الإمام الصادق(ع) والطب

الإمام الصادق والطب (1)

 

بقلم: الدكتور عارف القره غولي

 

لم يكن للعرب قبل الإسلام نشاط علمي ملحوظ ، ولم يعرف عنهم أنهم كانوا ذوي ثقافة علمية بالمعنى الصحيح ، لغلبة البداوة عليهم ولتأخرهم في جميع نواحي الحياة . وكان الطب تبعاً لذلك بدائياً أولياً.

كان السحرة والعرافون يمارسون الطب ويستعينون بالأحجبة والطلاسم والتعاويذ ويستعملون الحجامة والفصد والكي ، وكان ابن جذيم وهو من تيم الرباب أشهر أطباء العرب وقد ضرب به المثل فقيل أطب من ابن جذيم . وقد اشتهر الحارث بن كلدة الثقفي وابنه النضر بالطب ، وقد أدرك الحارث الإسلام ولم يسلم وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر مرضى المسلمين بمراجعته ، أما النضر فكان معاصراً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأسره المسلمون في بدر وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتله لمجاراته أبا سفيان ، وكان الحارث وكذلك ابنه النضر قد درسا الطب في مدرسة جند يسابور.

ويروى أن رجلاً سأل الحارث عن الطب ما هو فقال : الأزم يعني الجوع وحين جرح الخليفة الثاني حضره الحارث فقال: اسقوه لبناً، فإن خرج من جرحه فهو هالك، فخرج اللبن من الجرح، فدل على أن معاءه معقور، فقال له: إعهد عهدك، فلست بألبث من أهل القبور.

كان ظهور الإسلام في الجزيرة العربية فاتحة عهد جديد وبداية حياة العرب تختلف تماماً عن حياتهم قبيل ظهوره . فقد بنى الإسلام المجتمع العربي وهذّبه بتعاليمه ونظمه وصقل العقلية العربية وأصلح النفوس ، وتعرض إلى فروع كثيرة من فروع الحياة يلقحها بلقاحه ويطبعها بطابعه ، ونبّه الأذهان والنفوس نحو العلوم ووجهها الوجهة الصحيحة الحكيمة.

لقد كان ظهور الإسلام هزة عنيفة وثورة عارمة أيقظت العرب من سباتهم وأنقذتهم من حياتهم الساذجة الراكدة وانتشلتهم من ضلالتهم ونفظت عنهم غبار الجهل المطبق فبعد أن كانت يتغنون بالقتل والسلب والنهب وبعد أن كانت نار العداوة والبغضاء والأخذ بالثار متأججة بين قبائلهم وعشائرهم أصبحوا يداً واحدة وكتلة واحدة وصفاً واحداً.

 فقد نجح الإسلام في توحيدهم وفي قتل روح العصبية وفي توجيههم نحو غزو العالم ذلك الغزو العظيم الخطير فاندفعوا كالأسود بإيمان راسخ وعقيدة ثابتة ودكّوا عرش كسرى وسحقوا دولة الروم ورفعوا راية الإسلام عالية خفّاقة في كل مكان.

وكان ذلك الغزو العالمي الكبير قد أشغل المسلمين عن النظر في العلوم . إلاّ أن القرآن الكريم وهو كتاب المسلمين المنزل من الله سبحانه على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أول كتاب إسلامي منظم يرجع إليه المسلمون ، فكان مصدراً للدين والعقيدة كما كان مصدراً للعلوم والتاريخ.

 وقد ذكر القرآن أسراراً طبية عظيمة لم يعرفها الأطباء طيلة قرون عديدة حتى أماط اللثام عنها الطب الحديث بوسائله الفنية الجديدة.

تعرض القرآن إلى حفظ الصحة ففرض الطهارة على المسلمين وفرض الوضوء خمس مرات في اليوم وفرض الصوم ثلاثين يوماً في السنة وحرّم الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير وحرّم الزنا بكافة أشكاله وصوره ، ونظم الروابط العائلية وأنشأ الأسرة إنشاءً جديداً ووضع الأسس الصحية والعملية القويمة للزواج وحثّ على النكاح الذي هو خلاف السفاح وذكر مدة الحمل ومدة الإرضاع وحرم مباشرة النساء أثناء الحيض ووضع للمطلّقة عدة تعتدها وأشار إلى الإعجاز في خلق الإنسان وتطوره منذ النطفة والبيضة حتى يولد إنساناً كامل الخلقة والتكوين وأشار إلى ما هنالك من أسرار عظيمة أدرك شيئاً منها علم الجنين الحديث . ولست بمبالغ إذا قلت إن القرآن الكريم قد وضع حجر الأساس لعلم الطب العربي والإسلامي.

لقد أمر الإسلام بالمعروف ونهي عن المنكر وأحل الطيبات وحرم الخبائث وبين القرآن الكريم بأوجز عبارة وأبلغ صيغة . العلة في تحريم الخمر والميسر في قوله تعالى: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا ) وبين أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام يوقع الشيطان بواسطتها العداوة والبغضاء بين الناس ويفسدهم ويصدهم عن ذكر الله كما في قوله: ( إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنّمَا يُرِيدُ الشّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) .

وقد كان النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) يحث المسلمين على تعلّم الطب وقوله: (( العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان )) يدلّ على ما للطب لديه من أهمية عظيمة . وروى المحدثون عنه أنه قال: (( ما أنزل الله من داء إلاّ له شفاء )) وكان يأمر بإتيان الأطباء ومساءلتهم عما بين أيديهم ويوصي الناس بالصحة ويقول: (( لا خير في الحياة إلاّ مع الصحة )) ويقول: (( درهم وقاية خير من قنطار علاج )) ويقول : (( العقل السليم في الجسم السليم )) وقد اشتهرت أقواله الصحية ووصاياه الطبية باسم الطب النبوي .

 ومما يجدر ذكره أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يفضل الطعام النباتي على الطعام الحيواني(1).

لم يعرف في العصر الأموي نشاط علمي جدير بالذكر ما خلا نشاط خالد بن يزيد بن معاوية الذي نبغ بعلم الكيمياء ولقب بحكيم آل مروان والذي كان قد استقدم جماعة من علماء الروم درس عليهم الكيمياء وأمرهم بنقل الكتب إلى اللغة العربية ولا يخفى ما بين الطب والكيمياء من علاقة وثيقة.

وأشهر أطباء العصر الأموي عبد الملك بن أبجر الكناني وكان عالماً بالطب لا يأخذ عليه أجراً ، ويقول لكلير أن ابن أبجر كان شغوفاً بعلم الكيمياء ، وتتلمذ عليه شاب روماني اسمه (مورينوس) وتعلم منه صناعة الكيمياء ، وعن مورينوس هذا ، أخذ خالد بن يزيد المتوفى سنة 85هـ هذه الصناعة.

وماسرجويه الطبيب البصري وكان يهودي المذهب سريانياً وهو معاصر للخليفة الأموي مروان بن الحكم (64-65هـ) ، وينسب إليه ابن جلجل خطأ تفسير كتاب أهرن بن أعين القس إلى العربية . وقد ذكر الأب بول سباط في ملحق فهرسته ص 60 ثلاثة كتب من مؤلفات ماسرجويه هي:

1ـ كتاب في الغذاء .

2ـ كتاب في الشراب .

3ـ كتاب في العين.

وعندما انتقلت الخلافة العباسية إلى أبي جعفر المنصور سنة 126هـ بدأت طلائع النهضة العلمية بالظهور في الأفق العربي الإسلامي ، ونقلت الكتب العلمية من اللغات اليونانية والفارسية إلى اللغة العربية وكان آل بختيشوع قد اشتهروا بالطب وهم أسرة كبيرة من السريان النساطرة :

 فأولهم: جورجيس بن بختيشوع الجنديسابوري، رئيس أطباء جنديسابور، وقد استقدمه إلى بغداد سنة 148هـ الخليفة المنصور وصار طبيبه الخاص إلى أن توفى في خلافته سنة 152هـ .

وثانيهم: ابنه بختيشوع الذي استقدمه الخليفة المهدي من جنديسابور ليحل محل أبيه جورجيس ، فظل في خدمته وخدمة الهادي والرشيد إلى أن توفي.

وثالثهم: إبنه جبريل الذي نبغ في حياة أبيه وصار طبيباً لجعفر بن يحيى البرمكي حتى قدمه إلى الخليفة هارون الرشيد فصار طبيبه الخاص ونزل لديه منزلة ممتازة وجعله رئيساً للأطباء ، وظل على ذلك زمن الأمين والمأمون ، حتى توفى في خلافته سنة 213هـ ومن مؤلفاته الروضة الطبية نشره بول سباط سنة 1927م(2).

تلك هي المراحل التاريخية التي مر فيها الطب العربي منذ الجاهلية قبيل الإسلام حتى أيام المنصور ثاني خلفاء بني العباس ، ومنها يتضح أن العرب اهتموا بدراسة الطب اهتماماً كبيراً ولهم فيه دراسات قيمة واكتشافات كثيرة ، فهم أول من أشار إلى الجراثيم وأول من وصف الدورة الدموية وأول من كتب عن الحميات ، وقد نقل الأوربيون كثيراً من كتب الطب العربية إلى لغاتهم ودرسوها في جامعاتهم لعدة قرون .

 وقد حفظ التاريخ أسماء عدد كبير من الأطباء العرب والمسلمين الذين درسوا الطب ونبغوا به إلى جانب معرفتهم واشتهارهم بعلوم أخرى.

وقد كان محمد بن زكريا الرازي المتوفى سنة 313هـ من أشهر أطباء العرب وهو مسلم النحلة أديب طبيب مارستاني ، زاول مهنته في بغداد خمسين سنة كاملة وكان في ابتداء أمره يضرب العود ، ثم نزع عن ذلك ، وأكبّ على الطب والفلسفة ، وكان لكتابته عن الحميات كالحصبة والجدري أثر كبير في عالم الطب وله إطلاع واسع بعلم التشريح وطرق جديدة في المداواة وإليه يعود الفضل في استخدام الماء البارد في الحميات . وله في الطب كتب كثيرة بديعة أشهرها كتاب الحاوي وكتاب المنصوري ، وقد ذكرت كتب الطب الحديثة أن بائع القماش الهولندي لوفنهوك (1632م - 1723م) هو أول من كشف النقاب عن الجراثيم ، بينما ذكرت الكتب العربية أن الرازي قد عرف الجراثيم قبل لوفنهوك بثمانية قرون وأدرك آثارها في الأجسام الحية والميتة ، ويذكر عنه أنه علق قطعة لحم في كل حي من أحياء بغداد عندما عهد إليه اختيار أفضل حي يبنى فيه مستشفى ، ووجد أن أفضلها هو الحي الذي تأخر فيه فساد القطعة وتفسخها أكثر من غيرها(3).

وكان علي بن عباس طبيباً معاصراً للرازي وله كتاب الملكي في الطب ، الذي اعتمد فيه على تطبيقاته العملية ومشاهداته السريرية على مرضاه في المستشفيات.

أما الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا (980م - 1037م) فقد لقّب بأمير الطب ويعتبر أشهر أطباء العرب وله كتب ممتازة (وقانونه) في الطب من أوسع الكتب الطبية العربية ، فقد اشتمل على علم وظائف الأعضاء وعلم الصحة وعلم المداواة وعلم الأدوية. ويدل على عظمة ابن سينا تدريس كتبه في الجامعات الأوربية لستة قرون.

ويعد أبو القاسم القرطبي المتوفى سنة 1107م أشهر الجراحين العرب .  وقد صمّم وابتكر من عقله أدوات جراحية كثيرة ، وتعد عملية سحق الحصاة في المثانة من العمليات المسجّلة باسمه وله يعود الفضل في ابتكارها وتطبيقها ونجاحها ، وقد ظلت كتبه المصدر المهم لجراحي أوربا بعد القرن الرابع عشر من الميلاد.

وممن اشتهر بالطب أيضاً إبن زهر الأشبيلي وابن رشد ، إلاّ أن شهرتهما في الطب دون شهرة غيرهما.

ويعد كشف واستعمال المرقدات والمخدرات وإجراء العمليات الجراحية بلا ألم من مبتكرات العرب ، والعرب هم أول من مارس التخدير كفن ودرسه كعلم.

 

الإمام الصادق في التاريخ:

بعد أن عرفنا المراحل التاريخية التي مر فيها الطب العربي وتعرفنا على مشاهير الأطباء العرب والمسلمين ، ننتقل إلى الكلام عن الإمام الصادق (عليه السلام) الذي ولد في يوم الاثنين السابع عشر من ربيع الأول من سنة ثلاث وثمانين من الهجرة وتوفي في الخامس والعشرين من شوال سنة ثمان وأربعين ومائة من الهجرة بالمدينة.

 فتكون مدة حياته الشريفة خمساً وستين سنة أدرك فيها بقية ملك هشام بن عبد الملك وملك يزيد بن الوليد وملك أخيه إبراهيم وملك مروان الحمار آخر ملوك بني أمية وملك أبي العباس السفاح وعشر سنين من ملك المنصور الذي دسّ له السمّ فاستُشهد الإمام في أيامه.

وقد كان عصر الإمام (عليه السلام) حساساً جداً كثرت فيه الفتن والمؤامرات والثورات كما كثر فيه أصحاب الرأي والجدل والقياس . فساعد هذا الوضع السياسي المرتبك وهذه الكثرة في العقائد الإمام الصادق (عليه السلام) على تركيز دعائم مدرسته وفتح أبوابها أمام طلابها الذين كانوا يؤمونها من جميع أنحاء البلاد الإسلامية الواسعة ، وقد كانت دعوة الدولة العباسية في بدايتها هاشمية فرأت في شخصية جعفر بن محمد مفخرة من أعظم مفاخرها ، فراجت العلوم بسببه وانتشرت المعارف من مدرسته وكثرت الروايات عنه (عليه السلام) وقد قيل:

 

إذا أردت حديث الصدق عن ثقة  * * *  عليك بالطاهر المصداق ذي النسب

إن الأحاديث جاءت من مصادرها  * * *  مروية عن نبي من وصي نبي

 

وقد قام الإمام الصادق (عليه السلام) بتدريس مختلف العلوم كالفقه والكلام والحديث والتفسير والتاريخ والعربية والنجوم والكتابة والرياضيات والكيمياء والطب.

ولرب سائل يسأل من أين تلقّى الإمام الصادق (عليه السلام) هذه العلوم كلها ، الذي يستلزم دراسة كل علم منها عمراً طويلاً مديدا ً، ومن هم شيوخ الصادق وأساتذته الذين تلقّى عنهم العلوم . ونكتفي بالردّ على هذا السؤال بأن الإمام الصادق (عليه السلام) لم يتلقّ العلم على أحد من الشيوخ والأساتذة سوى أبيه الباقر (عليه السلام) ، وإننا نخالف بذلك من يرى إن الإمام الصادق (عليه السلام) قد تخرج على فلان أو فلان ، وانه قد أخذ الكيمياء عن خالد بن يزيد بن معاوية ؛ وإن ذلك كله لا يعدو كونه زعماً وتخريصاً . ذلك لأن الصادق (عليه السلام) خريج البيت النبوي الشريف ووارث علم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وقد كان يروي عن أبيه عن جده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل عن الله تعالى ، فنعمت الرواية ونعم الراوي ، وليت شعري هل يكون بحاجة إلى مدرسة أو أساتذة من كانت هذه مدرسته التي تخرج منها وهؤلاء أساتذته الذين تلقّى العلم عنهم ؟

إلاّ أن التعصب المقيت قد أعمى القلوب عن النظر وجعل الكثيرين من الباحثين يلتمسون له شيوخاً وأساتذة . وقد كان (عليه السلام) يقول: (( حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب وحديث علي حديث رسول الله وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ )) وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (( أنا مدينة العلم وعلي بابها )) وقد كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول : (( علّمني رسول الله ألف باب من العلم ، يفتح الله عليَّ من كل باب ألف باب )) ولم يقل أحد: (( سلوني قبل أن تفقدوني )) غير علي بن أبي طالب وجعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام).

هذا هو الصادق وهؤلاء هم شيوخه وتلك مدرسته فلا عجب إذا كان قد استوعب من العلوم ما لا طاقة لأحد في استيعابه.

وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقاة فكانوا أربعة آلاف رجل وقد أدرك الحسن بن علي الوشا في مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل واحد منهم يقول: ( حدثني جعفر بن محمد ).

 

طب الصادق (عليه السلام)

لم يكن الإمام الصادق (عليه السلام) طبيباً ولم يذكر التاريخ إنه عالج المرضى وإنما كان يتخذ من العلوم الكونية سبباً للرد بها على الطبيعيين والدهريين، وينتزع منها الحجج والبراهين ويقيم الأدلة على قدرة الخالق وعلى إثبات واجب الوجود . وقد وجد (عليه السلام) في الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم ، وفي الكائنات الحية من نبات وحيوان ميداناً واسعاً وحقلاً خصباً في مناظرة الملحدين من الحكماء والفلاسفة والمتطببين ، فكان يناظرهم ويباحثهم ويلقي عليهم محاضرات علمية يعجزون عن تفنيدها أو دحضها أو مناقشتها وينسحبون من بين يديه وهم يجرّون أذيال الخيبة والفشل.

قال في مقدمة أماليه على المفضل بن عمر:

(( أن الشكاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة ، وقصرت أفهامهم عن تأمل الصواب فيما ذرأ الباري جلّ قدسه وبرأ من صنوف خلقه ، في البر والبحر والسهل والوعر ، فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود ، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود . حتى أنكروا خلق الأشياء ، وادعوا أن تكونها بالإهمال ، لا صنعة فيها ولا تقدير، ولا حكمة من مدبر ولا صانع ، تعالى الله عما يصفون وقاتلهم الله أنى يؤفكون . . . . فإنهم لما غربت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء ، صاروا يجولون في هذا العالم حيارى فلا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته وحسن صنعته وصواب هيئته . وربما وقف بعضهم على الشيء يجهل سببه والأرب فيه ، فيسرع إلى ذمه ، ووصفه بالإحالة والخطأ، كالذي أقدمت عليه المانوية الكفرة ، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة، وأشباههم من أهل الضلال المعللين أنفسهم بالمحال فيحق على من أنعم الله عليه بمعرفته وهداه لدينه ووفقه لتأمل التدبير في صنعة الخلائق والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التعبير بالدلالة القائمة الدالة على صانعها أن يكثر حمد الله مولاه على ذلك ويرغب إليه في الثبات عليه والزيادة منه فانه جل اسمه يقول: ( لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) ))(4).

وكتب المفضل بن عمر الجعفي إلى أبي عبد الله (عليه السلام) يعلمه أن أقواماً ظهروا من أهل هذه الملة يجحدون الربوبية ويجادلون على ذلك ، ويسأله أن يرد عليهم قولهم ويحتج عليهم فيما ادعوا بحسب ما احتج به على غيرهم .

 فكتب أبو عبد الله الصادق (عليه السلام):

(( بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد وفقنا الله وإياك لطاعته وأوجب لنا بذلك رضوانه برحمته ، وصل كتابك تذكر فيه ما ظهر في ملتنا وذلك من قوم من أهل الإلحاد بالربوبية قد كثرت عدتهم واشتدت خصومتهم وتسأل أن أصنع للرد عليهم والنقض لما في أيديهم كتاباً على نحو ما رددت على غيرهم من أهل البدع والاختلاف ونحن نحمد الله على النعم السابغة والحجج البالغة والبلاء المحمود عند الخاصة والعامة فكان من نعمه العظام وآلاءه الجسام التي أنعم بها تقريره قلوبهم بربوبيته وأخذه ميثاقهم بمعرفته وإنزاله عليهم كتاباً فيه شفاء لما في الصدور من أمراض الخواطر ومشتبهات الأمور ولم يدع لهم ولا لشيء من خلقه حاجة إلى من سواه واستغنى عنهم وكان الله غنياً حميداً . ولعمري ما أتى الجهال من قبل ربهم وأنهم ليرون الدلالات الواضحات والعلامات البينات في خلقهم وما يعاينون من ملكوت السماوات والأرض والصنع العجب المتيقن الدال على الصانع ولكنهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي وسهلوا لها سبيل الشهوات . فغلبت الأهواء على قلوبهم واستحوذ الشيطان بظلمهم عليهم وكذلك يطبع الله على قلوب المعتدين . والعجب من مخلوق يزعم إن الله يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله وتأليف يبطل حجته ولعمري لو تفكروا في هذه الأمور العظام لعاينوا من أمر التركيب البين ولطف التدبير الظاهر ووجود الأشياء مخلوقة بعد إذ لم تكن ثم تحولها من طبيعة إلى طبيعة وصنيعة بعد صنيعة ما يدلهم ذلك على الصانع فإنه لا يخلو شيء منها من أن يكون فيه أثر تدبير وتركيب يدل على أن له خالقاً مدبراً وتأليف بتدبير يهدي واحد حكيم ))(5).

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) على من يريد التوسع في الموضوع أن يرجع إلى كتابنا (من علوم الطب في الإسلام).

(2) على من يريد التوسع أن يراجع كتاب طبقات الأطباء والحكماء لإبن جلجل.

(3) للتوسع عن الرازي راجع رسالة البيروني التي نشرها بول كراوس سنة 1318هـ.

(4) بحار الأنوار ج3 من الطبعة الجديدة ص59 ـ 60.

(5) نفس المصدر ص152 ـ 153.

 

 

طباعة الصفحةاعلى