الإمام موسى الكاظم (ع) في سطور نورانيّة

 الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) في سطور نورانيّة

بقلم : حيدر يعقوب الطائي ـ بتصرّف

حينما تجرّأت أناملي أن تنسج حروفاً وصفّها وانحناءها لمن كظم غيظه عن الضيم والأذى انتابت العبد الضعيف الهزيل ـ الذي هو أنا ـ حالات من الذهول والرعدة والارتعاش , لكن روحي سبحت في فيض هذه القداسة وهي تترجى أن تكون مع مَن طهّرهم الله من الرجس تطهيراً في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

فالحديث عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) لا يمكن أن تترجمه كلمات أو مقالات , لكنني هنا دخلت من باب التوسل ؛ علّني أغترف من بعض منهله نوراً واُمسّد فيه روحي المنهكة بلهاثها نحو مزبلة اسمها الدنيا .

 

* الاسم : موسى بن جعفر الصادق (عليهما السّلام)

* اللقب : الكاظم

* الكنية : أبو الحسن

* اسم الاُم : حميدة

الولادة : 7 صفر 127 هـ

الشهادة : 25 رجب 183 هـ

مدة الإمامة : 35 سنة

القاتل : هارون العباسي

مكان الدفن : الكاظميّة

 

إمامة الكاظم (عليه السّلام)

ترعرع الإمام موسى بن جعفر في حضن أبيه أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) , فنهل منه العلوم الإلهية وتخلّق بالأخلاق الربّانية حتّى ظهر في صغره على سائر إخوته.

وقد ذكرت لنا كتب السيرة أنّ مناظرة حصلت بينه وبين أبي حنيفة حول الجبر والاختيار بيّن له فيها الإمام على صغر سنه بطلان القول بالجبر بالدليل العقلي ؛ ما دعا أبا حنيفة إلى الاكتفاء بمقابلة الابن عن مقابلة الإمام الصادق (عليه السّلام) , وخرج حائراً مبهوتاً .

عاش الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) مدة إمامته بعد أبيه في فترة صعود الدولة العباسيّة وانطلاقتها , وهي فترة تتّسم عادة بالقوّة والعنفوان , واستلم شؤون الإمامة في ظروف صعبة وقاسية ؛ نتيجة الممارسات الجائرة للسلطة وعلى رأسها المنصور العباسي .

ومما أوقع الشيعة في حال اضطراب ادّعاء الإمامة زوراً من قِبل أحد أبناء الإمام الصادق (عليه السّلام) , وهو عبد الله الأفطح , وصار له أتباع عُرفوا بالفطحية ، كما كان هناك الإسماعيليّة الذين اعتقدوا بإمامة إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) , الابن الأكبر للإمام (عليه السّلام) , مع أنه توفي في حياة أبيه .

ولكن هذه البلبلة ساعدت في الحفاظ على سلامة الإمام الفعلي وهو الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) ؛ حيث اشتبه الأمر على الحكّام العباسيِّين فلم يتمكنوا من تحديد إمام الشيعة ليضيّقوا عليه أو يقتلوه ، وهو ما أعطى الإمام الكاظم (عليه السّلام) فرصة أكبر للقيام بدوره الإلهي كإمام مسدد للإمامة .

وبما أنّ الإمام في عقيدة الشيعة هو وعاء الوحي والرسالة ، وله علامات وميزات خاصة لا يتمتع بها سواه فقد فرض الإمام الكاظم (عليه السّلام) نفسه على الواقع الشيعي , وترسّخت إمامته في نفوس الشيعة ؛ فجسّد دور الإمامة بأجمل صورها ومعانيها ؛ فكان أعبد أهل زمانه , وأزهدهم في الدنيا , وأفقههم وأعلمهم .

وكان دائم التوجّه لله سبحانه حتّى في أحرج الأوقات التي قضاها في سجون العباسيِّين ؛ حيث كان دعاؤه (( اللهمَّ إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك , وقد فعلتَ , فلك الحمد )) .

كما احتل الإمام (عليه السّلام) مكانة مرموقة على صعيد معالجة قضايا العقيدة والشريعة في عصره ؛ حيث برز في مواجهة الاتجاهات العقائدية المنحرفة والمذاهب الدينيّة المتطرفة , والأحاديث النبوية المدسوسة من خلال عقد الحلقات والمناظرات الفكرية ؛ مما جعل المدينة محطة علمية وفكرية لفقهاء ورواة عصره , يقصدها طلاّب العلوم من بقاع الأرض البعيدة , فكانوا يحضرون مجالسه وفي أكمامهم ألواح من الإبنوس (نوع من الخشب) كما ذكر التاريخ .

وقد تخرّج من مدرسة الإمام الكاظم (عليه السّلام) في المدينة ، والتي كانت امتداداً لمدرسة الإمام الباقر (عليه السّلام) , واستمراراً لمدرسة الإمام الصادق (عليه السّلام) , الكثير من العلماء والفقهاء في مختلف العلوم الإسلاميّة آنذاك .

 

الإمام (عليه السّلام) والسلطة

عاصر الإمام الكاظم (عليه السّلام) من خلفاء العباسيِّين المنصور والمهدي والهادي وهارون الرشيد ، وقد اتسم حكم المنصور العباسي بالشدّة والقتل والتشريد , وامتلأت سجونه بالعلويِّين ؛ حيث صادر أموالهم وبالغ في تعذيبهم وتشريدهم , وقضى بقسوة بالغة على معظم الحركات المعارضة . وهكذا حتّى مات المنصور ، وانتقلت السلطة إلى ولده المهدي العباسي الذي خفّف من وطأة الضغط والرقابة على آل البيت (عليهم السّلام) ؛ ممّا سمح للإمام الكاظم (عليه السّلام) أن يقوم بنشاط علمي واسع في المدينة حتّى شاع ذكره في أوساط الأمة .

وفي خلافة الهادي العباسي الذي اشتهر بشراسته وتضييقه على أهل البيت (عليهم السّلام) قام الحسين بن علي أحد أحفاد الإمام الحسن (عليه السّلام) بالثورة على العباسيِّين , وقد عُرفت فيما بعد بثورة (فخ) , وسيطر على المدينة واشتبك مع الجيش العباسي في قرية (فخ) قرب مكة , ولكن انتهت المعركة بفاجعة مروّعة ، وحُملت الرؤوس والأسرى إلى الهادي العباسي الذي راح يتوعّد ويهدّد الإمام الكاظم (عليه السّلام) , فقال بصدده : والله , ما خرج حسين إلاّ عن أمره , ولا اتبع إلاّ محبّته ؛ لأنه صاحب الوصية في أهل البيت . قتلني الله إن أبقيت عليه .

ولكن وبحمد الله لم تسنح الفرصة له بذلك ؛ إذ مات بعد وقت قصير ، فانتقلت السلطة إلى هارون الرشيد الذي فاق أقرانه في ممارسة الضغط والإرهاب على العلويِّين .

إزاء هذا الأمر دعا الإمام (عليه السّلام) أصحابه وأتباعه إلى اجتناب كافة أشكال التعامل مع السلطة العباسيّة الظالمة التي مارست بحق العلويِّين ظلماً لم تمارسه الدولة الاُمويّة , ودعاهم إلى اعتماد السرّية التامة في تحركهم واستخدام التقية للتخلص من شر هؤلاء الظلمة .

ومع كلِّ هذا الحذر فقد عصف بقلب هارون الرشيد الحقد والخوف من الإمام (عليه السّلام) ؛ فأودعه السجن , وأقام عليه العيون فيه لرصد أقواله وأفعاله عسى أن يجد عليه مأخذاً يقتله فيه .

ولكنهم فشلوا في ذلك , فلم يقدروا على إدانته في شيء ، بل أثّر فيهم الإمام (عليه السّلام) بحُسن أخلاقه وطيب معاملته فاستمالهم إليه ؛ مما حدا بهارون الرشيد إلى نقله من ذلك السجن إلى سجن السندي بن شاهك ؛ بغية التشديد عليه والقسوة في معاملته .

ورغم شدة المعاناة التي قاساها الإمام (عليه السّلام) في ذلك السجن فقد بقي ثابتاً صلباً , ممتنعاً عن المداهنة , رافضاً الانصياع لرغبات الحاكم الظالم .

 

شهادته (عليه السّلام)

أمضى الإمام الكاظم (عليه السّلام) في سجون هارون الرشيد سبع سنوات ، وفي رواية 13 سنة , حتّى أعيت هارون فيه الحيلة , ويئس منه , فقرر قتله ؛ وذلك بأن أمر بدسِّ السمِّ له في الرطب , فاستشهد سلام الله عليه في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة 183 هـ , ودُفن في الكاظميّة .

 

فسلام على الإمام يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حياً

 

 

طباعة الصفحةاعلى