الإمام موسى الكاظم (ع) وهارون العباسي

الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) وهارون العباسي(*)

كان الحقد من الصفات الرئيسة التي تميّز بها هارون الرشيد ؛ فهو لم يرق له أن يسمع الناس أن يتحدّثوا عن أي شخصيّة تتمتع بمكانة عُليا في مجتمعه ؛ محاولاً تزهيد الناس واحتكار الذكر الحسن لنفسه ، وهذا يدلّ على منتهى الأنانية الحاقدة ، ومنتهى الضعف في الشخصيّة القلقة .

حسد الرشيد البرامكة وحقد عليهم لمّا ذاع صيتهم ، وتحدّث الناس عن مكارمهم حتّى أنزل بهم أشد العقاب وأزال وجودهم .

وحقد على الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) ؛ لما يتحلّى به من شخصية فذّة لامعة بعد أن ذاع صيته العطر بين الناس ، وتناقلوا فضائله ، وتحدّثوا عن علمه الغزير ومواهبه العالية , وذهب جمهور غفير من المسلمين إلى الاعتقاد بإمامته , وأنه أحق بالخلافة من أيِّ شخص آخر في عصره .

وكان يذهب إلى فكرة الإمامة كبار المسؤولين في دولة هارون , مثل علي بن يقطين ، وابن الأشعث ، وهند بن الحجاج , وأبي يوسف محمد بن الحسن وغيرهم من قادة الفكر الإسلامي .

والرشيد نفسه يؤمن بأنّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) هو أولى منه بهذا المنصب الهام في الاُمّة الإسلاميّة كما أدلى بذلك لابنه المأمون .

لم يرقَ لهارون أن يرى في المجتمع مَن هو أفضل منه ، وأنّ الجماهير وسائر الأوساط الشعبيّة والخاصة تؤمن أنّ الإمام (عليه السّلام) أولى بالخلافة منه ، وأنه يفوقه علماً وفضلاً وحكمة وثقة ، وأنّ المسلمين قد أجمعوا على تعظيمه ؛ فتناقلوا فضائله وعلومه ، وتدفّقوا على بابه من أجل الاستفتاء في الاُمور الدينيّة .

لذلك كله حقد على الإمام (عليه السّلام) وارتكب تلك الجريمة المروعة ؛ حيث أودعه في ظلمات السجون ، وغيّبه عن جماهيره وشيعته ، وحرم الاُمة الإسلاميّة من الاستفادة من غزير علومه , ونُبل نصائحه ، وجميل توجيهاته .

كان هارون يضحّي في سبيل ملكه بجميع القيم والمقدسات ، وقد عبّر عن مدى حرصه على سلطته وحكومته بكلمته المعروفة التي تناقلتها الأجيال , وهي : لو نازعني رسول الله لأخذت الذي فيه عيناه .

أجل , فكيف يخلّي عن سراح الإمام (عليه السّلام) ، وكيف تطيب نفسه وقد رأى الناس أجمعوا على حبِّ الإمام (عليه السّلام) وتقديره واحترامه ؟

كان هارون يخرج متنكّراً إلى العامة ليقف على اتجاهاتهم ورغباتهم , فلا يسمع إلاّ الذكر العاطر والثناء الجميل على الإمام ، وحب الناس له ، ورغبتهم في أن يتولّى شؤونهم ؛ ممّا دفع به إلى ارتكاب جريمته وقتله .

 

* صلابة موقف الإمام (عليه السّلام)

كان موقف الإمام (عليه السّلام) من الطاغية هارون موقفاً واضحاً كلّ الوضوح ، تمثّلت فيه صلابة العدل , وقوة الحق ، والدفع عن المظلومين ، والوقوف إلى جانبهم في كلِّ شؤونهم وشجونهم ؛ فقد أعلن لشيعته أنّ التعاون مع السلطة الحاكمة حرام ولا يجوز بأيِّ وجه من الوجوه .

وشاعت في الأوساط الإسلاميّة فتوى الإمام (عليه السّلام) بحرمة الولاية من قِبل هارون ، وحرمة التعاون مع الحكّام الظالمين , فأوغر ذلك قلب هارون وحقد على الإمام حقداً بعيد الحدود .

والإمام (عليه السّلام) كما يعلم الجميع لا يعرف المصانعة والتسامح مع الحق ، ولا يداري فيما يعود الإساءة إلى مصالح الاُمّة الإسلاميّة , فموقفه واضح صريح لا لُبس فيه .

يروى أنه دخل على هارون في بعض قصوره الأنيقة الفخمة التي لم يرَ مثلها في بغداد ، فسأله هارون بعد أن أسكرته نشوة الحكم قائلاً : ما هذه الدار ؟

فأجابه الإمام (عليه السلام) غير مهتم بسلطانه وجبروته : (( هذه الدار دار الفاسقين , قال تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَـــرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الــــرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخـــِذُوهُ سَبِـــيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُــوا عَنْهَا غَافِلِــينَ )) .

لما سمع هارون هذا الكلام الثقيل على روحه أصابته رعدة عارمة , واستولت عليه موجة من الاستياء , فقال للإمام (عليه السّلام) : دار مَن هي ؟

ـ (( هي لشيعتنا فترة ، ولغيرهم فتنة )) .

ـ ما بال صاحب الدار لا يأخذها ؟

ـ (( اُخذت منه عامرة ولا يأخذها إلاّ معمورة )) .

ـ أين شيعتك ؟

فتلا عليه الإمام (عليه السّلام) قولـــه تعالى : (( لَمْ يَكُـــنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَــــهُمُ الْبَــيِّنَةُ )) .

فطفح إناء الغضب عند هارون وصاح غاضباً : أنحن كفار ؟!

فقال الإمام (عليه السّلام) : (( لا ، ولكن كما قال تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ )) .

فغضب هارون وأغلظ في كلامه على الإمام (عليه السّلام) .

هكذا كان موقف الإمام (عليه السّلام) مع هارون العباسي , كموقف أبيه وجده (عليهما السّلام) , لا لين فيه ولا هوادة أمام الحق ؛ فالغاصب لمنصب الخلافة هو مختلس للسلطة والحكم ، ويجب أن يُحاسب ويُطالب بحقوق الاُمة الإسلاميّة , وكما قال سيد الشهداء (عليه السّلام) : (( ... ما خرجت أشراً ولا بطراً , وإنما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي )) .

 

 

(*) تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقال قد اُخذ من موقع مؤسسة السبطين العالمية ـ بتصرّف من موقع معهد الإمامين الحسنين (عليهما السّلام)

 
 

 

طباعة الصفحةاعلى