وقفة في ذكرى ولادة الإمام أمير المؤمنين

وقفة في ذكرى ولادة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)

أبو حيدر الحلفي ـ بتصرّف

 

(( السلام عليك يا أمين الله في أرضهِ , وحجته على عبادة ، السلام عليك يا أمير المؤمنين ، أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده , وعملت بكتابه , واتبعت سننن نبيه (صلى الله عليه وآله) حتّى دعاك الله إلى جواره , فقبضك إليه باختياره , وألزم أعداءك الحُجة مع ما لك من الحجج البالغة على جميع خلقه )) .

ما عساي أن أقول في مَن كان ولا يزال حديث الأبطال وعشّاق البطولات ، وقدوة المجاهدين المخلصين في سبيل المبدأ والعقيدة ، والمرجع الأول في التشريع والفلسفة والأخلاق والتربية والسياسة الحكيمة ؟!

لقد كان علي بن أبي طالب (عليه السّلام) حدثاً غريباً عن طباع الناس وعاداتهم ؛ فمنذُ ولادته في بيت الله وبين جدران الكعبة ، حتّى يوم استشهاده في بيتٍ من بيوت الله قد سطّر لنا التأريخ صفحاتٍ عجزت العقول عن قراءة سطورها بالعمق الذي كان يريده صاحبها ؛ لأنّه كما قال عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( يا علي , ما عرف الله حقَّ معرفته إلاّ أنا وأنت ، وما عرفني حقَّ معرفتي إلاّ الله وأنت ، وما عرفك حقَّ معرفتك إلاّ الله وأنا )) .

فكيفَ بنا نحن إذ نريد أن نعرف علي بن أبي طالب (عليه السّلام) حقَّ معرفته ؛ فعلي (عليه السّلام) سرٌّ من أسرار الله ، وهو حجة من حجج الله ؛ جعل الباري (عزّ وجل) فيه مقياساً للإيمان والنفاق ؛ حيث قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن سرّه أن يحيا حياتي , ويموت مماتي , ويسكن جنة عدنٍ التي غرسها ربي فليوالِ علياً , وليوالِ وليَّه ، وليقتدي بالأئمة من ولده من بعدي ؛ فإنّهم عترتي ، خُلقوا من طينتي ، ورُزقوا فهمي وعلمي , فويل للمكذبين بفضلهم من اُمّتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم شفاعتي ))(حلية الأولياء 1 / 86) .

سيدي يا أمير المؤمنين , من أين ندخل إلى كنه شخصيتك ؟ ومن أين نغور في بحرِ علمك وجودك وعدلك ؟ فإن نلج لشخصك من القرآن أوَلست أنت القرآن الناطق ؟! فقد جسّدت سيدي آياته وبيّناته على الأرض في خُلقك ، فكان خلقُك خُلقَ رسول الله الذي كان خلقه القرآن .

أوَلست أنت نفس النبي (صلّى الله عليه وآله) حسب آية المباهلة (فَمنْ حاجَّكَ فيهِ مِن بَعدِ ما جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُلْ تعالَوا ندعُ أبِناءَنا وأبنَاءَكمْ ونِسَاءَنا ونِساَءَكَمْ وأنفُسَنَا وأنفُسَكُمْ ثُمَ نَبتَهِلْ فَنَجعَل لَّعنَةَ اللهِ عَلىَ الكاذِبِينَ)(سورة آل عمران / 61) , وقد أجمع المفسرون على نزولها في أصحاب الكساء : محمّد ، علي ، فاطمة ، الحسن والحسين (عليهم السّلام) ؟

وممّا دلّت عليه الآية المباركة من خصائص علي (عليه السّلام) فضلٌ تضمحل دونه الخصائص , ألا وهو كونه نفس النبي (صلّى الله عليه وآله) , وجارياً بنص الآية مجراه , الفضل الذي تعنو له الجباه ، ويملأ الصدور هيبة وإجلالاً (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(سورة الجمعة / 4) .

ولا شكّ أنّ الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله) هو أفضل الناس , ومساوي الأفضل لا بدّ أن يكون أفضل .

وبذلك فقد أصبحت سيدي باباً من أبواب مدينة علم الرسول ، وأصبحت زوجاً للبتول (عليها السّلام) بأمر السماء ، وأصبحت ولياً لكلِّ مسلم ومسلمة بأمر السماء ، وأصبحت بمنزلة هارون من موسى بالنسبة الى صاحب الرسالة محمّد (صلّى الله عليه وآله) , فقد قلت في خطبةٍ لك : (( وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ ؛ وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ , يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ , وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ , وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ , وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ , وَلا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ .

وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ (صلّى الله عليه وآله) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ ؛ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلاقِ الْعَالَمِ ؛ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ , وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ , يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاقِهِ عَلَماً وَيَأْمُرُنِي بِالاقْتِدَاءِ بِهِ , وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلا يَرَاهُ غَيْرِي , وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإِسْلامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا ؛ أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ , وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ .

وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ (صلّى الله عليه وآله) , فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ ؟ فَقَالَ : هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ , إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إِلاّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ , وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ , وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ ...))(نهج البلاغة ـ الخطبة القاصعة) .

وإن أردنا أن ندخل إلى شخصية أمير المؤمنين (عليه السّلام) من خلال السنّة النبوية الشريفة فقد كانت أقوال وأفعال النبي (صلّى الله عليه وآله) تصبّ في التعريف بأهلِ البيت (عليهم السّلام) , وتبيان منزلة علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في الرسالة الإسلاميّة ، والنبي (صلّى الله عليه وآله) (مَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) .

فمنذُ أن صدع معلم الإنسانيّة الأول برسالته وجهرَ بدعوته كان الإمام (عليه السّلام) ملازماً لها بكل صفحاتها الفكرية والجهادية ؛ فكلما يُغدق عليها بالتضحيات تغدق عليه بالسمو والرفعة ؛ فأخذ من النبي (صلّى الله عليه وآله) وساماً في الشجاعة ، ووساماً في القربى ، ووساماً في الإيمان والعلم .

ففي الشجاعة كان رائداً في ساحات الوغى من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة الدين الحق , وهذا الأمين جبرائيل يهتف بين السماء والأرض : (لا فتى إلاّ علي , ولا سيف إلاّ ذو الفقار) .

وهذا وسام الرسالة في خيبر عندما قالَ الرسول (صلّى الله عليه وآله) بعد أن عجز الآخرون : (( ساُعطي الراية غداً لرجلٍ كرّار غيرِ فرّار ، يُحب اللهَ ورسولَه ويُحبُّه اللهُ ورسولُه )) .

أسدُ الله ما رأتْ مقلتاهُ        نارَ حربٍ إلاّ اصطلاها
فارسُ المسلمين في كلِ حربٍ     قُطبُ محرابها إمامُ وغاها
وبه استفتحَ الهدُى يومَ بدرٍ      من طغاةٍ أبت سوى طغواها
وله يوم َ خيبرٍ فتكاتٌ        كبَرتْ منظرٌ على مَن رأها
يومَ قالَ النبي إني ساُعطي     رايتي ليثها وحامي حماها
فاستطالت أعناقُ كلِّ فريقٍ      ليروا أيّ ماجدٍ أعطاها
فاتاه الوصي أرمدَ عينٍ     فسقاها من ريقهِ فشفاها

نعم , إنّ فضائل علي (عليه السّلام) لا تُحصى , ومناقبه لا تُستقصى , وبحار علمهِ لا تنفذ , وأطوار علمهِ لا تتزعزع ؛ أعلمَ الناس بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وأجودهم وأكرمهم ؛ حيث ابتدعَ للجودِ منهجاً ؛ إذ كان يطلب من السائل أن يكتب حاجته على الأرض وينصرف , وحينما يسألونه عن السبب يقول (عليه السّلام) : (( كي لا أرى على وجهه ذلَّ السائل ، وأرى على وجهي عِزَّ المسؤول )) .

سيدي أبا الحسن , ها أنذا أمدُّ يديَّ على بُعدِ المسافة لاُعانق شبّاك مرقدك الشريف في يومِ ولادتك ، ها أنذا اُقبلُ ضريحك الطاهر لاُجدد عهداً ، واُحيي القيم التي جاهدت واستشهدت من أجلها .

أجل , فأنت زعيم العدالة ، ونبراس الحق ، وها نحنُ اليوم نلتاذ فيك نصيراً روحياً , ومعلماً في قولِ الحق , والوقوف وقفة حقٍّ . فقبل ألفٍ ونيفٍ من السنين رفعت للحقِ لواءً فأصبح الحقُّ هو علي , وعليٌّ هو الحق .

لقد استوحشنا طريق الحقِّ الذي أوصيتنا أن لا نستوحشه لقلّة سالكيه ، استوحشناه في درب الحياة فحدث ما حدث بنا . لقد غفل الكثير عن قول كلمة الحقِّ وابتعدوا عن الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر .

هل تقبل منا توبة ونحنُ بقايا حُلمٍ فعلت ما فعلت به سنين الحرب فأصبحنا غرباء في الوطن ؟ أوَلست أنت القائل : (( الفقر في الوطن غربة )) ؟

لقد حفظنا لك سيدي قولك الجميل : (( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً , واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً )) .

نعم , حفظنا الشطر الأول فسيطرت علينا الدنيا بماديّاتها ؛ فصدأت القلوب ، وتغيّرت النفوس ، ولا ندري في أي أرضٍ نموت ، ولا ندري في أي ساعةِ نموت ؛ فالأحداث وانفلات الأوضاع فقدت فينا الأمل ، وقتلت فينا متعةَ الحياة ، ولا نجد ملجأً إلى الله نلوذ به إلاّ حبك وولايتك .

سيدي يا أمير المؤمنين , ها نحنُ شيعتك تكالبت علينا الأعداء ؛ بغضاً لحبك الذي ذبنا فيه ؛ اتباعاً لأمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) , ووفاءً لجهد الرسول الذي لم يطلب أجراً إلاّ المودة في القربى .

ها نحنُ شيعتك سيدي على ذات الدرب نسير , وبذات النهج نقتدي , وبقولك نلتزم : (( لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه )) .

سيدي يا أمير المؤمنين , نحنُ اليوم نعيش غربة الحق ، وغربة العدل ، نحنُ نعيش اليوم غربة مبادئ وشحة مواقف ؛ فقد اختلطت علينا الأوراق ، وكثرت فينا العناوين التي تدّعي انتماءها لحقِّك وعدلك .

لقد هلك فيك سيدي اثنان ؛ محبٌ افتتن فيك حدّ المغالاة ، ومبغض ورث العداوة والبغضاء من تلك الشجرة الملعونة في القرآن , وما زالت أوراقها الصفراء تتساقط في درب الولوج إلى الحرية والانعتاق من معادلة الحيف والظلم التي حكمونا فيها في البلد الذي ملئ قلبك قيحاً .

ولكن عزاؤنا في فقدك سيدي أن منَّ الله علينا برجالٍ نهلوا من مدرستك , وتربّوا في أحضان المكان الطاهر الذي حوى جسدك الطاهر .

لقد أصبح حُبك سيدي دليل الإيمان ، وبغضك دليل النفاق ؛ لأنّ مَن أحبّك أحب فيك قِيم الإيمان ، قيم السماء التي ولدتَ بين جدرانها ، وقيم المحراب الذي سقطت فيه شهيداً , فأصبحت حياتك بين الكعبة والمحراب .

تلك الحياة التي عشت فيها ، فأعطيت كلَّ شيء من أجل الدين والرسالة ، فجعلك الله قبلة الإيمان , والبوصلة التي تؤشّر الاتجاه الصحيح للدين المحمدي الأصيل .

فمَن سارَ باتجاه بوصلتك فقد تمسّك بالعروةِ الوثقى , ومَن حادَ عن نهجك فقد غرق وهوى , فالسلامُ عليك سيدي يوم ولدت , ويوم استشهدت , ويوم تبعث حياً .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين

 
 

 

طباعة الصفحةاعلى