الإمام الصادق(ع) والطب

الإمام الصادق (عليه السلام) والطب (2)

 

بقلم: الدكتور عارف القره غولي

 

آثار الصادق في الطب:

ومن أشهر الوثائق الطبية التي بقيت إلى عصرنا كتاب (توحيد المفضل) وهو عبارة عن مجموعة الأمالي التي أملاها الإمام الصادق (عليه السلام) على المفضل بن عمر الجعفي . ولا أدري لماذا سميت باسم (توحيد المفضل) وبه شاعت وعرفت ، والذي اعتقده إنها اشتهرت بين الناس بهذا الاسم لسببين هما:

أولاً: أن الكلام في هذه الأمالي يدور حول التوحيد وحول إثبات واجب الوجود وقدرة الصانع عزّوجلّ .

ثانياً : أن الذي كتبها مباشرة عن الإمام الصادق (عليه السلام) من غير واسطة هو المفضل بن عمر الجعفي.

وحسناً فعلت مكتبة النجاح في النجف الأشرف فجعلت اسمه الجديد أمالي الإمام الصادق (عليه السلام) بدل الاسم القديم وقد شرعت دار الباقر في النجف الأشرف بتحقيق هذه الأمالي تحقيقاً علمياً رائعاً يلائم قيمة الكتاب العلمية وستقدمه للطباعة عن قريب.

يتكون كتاب أمالي الصادق (عليه السلام) من جزئين ،

يتألف الجزء الأول : وهو المتداول بين الناس والموجود في المكتبات من أربعة مجالس:

 يدور المجلس الأول حول خلق الإنسان وتكوينه ، وفيه معلومات طبية قيمة .

ويدور المجلس الثاني حول عالم الحيوان.

ويتكلم في المجلس الثالث عن السماء والشمس والقمر والأرض .

ويبحث في المجلس الرابع عن الموت والفناء ويرد فيه على المعطلة وأصحاب الطبائع وعلى من زعم أن كون الأشياء بالعرض والاتفاق.

أما الجزء الثاني: فيتكلم فيه عن عالم ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله بينهما وهو مطبوع في إيران سنة 1319 هجرية مع كتاب تباشير الحكمة للميرزا أبي القاسم الذهبي الشيرازي ولم يطبع مستقلاً.

وللإمام الصادق (عليه السلام) كتاب نفيس مشهور باسم الأهليلجة كان قد نازع فيه طبيباً هندياً كان يحضره وكان ذلك الطبيب ينازع الإمام الصادق في رأيه . وذلك إن الطبيب كان يدق إهليلجة ليصنع منها دواءاً فعرض شيء من الكلام الذي ادعى فيه أن الدنيا لم تزل ولا تزال شجرة تثبت وأخرى تسقط ، نفس تولد وأخرى تتلف ، وأن الأشياء تعرف بالحواس الخمس وقال إن انتحال الإمام المعرفة لله تعالى دعوى لا بينة له عليها ولا حجة له فيها وإن الحواس لم تقع على خالق . وطلب من الإمام (سلام الله عليه) أن يقيم له الأدلة والحجج التي تثبت معرفة ربه. والكتاب نفيس جداً ويدل على سعة علم الإمام في علم الأدوية وتركيبها.

وللإمام نصائح طبية كثيرة ووصايا ثمينة ووصفات علاجية متفرقة في كتب الأخبار وهناك مناظرات كثيرة جرت بينه وبين رؤساء المذاهب وأصحاب الرأي سنشير إلى قسم منها في بحثنا هذا.

والذي يلفت نظر الباحث الفاحص لأقوال الإمام ، تحدثه عن أسرار طبية لم يتوفق العلم إلى إدراكها إلاّ قبل نصف قرن تقريباً ، وتحدثه عن حقائق علمية يفخر علماء الوراثة اليوم باكتشافها وسبقهم إليها بأكثر من ألف سنة وأشار إلى وجود قوانين خاصة تتحكم في انتقال الصفات الوراثية عبر الأجيال من الآباء إلى الأبناء .

ولئلا أشق على القارئ الكريم وأطيل عليه البحث لفصلت الكلام عن كل باب من أبواب الطب طرقه الإمام (عليه السلام) ، ولكني سأقصر البحث هنا في الأمور التالية:

1ـ علم وظائف الأعضاء:

ويسمى حديثاً بعلم الغريزة أو الفيزيولوجيا ؛ ويبحث في الخلايا والنسج التي تكون كل عضو من أعضاء البدن وفي الوظائف التي يقوم بها، ويبحث كذلك في علاقة وظائف الأعضاء بالمحيط الخارجي ، ويعتبر هذا العلم من العلوم الطبية الأساسية ومعرفته تساعد على معرفة الأمراض والعلل ، وللإمام (عليه السلام) نصوص كثيرة يتكلم فيها عن العلل في وظائف الأعضاء وعن علاقتها بالمحيط الخارجي ويجري كلامه فيها مجرى عالم خبير واسع الاطلاع وما أكثر الأطباء الذين ناظرهم ودحض حجتهم بأسلوبه العلمي الرصين وبمادة غزيرة فياضة.

 وإليك كمثال كلامه في المخ والدم والإذن:

(( فكّر يا مفضل لِمَ صار المخ الرقيق محصناً في أنابيب العظام ؟ هل ذلك إلاّ ليحفظه ويصونه.

لِمَ صار الدم السائل محصوراً في العروق بمنزلة الماء في الظرف ؟ إلاّ لتضبطه فلا يفيض.

 لِمَ صارت الأظفار على أطراف الأصابع ؟ إلاّ وقاية لها ومعونة على العمل .

 لِمَ صار داخل الإذن ملتوياً كهيئة اللولب ؟ إلاّ ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي إلى السمع وليكسر حمة الريح فلا ينكأ في السمع .

 لِمَ حمل الإنسان على فخذيه وإليتيه هذا اللحم ؟ إلاّ ليقيه من الأرض فلا يتألم من الجلوس عليها كما يألم من نحل جسمه وقل لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض حائل يقيه صلابتها. ... فكر وتدبر ما وصفته ، هل تجد الإهمال على هذا النظام والترتيب ؟ تبارك الله عمّا يصفون ))(1).

وإذا رجعنا إلى علم وظائف الأعضاء الحديث وجدناه يقول:

إن المخ محاط بعظام القحف التي تؤلف صندوقاً عظمياً تقيه من الصدمات الخارجية وإن الدم يجري في عروق دموية خاصة تُعرف بالشرايين والأوردة ويطلق عليها جميعاً اسم الأوعية الدموية.

 وإن الأظفار صفحات قرنية تستر النهاية العليا من السلامة الأخيرة وتقيها شر الآفات والصدمات الخارجية وتساعدها على العمل .

 وإن صيوان الأذن يجمع الموجات الصوتية ويوجهها إلى غشاء الطبل ، وتساعد انثناءاته على معرفة جهة الصوت ، فلو طليت بالشمع لما تسنى معرفة جهة الصوت.

وإليك مثالاً آخر يذكر فيه سبب شعور الإنسان بالجوع والنعاس والشبق:

(( فكّر يا مفضل في الأفعال التي جعلت في الإنسان من الطعم والنوم والجماع وما دبر فيها ، فإنه جعل لكل واحد من هذه الطباع محرك يقتضيه ويستحثّ به ، فالجوع يقتضي الطعم الذي فيه راحة البدن وقوامه ، والكرى يقتضي النوم الذي فيه راحة البدن وإجمام قواه ، والشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه )).

وجاء في كتاب علل الشرائع للشيخ الصدوق أن أبا عبد الله (عليه السلام) حضر مجلس المنصور يوماً وعنده رجل من الهند يقرأ كتاب الطب فجعل أبو عبد الله (عليه السلام) ينصت لقراءته فلما فرغ الهندي قال له: يا أبا عبد الله أتريد مما معي شيئاً قال: (( لا فإن معي ما هو خير مما معك )) قال وما هو ؟ قال: (( أداوي الحار بالبارد والبارد بالحار والرطب باليابس واليابس بالرطب وأرد الأمر كله إلى الله عزّوجلّ واستعمل ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعلم أن المعدة بيت الداء وإن الحمية هي الدواء وأعود البدن ما اعتاد )).

 فقال الهندي وهل الطب إلاّ هذا ؟ فقال الصادق (عليه السلام): (( أفتراني من كتب الطب أخذت ؟)) قال: نعم. قال: (( لا والله ما أخذت إلاّ عن الله سبحانه، فأخبرني أنا أعلم بالطب أم أنت ؟)) قال الهندي: لا بل أنا.

 قال الصادق (عليه السلام): (( فأسألك شيئاً؟ )) قال: سل . قال: (( أخبرني يا هندي لم كان في الرأس شؤون ؟ )) قال: لا أعلم . قال: (( فلم جعل الشعر عليه من فوق ؟ )) قال: لا أعلم قال: (( فلم خلت الجبهة من الشعر؟)) قال: لا أعلم قال: (( فلم كان لها تخطيط وأسارير؟ )) قال: لا أعلم . قال : (( فلم كان الحاجبان من فوق العينين؟ )) قال: لا أعلم . قال: (( فلم جعل العينان كاللوزتين ؟ )) قال : لا أعلم . قال: (( فلم جعل الأنف فيما بينهما )) قال: لا أعلم. قال: (( فلم كان ثقب الأنف في أسفله؟ )) قال لا أعلم . قال: (( فلم جعلت الشفه والشارب من فوق الفم ؟)) قال: لا أعلم . قال: (( فلم احتد السن وعرض الضرس وطال الناب؟ )) قال: لا أعلم. قال: (( فلم جعلت اللحية للرجال؟ )) قال: لا أعلم . قال: (( فلم خلت الكفان من الشعر؟ )) قال: لا أعلم. قال: (( فلم خلا الظفر والشعر من الحياة؟ ))(2) قال: لا أعلم. قال: (( فلم كان القلب كحب الصنوبرة ؟ )) قال: لا أعلم . قال: (( فلم كانت الرئة قطعتين وجعلت حركتها في موضعها؟ )) قال: لا أعلم. قال: (( فلم كانت الكبد حدباء ؟ )) قال: لا أعلم. قال: (( فلم كانت الكلية كحب اللوبيا؟ )) قال: لا أعلم. قال: (( فلم جعل طي الركبة إلى الخلف ؟ )) قال: لا أعلم . قال: (( فلم تخصرت القدم ؟ )) قال: لا أعلم .

 فقال الصادق (عليه السلام): (( لكني أعلم )). قال: فأجب، فقال الصادق (عليه السلام): (( كان في الرأس شؤون لأن المجوف إذا كان بلا فصل أسرع إليه الصدع ، فإذا جعل ذا فصول كان الصدع منه أبعد. وجعل الشعر من فوقه ليوصل بوصوله الادهان إلى الدماغ ويخرج بأطرافه البخار منه ويرد عنه الحر والبرد الواردين عليه. وخلت الجبهة من الشعر لأنها مصب النور إلى العينين. وجعل فيها التخطيط والأسارير ليحبس العرق الوارد من الرأس عن العين. وجعل الحاجبان من فوق العينين ليوردا عليهما من النور قدر الكفاية. ألا ترى يا هندي أن من غلبه النور جعل يده على عينيه ليرد عليهما قدر كفايتهما منه. وجعل الأنف فيما بينهما ليقسم النور قسمين إلى كل عين سواء. وكانت العين كاللوزة ليجري فيها الميل بالدواء ويخرج منها الداء، ولو كانت مربعة أو مدورة ما جرى فيها الميل ولا وصل إليها دواء ولا خرج منها دواء. وجعل ثقب الأنف في أسفله لينزل منه الأدواء المنحدرة من الدماغ وتصعد فيه الروائح إلى المشام، ولو كان في أعلاه لما أنزل داء ولا وجد رائحة. وجعل الشارب والشفة فوق الفم ليحبس ما ينزل من الدماغ عن الفم لئلا يتنغص على الإنسان طعامه وشرابه فيميطه عن نفسه. وجعلت اللحية للرجال ليستغني بها عن الكشف في المنظر ويعلم بها الذكر من الأنثى . وجعل السن حاداً لأن به يقع العض ، وجعل الضرس عريضاً لأن به يقع الطحن والمضغ وكان الناب طويلاً ليشد الأضراس والأسنان كالاسطوانة في البناء. وخلا الكفان من الشعر لأن بهما يقع اللمس ، فلو كان بهما شعر ما درى الإنسان ما يقابله ويلمسه . وخلا الشعر والظفر من الحياة لن طولهما وسخ يقبح وقصهما حسن ، فلو كان فيهما حياة لألم الإنسان قصهما.

 وكان القلب كحب الصنوبر لأنه منكس فجعل رأسه رقيقاً ليدخل في الرية فيتروح ببردها لئلا يشيط الدماغ بحره ، وجعلت الرئة قطعتين ليدخل بين مضاغطهما فتروح عنه بحركتها وكانت الكبد حدباء لتثقل المعدة وتقع جميعها عليها فتعصرها فيخرج ما فيها من البخار وجعلت الكلية كحب اللوبياء لأن عليها مصب المني نقطة بعد نقطة فلو كانت مربعة أو مدورة لاحتبست النقطة الأولى الثانية فلا يتلذذ بخروجها الحي. وجعل طي الركبة إلى الخلف لأن الإنسان يمشي إلى ما بين يديه فتعتدل الحركات ولولا ذلك لسقط في المشي . وجعلت القدم متخصرة لأن المشي إذا وقع على الأرض جميعه ثقل ثقل حجر الرحا وإذا كان على طرفه دفعه الصبي وإذا وقع على وجهه صعب نقله على الرجل )).

 فقال الهندي: من أين لك هذا العلم ؟ فقال (عليه السلام): (( أخذته عن آبائي (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل (عليه السلام) عن ربّ العالمين جلّ جلاله الذي خلق الأجساد والأرواح )).

2ـ دوران الدم في البدن:

لدوران الدم أهمية كبيرة في تاريخ علوم الطب ، والاعتقاد السائد أن (هارفي) هو الذي كشف الدورة الدموية ، ولكننا نجد أن الإمام الصادق (عليه السلام)قد ذكر دوران الدم في البدن وأشار إليه وبين أن الأغذية في البدن تستحيل إلى الدم الذي ينتقل بمجاري دقيقة توزعه على سائر أنحاء الجسم . قال الإمام (عليه السلام):

(( فكّر يا مفضل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير ، فإن الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه ، وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق دقاق واشجة بينهما ، جعلت كالمصفى للغذاء لكيلا يصل إلى الكبد منه شيء فينكأها وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف . ثم أن الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دماً وينفذه إلى البدن كله في مجاري مهيئة لذلك ، بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء ليطرد في الأرض كلها وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفائض قد أعدت لذلك ، فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة.

فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن ووضع هذه الأعضاء في مواضعها وأعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه، فتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير وله الحمد كما هو أهله ومستحقه )).

3ـ تشريح الإنسان:

إن التشريح علم حديث ، وكان تشريح الجثث عملاً محرماً مخالفاً للدين والقانون وكانت عقوبة الإعدام تطبق على كل من ثبت أنه مارس التشريح، وكثيرون هم الذين ماتوا بالإعدام لتحديهم القانون وخروجهم على الدين بتشريحهم جثث الأموات ، وكان الأطباء يلجؤون إلى تشريح الحيوان لمعرفة أعضاء الجسم وظلت الحال كذلك إلى أن أدرك الناس وتفهمت العقول ما في تشريح جثث الأموات من فوائد علمية لا تقدر فسمحت به القوانين إذا كان لغاية علمية شريفة ، أما في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) فلم يكن للأطباء عهد ولا علم بالتشريح ، وقد ورد عن الصادق نصوص في صفة أعضاء البدن تنبئ عن اطلاعه الواسع ومعرفته الكبيرة بالأجهزة والأعضاء التي يتركب منها البدن . وليس معنى هذا أن الإمام قام بتشريح الجثث كما نفعل نحن أطباء اليوم وإنما كان علمه إلهامياً ولا شيء غير ذلك . وإليك نصاً من كلامه (عليه السلام) في العظام التي يتركب منها بدن الإنسان:

(( إن الله خلق الإنسان على اثني عشر وصلاً وعلى مائتين وستة وأربعين عظماً وعلى ثلاثمائة وستين عرقاً ، فالعروق هي التي تسقى الجسد كله. والعظام تمسكه واللحم يمسك العظام ، والعصب يمسك اللحم . وجعل في يديه اثنين وثمانين عظماً ، في كل يد واحد وأربعون عظماً ، منها في كفه خمسة وثلاثون عظماً وفي ساعده اثنان وفي عضده واحد وفي كتفه ثلاثة فذلك واحد وأربعون ، وكذلك في الأخرى ، وفي رجله ثلاثة وأربعون عظماً منها في قدمه خمسة وثلاثون عظماً ، وفي ساقه اثنان وفي ركبته ثلاثة وفي فخذه واحد وفي وركه اثنان وكذلك في الأخرى .

 وفي صلبه ثماني عشر فقرة وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع وفي عنقه ثمانية وفي رأسه ستة وثلاثون عظماً وفي فمه ثمانية وعشرون أو اثنان وثلاثون ))(3).

ويلاحظ أن الامام الصادق (عليه السلام) قد قسم الهيكل العظمي إلى اثني عشر قسماً هي :

الرأس والفكان والعمود الفقري والقفص الصدري وعظما الترقوة وعظم القص والطرفان العلويان والطرفان السفليان.

4ـ الجراثيم هي العوامل المسببة للمرض:

ذكرنا سابقاً أن الأوربيين يعتبرون بائع القماش الهولندي (لوفن هوك) أول من كشف النقاب عن عالم الأحياء التي لا ترى بالعين المجردة وهي الجراثيم وقلنا إن الكتاب العرب والمستشرقين يعتبرون الرازي أول من أشار إلى هذه الأحياء الصغيرة .

 ولكن النصوص الكثيرة التي بين أيدينا تفيد أن الإمام الصادق (عليه السلام) قد أشار إلى الجراثيم مرات ومرات ، من ذلك قوله: (( أن أستر وأخفى ما يسلط الشيطان من ابن آدم أن صار يسكن تحت الأظافر )) وهل هنالك شيطان غير الجراثيم تسكن تحت الأظافر وترسل سمومها إلى داخل الجسم . وقوله: (( لا يكلم الرجل مجذوماً إلاّ أن يكون بينهما قدر ذراع )) وفي لفظ آخر: (( قدر رمح )).

وقد سبق الصادق أبوه الباقر (عليهما السلام) إلى الإشارة إلى الجراثيم .

 ومن ذلك قوله: (( قصوا الأظفار لأنها مقيل الشيطان )).

وقد أشار من قبلهما الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى الجراثيم في دعائه لأهل الثغور وهو دعاء نفيس(4) بقوله:

(( وابعث عليهم جنداً من ملائكتك ببأس من بأسك ، كفعلك يوم بدر، تقطع به دابرهم وتحصد به شوكتهم وتفرق به عددهم ، اللهم وامزج مياههم بالوبا وأطعمتهم بالأدواء وارمِ بلادهم بالخسوف وألح عليهم بالقذوف )) وإلى آخر الدعاء الشريف. والمطلوب الانتباه إلى كلامه (عليه السلام): (( وامزج مياههم بالوبا )) فانه (عليه السلام) يسأل الله أن يمزج مياه الأعداء بجراثيم الهيضة (الكوليرا) ذلك الوباء المدمر المرعب الذي تفتك جوانحه بالآلاف من الناس وتنشر الرعب في كل مكان.

وقد سبق النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الإشارة إلى الجراثيم في مواطن كثيرة من ذلك إشارته إلى جرثوم مرض الكوليرا بالذات بقوله: (( لا تدخلوا بلداً يكون فيه الوباء )) وقد أشار كذلك (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جرثوم الجذام (( فر من المجذوم فرارك من الأسد )) وأشار كذلك إلى إمكان حصول العدوى من المريض إلى المصح بقوله: (( لا يوردن ممرض على مصح )) وأشار كذلك إلى الأماكن التي تختبئ فيها الجراثيم وتتكاثر بقوله: (( لا يطولن أحدكم شاربه ولا عانته ولا شعر إبطيه فإن الشيطان يتخذها مخابئ يستتر بها )).

5ـ إنتقال الصفات من الآباء إلى الأبناء:

يعتبر علم الوراثة من العلوم الحديثة وهو يبحث في كيفية انتقال الصفات من الآباء إلى الأبناء ويوضح العلاقة المشتركة بين الأجيال المتعاقبة ، وقدرة الخلف على استعادة الميزات التي كانت موجودة في السلف ، وأنه يوجد ارتباط عضوي مباشر بين كلا الجيلين، وأنهما يرجعان إلى أصل واحد .

 ويعزى الفضل في وضع قوانين هذا العلم إلى (مندل) . فهو الذي ثبت نتائجه ووضع قوانينه الخاصة. وقد توسع العلماء من بعده في البحث والتطبيق حتى صار علم الوراثة قائماً بذاته وتلعب قوانينه دورها الكبير في انتقال الصفات وفي تحسين النسل في الحيوان والنبات.

ومن المدهش حقاً أن نجد الإمام الصادق (عليه السلام) قد أشار إلى علم الوراثة في مواطن عديدة، ومنع الرجل أن يقول عن ولده أنه لا يشبه آباءه وبيّن أن علة ذلك انتقال الصفات الوراثية إلى الابن من آبائه وأجداده القريبين أو البعيدين وظهورها فيه.

 قال (عليه السلام): (( أن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق خلقاً جمع كل صورة بينه وبين أبيه آدم ثم خلقه على صورة أحدهم ، فلا يقولن أحد هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئاً من آبائي )).

وروى أبو بصير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت له: إن الرجل ربما أشبه أخواله وربما أشبه أباه وربما أشبه عمومته ؟ فقال: (( إن نطفة الرجل بيضاء غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة ، فإن غلبت نطفة الرجل نطفة المرأة أشبه الرجل أباه وعمومته ، وإن غلبت نطفة المرأة نطفة الرجل أشبه الرجل أخواله )).

ولم ينفرد الإمام الصادق (عليه السلام) بالإشارة إلى انتقال الصفات الوراثية عبر الأجيال وإنما قد أشار إليها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مواطن كثيرة، وكذلك أشار إليها النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سبقهم القرآن الكريم إلى ذلك بقوله: ( إِن تَذَرْهُمْ يُضِلّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلّا فَاجِراً كَفّاراً ) سورة نوح / 27.

6ـ علم الصحة:

ويهدف هذا العلم إلى جعل الإنسان صحيحاً معافى منذ تكوينه في بطن أمه وولادته حتى شيخوخته ، ويوصي بإتباع القواعد الصحية التي تؤمن سلامته من الأمراض ، وعماد هذا العلم التربية الصحيحة التي تثمر جيلاً صحيحاً بدناً وعقلاً والوقاية للتخلص من شر الآفات الفتاكة والأمراض السارية وما تسببه من خسائر كبيرة . وقد سبق أن ذكرنا إن العرب اهتموا بالطب الوقائي أكثر من اهتمامهم بالطب العلاجي ، ولهم في ذلك أقوال كثيرة مشهورة.

وللإمام الصادق في هذا المجال أقوال ثمينة ووصايا صحية كثيرة ، لو جمعت لكونت سفراً ضخماً غنياً بمادته العلمية والأدبية، وإليك النصّ التالي كمثال:

من وصيته لعنوان البصري قوله:

(( إياك أن تأكل ما لا تشتهيه ، فإنه يورث الحماقة والبله ، ولا تأكل إلاّ عند الجوع وإذا أكلت فكل حلالاً وسم الله ، واذكر حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، فإن كان ولابدّ فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه )).

7ـ علم المداواة:

ويبحث هذا العلم في كيفية تطبيق الأدوية لمعالجة الأمراض المختلفة، وقد تكون المداواة مقتبسة من التجربة كاستعمال بعض الأدوية أو المواد التي يرجى نفعها ولا تفسير لكيفية تأثيرها. وقد تكون المداواة غريزية وذلك باستعمال وسائط ذات تأثير معاكس كمعالجة الحار بالبارد والبارد بالحار ومعالجة ضعف القلب بمقويات القلب وانحباس البول بمدرات البول والتهيج بالمهدئ . وقد تكون المداواة عرضية وذلك بمعالجة أعراض المرض كالألم والحرارة والأرق. وقد تكون المداواة إمراضية أو وظيفية أو رقابية أو خاصة أو غيرها من أنواع المداواة المعروفة لدى الأطباء.

وقد كان الإمام الصادق (عليه السلام) يصف الأدوية اللازمة لمن كان يستوصفه ، وكان تارة يطبق المداواة التجريبية والغريزية وتارة يطبق المداواة العرضية أو الوظيفية أو الإمراضية وإليك أمثلة من وصفاته:

(( كل التفاح فانه يطفئ الحرارة ويبرد الجوف ويذهب الحمى )).

(( لو يعلم الناس ما في التفاح ما داووا مرضاهم إلاّ به )).

(( ما استشفى مريض بمثل العسل )).

(( الدواء أربعة : الحجامة والسعوط والحقنة والقيء )).

(( السواك يذهب بالدمعة ويجلو البصر )).

(( من ذر على أول لقمة من طعامه الملح ذهب عنه نمش الوجه )).

(( من أكل سبع تمرات عجوة عند مضجعه قتلن الدود في بطنه )).

(( كلوا الكمثرى فإنه يجلو القلب ويسكن أوجاع الجوف )).

8ـ علم الأدوية:

ويبحث هذا العلم عن مصدر العقاقير وتركيبها وخواصها الطبعية ، ومن حيث كونها معدنية أو عضوية وأشكالها ومقاديرها. ومن يقرأ حديث الاهليلجة يجد إن الإمام على اطلاع واسع ومعرفة غزيرة تفوق معرفة الأطباء ، بعلم الأدوية وكيفية تركيبها وصناعة العقاقير وطرق تحضيرها ومقادير الأجزاء الداخلة في مركباتها أو أمزجتها . وللتمثيل على ذلك نورد لك محل الشاهد من حديث الاهليلجة:

قال الإمام الصادق (عليه السلام) بعد كلام طويل جرى بينه وبين الطبيب الهندي:

(( فأعطني موثقاً إذا أنا أعطيتك من قبل هذه الاهليلجة التي بيدك وما تدعي من الطب الذي هو صناعتك وصناعة آبائك وأجدادك وما يشابهها من الأدوية لتنزعن للحق ولتنصفن من نفسك )).

قال (الهندي): ذلك لك.

قلت (الإمام): (( هل كان الناس على حال وهم لا يعرفون الطب ومنافعه من هذه الاهليلجة وأشباهها ؟ )).

قال (الهندي): نعم.

قلت (الإمام): (( فمن أين اهتدوا ؟ )).

قال (الهندي): بالتجربة والمقايسة.

قلت: (( فكيف خطر على أوهامهم حتى هموا بتجربته وكيف ظنوا أنه مصلحة للأجساد وهم لا يرون فيه إلاّ المضرة وكيف عزموا على طلب ما يعرفون مما تدلهم عليه الحواس ؟ )).

قال: بالتجربة.

قلت: (( أخبرني عن واضع هذا الطب وواصف هذه العقاقير المتفرقة بين المشرق والمغرب هل كان بد من أن يكون الذي وضع ذلك ودل على هذه العقاقير رجل حكيم من أهل هذه البلدان ؟ )).

قال: لابدّ أن يكون كذلك وأن يكون رجلاً حكيماً وضع ذلك وجمع عليه الحكماء فنظروا في ذلك وفكروا فيه بعقولهم.

قلت: (( كأنك تريد الإنصاف من نفسك والوفاء بما أعطيت من ميثاقك فأعلمني كيف عرف الحكيم ذلك؟...))(5).

وأخيراً فإن البحث في طب الإمام الصادق (عليه السلام) يستلزم دراسة واسعة شاملة تلم بالموضوع من جميع أطرافه ونواحيه، وإن ما قدّمناه غيض من فيض وقليل من كثير وإن ما أغفلناه لأكثر بكثير مما ذكرناه .

ـــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار ج3 ص74 من الطبعة الجديدة.
(2) يقصد بالحياة الأعصاب الناقلة للحس.
(3) راجع كتابنا من علوم الطب في الإسلام.
(4) راجع الصحيفة السجادية نشر الشيخ محمد الآخوندي صحيفة 140 ـ 150.
(5) راجع بحار الأنوار الجزء الثالث من الطبعة الجديدة ص150.
 

 

طباعة الصفحةاعلى