الأولاد: العباس - أبو الفضل- ، وعبد الله، وجعفر، وعثمان.. استشهدوا جميعاً تحت راية الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، وكان آخرهم ، أكبرهم وأفضلهم ، أخوهم أبو الفضل العباس (عليه السلام) حامل لواء أخيه الحسين (عليه السلام)، وساقي عطاشى كربلاء، وهو أشهر من نور على جبل.

آباء وأمهات أم البنين

تؤكد المصادر التي ترجمت لها أنها تنتسب إلى قبيلة (كلاب)، وهي من الأصول العربية ، لها مكانة وقوة في تاريخ الأمة.

وهي فاطمة بنت حزام ، وهو أبو المحل بن خالد ابن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب، وأمها ثمامة بنت سهل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، وأمها عمرة بنت الطفيل فارس فرزل بن مالك الاحزم رئيس هوازن بن جعفر بن كلاب، وأمها أم الخشف بنت أبي معاوية فارس الهوازن بن عبادة بن عقيل بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأمها فاطمة بنت جعفر بن كلاب، وأمها عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وأمها آمنة بنت وهب بن نمير بن نصر بن قصي بن كلاب، وأمها آمنة بنت أسد بن خزيمة، وأمها بنت جحدر بن ضبيعة الأعز بن قيس بن ثعلبة بن عكاسة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة بن زار، وأمها بنت مالك بن قيس بن ثعلب وأمها بنت ذي الرأسين وهو خشيش بن أبي عصم بن سمح بن فزارة وأمها بنت عمرة بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن نفيض بن الريت بن غطفان.

حفظ لنا التاريخ شيئاً من حياة واحدة من كبريات النساء، بلغت من رفعة المركز، تلك أهي (أم البنين) العابدة الزاهدة المحبة للخير الصانعة للمعروف الناهية عن المنكر، فهي مع حداثة سنها قد نالت بفضل جدها واجتهادها وذكائها المعيتها مكانة لائقة في المجتمع وحب أهل الفضل بها، ولا يعرف الفضل إلا ذووه.

مولد أم البنين ونشأتها

كان حزام بن خالد بن ربيعة في سفر له مع جماعة من بني كلاب، نائم في ليلة من الليالي فرأى فيما يرى النائم كأنه جالس في أرض خصبة ، وقد انعزل في ناحية عن جماعته ، وبيده درة يقلبها وهو متعجب من حسنها ورونقها ، وإذا يرى رجلاً قد أقبل إليه من صدر البرية على فرس له فلما وصل إليه سلم فرد عليه السلام ثم قال : له الرجل بكم تبيع هذه الدرة ؟ وقد رآها في يده ، فقال : له حزام اني لم أعرف قيمتها حتى أقول لك ولكن أنت بكم تشتريها ؟ فقال : له الرجل وأنا كذلك لا أعرف لها قيمة ، ولكن إهدها إلى أحد الأمراء وأنا الضامن لك بشيء هو أغلى من الدراهم والدنانير، قال : ما هو ؟ .
قال : اضمن لك بالحظوة عنده ، والزلفى والشرف والسؤدد أبد الآبدين، قال حزام أتضمن لي بذلك ؟ قال : نعم .
قال: أوتكون أنت الواسطة في ذلك ؟ قال : وأكون أنا الواسطة أعطني إياها فأعطاه إياها.

فلما انتبه حزام من نومه قص رؤياه على جماعته ، وطلب تأويلها ، فقال له أحدهم إن صَدَقَتْ رؤياك فإنك تُرزق بنتا ، يخطبها منك أحد العظماء ، تنال عنده بسببها القربى والشرف والسؤدد.

فلما رجع من سفره، وكانت زوجته ثمامة بنت سهيل حاملة بفاطمة أم البنين ، وكانت قد وضعت حملها قبل مجيء زوجها من سفره ، فبشروه بذلك فتهلل وجهه فرحاً وسر بذلك، وقال في نفسه قد صدقت الرؤيا، فقيل له ما نسميها فقال لهم سموها: (فاطمة) وكنوها: (أم البنين) وهذه كانت عادة العرب يكنون المولود ، ويلقبونه في الوقت الذي يسمونه فيه ، وهو يوم الولادة.

وقد أقر الإسلام هذه العادة ، وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بها، كما لقب وكنى الحسن والحسين (سلام الله عليهما) فكنية الحسن (أبو محمد) ولقبه (المجتبى) وكنية الحسين (أبو عبد الله) ولقبه (السبط) ، وجعلها (صلى الله عليه وآله) سنة في أمته ، وذلك لئلا يكنى المولود بكنية غير طيبة ، ويلقب بقلب غير حسن، بحيث لو خوطب المكنى أو الملقب به تشمئز نفسه ، ويغضب بذلك ، من هنا أشار الله (عز وجل) في محكم كتابه المجيد بقوله: (ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق)(1).

وكنيت فاطمة بنت حزام بأم البنين على كنية جدتها من قبل آباء الأم وهي: ليلى بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعه.

ونشأت أم البنين في حضانة والدين شفيقين حنونين ، هما حزام بن خالد بن ربيعة، وثمامة بنت سهيل بن عامر، وكانت ثمامة أديبة كاملة عاقلة، فأدبت ابنتها بآداب العرب ، وعلمتها بما ينبغي أن تعلمها من آداب المنزل ، وتأدية الحقوق الزوجية وغير ذلك مما تحتاجه في حياتها العامة. وقد قال شاعر النيل حافظ إبراهيم:

الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق(2)

كما وكانت أم البنين لها قابلية للتعليم، فقد وهبها الله (عز وجل) نفساً حرة ،عفيفة ،طاهرة ، وقلباً سليماً ، زكياً ، طيباً ، ورزقها فطنة وذكاء، وعقلاً رشيداً أهلها لمستقبل سعيد.

فلما كبرت وبلغت مبلغ النساء كانت مضرب المثل، لا في الحسن والجمال والعفاف فحسب، بل وفي العلم والآداب والأخلاق، بحيث اختارها عقيل بن أبي طالب لأخيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وما ذلك إلا أنها كانت موصوفة بهذه الصفات بين نساء قومها ، بالآداب الحسنة والأخلاق الكاملة، علاوة على ما هي فيه من النسب الشريف والحسب المنيف ، مما جعل عقيل بن أبي طالب يرى فيها الكفاءة بأن تكون قرينة أخيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وشريكة حياته.

خبر الاختيار ورواته

وقد روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأخيه عقيل ، وكان نسابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم: أنظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب ، لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً ، فقال له تزوج أم البنين الكلابية فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها فتزوجها(3)...

وقيل أتى زهير إلى عبد الله بن جعفر بن عقيل قبل أن يقتل ، فقال له يا أخي ناولني هذه الراية ، فقال له عبد الله، أو فيَّ قصور عن حملها ؟ قال لا ولكن لي بها حاجة ، قال : فدفعها إليه ، وأخذها زهير ، وأتى تجاه العباس بن أمير المؤمنين ، وقال : يا ابن أمير المؤمنين أريد أن أحدثك بحديث وعيته ، فقال : حدث فقد حلا وقت الحديث..

فقال له أعلم يا أبا الفضل ، أن أباك أمير المؤمنين (عليه السلام) لما أراد أن يتزوج بأمك أم البنين ، بعث لأخيه عقيل ، وكان عارفاً بأنساب العرب ، فقال (عليه السلام) يا أخي أريد منك أن تخطب لي امرأة من ذوي البيوت والحسب والنسب والشجاعة ، كي أصيب منها ولداً يكون شجاعاً وعضداً ، ينصر ولدي هذا، وأشار إلى الحسين (عليه السلام) ، ليواسيه في طف كربلا وقد أدخرك أبوك لمثل هذا اليوم فلا تقصر عن حلائل أخيك وعن أخواتك ، قال فارتعد العباس ، وتمطى في ركابه حتى قطعه ، وقال يا زهير تشجعني في مثل هذا اليوم والله لأرينك شيئاً ما رأيته قط (4)..إلخ.

ولما رجع العباس من مكالمته مع شمر حين عرض عليه الكتاب الذي فيه أمان له ولأخوته ، استقبلته الحوراء زينب وقد سمعت كلامه مع الشمر ، قالت له أخي ، أريد أن أحدثك بحديث ، قال : حدثي يا زينب لقد حلا وقت الحديث.

قالت أعلم يا ابن والدي ، لما ماتت أمنا فاطمة ، قال أبي لأخيه عقيل ، أريد منك أن تختار لي امرأة من ذوي البيوت والشجاعة ، حتى أصيب منها ولداً ينصر ولدي الحسين بطف كربلاء ، وقد أدخرك أبوك لمثل هذا اليوم فلا تقصر يا أبا الفضل.

فلما سمع العباس كلامها ، تمطى في ركابي سرجه حتى قطعهما ، وقال لها في مثل هذا اليوم تشجعيني وأنا ابن أمير المؤمنين ، فلما سمعت كلامه سرت سروراً عظيماً(5).

عرفنا أن خبر الاختيار رواه فيمن رواه العقيلة زينب وزهير بن القين.

وهنا لو سَئل سائل: لم عول أمير المؤمنين (عليه السلام) أخيه عقيل في الاختيار، ولم يختر هو لنفسه ، فهل كان عقيل أعرف منه بأصول العرب ؟ مع أنكم تعتقدون أن الإمام أعلم من غيره في كل العلوم ، وأعرف ممن سواه بكل شيء.

الجواب: نعم هو كذلك عندنا ، ولكن كانت العادة التي اقتضتها همم الأكابر من الملوك والعظماء ، أنه إذا أراد التزويج لنفسه أو لواحد من ولده أناب عنه من يقوم به ، من خاصته من يعتمد عليه ، من أهل المعرفة والحزم ليختار له ترفعا منهم عن ذلك ، لأن المرأة مهما بلغت من الجلالة وعظم القدر هي بالنسبة إلى ذلك العظيم لا ترقى إليه ، ويرى أن مباشرته للخطبة بنفسه انحطاطاً لقدره ، وهذا نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) لما أراد التزويج بخديجة (عليها السلام) ، مع رغبته التامة فيها ، وعلو قدر خديجة ، وعظم شأنها في قريش لم يباشر (صلى الله عليه وآله) خطبتها بنفسه ، وإنما باشر ذلك أعمامه ، أبو طالب والزبير وحمزة ، والقضايا التاريخية إذا سرت عليها أرتك ما نقوله جليا(6).

وثانياً: إن رجوع العالم إلى من هو أدنى منه في العلم ، في سؤال أو مشاورة لا ينفي الأول من العلم وحصانة الرأي، والشواهد في ذلك كثيرة ذكر القرآن (عز شأنه) لحبيبه محمد (ص): (وشاورهم في الأمر)(7).

ومن تتبع التاريخ يرى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي: (لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)(8) شاور أصحابه في مواقف عديدة وأخذ بمشورتهم، وأشاروا عليه وقبل رأيهم، أترى أنه دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه المشاورة نقص في العلم والرأي، الجواب: كلا.

وقد ذكر الله (عز وجل) في كتابه المجيد، حول هذا الموضوع أكثر من خمس آيات: وقد قيل: (وكم سائل عن أمره وهو عالم) ، وغير خفي ما أخبر به الذكر الحكيم من طلب سليمان (عليه السلام) أصحابه إحضار قصر بلقيس ، حتى أحضره وصيه آصف بن برخيا ، ترى أنه (عليه السلام) لا يستطيع إحضاره هو ؟.

كما ولا يخفى اقتراح موسى (عليه السلام) على ربه المساعدة من أخيه هارون ، على تأدية الرسالة إلى فرعون، وغيرها من الشواهد الدالة على ذلك.

ونظرة ثانية : كأنما أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) في اعتماده على أخيه عقيل ، ليختار له امرأة لا لإظهار شخصية أخيه في هذا العلم فحسب، بل وحتى تكون شهادته عالية الشأن ، دامغة الحجة ، فإذا وصم الأعداء في أنسابهم بوصمة ، تغنت بها الركبان ، وتحدثت بها أهل المحافل ، وإذا مدح أحد في نسبه ، كانت كلمته مضرب المثل وحجة عند أهل الأنساب، فعلى هذا وذاك ، قال :( عليه السلام) لأخيه عقيل ، يا أخي أريد منك أن تختار لي .

كيفية الخطوبة والزواج

مضى عقيل بن أبي طالب في مهمته ، بأمر أخيه أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى ورد بيت حزام بن خالد بن ربيعة ضيفا على فراش كرامته ، وكان خارج المدينة، فرحب به ، ونحر له النحائر ، وأكرم مثواه غاية الأكرام، وكانت عادة العرب ، لا يسألون الضيف عن حاجته ، إلا بعد ثلاثة أيام الضيافة.

فلما انقضت وجاء اليوم الرابع ، جاء حزام إلى عقيل بن أبي طالب ، وجلس إلى جانبه ، وخاطبه بكل تأدب وتبجيل ، قائلاً : هل من حاجة فتقضى ، أو ملمة فتمضى ، من مال ، أو رجال ، فنحن رهن أشارتكم ، فقال له عقيل جئتك بالشرف الشامخ ، والمجد الباذخ ، فقال حزام وما هو ؟ يا بن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : جئتك خاطباً ، قال : مَنْ ، لِمَنْ.

قال عقيل أخطب ابنتك الحرة ، فاطمة أم البنين ، إلى يعسوب الدين ، والحق اليقين ، وقائد الغر المحجلين ، وسيد الوصيين ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.

فلما سمع حزام هش وبش ، ثم قال بخ بخ بهذا النسب الشريف والحسب المنيف ، لنا الشرف الرفيع والمجد المنيع بمصاهرة ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وبطل الإسلام ، وقاسم الجنة والنار، ولكن يا عقيل ! أنت جد عليم ، ببيت سيدي ومولاي، أنه مهبط الوحي ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وأن مثل أمير المؤمنين ينبغي أن تكون له امرأة ذات معرفة ، عن علم ، وآداب في ثقافة ، وعقل مع أخلاق حسنة ، حتى تكون صالحة لشأنه العالي ، ومقامه السامي، وأن ابنتنا من أهل القرى ، والبادية وأهل البادية غير أهل المدينة ، ولعلها غير صالحة لأمير المؤمنين (عليه السلام).

فقال عقيل ، يا حزام أن أخي يعلم بكل ما قلته ، وأنه يرغب في التزويج بها ، فقال حزام إذاً تمهل حتى أسأل عنها أمها ، هل تصلح لأمير المؤمنين (عليه السلام) أم لا ؟ فإن النساء أعلم ببناتهن ، من الرجال في الأخلاق والآداب.

ثم قام حزام ، من مجلسه ، وجاء ليسأل، فلما قرب من المنزل ، وإذا هو يرى فاطمة جالسة بين يدي أمها ، وهي تمشط رأسها ، وفاطمة تقول: يا أماه ! أني رأيت في منامي رؤيا البارحة، فقالت لها أمها ، خيراً رأيت ، يا بنية قصيها علي:

فقال حزام في نفسه ، انتظر حتى أسمع ماذا رأت في منامها، فوقف في مكانه ، بحيث يسمع الصوت ولا يراه أحد.

فقالت فاطمة لأمها ، أني رأيت فيما يرى النائم ، كأني جالسة في روضة ذات أشجار مثمرة ، وأنهار جارية ، وكانت السماء صاحية ، والقمر مشرقاً ، والنجوم ساطعة ، وأنا أفكر في عظمة خلق الله ، من سماء مرفوعة بغير عمد ، وقمر منير وكواكب زاهرة، فبينما كنت في هذا التفكير ، ونحوه ، وإذا أرى كأن القمر قد انقض من كبد السماء ، ووقع في حجري ، وهو يتلألأ نوراً يغشي الأبصار، فعجبت ! من ذلك ، وإذا بثلاثة نجوم زواهر، قد وقعوا أيضاً في حجري ، وقد أغشى نورهم بصري ، فتحيرت في أمري ، مما رأيت ، وإذا بهاتف ، قد هتف بي أسمع منه الصوت ، ولا أرى الشخص وهو يقول:

بشـراك فاطمة بالسادة الغـرر      ثـلاثة أنجم والـزاهرالقـمـر

أبوهم سيد في الخلق قاطبة      بعد الرسـول كـذا قد جاء في الخبر

فلما سمعت ذلك ، ذهلتُ ، وانتبهتُ ، فزعة مرعوبة، هذه رؤياي يا أماه فما تأويلها:(9)

فقالت لها أمها ، يا بنية ان صدقت رؤياك ، فانك تتزوجين برجل جليل القدر ، رفيع الشأن ، عظيم المنزلة ،عند الله مطاع في عشيرته، وترزقين منه أربعة أولاد ، يكون أولهم وجهه كأنه القمر ، وثلاثة كالنجوم الزواهر.

فلما سمع حزام ذلك ، أقبل عليهما ، وهو مبتسم ويقول يا بنية قد صدقت رؤياك ، فقالت له أمها ، وكيف علمت ذلك ؟ قال :هذا عقيل ابن أبي طالب ، جاء يخطب ابنتك ، قالت لمن ؟ قال لفلال الكتائب ، ومظهر العجايب ، وسهم الله الصائب ، وفارس المشارق والمغارب ، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

قالت وما الذي قلت له ؟ قال : أمهلته حتى أسألك عن ابنتك، هل تجدين فيها كفاءة ، بأن تكون زوجة لأمير المؤمنين ، واعلمي أن بيته بيت الوحي ، والنبوة والعلم ، والآداب ، والحكمة ، فإن تجديها أهلاً لأن تكون خادمة في هذا البيت ؟ وإلا فلا.

فقالت : يا حزام ، أني والله قد ربيتها ، وأحسنت تربيتها ، وأرجو الله العلي القدير ، أن يسعد جدها ، وأن تكون صالحة ، لخدمة سيدي ومولاي أمير المؤمنين (عليه السلام ) فزوجها به:

زوج كريـمتنا بالفارس البطل      نعم القرينة للمولى الإمام علي

فإنها حرة في الحـسن بارعة       في الرشد كاملة والـعـقل

فلما سمع حزام ، سر بذلك سروراً عظيماً ، وأقبل إلى عقيل ، وهو مستبشر ، فقال له عقيل ما ورائك ، قال : كل الخير إن شاء الله ، قد رضينا بأن تكون ابنتنا خادمة ، لأمير المؤمنين (عليه السلام) فقال عقيل ، لا تقل خادمة ، بل قل زوجة.

ثم قال عقيل ، يا حزام هل عندكم اقتراح في الصداق ؟ قال حزام ، هي هبة منا إلى ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقال عقيل ، بل ممهورة.

أما المهر ، فهو ما سنّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بناته ، وزوجاته ، خمسمائة درهم، وأما الهدية ، فلكم ما يرضيكم ويزيد ، فقال حزام ، اعلم يا عقيل ، إنا لا نطمع في كثرة المال ، ولكن نطمع في شرف الرجال ، ثم نهض حزام من وقته ، وساعته ، ودخل على زوجته ثمامة بنت سهيل ، وهو يقول: البشارة ، فإنه قد سعد جدك ، وعلا مجدك ، وارتفع ذكرك ، فقد قبل عقيل بن أبي طالب ابنتك ، زوجة لأخيه أمير المؤمنين ، صاحب الأنوار ، والهيبة والوقار.

فلما سمعت ذلك منه ، خرت ساجدة لله شكراً ، وقالت : الحمد لله الذي جمع شملنا بمحمد المصطفى (صلى الله عليه وآله) ، وعلي المرتضى (عليه السلام) ، ثم أقبلت على ابنتها ، فاطمة تهنئها وتقبلها ، ولسان الحال يقول:

يهـنيك هذا الشرف العالي      وأنت في عـز وإقبال

فيك فنون الحسن قد جمعت      فصرت في فضل به عالي

حظيت بالمفضال خير الملا      بـعد النبي الطاهر العالي

ثم أن حزام خرج ودعى عشيرته ، وقومه من بني كلاب وبني عامر، فلما اجتمعوا ، قام عقيل بن أبي طالب خطيبا: فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر النبي فصلى عليه (صلى الله عليه وآله) ثم قال:

أما بعد يا بني كلاب ، ويا بني عامر بن صعصعة، نحمد الله نحن العرب ، إذ جعلنا من خير خلقه ، وأرسل فينا رسولاً من أنفسنا محمداً (صلى الله عليه وآله) ، من شجرة النبوة ، وجاءنا بدين الله القويم ، الذي ارتضاه لنا ، إذ يقول القرآن: (إن الدين عند الله الإسلام)(10) وقال عز وجل: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)(11) وأمرنا بنبذ البغضاء ، والشحناء ، والأحقاد، وحبب لنا صلة الأرحام ، والتقارب والاتحاد، إذ يقول جل ذكره: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم أن الله عليم خبير)(12) وحرم علينا الزنى والسفاح، وأحل لنا الزواج والنكاح، إذ يقول (عز شأنه): (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)(13).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم) ، وهذا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، قد أحب مصاهرتكم ، وخطب إليكم كريمتكم فاطمة - أم البنين - بنت حزام بن خالد بن ربيعة، على كتاب الله وسنة رسوله، وقد ذكر القرآن الكريم هذه الآية: (فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)(14) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ثم جلس، وقام حزام بن خالد، خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر النبي فصلى عليه ثم قال:

يا قومي ، قد سمعتم ما قاله ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، عقيل بن أبي طالب ، من ذكر نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) ودين الإسلام القويم وأني أشهدكم ، وأشهد الله أني أدين بدين هذا النبي الكريم ، وأطيعه فيما نهاني عنه ، وما أمرني به ، وأني قد ارتضيت علي بن أبي طالب لابنتي بعلاً، وارتضيتها له سكناً ، وبما أنكم عشيرتي ، وقومي أطلعتكم على هذا الأمر فما تقولون؟

فقالوا يا حزام ، ما تريدنا أن نقول ؟ في ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وناصر دين الله ، ومن لنا بأكرم منه حسباً ، أو بمثله نسباً، (فلنا الشرف والمجد والسؤدد ومن لنا بأكرم منه حسباً أو بمثله نسباً)، فلنا الشرف والمجد ، والسؤدد في قربه منا وانتسابنا إليه، فنعم ما صنعت ، وخير ما رأيت، فعند ذلك أخذ عقيل من أم البنين الأذن ، لأجراء صورة العقد ، واجراه في حضور جماعة من بني كلاب ، وأشهد منهم جماعة على ذلك.

فلما أراد عقيل السفر ، ودع بني كلاب ، وبني عامر ، وودع حزام ، وشكره على ما صنعه معه، من الحفاوة ، وعلى تلبيته لطلب أمير المؤمنين (عليه السلام ) بالترحيب ، ثم ضرب لهم موعداً ، لارسال الصداق ، حتى يرسلوا العروس، ثم قفل راجعاً إلى المدينة.

فلما وصل عقيل إلى المدينة ، وأخبر أخاه أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك ، أرسل لهم الصداق ، مع الهدايا والتحف ما غمرهم به.

فلما وصلت الهدايا ، والتحف ، والصداق ، نهضت ثمامة والدة أم البنين، ودعت جاريتها ، وقالت لها أمضي ، إلى داية ابنتي ، وقولي لها تأتي مسرعة، فمضت وما أسرع أن رجعت ، ومعها الداية، فقالت لها قومي وخذي ابنتي وأصلحي شأنها ، فإنا نريد تزويجها، قالت : ومن ذا يكون بعلها ؟ قالت : أمير المؤمنين وسيد الوصيين وأبو الريحانتين والإمام الهمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ففرحت الداية فرحاً شديداً ، وقالت : الحمد لله رب العالمين ، فقد سعد حظها وعلا قدرها.

ثم قامت ، وهنأت فاطمة بالسعادة الأبدية ، وأصلحت شأنها ، كما ينبغي وألبسوها الثياب الفاخرة ، وزينوها بالحلي والحلل.

ثم أمر حزام بإعداد خمسة هوادج ، مزينة بأحسن الزينة ، واركبوا فاطمة أم البنين وأمها في هودج، وقد غشوه بالحرير والأبريسم ، والنساء من بني عمومتها في بقية الهوادج من خلفها ، وركبت عشرة فوارس من بني كلاب ، يحفون بالهوادج ، وهم مسلحون بالسيوف الهندية ، والرماح الخطية ، وجاؤا جميعاً إلى المدينة، فلما وصلوا خرجت في استقبالهم النساء والرجال ، من بني هاشم ، وهم في فرح وسرور ، فأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) أن تعمل لهم وليمة عظيمة ، تليق بشأنه وبشأنهم ، وأكرمهم غاية الإكرام ، ومكثوا ثلاثة أيام في ضيافة أبي الحسن (عليه السلام).

فلما أرادوا ادخالها على أمير المؤمنين (عليه السلام ) خرجت معها أمها ، ونساء بني هاشم ، ونساء المهاجرين والأنصار ، وهن ينشدن الأشعار ويصلين على النبي المختار وآله الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) ، وأنشدت واحدة منهن تقول شعراً:

يهنيك فـاطمة بالفارس البطل      نعم القرين أمير المؤمنين علي

من للانام امـام حجة وولي      للمؤمنين أمير والغــدير جلي

وقد ارتفعت الأصوات ، بالصلاة والسلام على محمد (صلى الله عليه وآله) وآله الأطهار ، من جميع النساء، وأدخلوها بهذه الهيئة الحسنة الجميلة ، وهن في بهجة وسرور ، ثم تفرقن عنها، فلما دخل بها أمير المؤمنين (عليه السلام) وجدها فوق الوصف، ورأى ما أسره من الحسن والجمال ، والهيئة والكمال.


الزواج

تزوج أمير المؤمنين (عليه السلام) ، من فاطمة ابنة حزام العامرية ، أما بعد وفاة الصديقة سيدة النساء كما يراه بعض المؤرخين ، أو بعد أن تزوج بأمامة بنت زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، كما يراه البعض الآخر ، وهذا بعد وفاة الزهراء ( عليها السلام) ، لأن الله قد حرم النساء على علي ما دامت فاطمة موجودة، فولدت له أربعة بنين ، وأنجبت بهم، العباس ، وعبد الله ، وجعفر ، وعثمان ، عاشت بعده مدة طويلة ، ولم تتزوج من غيره ، كما أن أمامة ، وأسماء بنت عميس ، وليلى النهشلية ، لم يخرجن إلى أحد بعده ، وهذه الأربع حرائر توفي عنهن سيد الوصيين ، وقد خطب المغيرة بن نوفل أمامة ثم خطبها أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحارث فامتنعت ، وروت حديثاً عن علي (عليه السلام) أن أزواج النبي والوصي لا يتزوجن بعده ، فلم يتزوجن الحرائر وأمهات الأولاد عملاً بالرواية (15) ، وأم البنين المرأة الثانية التي تزوجها أميرالمؤمنين (عليه السلام ) باختيار الغير ، والأولى أمامة بنت زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بوصية من الزهراء.

كما جاء عن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ما هذا نصه: يا بن عم رسول الله أوصيك أولاً أن تتزوج بأمامة فإنها تكون لولدي مثلي فإن الرجال لابد لهم من النساء(16).

بحث في الزواج

الإمام علي (عليه السلام) كان كفوا لفاطمة (سلام الله عليها) ، وفاطمة (عليها السلام) كانت كفواً لعلي (عليه السلام)، كما ورد في الأحاديث:

قال الإمام الصادق: (لولا أن الله خلق أمير المؤمنين (عليه السلام) ، لم يكن لفاطمة كفؤعلى وجه الأرض ، آدم فمن دونه)(17)

وفي بعض الروايات تساويهما في الفضيلة (18) بعد الرسول (صلى الله عليه وآله).

وهما (عليهما السلام) في المعنويات قبل الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، وبعدهما الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، وبعده الأئمة الثمانية (صلوات الله عليهم أجمعين).

هذه هي درجات الفضل حسب ما يستفاد من الروايات، والعلم عند الله.

وبعد أن تزوج أمير المؤمنين (عليه السلام) بكفوه فاطمة (سلام الله عليها)، كانت أمامة حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله) زوجة له (عليه السلام)، وإن كان بينها وبين الإمام علي (عليه السلام) بون شاسع.. فإنه (عليه السلام) أفضل الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وبعدها جاءت فاطمة أم البنين (سلام الله عليها)، ولها من الفضل ، والرفعة المعنوية ، ما لا يسعنا علمه، وإن كانت دون المعصوم (عليه السلام) ، وحتى دون من لهم العصمة الصغرى ، كالسيدة زينب ، والسيدة المعصومة والسيدة نرجس (عليهنَّ الصلاة والسلام).

ومسألة الكفؤ ، من أهم ما يلزم ملاحظته في الزواج، والمقصود به ما بينته الروايات مثل:

(إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوِّجوه)(19).

والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، حرّض كل رجل وامرأة بالزواج من الكفؤ الشرعي، باختيار كل واحد للآخر ، حسب الملاك المذكور: (ترضون خلقه ودينه).

وهذه القاعدة تجري في الطرفين: الزوج بالنسبة إلى الزوجة، والزوجة بالنسبة إلى الزوج.

فكانت أم البنين (سلام الله عليها) قد بلغت درجة من الفضل والكمال ، حيث رضي أمير المؤمنين (عليه السلام) بخلقها ودينها، فأقدم على الزواج منها.. أما العكس فهو أوضح من أن يذكر.
وكانت أم البنين (سلام الله عليها) في غاية الأدب والأخلاق، فقد قالت لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا تسمني فاطمة!، لأن الحسن ، والحسين ، وزينب ، وأم كلثوم (عليهم السلام) ، يتذكرون أمهم ويتأثرون بذلك، ولذا سمّاها (عليه السلام) بـ (أم البنين) - على ما هي العادة عند العرب من الكنية - ، والله رزقها أربعة أولاد (مثل بدور الدجى) فصاروا مفخرة البشرية إلى يوم القيامة.

ــــــــــــــــــــــ
* المقالة منقولة / تنسيق وتقويم شبكة الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي . / بتصرف

المصادر :

1 - سورة الحجرات: الآية 11.
2 - أوصت بنت الحارث ابنتها حين زفت إلى زوجها (يا بنية) احملي عني عشر خصال: تكن لك ذخراً وذكراً: الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه والتعقد لموضع أنفه فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والتعهد لوقت طعامه، والهدوء عنه عند منامه، والاحتفاظ ببيت ماله، والارعاء على نفسه وحشمة عياله، ولا تفشي له سراً، ولا تعصي له أمراً، ثم تقي الفرح أمامه إن كان ترحاً، والاكتئاب عنده إن كان فرحاً، وكون أشد ما تكونين له اعظاماً، يكن أشد ما يكون لك اكراماً، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطول ما يكون لك مرافقة (راجع جريدة العربي عدد 928/2 ربيع الثاني 1380 هـ).
3 - عمدة الطالب للسيد الداودي: ص 324.
4 - أسرار الشهادة: ص 334.
5 - ثمرات الأعواد، للسيد الهاشمي: ج 1 ص 104.
6 - بطل العلقمي: ص 101 ج1.
7 - سورة آل عمران: الآية 159.
8 - سورة النجم: الآية 4.
9 - قال الشيخ عبد العظيم الربيعي في ديوانه من قصيدة يرثي بها العباس بن علي (عليهما السلام):
بـدا بـأوج العلى بدراً وأخوته من أمه وأبـيه انجم الأفـق
وقال في الهامش: فيه تلويح إلى الرؤيا التي رأتها أم البنين قبل تزويجها بأمير المؤمنين: والقصة مشهورة.
10 - سورة آل عمران: الآية 19.
11 - سورة آل عمران: الآية 85.
12 - سورة الحجرات: الآية 13.
13 - سورة الروم: الآية 21.
14 - سورة الشورى: الآية 11.
15 - العباس، للمقرم: ص 72.
16 - بحار الأنوار: ج 10 ص 55.
17 - سفينة البحار: ج 2 ص 484 مادة(كفأ)، بحار الأنوار: ج 43 ص 107، التهذيب: ج 7 ص 470 ب 41 ح 90، عوالم العلوم، مجلد فاطمة الزهراء (عليها السلام) ص 52.
18 - راجع كتاب (من فقه الزهراء) ج1 ص 27 و 284، معالم الزلفى (للسيد الحبراني).
19 - غوالي اللئالي: ج 2 ص 274 ح 37.
 

 

طباعة الصفحةاعلى