السيدة المعصومة (سلام الله عليها)

 

سَيِّدةُ عُشِّ آل مُحمَّد

السيّد أبو الحسن هاشم

( 3 )

« قُم عُشُّ آلِ محمّد ، ومأوى شيعتهم »

الإمام الكاظم ( عليه السلام )

تاريخ قم ص98

عنه بحار الأنوار ج60 ص214 ، ح31

( 4 )

( 5 )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلٌ اللهم على خير خلقك أجمعين ، محمد سيّد المرسلين ، وخاتم النبيين ، وعلى أهل بيته الأئمة الهادين ، العلماء الصادقين ، الأبرار المتقين ، دعائم دينك ، وأركان توحيدك ، وتراجمة وحيك ، وحججك على خلقك ، وخلفائك في ارضك ، الذين اخترتهم لنفسك ، واصطفيتهم وارتضيتهم لدينك ، وخصصتهم بمعرفتك ، وجللتهم بكرامتك ، وغشيتهم برحمتك ، وربيتهم بنعمتك ، وغذيتهم بحكمتك ، والبستهم نورك ، ورفعتهم في ملكوتك ، وحففتهم بملائكتك ، وشرّفتهم بنبيك صلواتك عليه واکله . والعن اللهم أعداءهم اجمعين إلى قيام يوم الدين .

( 6 )

هذا الكتاب . . .

أيها القارىء الكريم :

هذه صفحاتٌ متلألئةٌ بذكر حياة سيدةٍ جليلةٍ عابدة زاهدة . . من فرع الشجرة المباركة ، ومن أطهر اُسرةٍ على وجه الأرض .

هي إبنة إمام . . وأختُ إمام . . وعمّة إمام . . ألا وهي سيدتنا ومولاتنا فاطمة المعصومة . . بنت الإمام موسى بن جعفر . . أختُ الإمام الرضا . . عمة الإمام الجواد ، عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى السّلام .

***

سيدتي ومولاتي :

هل تأذنين لي ـ أن أكتبَ عنكِ هذه الصفحات . . . ؟

إني لاَتجاوَزُ قَدْري إذا زَعَمتُ أو تَوهَّمتُ أنني قادرٌ على إيفاء حَقِّكِ وحقِّ أبائِك وأبنائهم ( عليهم السّلام ) .

وأنْ أبلغَ القصدَ كلَّهُ ـ فأكتبُ عن بياض ذلك الطُّهْر بسواد هذه اليَد ـ مَطمَحٌ أستحي أنْ أزعُمَه .

ولكن إيماناً بقداسة الواجب ، واعترافاً بالجميل ، وتعبيراً عن الحب والولاء ، أقدّم هذه الصفحات ، راجياً منكم الصفحَ والقبول .

( 7 )

( 8 )

( 9 )

المقدمة

كثيرون هم الذين يأتون إلى هذا العالم ويذهبون الى هذا العالم ويذهبون كما جاءوا . . . لم يخلفوا سوى خمول ذكر ، وخمود اسم . .

وكثيرون هم الذين خلٌفوا لعائن الأجيال والأمم ، وان بحثت عنهم فلاتجدهم إلا في مزابل التاريخ .

وسادةُ هذه القلّة القليلة وأشرافهم هم محمد المصطفى ، وأهل بيته سادات الورى ـ ولا يُقاس بآل محمد أحد ـ ، وما أنجب هذا البيت الطاهر من شخصيات فريدة مثل السيدة زينب ، والسيدة سُكينة ، وأبي الفضل العباس ، وعلي الاكبر ، ومسلم بن عقيل ، وغيرهم ، صلوات الله عليهم اجمعين .

ومن الذين انجبهم هذا البيت المبارك السيدة الجليلة فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم ( عليهما السّلام ) .

وأهل بيت الوحي وأولادهم الطاهرون هم اعظم شأناً من ان تحويهم قوالب الألفاظ أو مرابع الأفكار ، بل إن الالفاظ والأفكار لتنحسر مبهوتةً من أنوارهم ، خجلى من عمظمتهم . ولكن ما لا يُدرك كله لا يُترك كله .

( 10 )

ومن شديد الأسف أنّ التاريخ ظلم هذه السيدة الطاهرة كما ظلم آباءها وأبناءهم ـ سلام الله عليهم ـ فلم يكتب عنهم إلا القليل القليل . ولذا كنت استنطق التاريخ ، وأبحث وأنقب في الكتب . . علٌني أجد كلمة او قصة تزيدنا معرفة بهذه السيدة المباركة . ومما تجمٌعَ عندي من معلومات ـ على قلتها ـ كان هذا الكتاب .

ومن شديد الأسف أنّ التاريخ ظلم هذه السيدة الطاهرة كما ظلم آباءها وأبناءهم ـ سلام الله عليهم ـ فلم يكتب عنهم إلا القليل القليل . ولذا كنت استنطق التاريخ ، وأبحث وأنقب في الكتب . . علٌني أجد كلمة أو قصة تزيدنا معرفةً بهذه ا لسيدة المباركة . ومما تجمٌع عندي من معلومات ـ على قلٌتها ـ كان هذا الكتاب .

ولا يفوتني أن أشكر كل من آزرني بمشورة ، أو ساعدني في فكرة أو إبداء ملاحظة ، فشكراً جزيلاً لهم ، ولكل من ساهَمَ في إخراج هذا الكتاب الى عالم النور .

لماذا عش آل محمد » ؟

قبل أن نشرع في هذه الرحلة الممتعة والقصيرة . .

فهي ممتعة لأنها عن حياة إحدى بنات الوحي والامامة . .

وهي قصيرة لان التاريخ بخل علينا فظلمها فلم يذكر عنها إلا النزر اليسير ، كما هو ديدنه مع سائر أهل ذلك البيت الطاهر .

قبل ذلك كلّه نطرح هذا السؤال :

لماذا سميت « قم » ب « عش آل محمد » ؟

الجواب : العش في اللغة هو المكان الذي تصنعه الطيور ، فتضع فيه بيضها ليفقس عن افراخ صغار ، تظل ترعاهم وتزفهم الطعام حتى يكبروا ، وعندها تستطيع الافراخ الطيران والتحليق في الجو .

كذلك « قم » بالنسبة ل « آل محمد » فهي المكان الذي كان ولا يزال يحتضن شيعة أهل البيت ويزقهم العلم الصحيح فيتربون فيها على

( 11 )

تعاليم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ويترعرعون عليها حتى يتخرجوا من هذه المدرسة المقدسة ، عندها ينتشرون في أنحاء الأرض وأرجائها ، فيبثون ما تعلموه من علوم آل محمد ، وينشرونها .

ولذلك تخرٌج من مدينة « قم » الكثير الكثير من العلماء والمحدّثين ونحوهم .

فكانت « قم » ـ حقيقةً ـ عشا ومأوى لهذه البذور الطيبة .

فلعل هذا هو وجه تسميتها ب « عش آل محمد » .

وكانت السيدة الطاهرة فاطمة المعصومة ( عليها السلام ) سيدة هذا العش وراعيته والقائمة عليه والمأوى والملاذ فيه ، ولذلك كان عنوان هذا الكتاب الذي بين أيديكم :

« سيدة عش آل محمد » .

( 12 )

( 13 )

1 ـ ولادتها ونشأته

أ ـ الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ينتخب ام اولاده .

ب ـ السيدة تُكتم

ج ـ متى ولدت السيدة المعصومة ؟

د ـ إخوته

( 14 )

( 15 )

(أ) الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ينتخب أم أولاده

كانت السيدة المعصومة اختاً للإمام الرضا لامه ، فأمهما واحدة (1) .

فمن كانت امهما ؟ وكيف اختارها الإمام الكاظم لتكون أمّاً لاولاده ؟

هذا ما ستقراه في الحديث التالي :

قال الإمام الكاظم ( عليه السلام ) لهشام بن احمد (2) : هل علمت احدا من اهل المغرب قدم ؟

قال : لا .

فقال (عليه السّلام) : بلى قد قدم رجل أحمر (3) ، فانطلق بنا .

قال هشام : فركب وركبنا معه حتى انتهينا إلى الرجل ، فإذا رجل من أهل المغرب معه رقيق (4) .

____________

(1) دلائل الامامة : ص 309 .
(2) هشام بن أحمد : من أصحاب الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ولعلّه هشام بن أحمر وصُحف كما في أصول الكافي : ج1 ص 486 ح1 ، حيث ذكر نفس هذا الحديث .
(3) أي رجل أحمر البشرة ، وهو عادة لون بشرة بعض أهل المغرب وما والاها من أوربا .
(4) أي عبيد أو جواري أو كليهما .

( 16 )

فقال ( عليه السلام ) : أعرض علينا (1) .

فعرض علينا تسع جوار ، كل ذلك وأبو الحسن يقول له : لا حاجة لي فيها .

ثم قال له : اعرض علينا .

قال : ما عندي شيء .

فقال ( عليه السلام ) : بلى ، اعرض علينا .

قال : لا والله ! ما عندي إلا جارية مريضة .

فقال له : ما عليك أن تعرضها ؟

فأبى عليه صاحب الرقيق ، ثم انصرف ( عليه السلام ) .

قال هشام : ثم إنه ( عليه السلام ) أرسلني من الغد إليه . .

وقال لي : قل له كم غايتك فيها ؟ فإذا قال : كذا وكذا . فقُل : قد أخذتها . ( قال هشام : ) .

فاتيتُه . . .

قلتُ : كم غايتُك فيها ؟

فقال : ما أريد أن اُنقصها من كذا (2) .

فقلت : قد أخذتها .

فقال : هي لك ، ولكن مَن الرجل الذي كان معك بالأمس ؟

فقلت : قد أخذتها .

فقال : هي لك ، ولكن من الرجل الذي كان معك بالامس ؟

فقلت : رجل من بني هاشم .

فقلت : من نقبائهم (3) .

____________

(1) أي أعرض علينا ما عندك من الرقيق .
(2) أي لا اريد أن تنقص قيمة الجارية عن المبلغ الكذائي .
(3) فلما سمع النخاس ذلك طمع في مزيد من المال .

( 17 )

فقال : أريد اكثر .

فقلت : ما عندي اكثر من هذا .

فقال : أخبرك عن هذه الوصيفة (1) ؟ إنّي اشتريتها من اقصى بلاد المغرب ، فلقيتني امرأه من أهل الكتاب . .

فقالت : ما هذه الوصيفة معك ؟

فقلت : اشتريتها لنفسي .

فقالت : ما ينبغي أن تكون هذه الوصيفة عند مثلك ! ! إن هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الارض ، فلا تلبث عنده إلا قليلاً حتى تلد منه علاماً يدين له شرق الارض وغربها .

قال هشام : فأتيت الإمام ( عليه السلام ) بالجارية (2) .

وكانت لهذه الجارية عدة اسماء منها : نجمة وتكتم (3) .

وقد كانت بكراً حين شرائها (4) .

والظاهر أن الإمام ( عليه السلام ) اشتراها ـ ابتداءً ـ لامّه حميدة المصفّاة .

وكانت السيدة تُكتم من أفضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها حميدة حتى انها ما جلست بين يديها إجلالاً لها (5) .

____________

(1) قد يكون بمعنى الاستفهام وقد يكون بمعنى الإخبار ولعل الثاني اظهر . أي : أريد ان اخبرك عن هذه الوصيفة . والوصيفة هنا أي الجارية .
(2) عيون أخبار الرضا : ج1 بص 17 .
(3) المصدر السابق : ج1 ص 16 ، ص 17 .
(4) المصدر السابق : ج1 ص 17 .
(5) عيون أخبار الرضا : ج1 بص 14 .

( 18 )

ثم إن السيدة حميدة ذكرت انّها رأت في المنام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) يقول لها : يا حميدة ! هبي نجمة لابنك موسى ، فإنّه سيولد له منها خير أهل الارض (1) .

فقالت لابنها موسى ( عليه السلام ) : يا بني ! إن تُكتم جارية ما رايت جارية قط افضل منها . . . وقد وهبتها لك (2) .

فقالت لابنها موسى ( عليه السلام ) ـ لمّا أتى بها ـ قد جمع أصحابه وأخبرهم بأنّه ما اشتراها الا بامر من الله ووحيه . .

قال (عليه السّلام) : بينا انا نائم ، إذا أتاني جدّي رسول الله وأبي ( عليهما السلام ) ومعهما شقّة حرير (3) ، فنشراها فإذا قميص وفيه صورة هذه الجارية .

فقالا : يا موسى ! ليكونن لك من هذه الجارية خير اهل الارض بعدك . ثم أمراني أن أسمه عليا .

وقالا لي : إن الله تعالى يظهر به العدل والرافة ، طوبى لمن صدقه وويل لمن عاداه وجحده (4) .

ولما ولدت (السيدة تكتم) الامام الرضا ( عليه السلام ) قالت : اعينوني بمرضعة ! ! فقيل لها : انقص الدر (5) ؟

____________

(1) عيون اخبار الرضا : ص 17 .
(2) المصدر السابق : ص 14 .
(3) أي قطعة حرير .
(4) إثبات الوصيّة : ص 170 .
(5) أي : هل نقص لبن الرضاع ؟

( 19 )

قالت : ما أكذب . ما نقص الدّر ، ولكن علي ورد (1) من صلاتي وتسبيحي . وقد نقص منذ ولدت (2) .

وهذا مما يدل على حرصها على عبادتها ووردها وانقطاعها إلى الله تعالى .

____________

(1) الورد : أي المندوب والمستحب في مقابل الواجب ، وجمعه أوراد .
(2) عيون اخبار الرضا : ج1 ص15 .

( 20 )

( 21 )

(ب) السيدة تكتم

قد ذكرت للسيدة تكتم اسماء اخرى ، منها : نجمة ، أروى ، سمان ، سكن أو سكنى (1) . .

وتكتم هو ما استقر عليه اسمها حين ملكها ابو الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) (2) .

فلما ولدت له الإمام الرضا ( عليه السلام ) سمّاها الطاهرة (3) .

وكانت تكنى : أم البنين (4) .

والمستفاد من الروايات أن لها أسماء أخرى نذكرها فيما يلي :

1 ـ نجمة :

روي عن أبي بصير ، قال : لمّا حضر أبا جعفر ـ محمد بن علي الباقر ( عليهما السلام ) ـ الوفاة ، دعا بابنه الصادق ( عليه السلام ) ليعهد إليه عهداً . . . ثم دعا بجابر بن عبدالله الانصاري .

____________

(1) عيون أخبار الرضا : ج1 ص 16 ، ص 17 .
(2) المصدر نفسه : ص 14 .
(3) المصدر نفسه : ص 15 ، ص 17 .
(4) أصول الكافي : ج1 ص 486 ، وعيون أخبار الرضا : ج1 ص 16 .

( 22 )

فقال : يا جابر ! حدّثنا بما عاينت من الصحيفة ؟

فقال له جابر : نعم يا أبا جعفر . دخلتُ على مولاتي فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) لاهنئها بولادة الحسين ( عليه السلام ) ، فإذا بيدها صحيفة بيضاء من درة .

فقلت : يا سيدة النسوان ! ما هذه الصحيفة التي أراها معك

. قالت : فيها أسماء الأئمة من ولدي .

قلت لها : ناوليني لانظر فيها !

قالت : يا جابر ! لولا النهي لكنت افعل ، ولكنه قد نهي أن يمسها إلا نبي أو وصي نبي أو أهل بيت نبي ، ولكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها

قال جابر : فقرأت ، فإذا فيها :

أبو ا لقاسم محمد بن عبدالله المصطفى ، أمه : آمنة .

أبو الحسن علي بن أبي طالب المرتضى ، أمه : فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف .

أبو محمد الحسن بن علي البر .

أبو عبدالله الحسين بن علي ، أمهما : فاطمة بنت محمد .

أبو محمد علي بن الحسين العدل ، أمه : شهربانو (يه) بنت يزدجر .

أبو جعفر محمد بن علي الباقر ، أمّه : أم عبدالله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب .

أبو عبدالله جعفر بن محمد الصادق ، وأمه : أم فروة بنت القاسم ابن محمد بن أبي بكر .

( 23 )

أبو إبراهيم موسى بن جعفر ، أمه جارية إسمها : حميدة المصفاة .

أبو الحسن علي بن موسى الرضا ، أمه جارية إسمها : نجمة . . . » (1) الحديث .

فالسيدة نجمة ، نجمة تألقت في سماء بيت الإمامة حيث إنها ولدت الإمام الرضا ( عليه السلام ) .

2 ـ طاهرة :

عندما اشترت أم الإمام موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) هذه الجارية ـ نجمة ـ ، ذكرت حميدة انها رأت في المنام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لها : يا حميدة ! هبي نجمة لابنك موسى ، فإنه سيولد له منها خير أهل الارض . . . فلمّا ولدت له الرضا ( عليه السلام ) سمّاها الطاهرة (2) .

ومن قبلها كانت سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) تسمى بالطاهرة ، كما وأن أمها خديجة ( عليها السلام ) كانت أيضاً تدعى بالطاهرة .

3 ـ تُكْتَم :

وتكتم آخر أسمائها ، وعليه استقر اسمها حين ملكها أبو الحسن موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) (3) .

____________

(1) عيون أخبار الرضا : ج1 ص 40 ، وإكمال الدين : ج1 ص 305 .
(2) عيون أخبار الرضا : ج1 ص 16 .
(3) المصدر السابق : ج1 ص14 ، ص 17 .

( 24 )

قال الصولي : والدليل على أن اسمها تكتم قول الشاعر يمدح الرضا ( عليه السلام ) :

ألا إن خير الناس نفساً ووالداً       ورهطاً واجداداً (عليُّ) المعظم

أتتنا بـه للعلم والحلم ثامنـا       إمامـا يؤدي حجة الله تُكتم (1)

ولا بأس بصرف عنان الكلام إلى البحث في معنى كلمة ( تكتم ) ، ووجه تسمية السيدة بهذا الإسم الجميل :

طاف الخيالان فهاجا سقما       خيال تُكنى وخيال تكتما (2)

وفي القاموس المحيط : « تكتم : ـ على ما لم يسم فاعله (3) ـ إمرأة ، واسم بئر زمزم » (4) .

وفي لسان العرب : « في حديث زمزم : أن عبد المطلب رأى في المنام قيل له : إحفر تكتم بين الفرث والدم ؛ تكتم : إسم بئر زمزم ، سميت بذلك لأنها كانت ا ندفنت بعد ( جرهم ) (5) فصارت مكتومة حتى أظهرها عبد المطلب » (6) .

____________

(1) ( تكتم ) : فاعل (أتتنا) ، والمعنى : أتننا تكتم به . عيون أخبار الرضا : ج1 ص 15 .
(2) أي مبني للمجهول ، فيضم اوله ويفتح ما قبل آخره ، وهو علم على وزن الفعل .
(3) أي مبني للمجهول ، فيضم اوله ويفتح ما قبل ~خره ، وهو على وزن الفعل .
(4) القاموس المحيط : ج4 ص 239 باب الميم فصل الكاف .
(5) أي قبيلة جرهم : إحدى القبائل العربية .
(6) لسان العرب : ج12 ص 508 باب الميم فصل الكاف .

( 25 )

فلماذا سميت السيدة بهذا الإسم ؟

هل ـ يا ترى ـ من مناسبة لذلك ؟

إن التسمية ـ عادة ـ إنما تكون لسبب أو مناسبة ، فمثلاً : الإمامان الحسن والحسين ( عليهما السلام ) إبنا وصي نبي الإسلام سميا باسم ابني هارون وصي موسى ( عليهما السلام ) ، وسيدتنا ومولاتنا الزهراء سميت بفاطمة لأن الله فطمها وولدها ومحبيهم من النار ، وهكذا فما هي المناسبة في تسمية السيدة نجمة بـ ( تكتم ) ؟

وهل هناك وجه شبه بين تسمية السيدة بـ ( تكتم ) وبين تسمية بئر زمزم بهذا الإسم ؟

الجواب : يمكن أن يكون السبب أحد الأوجه التالية :

الوجه الأوّل :

عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال : « ماء زمزم خير ماء على وجه الأرض . . . » (1) .

وفي حديث آخر : « خير ماء ينبع على وجه ا لأرض ماء زمزم . . » (2) .

وقد مرٌ عليكم الخبر المروي عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) أنه رأى في المنام جدّه رسول الله واباه (صلوات الله عليهما) يقولان له : « يا موسى ليكونن لك من هذه الجارية خير أهل الأرض بعدك » (3) .

والسيدة حميدة المصفّاة ذكرت أنّها رأت في المنام رسول الله

____________

(1) وسائل الشيعة : ج25 كتاب الاطعمة والاشربة : ص 260 باب 16 ح1 .
(2) مستدرك الوسائل : ج17 كتاب الأطعمة والأشربة : ص 18 باب 13 ح3 .
(3) إثبات الوصية : ص 170 .

( 27 )

( صلى الله عليه وآله وسلّم ) يقول لها : « يا حميدة هبي نجمة لابنك موسى فإنه سيولد له منها خير أهل الأرض » (1) .

فكما أن بئر زمزم ـ التي كانت تسمى تكتم ـ خير نبع على وجه الأرض لأنه ينبعُ منها خير ماء وهو شفاء من كل داء (2) ، ودواء لما شرب له (3) .

كذلك السيدة نجمة سميت بـ « تكتم » لأنّها ستلد خير اهل الارض بعد أبيه ، ومنه سيولد أربعة من أنوار أهل بيت العصمة والطهارة ، آخرهم إمامنا وسيدنا صاحب العصر والزمان ـ عجل الله ظهوره الشريف ـ ، والخير كل الخير يكون ممن « بيمنه رزق الورى ، وبوجوده ثبتت الأرض والسما » .

الوجه الثاني :

إنّ زمزم كانت خافية ومكتومة عن الجميع فأظْهَرَها عبد المطَّلب ( عليه السّلام ) ، كذلك السيدة نجمة كانت مكتومة وخافية فأظهَرَها الإمام ( عليه السلام ) ، إذ البائع كَتَمَ أمرها ، وأراد أن يدخرَها لنفسه لولا أنّ الإمام ( عليه السلام ) أظهرها .

الوجه الثالث :

قد تكون تسميتها بـ « تكتم » كناية عن العفة والطهارة ، فهي امرأه مكتومة وخافية عن الرجال ، ويؤيد هذا الوجه ما ذكره الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا : « . . . كانت نجمة بكراً لمّا

____________

(1) عيون أخبار الرضا : ج1 ص 17 .
(2) فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « ماء زمزم شفاءٌ من كل داء » .
(3) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ) : ماء زمزم دواء مما شرب له » .

( 27 )

اشترتها حميدة » (1) .

ولا مانع من الوجوه كلّها .

* * *

نعم . . . هذه السيدة تكتم والدة السيدة فاطمة المعصومة ( عليها السلام ) وقد عرفتم كيفية انتخاب الإمام الكاظم ( عليه السلام ) لها لتكون أما لأولاده ، فولدت له خير أهل الأرض بعده ، وهو الإمام الرضا ( عليه السلام ) .

____________

(1) عيون أخبار الرضا : ج1 ص 17 .

( 28 )

( 29 )

(ج) متى ولدت السيدة المعصومة (عليها السلام)

إن السيدة فاطمة بنت الإمام الكاظم ( عليه السلام ) هي أختُ الإمام الرضا لأمّه ، فأمّهما واحدة ، وهي من قد عرفت فضلها وعقلها ودينها .

وأبوها مثله كمثل الشمس في وسط ا لسماء ، فهو « مَعدن التنزيل ، وصاحب التأويل ، وحامل التوارة والإنجيل » (1) ، « وصي الأبرار ، وإمام الأخيار ، وعيبة (2) الأنوار ، ووارث السكينة والوقار ، والحكم والآثار ، الذي كان يحيي الليل بالسّهر إلى السٌحر بمواصلة الإستغفار ، حليف السجدة الطويلة ، والدموع الغزيرة ، والمناجاة الكثيرة ، والضرّاعات المتصلة . ومقر النهي والعدل ، والخير والفضل ، والندى والبذل ، ومألف البلوى والصبر . . . » (3) .

فالسيدة المعصومة ( عليها السلام ) قد وُلدت في بيت لا يتنفس فيه إلا عبير التقى ، ولا يُرتضعُ فيه إلا بلبان الإيمان ، ولا يتربى فيه إلا بتربية القرآن ، ولا ينهل فيه إلا من رواء العلم ، ولا يُطعم فيه إلا من رياض

____________

(1) هذا شطر من زيارة للإمام الكاظم ( عليه السلام ) .
(2) عيبة الشيء خاصته وموضع سره .
(3) شطر من زيارة أخرى للإمام الكاظم ( عليه السلام ) .

( 30 )

الخلق والأدب والطهر والعفة .

وأمّا تاريخ ولادتها : ذكروا أنّها ( سلام الله عليها ) قد ولدت في المدينة المنورة في غرة ذي القعدة من سنة 173 هـ (1) .

وعلى هذا التاريخ يكون عمرها الشريف حين وفاتها ثمان وعشرين سنة حيث توفيت في عام 201 هـ .

وعلى كل تقدير لا يمكن أن يتصور عمرها الشريف أقل من إثنين وعشرين عاماً ، أي ولادتها لا تتصور بعد عام 179 هـ .

لماذا ؟ وكيف ؟

الجواب : في أصول الكافي : « . . . قبض ( عليه السلام ) (2) ببغداد في حبس السندي بن شاهك ، وكان هارون حمله من المدينة لعشر ليال بقين من شوال سنة تسع وسبعين ومائة ، وقد قدم هارون المدينة منصرفة من عمرة شهر رمضان ، ثم شخص هارون إلى الحج وحمَله معه ، ثم انصرف على طريق البصرة فحبسه عند عيسى بن جعفر (3) ، ثم أشخصه إلى بغداد ، فحسبه عند السندي بن شاهك ، فتوفي ( عليه السلام ) في حبسه . . . » (4) .

فالإمام الكاظم ( عليه السلام ) قد فارق بيته ومدينة جدّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم) في شوال سنة 179 هـ . وعليه فولادة السيدة

____________

(1) مستدرك سفينة البحار : ج8 ص 257 مادة « فَطَم » .
(2) أي الإمام الكاظم ( عليه السلام ) .
(3) أي عيسى بن جعفر المنصور الدوانيقي والي هارون على البصرة ، وهو الذي حبس الإمام ( عليه السلام ) لمدة سنة . راجع الإرشاد : ج2 ص 239 .
(4) أصول الكافي : ج1 ص 476 .

( 31 )

المعصومة ( عليها السلام ) كان قبل هذا التاريخ (1) ، فيكون عمرها الشريف ـ على أقل التقادير ـ حين وفاتها إثنتين وعشرين سنة ، ولكن الأقرب أن عمرها كان اكثر من ذلك ، وخاصة إذا عرفنا أنها كبرى الفاطمتين أو الفواطم (2) ، فالظاهر أن عمرها الشريف ثمان وعشرون سنة .

____________

(1) وعلى هذا فلا يصح ما ذكر من أن ولادتها ( عليها السلام ) كانت في المدينة المنورة سنة 183 هـ ـ أي سنة وفاة أبيها ( عليه السلام ) الذي كان رهين السجون ـ .
(2) ذكر سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص : ص 351 أن للإمام ( عليه السلام ) اربعاً كل منهن تسمى فاطمة .

( 32 )

( 33 )

(د) إخوتها

ذكر الشيخ المفيد في الإرشاد أنه كان لأبي الحسن موسى ( عليه السلام ) سبعة وثلاثون ولداً ذكراً وأنثى .

فالذكور : الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، وإبراهيم ، والعباس ، والقاسم ، لأمّهات أولاد (1) .

وإسماعيل ، وجعفر ، وهارون ، والحسين لأم ولد .

وأحمد ، ومحمّد ، وحمزة ، لأمّ ولد .

وعبدالله ، وإسحاق ، وعبيد الله ، وزيد ، والحسن ، والفضل ، وسليمان ، لأمهات أولاد .

والإناث :

فاطمة الكبرى ، وفاطمة الصغرى ، ورقيّة ، ورقيّة الصغرى ، وأم أبيها ، وحكيمة وكلثم ، وأم جعفر ، ولبابة ، وزينب ، وخديجه ، وعليّة ، وآمنة ، وحسنة ، وبريهة ، وعائشة ، وأم سلمة ، وميمونة ، وأم كلثوم ، لأمهات أولاد (2) .

____________

(1) أم ولد : هي الجارية التي أولدها مالكها ، فتصبح حرة وتعتق من نصيب ولدها .
(2) الإرشاد : ج2 ص244 .

( 34 )

وذكر النوبختي أنّ للإمام ( عليه السلام ) ثلاثة وثلاثين ولداً : ثمانية عشر ذكراً وخمس عشرة بنتا (1) .

وفي تاريخ اليعقوبي أنّ له ( عليه السلام ) واحداً وأربعين ولداً : ثمانية عشر ذكراً ، وثلاث وعشرين بنتاً (2) .

وفي عمدة الطالب أن له ( عليه السلام ) ستين ولداً : ثلاثة وعشرين إبنا ، وسبع وثلاثين بنتاً (3) .

فهذه أربعة أقوال ، ولعل الاقرب هو المروي عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) نفسه في الخبر الذي ذكره الشيخ الصدوق في عيون الأخبار ، الموافق لما ذكره الشيخ المفيد والنوبختي ، أن هارون العباسي سأل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) عن عياله فقال : « . . . أما الولد فلي نيف (4) وثلاثون . . . » (5) .

____________

(1) فرق الشيعة : ص 87 .
(2) تاريخ اليعقوبي : ج2 ص 415 .
(3) عمدة الطالب في انساب آل أبي طالب : ص 226 .
(4) نيف : هو ما زاد على العشرات من أعداد الآحاد ، فيشمل من واحد إلى تسعة .
(5) عيون أخبار الرضا : ج1 باب 7 الحديث 11 ص 89 .

( 35 )

2 ـ ألقابها

( 36 )

( 37 )

للسيدة فاطمة بنت الإمام الكاظم ( عليهما السلام ) عدة القاب ، منها :

(أ) المعصومة 

وهي أكثر ما تعرف به ، وقد نقل عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) أنّه قال : « من زار المعصومة بقم [ كان ] كمن زارني » (1) .

(ب) كريمة أهل البيت 

ينقل عن آية الله السيد محمود المرعشي ( قدس سره ) انه كان قد توسل بالأئمة الطاهرين ( صولات الله وسلامه عليهم ) ، كي يبينوا له موضع قبر الصديقة الطاهرة سيدة النساء فاطمة الزهراء ( سلام الله عليها ) .

وبعد توسّلات كثيرة تلقى الجواب منهم ( صلوات الله عليهم ) أن لا تطلب منّا هذا الشيء فإنه ليس من المقدر أن نظهر قبرها المخفي ، لكن لاجل أن لا تُحرم شيعتنا ومحبونا من فيض زيارة قبرها عليكم بزيارة كريمة أهل البيت . .

فاستفسر السيد : ومن هي كريمة أهل البيت ؟

____________

(1) ناسخ التواريخ : ج7 ص 337 .

( 38 )

أجابوه : فاطمة بنت موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) المدفونة بقم .

فهذه وإن كانت رؤيا صالحة ، ولكنٌ الواقع الخارجي يصدقها ، فما نسمعه ونراه من كبير كرم ، وحسن استضافة هذه السيدة الجليلة لدليل واضح على ذلك ، ولا عجب فهي سليلة أصل الجود والكرم .

ويكفي في كرمها احتضانها لحوزة التشيع في العصر الأخير ، بل منذ العصور الغابرة ، حيث كانت قم بلد التشيع ، ومركز حفظة أحاديث وعلوم أهل البيت ( عليهم السلام ) . حتى أنه دفن في جوارها مائة الف محدث كما هو المعروف .

فببركة التمسك بحبل ولائهم ( عليهم السلام ) أفاضوا على قم وأهلها ما أفاضوا ، وذلك عبر سليتهم الكريمة ، فاطمة المعصومة .

(ج) اُخت الرضا 

. . . قال أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (1) للإمام الجواد ( عليه السلام ) : إن قوماً من مخالفيكم يزعمون أباك إنّما سمّاه المأمون الرضا لما رضيه بولاية عهده .

فقال ( عليه السلام ) : كذبوا والله وفجروا ، بل الله تبارك وتعالى سمّاه الرضا ، لأنّه كان رضى لله عز وجل في سمائه ، ورضى لرسوله والأئمة من بعده ( صلوات الله عليهم ) في أرضه .

____________

(1) أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي : من أصحاب الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، وكان من خواص أصحاب الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، كما وأنه أدرك الإمام الجواد ( عليه السلام ) و(بزنط) موضع في العراق .

( 39 )

قال الراوي : ألم يكن كل واحد من آبائك الماضين ( عليهم السلام ) رضى لله تعالى ولرسوله والأئمة ( عليهم السلام ) ؟

فقال ( عليه السلام ) : بلى .

قال الراوي : فلم سمي أبوك من بينهم الرضا ؟

قال : لانّه رضي به المخالفون من أعدائه كما رضي به الموافقون من اوليائه ، ولم يكن ذلك لأحد من آبائه ( عليهم السلام ) ، فلذلك سمي من بينهم الرضا ( عليه السلام ) » (1) .

فلأن الإمام رضي به المخالف والمؤالف ، كان كل من يتصل به نسباً يُنسب إليه ، فالإمام الجواد ( عليه السلام ) عرف بابن الرضا ، وكان من القابه (2) ، كما أن الإمام الهادي والعسكري ( عليهم السلام ) كان يعرف كل منهما في زمانه بابن الرضا (3) .

ولذلك أيضاً كانت السيدة المعصومة ( عليها السلام ) تعرف بـ ( اخت الرضا ) .

وهذا وإن لم يذكر في كتاب معتبر ، ولكن الشواهد السالفة كافية لإثبات هذا اللقب لها . فهي كانت ( عليه السلام ) اخت الرضا حقيقة ، كما عرفت به القبا .

____________

(1) عيون أخبار الرضا : ج1 ص13 .
(2) مناقب آل ابي طالب : ج4 ص 379 .
(3) المصدر السابق : ج4 ص 421 .

( 40 )

( 41 )

3 ـ هل تزوجت السيدة المعصومة ( عليها السلام ) ؟

( 42 )

( 43 )

حتى نحصل على إجابة هذا السؤال ، لا بدّ لنا من قراءة متأنّيه في وصيٌتين لأبيها الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وفي روايات اُخرى .

فتعالوا نستطلع الروايات والتأريخ لنحصل على الجواب ، ونعرف حقيقة الأمر .

قال اليعقوبي ـ المؤرِّخ ـ : « أوصى موسى بن جعفر ألا تتزوج بناته ، فلم تتزوّج واحدة منهن إلا اُم سلمة ، فإنها تزوجت بمصر ، تزوجها القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد ، فجرى في هذا بينه وبين أهله شيء شديد حتى حَلَف أنّه ما كشف لها كنفاً ، وأنّه ما أراد إلا أن يحج بها (1) » (2) .

ولكن عند الرجوع إلى وصية الإمام الكاظم ( عليه السلام ) التالية نرى أنّ الإمام لم يوص بذلك وإنّما اوصى أن يكون أمر زاجهن بيد أخيهن الإمام الرضا ( عليه السلام ) حيث إنه قال : « . . . وإلى علي أمر نسائي دونهم (3) . . . وإن أراد رجل منهم (4) أن يزوج أخته فليس له

____________

(1) أي ، الظاهر أن يكون لها محرماً فيستطيع أن يحجٌ بها ـ وليس بواجب عندنا ـ .
(2) تاريخ اليعقوبي : ج2 ص 415 .
(3) أي دونه بقية إخوته .
(4) أي من إخوته .

( 44)

أن يزوجها إلا بإذنه وأمره ، فإنه أعرف بمناكح قومه . . . » (1) .

ثم إنه ( عليه السلام ) يؤكد على ذلك في موضع آخر من نفس الوصية : « . . ولا يزوج بناتي أحد من إخوتهن من أمهاتهن ، ولا سلطان ، ولا عمّ ، إلا برأيه ومشورته (2) ، فإن فعلوا غير ذلك فقد خالفوا الله ورسوله ، وجاهدوه في ملكه ، وهو أعرف بمناكح قومه ، فإن أراد أن يزوج زوج ، وإن أراد أن يترك ترك » (3) .

فالإمام ـ بحسب الوصية ـ لم يمنع بناته من الزواج ـ كما ادّعى اليعقوبي ـ وإنما جعل أمر زواجهن بيد أخيهن الإمام الرضا ( عليه السلام ) .

وفي وصية أخرى له ( عليه السلام ) لتعيين أوقافه وصدقاته وكيفيّة تقسيمها ، قال : « . . . يقسم في مساكين أهل القرية من ولد موسى بن جعفر للذكر مثل حظ الانثيين ، فإن تزوجت امرأه من ولد موسى بن جعفر فلاحق لها في هذه الصدقة حتى ترجع اليها بغير زوج ، فإن رجعت كان لها مثل حظ التي لم تتزوج من بنات موسى . . . » (4) .

ويبدوا أنّ هذه الوصيّة هي التي جعلت اليعقوبي يقول بأنّ الإمام أوصى أن لا تتزوج بناته من بعده ، ولكن الظاهر منها أن التي تتزوج تكون في كفالة زوجها ، وهو ينفق عليها ، فإن مات أو طلقها رجعت وكان لها مثل حظ التي لم تتزوج .

____________

(1) أصول الكافي : ج1 ص 316 ، وعيون اخبار الرضا : ج1 ص33 .
(2) أي الا براي ومشورة الإمام الرضا ( عليه السلام ) .
(3) أصول الكافي : ج1 ص 317 .
(4) عيون أخبار الرضا : ج1 ص37 .

( 45 )

ومع ذلك كله فانه لقائل أن يقول : يشم من هذه الوصية ومن سابقتها عدم رغبة الإمام في تزويج بناته ، بل إن الواقع الخارجي يصدق ذلك ، فلا الإمام الكاظم نفسه في زمان حياته زوج واحدة منهن ، ولا الإمام الرضا ، بل كان هذا سائراً في بناتهم ، وقد أوقف الإمام الجواد ( عليه السلام ) عشر قرى في المدينة أوقفها على أخواته وبناته اللاتي لم يتزوجن ، وكان يرسل نصيب الرضائية (1) من منافع هذه القرى من المدينة إلى قم (2) .

فيستوقفنا ـ هنا ـ سؤال وهو :

رغب الشرع المقدس في الزواج المقدس في الزواج وحث عليه ونفر من العزوبة وحذر منها ، وقد وردت في ذلك روايات كثيرة فكيف أوصى الإمام الكاظم ( عليه السلام ) بعدم زواج بناته مع العلم أن الزواج سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم) ومن المستحبات الأكيدة ؟

قد يجاب عن هذا السؤال بأحد الأوجه التالية :

الوجه الأول :

أنّ العزوبة وإن كانت مكروهة عند الشرع المقدس ، لكنها قد ترجح في بعض الأزمنة .

فعن إبن مسعود قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم ) : « ليأتين على الناس زمان لا يسلم لذي دينه إلا من يفر من شاهق ، ومن جُحر إلى جُحر كالثلب بأشباله .

قالوا : ومتى ذلك الزمان ؟

____________

(1) أي بنات وحفيدات الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، فهنٌ ينسبن إليه فيقال : الرضائية .
(2) تاريخ قم ـ المترجم ـ ص 221 .

( 46 )

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إذا لم ينل المعيشة إلا بمعاصي الله ، فعند ذلك حلٌت العزوبة » (1) .

فالعزوبة تحل في بعض الأزمنة ، وعليه قد يكون الإمام ( عليه السلام ) قد مر بما يماثل تلك الأزمنة ، فلا تنافي بين ترغيب الإسلام في الزواج ، وبين عدم تزويج الإمام ( عليه السلام ) لبناته .

فالحكم الاولي للعزوبة هو الكراهة ، ولكن الحكم الثانوي المستفاد من هذه ا لرواية هو حليّة العزوبة في بعض الأوقات .

الوجه الثاني :

أنه ( عليه السلام ) لم يزوجهن لعدم الكفؤلهن ، فإنهن ودائع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكريماته ، فينبغي أن لا تزوجن إلا بمؤمن تقي يعرف مكانتهن ، ويقدر منزلتهن ، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أنكحوا الأكفاء وانكحوا فيهم واختاروا لنطفكم » (2) .

فلو أنّ الإمام ( عليه السلام ) قد زوجهن من غير الاكفاء لما عرفت مكانتهن ، ولهدرت حقوقهن ، وما في ذلك من المهانة والإذلال لودائع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ، وحاشا الإمام أن يفعل ذلك .

بل قد يكون تزويجهن من غير الأكفَاء عامل ضغط على الإمام ( عليه السلام ) تمارسهُ الحكومة العباسيّة لتكلبيل أشد للإمام ، وتقييد أكثر لحريّته .

____________

(1) بحار الانوار : ج14 ص 351 .
(2) فروع الكافي : ج2 ص5 .

( 47 )

ولذا نجد أن الإمام ( عليه السلام ) في وصيته قد جعل أمر تزويج بناته بيد الإمام الرضا ( عليه السلام ) معللا ذلك بأنه أعرف بمناكح قومه .

الوجه الثالث :

ما أجاب به الإمام ( عليه السلام ) هارون عندما سأله : « . . . قال : فلم لا تزوج النسوان من بني عمومتهن واكفائهن ؟ قال : اليد تقصر عن ذلك .

قال : فما حال الضيعة (1) ؟

قال : تعطي في وقت ، وتمنع في آخر . . . » (2) .

فالإمام ( عليه السلام ) علل عدم تزويجهن لقصر ذات اليد ، وضعف الإمكانات الماديّة .

الوجه الرابع :

نتيجة الضغوطات العنيفة ، والممارسات لتعسفية التي كانت السلطة العبّاسية تنتهجها تجاه الامام ( عليه السلام ) وشيعته ، ما كان أحد ليجرأ أن يتقدم من الإمام ليطلب كريمته أو أخته .

بل إن الشيعة ـ في فترات مختلفة من الزمن ـ ما كانوا ليتقربوا من دار المعصومين ( عليهم السلام ) في إستفتائاتهم ، ولذا كان بعضهم يلجأ إلى الحيلة فيلبس ثياب بائع خيار ويحمل سلة الخيار حتى يتمكن من دخول دار الإمام ، فيستفتيه ويخرج .

فإذا كان أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) لا يستطيعون استفتاء

____________

(1) الضيعة : العقار ، والأرض ذات الغلة .
(2) عيون أخبار الرضا : ج1 ص 88 ح11 .

( 48 )

الإمام ، فما ظنك بمن يريد مصاهرة الامام ؟ !

إنّ الراغبين لشرف مصاهرة الإمام ـ سواء أكانوا من أولاد العمومة أم من خيار الشيعة ـ كان أمرُهم دائراً بين مقتول بأيدي الغدر والعدوان ، وبين معتقل معذب في قعر السجون ، وبين مطارد من جلاوزة السلطة قد استخفى عن أعينهم . . . ! !

فمن ذا الذي يجرأ ـ بعد هذا ـ أن يطلب الوصلة بالإمام ( عليه السلام ) ؟

النتيجه :

إنّ السيدة المعصومة ( عليها السلام ) ـ كسائر أخواتها ـ لم تتزوج ، وعدم تزويج الإمام لهن لا ينافي الترغيب والأمر بالزواج .

وظاهرة عدم تزويج اكثر من إمام لبناته أو اخواته لهي ظاهرة تستحق دراسة أكثر ، وبحثاً أعم ، للتعرف على أسباب وملابسات هذه الظاهرة وتحليلها ، فهي حلقة من حلقات معناناة ومعايشة المعصومين ( عليهم السلام ) لظروف عصيبة ومختلفة . فعسى الله أن يفيض من يبحثها ويكشف عن غوامضها .

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث