مختصرٌ عن حياة الإمام أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السّلام)

 1 ـ ولادته (عليه السّلام) : وُلد الإمام العسكري (عليه السّلام) بالمدينة المنوّرة سنة ( 232 هـ ) في شهر ربيع الثاني(1) . وقد وقع الخلاف في يوم ولادته ؛ فقال العلاّمة المجلسي (رحمه الله) : الأشهرُ أنّه وُلد يوم الجُمُعة في الثامن من شهر ربيع الثاني ، وقيل : في العاشر من الشهر نفسه ، وقيل غير ذلك .

اسمه : الحسنُ ، وكنيتُه : أبو محمّد ، وأشهر ألقابه : الزكيّ والعسكريّ ، ويُقال له ولأبيه وجدّه (عليهم السّلام) ابن الرَّضا .

اسم والدته الماجدة : حُديث ، وعلى قولٍ آخر : سُليل ، ويُقال لها : الجَدّة ، وكانت في غاية الصلاح والورع والتقوى .

قال المؤرّخ الشهير المسعودي في إثبات الوصيّة : ورُوي عن العالِم (عليه السّلام) أنّه قال : (( لمّا اُدخلتْ سليلُ ، اُمُّ أبي محمّد (عليه السّلام) ، على أبي الحسن (عليه السّلام) ، قال : سليلٌ مسلولةٌ مِنَ الآفاتِ والعاهاتِ ، والأرجاسِ والأنجاسِ )) . ثم قال له : (( سَيهبُ اللهُ حُجَّتَهُ على خلقهِ ، يملأُ الأرضَ عدلاً كمَا مُلئتْ جورٌ )) .

وحملت اُمّه به بالمدينة وولدته بها ، فكانت ولادتُه ومنشؤهُ مثلَ ولادة آبائه ومنشئِهم (عليهم السّلام) هناك ، ولمّا بزغ نوره في الدُّنيا كان سنُّ أبيه الهادي (عليه السّلام) في ذلك الوقت ستَّ عشرة سنة ، وشُخص معه إلى العراق في سنة ستٍّ وثلاثين ومئتين وله من العمر أربعة أعوام وبضعة أشهر .

 2 ـ فضائلُهُ ومناقبُهُ ومعاجزُهُ (عليه السّلام) :

منها : ما روي عن أبي هاشم قال : دخلتُ على أبي محمّد (عليه السّلام) وأنا اُريد أنْ أسأله ما أصوغ به خاتماً أتبرّك به ، فجلستُ ونسيتُ ما جئتُ له ، فلمّا ودّعتُهُ ونهضتُ رمى إليّ بخاتمٍ ، وقال : (( أردْتَ فصّاً فأعطيناكَ خاتماً ، وربحتَ الفصَّ والكرا ، هنَّاك اللهُ يا أبا هاشمٍ )) . فتعجبّتُ من ذلك ، فقلتُ : يا سيّدي ، إنّك وليُّ الله ، وإمامي الذي أدينُ الله بفضله وطاعتِه . فقال : (( غفرَ اللهُ لك يا أبا هاشمٍ ))(2) .

وعن أبي هاشم أيضاً قال : شكوتُ إلى أبي محمّد (عليه السّلام) ضيق الحبس وثقل القيد ، فكتب إليَّ : (( تُصلِّي الظُّهرَ اليومَ في منزلِكَ )) . فاُخرجتُ في وقت الظّهر وصلّيتُ في منزلي كما قال (عليه السّلام)(3) .

وعن أبي هاشم الجعفري أيضاً قال : دخلتُ على أبي محمّد (عليه السّلام) ، وكان يكتب كتاباً ، فحان وقتُ الصلاة الاُولى فوضع الكتابَ من يده وقام إلى الصلاة ، فرأيتُ القلم يمرُّ على باقي القرطاس من الكتاب ويكتب حتى انتهى إلى آخره ، فخررت ساجداً ، فلمّا انصرف من الصلاة أخذ القلم بيده وأذنَ للناس(4) .

ومنها : ما رواه العلاّمة المجلسي (رحمه الله) عن بعض مؤلفات أصحابنا ، عن عليِّ بن عاصم الكوفي أنّه قال : دخلتُ على سيّدي الحسن العسكري فسلّمتُ عليه ، فردّ عليَّ السّلام وقال : (( مرحباً بكَ يابنَ عاصمٍ ، اجلسْ هنيئاً لك يابنَ عاصمٍ ، أتدري ما تحتَ قَدميكَ ؟ )) . فقلتُ : يا مولاي ، إنّي أرى تحت قَدمي هذا البساط ، كرّم الله وجه صاحبه . فقال لي : (( يابنَ عاصمٍ ، اعلمْ أنَّكَ على بساطٍ جلسَ عليهِ كثيرٌ من النَّبيِّينَ والمُرسَلينَ )) . فقلتُ : يا سيّدي ، ليتني كنتُ لا اُفارقك ما دمتُ في دار الدُّنيا .

ثم قلتُ في نفسي : ليتني كنتُ أرى هذا البساط ، فعلِمَ الإمامُ (عليه السّلام) ما في ضميري ، فقال : (( ادنُ منّي )) . فدنوتُ منه ، فمسحَ يده على وجهي فصرتُ بصيراً بإذن الله ، ثم قال : (( هذا قدمُ أبينا آدمَ ، وهذا أثرُ هابيل ، وهذا أثرُ شيث ، وهذا أثرُ إدريس ، وهذا أثرُ هود ، وهذا أثرُ صالح ، وهذا أثرُ لقمان ، وهذا أثرُ إبراهيم ، وهذا أثرُ لوط ، وهذا أثرُ شعيب ، وهذا أثرُ موسى ، وهذا أثرُ داود ، وهذا أثرُ سليمان ، وهذا أثرُ الخضر ، وهذا أثرُ دانيال ، وهذا أثرُ ذي القَرنين ، وهذا أثرُ عدنان ، وهذا أثرُ عبد المطلب ، وهذا أثرُ عبد الله ، وهذا أثرُ عبد مناف ، وهذا أثرُ جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهذا أثرُ جدّي عليِّ بن أبي طالب (عليه السّلام) )) .

قال عليّ بن عاصم : فأهويتُ على الأقدام فقبّلتها ، وقبّلتُ يد الإمام (عليه السّلام) وقلتُ له : إنّي عاجز عن نصرتكم بيدي ، وليس أملك غير موالاتكم والبراءة من أعدائكم واللعن لهم في خلواتي ، فكيف حالي ياسيّدي ؟ فقال (عليه السّلام) : (( حدَّثني أبي عن جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَن ضعفَ على(6) نُصرتِنا أهلَ البيتِ ، ولعنَ في خلواتِهِ أعداءَنا ، بلَّغَ الله صوتَهُ إلى جميعِ الملائكةِ ، فكُلَّما لعنَ أحدُكُمْ أعداءَنا صاعدتهُ الملائكةُ ولعنوا مَن لا يلعنُهُمْ ، فإذا بلغ صوتُهُ إلى الملائكةِ استغفروا له وأثنَوا عليه ، وقالوا : اللّهمَّ صلِّ على روحِ عبدِكَ هذا الذي بذل في نُصرةِ أوليائِهِ جُهدَهُ ، ولو قدرَ على أكثرِ مِنْ ذلك لفعل . فإذا النِّداءُ مِنْ قِبلِ الله تعالى يقول : يا ملائكَتي ، إنّي قدْ أحببتُ دعاءَكُمْ في عبدِي هذا ، وسمعتُ نداءَكُمْ وصلّيتُ على روحه مع أرواحِ الأبرارِ ، وجعلتُهُ من المُصطَفين الأخيار )) (6) .

ومعاجزه (عليه السّلام) كثيرة ، وما ذكرناه ما هو إلاّ غيض من فيض ؛ فقد روى أبو هاشم الجعفري (رحمه الله) أنّه قال : ما دخلتُ على أبي الحسن وأبي محمّد (عليهما السّلام) يوماً قط إلاّ رأيتُ منهما دلالةً وبرهاناً(7) .

وبما أنّنا ذكرنا عدَّة معاجز عن أبي هاشم هذا (رحمه الله) فلا بأس بذكر شيءٍ عن حياته ، والإشارة إلى بعض الجوانب المهمّة فيها .

أبو هاشم الجعفري : هو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنهم) ، ثقة جليل الشأن عظيم القدر كبير المنزلة عند الأئمّة (عليهم السّلام) ، أدرك الإمام الرِّضا وأبناءه المعصومين من بعده حتى الإمام الحجّة (عليهم الصلاة والسّلام) ويروي عنهم جميعاً . كان من المُقرَّبين من الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السّلام) حتى لَيروى أنّه سُجن في بعض الأيّام مع الإمام الحسن العسكري (عليه السّلام) في قصةٍ لا يسعها المقام . توفِّي سنة ( 261 هـ ) .

 3 ـ شهادته (عليه السّلام) : قُبض أبو محمّد الحسن العسكري (عليه السّلام) بسُرّ مَن رأى يوم الجُمُعة ثامن شهر ربيع الأوّل سنة ستّين ومئتين ، في خلافة المعتمد ، وهو ابن ثمان وعشرين سنة ، ودُفن في داره في البيت الذي دُفن فيه أبوه (عليهما السّلام) بسُرّ مَن رأى(8) .

قال ابن بابويه وغيره : إنّ المُعتمد سمَّ الإمام (عليه السّلام) . ورُوي في كتاب عيون المعجزات عن أحمد بن إسحاق أنّه قال : دخلتُ على أبي محمّد (عليه السّلام) فقال لي : (( يا أحمد ، ما كان حالُكُمْ فيما كان النَّاسُ فيهِ من الشكِّ والارتياب ؟ )) . قلتُ : لمّا ورد الكتاب بخبر مولد سيِّدنا (عليه السّلام) لم يبقَ مِنّا رجلٌ ولا امرأةٌ ولا غلامٌ بلغ الفهم إلاّ قال الحقّ . قال (عليه السّلام) : (( أمَا علمتَ أنَّ الأرضَ لا تخلُو مِنْ حُجّةٍ لله تعالى ؟! )) .

ثم أمر أبو محمّد (عليه السّلام) والدته بالحجِّ في سنة تسع وخمسين ومئتين ، وعرَّفها ما ينالُه في سنة ستّين ، ثم سلّم الاسم الأعظم والمواريث والسلاح إلى القائم (عليه السّلام) ، وخرجت اُمُّ أبي محمّد إلى مكّة وقُبض (عليه السّلام) في شهر ربيع الآخر سنة ستين ومئتين ، ودُفن بسُرَّ مَن رأى إلى جانب أبيه صلوات الله عليهما(9) .

وقال الشيخ الأجلّ علي بن عيسى الأربلي في كتاب كشف الغُمّة ، الذي اُلّف سنة ( 677 هـ ) : إنّه حكى لي بعضُ الأصحاب أنّ الخليفة المستنصر مشى مرّة إلى سُرَّ مَن رأى وزار العسكريَّين (عليهما السّلام) ، وخرج فزار التربة التي دُفن بها الخلفاء من آبائه وأهل بيته ، وهم في قُبّة خربة يصيبها المطر وعليها ذرق الطيور ـ وأنا رأيتُها على هذه الحال ـ . فقيل له : أنتم خلفاء الأرض وملوك الدُّنيا ، ولكم الأمر في العالم ، وهذه قبور آبائكم بهذه الحال لا يزورها زائرٌ ، ولا يخطر بها خاطر ، وليس فيها أحدٌ يُميط عنها الأذى ، وقبورُ هؤلاء العلويِّين كما ترونها بالسّتور والقناديل ، والفرش والزلالي والرّاشين ، والشمع والبخور وغير ذلك ؟!

فقال : هذا أمرٌ سماوي لا يحصل باجتهادنا ، ولو حملنا النَّاسَ على ذلك ما قبلوه ولا فعلوه . وصدقَ فإنّ الاعتقاداتِ لا تحصل بالقهر ، ولا يتمكَّن أحدٌ من الإكراه عليها(10) .

قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا )(11) .


(1) بحار الأنوار 50 / 237 .
(2) مناقب آل أبي طالب 3 / 536 .
(3) الإرشاد 2 / 330 .
(4) بحار الأنوار 50 / 304 .
(5) هكذا في الأصل ، والأظهر ( عن ) .
(6) بحار الأنوار 50 / 317 .
(7) بحار الأنوار 50 / 354 .
(8) كشف الغُمّة 2 / 920 .
(9) عيون المعجزات / 127 .
(10) كشف الغُمّة 3 / 325 .
(11) سورة مريم / آية 96 .

 

www.m-alhassanain.com

info@m-alhassanain.com