السيدة المعصومة (سلام الله عليها)

 

أحسن لوناً من الزعفران ، وأطيب ريحاً من المسك ، فإذا فيها شيخ على رأسه برنس (1) .

فقلت لجبرئيل : ما هذه البقعة الحمراء التي أحسن لوناً من الزعفران ، وأطيب ريحاً من المسك ؟

قال : بقعة شيعتك وشيعة وصيك علي .

فقلت : من الشيخ صاحب البرنس ؟

قال : إبليس .

قلت : فما يريد منهم ؟

قال : يريد أن يصدهم عن ولاية أمير المؤمنين ، ويدعوهم إلى الفسق والفجور .

فقلت : يا جبرئيل ! أهو بنا إليهم .

فأهوى بنا إليهم أسرع من البرق الخاطف والبصر اللآمح .

فقلت : قم يا معلون ! فشارك أعداءهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم ، فإن شيعة علي ليس لك عليهم سلطان » .

فسميت « قم » (2) .

والرواية الثانية :

عن عفان البصري ، عن أبي عبدالله الصادق ( عليه السلام ) :

قال : أتدري لم سميت « قم » ؟

قلت : الله ورسوله أعلم .

____________

(1) البرنس : قلنسوة طويلة .
(2) علل الشرائع ص 572 باب 373 .

(77)

قال : إنّما سميت « قم » لأن أهلها يجتمعون مع قائم آل محمد (صلوات الله عليه) ، ويقومون معه ، ويستقيمون عليه ، وينصرونه » (1) .

وأما الرواية الثالثة فهي :

عن أبي مقاتل الديلمي نقيب الري .

قال : سمعت أبا الحسن علي بن محمد (عليه ا لسلام) يقول :

« إنّما سميت قم به لأنّه لما وصلت السفينة إليها في طوفان نوح ( عليه السلام ) قامت » (2) .

(2 | ب) قي فضل « قم » وأهلها

إضافة إلى ما مر من الروايات ، هناك روايات اخرى في فضل « قم » وأهلها ، نقلت عن أهل بيت العصمة والطهارة ، وإليكم باقة منها : ـ

عن الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السّلام) قال :

« إن لعلى « قم » ملكا يرفرف عليها بجناحيه ، لا يريدها جبار بسوء إلا أذابه الله كذوب الملح في الماء » (3) .

وعنه ( عليه السلام ) أنّه قال :

« إذا أصابتكم بلية وعناء فعليكم بـ « قم » ، فإنها مأوى الفاطميين ، ومستراح المؤمنين ، وسيأتي زمان ينفر أولياؤنا ومحبونا عنّا ، ويبعدون

____________

(1) ترجمة تاريخ قم : ص 100 ، والبحار : ج60 ص 216 ح38 .
(2) ترجمة تاريخ قم : ص 96 ، والبحار : ج60 ص 213 ح24 .
(3) ترجمة تاريخ قم : ص 99 ، والبحار : ج60 ص 217 ح36 .

( 78 )

منا وذلك لمصلحة لهم ، لكي لا يعرفوا بولايتنا ، ويحقنوا بذلك دماءهم وأموالهم .

وما أراد أحد بـ « قم » وأهلها سوءاً إلا أذله الله ، وأبعده من رحمته » (1) .

وعن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) أنه قال :

« قم عش آل محمد ، ومأوى شيعتهم ، ولكن سيهلك جماعة من شبابهم بمعصية آبائهم ، والإستخفاف والسخرية بكبرائهم ومشايخهم ، ومع ذلك يدفع الله عنهم شر الأعادي وكل سوء » (2) .

وعن الإمام الادق (عليه السلام ) أنه قال :

« ما أرادهم ـ يعني أهل قم ـ جبار من الجبابرة إلا قصمه الله » (3) .

عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) أيضاً :

« إذا عمت البلدان الفتن فعليكم بقم وحواليها ونواحيها ، فإن البلاء مرفوع عنها » (4) .

كما روي عنهم أنه : « لولا القميون لضاع الدين » (5) .

حيث إن الكثير من الرواة والمحدثين هم من أهل « قم » .

وكل ما ذكر في فضل « قم » وأهلها إنما هو بشرطها وشروطها ، والحديث التالي يبين ذلك .

فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام ) :

____________

(1) ترجمة تاريخ قم : ص 98 ، والبحار : ج60 ص 214 ح32 .
(2) ترجمة تاريخ قم : ص 98 ، والبحار : ج60 ص 214 ح31 .
(3) إختيار معرفة الرجال : ص 333 ح 608 .
(4) ترجمة تاريخ قم : ص 97 ، والبحار : ج60 ص 217 ح44 .
(5) بحار الأنوار : ج60 ص 217 ح43 .

( 79 )

« تربة قم مقدّسة ، وأهلها منٌا ونحن منهم ، لا يريدهم جبار بسوء إلا عجلت عقوبته ما لم يخونوا إخوانهم ، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم جبابرة سوء » (1) .

وهذا غيض من فيض روايات المعصومين ( عليهم السلام ) في شأن « قم » وأهلها .

إذن . . ليس غريباً أن تختار السيدة المعصومة مدينة « قم » ، خاصة وأنها كانت من قبل قد سمعت عن جدها الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : « وإن لنا حرماً وهو بلدة قم ، وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة . . . » (2) .

وبهذا الزخم التاريخي تخرج « قم » لاستقبالها ، وكان قدومها إيذاناً بعهد جديد لمدينة « قم » ولأهلها .

(3 | ب) « قم » تستقبل السيدة المعصومة

عندما وصلت ( عليها السلام ) إلى « ساوة » ، ومرضت فيها بعد فقد إخوتها ، كان خبرها قد وصل إلى « قم » ، ومرضت فيها بعد فقد إخوتها ، كان خبرها قد وصل إلى « قم » فخرج أشرافها لاستقبالها ، يتقدمهم موسى بن خزرج الأشعري ، فلما وصل إليها أخذ بزمام ناقتها وقادها إلى منزله (3) ، تحف بها إماؤها وجواريها .

____________

(1) ترجمة تاريخ قم : ص 93 ، البحار : ج60 ص 218 ح 49 .
(2) ت رجمة تاريخ قم : ص 215 ، وعنه في البحار : ج60 ص 216 ح41 ، ومستدرك الوسائل : ج10 ص 368 ح1 .
(3) ترجمة تاريخ قم : ص 213 .

( 80 )

(4 | ب) السيدة المعصومة تفارق الحياة

بقيت ( لعيها السلام ) في دار موسى الأشعري سبعة عشر يوماً ، فما لبثت إلا هذه الأيام القليلة وتوفيت (1) .

ولا يبعد أن يكون سبب وفاتها أنها قد دس السم إليها في « ساوة » (2) .

وأمر موسى بن خزرج بتغسيلها وتكفينها ، وحملوها إلى مقبرة « بابلان » ووضعوها على سرداب حفر لها ، فاختلفوا في من ينزلها إلى السرداب .

ثم اتفقوا على خادم لهم صالح كبير السن يقال له « قادر » فلمّا بعثوا إليه رأوا راكبين مقبلين من جانب الرملة وعليهما لثام ، فلما قربا من الجنازة نزلا السرداب وأنزلا الجنازة ، ودفناها فيه ، ثم خرجاغ ولم يكلما أحدا ، وركبا وذهبا ولم يدر أحد من هما (3) .

ونقل أنّها ( سلام الله عليها ) توفيت في الثاني عشر من ربيع الثاني عام 201 هـ (4) .

ولكن هذا لا ينسجم مع ما نقله صاحب دعائم الإسلام في كتابه « شرح الأخبار » من أن الإمام الرضا ( عليه السلام ) ادخل على المأمون

____________

(1) ترجمة تاريخ قم : ص 213 .
(2) الحياة السياسية للإمام الرضا : ص 428 ، عن قيام سادات علوي : ص 168 .
(3) ترجمة تاريخ قم : ص 213 و214 .
(4) مستدرك سفينة البحار : ج 8 ص 257 .

( 81 )

في العاشر من جمادي الآخر سنة 201 هـ (1) ، ومن المعلوم أنّ الإمام ( عليه السلام ) أرسل في طلب أخته المعصومة ( عليها السلام ) بعد وصوله ، وما نقل من تاريخ وفاتها يكون قبل وصوله ( عليه السلام ) إلى « خراسان » ، وهذا معناه أنّ الإمام ( عليه السلام ) لم يطلبها ، وأنها لم تهاجر قاصدة أخاها ، وهذا مما تنفيه الأخبار والتاريخ . وبناءً على ذلك يمكن أن يكون تأريخ وفاتها هو الثامن من شعبان سنة 201 هـ ، كما نقله الشيخ المنصوري في « حياة الست » نقلاً عن كتاب مخطوط بإسم « رياض الأنساب ومجمع الأعقاب » الذي نقله بدوره عن « الرسالة العربية العلوية » للشيخ الحر العاملي صاحب كتاب « وسائل الشيعة » .

وعلى كل حال فقد فارقت روح السيدة المعصومة الحياة بعد أن كابدت صنوف الألم والمشقة والعذاب فسلام عليها يوم ولدت ويوم ماتت ويوم تبعث حية .

( 5 | ب ) المأمون يعترف . . . ! !

ذكرنا احتمال أن يكون وفاة السيدة المعصومة ( عليه السلام ) بسبب سم دس إليها في « ساوة » ، إما من أهلها المتعصبين ، وإما من أتباع وشرطة المأمون بأمر منه ، وكان من قبل قد قتل إخوتها في « ساوة » و « شيراز » ، ثم قتل الإمام الرضا ( عليه السلام ) فيما بعد .

وللمأمون إعتراف بجناياته وظلمه لأهل البيت ( عليهم السلام ) وأولادهم ومواليهم ، نسجله للتأريخ والأجيال بياناً لحقيقة المأمون .

____________

(1) شرح الأخبار : ج3 ص 340 .

( 82 )

يقول المأمون في كتاب له في الجواب عن بني هاشم :

« . . . حتى قضى الله تعالى بالأمر إلينا ، فأخفناهم ، وضيقنا عليهم ، وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم .

ويحكم ! إن بني أميّة إنّما قتلوا منهم من سل سيفاً ، وإنا معشر بني العباس قتلناهم جملاً .

فلتسالن أعظم الهاشمية بأي ذنب قتلت ؟ !

ولتسألن نفوس اُلقيت في « دجلة » و « الفرات » .

ونفوس دفنت بـ « بغداد » و « الكوفة » أحياء .

هيهات إنّه من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثال ذرة شراً يره . . . » (1) .

فهل كانت الغلبة لبني العبّاس والمأمون بقتلهم هذه النفوس الزكيّة . . ؟

إنٌ الحقيقة تأبى إلا أن تسفر عن وجهها . .

فهذا قبر السيدة المعصومة وقبر أخيها الإمام الرضا محجة ومزار . .

. . . اعدالهم لا تعرف ، لا تزل

بل تصب عليهم اللعائن مدى الأيام والأعصار . .

____________

(1) بحار الأنوار : ج49 ص 210 ، عن صاحب الطرائف عن ابن مسكوية .

( 83 )

6ـ الجنة لمن زارها

( 84 )

( 85 )

ثلاثة من المعصومين ( عليهم السلام ) يبشرون من زارها بالجنة .

1 ـ فهذا الإمام الصادق ( عليه السلام ) يبشر زوارها بالجنة قبل ولادتها .

قال ( عليه السلام ) : « إن لله حرما وهو مكة ، وإن للرسول ( صلى الله عليه وآله ) حرماً وهو المدينة ، وإن لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) حرما وهو الكوفة ، وإن لنا حرماً وهو بلدة قم . وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة ، فمن زارها وجبت له الجنة » (1) .

2 ـ وعن سعد بن سعد ، قال : سألت أبا الحسن الرضا ( عليه السلام ) عن زيارة فاطمة بنت موسى ( عليه السلام ) .

فقال : من زارها فله الجنة (2) .

3 ـ وعن الإمام الجواد ( عليه السلام ) أنه قال :

____________

(1) ترجمة تاريخ قم : ص 215 ، وعنه في البحار : ج60 ص 216 ح41 ، ومستدرك الوسائل : ج10 ص 368 ح1 .
(2) كامل الزيارات : ص 324 ح1 ، وثواب الأعمال : ص 98 ، وعيون أخبار الرضا : ج2 ص 267 .

( 86 )

« من زار عمتي بقم فله الجنة » (1) .

والسؤال الآن هل : كل من زارها تجب له الجنة حتى لو كان فاسقاً فاجراً مخالفاً ؟

يجيب الإمام الرضا ( عليه السلام ) على ذلك فيقول :

يا سعد ! عندكم لنا قبر (2) . ؟

قال سعد : جعلت فداك ، قبر فاطمة بنت موسى ( عليهما السلام ) .

قال : نعم ، من زارها عارفاً بحقها فله الجنة (3) .

فليس كل من زارها تجب له الجنة ، وإنما العراف بحقها وحق آبائها وأبنائهم الطاهرين تجب له بزيارتها الجنة . وأنى يكون ذلك للمخالف لهم في العقيدة والعمل ؟ !

وقد قال الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

« . . . والذي نفسي بيده لا ينتفع عبد بعمله إلا بمعرفة حقنا » (4) .

____________

(1) كامل الزيارات : ص 324 ح2 .
(2) أي : هل عندكم لنا قبر في قم ؟ فسؤاله ( عليه السلام ) طلب للتقرير فلحن السؤال يدل على أنه ليس أستفهاماً حقيقياً بل إخبار وتقرير .
(3) بحار الأنوار : ج102 ص 265 ح4 ، ومستدرك الوسائل : ج10 ص 368 ح3 .
(4) المحاسن : ج1 ص 135 ح169 .

( 87 )

7 ـ يا فاطمة إشفعي لي في الجنة

( 88 )

( 89 )

هذه جملة شريفة من زيارة السيدة المعصومة ( عليها السلام ) (1) ، تشهد بشفاعتها يوم القيامة ، فهي تشفع كشافعة آبائها في شيعتهم .

ولكي نعرف عظمة الشفاعة ودرجة الشفيع يوم القيامة لا بدّ لنا من التحدث عن الشفاعة ولو قليلاً ، حتى يتسنى لنا معرفة شيء من عظمة السيدة المعصومة ( عليها السلام ) :

الآيات القرآنية المباركة التي تتحدث عن الشفاعة يمكن تقسيمها إلى مجموعات ثلاثة .

المجموعة الأولى : آيات ترفض الشفاعة بشكل مطلق ، كقوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْنَاكُم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ ) (2) .

وقوله تعالى : ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) (3) .

المجموعة الثانية : آيات تحصر الشفاعة في الله تعالى ، كقوله سبحانه : ( مَا لَكُم مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ ) (4) .

____________

(1) زيارة السيدة المعصومة ( عليها السلام ) مذكورة في آخر الكتاب .
(2) سورة البقرة : الآية (254) .
(3) سورة البقرة : الآية (48) .
(4) سورة السجدة : الآية (4) .

( 90 )

وقوله تعالى : ( قُل للّهِ‏ِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً ) (1) .

والمجموعة الثالثة : آيات تثبت الشفاعة لغير الله تعالى ، ولكنها منوطة بإذنه ، كقوله تعالى : ( وَلاَ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ عِندَهُ إِلّا لِمَنْ إِذِنَ لَهُ ) (2) .

وقوله سبحانه : ( مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلّا بِإِذْنِهِ ) (3) .

وهذه الآية الأخيرة تشتمل على رفض وقبول .

فجملة المستثنى منه ترفض شفاعة كل أحد .

ولكن جملة المستثنى تقبل الشفاعة المقترنة بإذن من الله تعالى .

فالشفاعة أمر لا ينكر في القرآن المجيد ، إذ فيه آيات متعددة تدل أو تصرح بها .

ولا توجد أي شائبة شرك في الشفاعة ، فلسنا كأهل الجاهلية ( الّذِينَ اتّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى‏ ) (4) ، فهم قد عبدوا أصنامهم بزعمهم أنّها تقربهم إلى الله تعالى ، ونحن لا نعبد الشفيع ، وإنّما نجعل الشفيع المأذون من قبل الله تعالى ، نجعله وسيلة لنا عند الله وإلى الله تعالى ، لمكانته ووجاهته عنده ، وفرق بين جعل الولي والشفيع معبوداً ـ كما عليه أهل الجاهلية ـ ، وبين جعله وسيلة إلى الله وحده لا شريك له .

فالشفاعة لا تكون إلا بإرادة منه تعالى ، ومنوطة بإذنه ، وليس

____________

(1) سورة الزمر : الآية (44) .
(2) سورة سبا : الآية (23) .
(3) سورة البقرة : الآية (255) .
(4) سورة الزمر : الآية (3) .

( 91 )

لأحد أن يجعل من مخلوق شفيعاً لمخلوق آخر في حضرة الله عزّ وجلّ ، وما من شفيع يحق له أن يتشفع بغير إذن من ا لله تعالى . فقل لي بربك : أين الشرك في ذلك ؟

ولا تستلزم الشفاعة تغييراً في حكم وإرادة الله تعالى كما هو حال « المشفوع عنده » من الناس ، كالسلطان الذي يحكم بقتل شخص ، فيريد قتله ، فيأتي المقرب عنده ويشفع له ، فيقبل شفاعته ، ويغير حكمه من القتل إلى العفو ، فليس الأمر كذلك في محكمة العدل الإلهي .

وللتوضيح نبسط القول أكثر .

لدينا ثلاثة أمور :

1 ـ المشفوع عنده : وهو الله سبحانه وتعالى .

2 ـ الشفيع : كالرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأهل بيته الكرام ( عليهم السلام ) .

3 ـ المشفوع له : وهو المذنب .

وموضوع الشفاعة هو ذلك المذنب الذي يستحق العقوبة بذنبه ، فيأتي الشفيع فيشفع له عند ا له تعالى فيعفوا عنه . فهل يتغير حكم الله تعالى وعلمه كما يتغير حكم سلاطين أهل الدنيا ؟ حاشا لله ذلك .

إن الشفيع عند السلطان يغير ويؤثر في إرادة وحكم السلطان ، ولكن الشفيع عند الله تعالى لا يغير ولا يؤثر في إرادة وعلم الله تعالى ، بل يكون تأثير الشفيع على المذنب ـ الذي هو موضوع علم الله وإرادته ـ ، فالمذنب حكمه العقوبة قبل الشفاعة ، ولكنه بضميمة شفاعة الشفيع يصير حكمه العفو ، فالذي تغير هو الموضوع ، وحكم الله وإرادته لم تتغير ، إذ إن إرادته كانت منذ البداية هي عقوبة المذنب غير المشفوع له ،

( 92 )

وهذا مشفوع له فلا يعاقب ، كالتّائب المقبولة توبته ، فهو قبل التوبة مستحق للعقوبة ، وبالتوبة يشمله العفو والغفران الإلهي ، فالمذنب لم يغير بتوبته علم الله تعالى ولا إرادته ، بل غير نفسه وبدل سلوكه وصار كمن لا ذنب له ، فتغير لذلك الحكم الإلهي بتغير الموضوع ، فالحكم الإلهي ثابت لم تيغير وإنما تغير الموضوع ، ولكل موضوع حكمه الخاص .

وبكلمة موجزة :

شفاعة الشَّفيع عند السلطان تغير الموضوع ، وتغير حكم السلطان ، ولكن شفاعة الشفيع عند الله تعالى تغير الموضوع فقط ، وحكمه تعالى وإرادته وعلمه ، كل ذلك ثابت لا يتغير .

ثم إن الشفاعة أمر متعارف بين الناس ، وعليه سيرة العقلاء ، وهي ما تسمى اليوم بـ « الوساطة » ، فالضعيف يجعل القوي يتوسط له في قضاء حاجته عند الحاكم والسلطان وفي الدوائر الحكومية ، ولكن هناك فرق بين شفاعة أهل الدنيا وشفاعة الأولياء الصالحين .

فالشفاعة في عالم الناس اليوم قد تكون وسيلة إصلاحية تربوية ، يعود بها المشفوع له إلى جادة الصواب ، وقد تكون وسيلة لارتكاب المزيد من المعاصي والتشجيع عليها .

ولكن الشفاعة بمفهومها الديني لا تكون إلا وسيلةً إصلاحية تدعو إلى الخير وعدم اليأس من رحمة الله بارتكاب معصية قد سولت له نفسه جنايتها في وقت من الأوقات .

فالشفاعة عامل إيجابي يدفع الخلق إلى الصلاح ، ولا يجرئهم على ارتكاب المزيد من المعاصي .

( 93 )

وعند استعراض روايات أهل بيت العصمة والطهارة تبرهن لك إيجابية الشفاعة ، فإنّ أصنافاً من الناس لا تنالهم الشفاعة ، وإنّ بعض الأعمال لتحجب الشفاعة .

وأما الأصناف التي لا تنالهم الشفاعة فمنها :

1 ـ السلطان الظالم .

2 ـ المغالي في الدين .

3 ـ الناصبي .

فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« صنفان لا تنالهما شفاعتي :

سلطان غشوم عسوف .

وغال في الدين مارق منه غير تائب ولا نازع » (1) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) :

« ولو أن الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين شفعوا في ناصب (2) ما شفعوا » (3) .

وسمع الإمام الباقر ( عليه السلام ) أنّه قال :

« من أبغض علياً دخل النار ، ثم جعل الله في عنقه إثنتي عشرة ألف شعبة ، على كل شعبة منها شيطان يبزق في وجهه ويكلح (4) » (5) .

____________

(1) قرب الإسناد : ص 64 ح204 .
(2) لقد مر عليك معنى الناصبي في ص 54 فراجع .
(3) يكلح : يكشر في عبوس .
(4) المحاسن : ص 297 ح202 .

( 94 )

وأما الأعمال التي تحجب الشفاعة ، ويحرم فاعلها نعمة الشافعة فمنها :

1 ـ عدم الإيمان بالشفاعة :

فعن الإمام الرضا عن أبيه عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) :

« من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي » (1) .

2 ـ التعرض لذرية الرسول الاقدس ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) بأذى وغيره :

« والله لا تشفعت فيمن آذى ذريتي » (2) .

3 ـ الإستخفاف بالصلاة :

عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، قال :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

« لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته ، ولا يرد عليٌ الحوض لا والله » (3) .

وعن أبي بصير ، قال : دخلت على « أم حميدة » (4) أعزيها بأبي عبدالله ( عليه السلام ) ، فبكت وبكيت لبكائها .

____________

(1) أمالي الصدوق ، المجلس الثاني : ص 16 ح 4 .
(2) أمالي الصدوق ، المجلس التاسع والاربعون ب ص 242 ح3 .
(3) المحاسن : ج1 ص 159 ح6 .
(4) الظاهر أن المراد السيدة « حميدة المصفاة » زوجة الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، بقرينة تعزيتها بشهادة الإماء ( عليه السلام ) .

( 95 )

ثم قالت : يا أبا محمد لو رأيت أبا عبدالله ( عليه السلام ) عند الموت لرأيت عجباً . فتح عينيه ، ثم قال : إجمعوا إليٌ كل من كان بيني وبينه قرابة .

قالت : فما تركنا أحداً إلا جمعناه .

قالت : فنظر إليهم .

ثم قال : إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفاً بصلاته (1) .

4 ـ شرب المسكر :

عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

« . . . لا والله لا ينال شفاعتي من شرب المسكر ولا يرد عليٌ الحوض لا والله » (2) .

أيها القارىء الكريم : تلك بعض الأصناف التي تحرم الشفاعة ، وهذه كانت بعض الأعمال التي تحجب الشفاعة . ففيمن تكون الشفاعة إذن ؟

قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) :

« إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » (3) .

ولكن كيف يستحق أهل الكبائر (4) الشفاعة ؟ وبماذا يستوجبونها ؟

إنّما استحقوها واستوجبوها بإتيانهم عملاً أهلهم للشفاعة .

فمن ذلك :

____________

(1) المحاسن : ج1 ص 159 ح8 .
(2) الكافي : ج6 ص 400 ح19 .
(3) من لا يحضره الفقيه : ج3 ص 574 ح4963 .
(4) يستثنى منهم ما استثنته الروايات كشارب الخمر ـ مثلاً ـ والسلطان الظالم .

(96)

1 ـ زيارة المعصومين ( عليهم السلام ) :

فعن الإمام أبي عبدالله (عليه السلام ) قال :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

« من أتاني زائراً كنت شفيعة يوم القيامة » (1) .

وقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : يا أبتاه ! ما لمن زارك ؟

فقال ( صلى الله عليه وآله ) : يا بني ! من زارني حيا أو ميتاً ، أو زار أباك ، أو زار أخاك ، أو زارك ، كان حقا عليٌ أن أزوره يوم القيامة ، واخلصه من ذنوبه » (2) .

وروى البزنطي عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) قال :

« ما زارني أحد من أوليائي عارفاً بحقي ، الا شفعت فيه يوم القيامة » (3) .

2 ـ مودة وإكرام ذرية الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) :

فعن الإمام أبي عبدالله الصادق (عليه السلام ) قال :

قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) :

« إنّي شافع يوم القيامة لأربعة أصناف لو جاءوا بذنوب أهل الدنيا :

رجل نصر ذريتي .

____________

(1) الكافي : ج4 ص 548 ح3 .
(2) المصدر السابق : ج4 .
(3) من لا يحضره الفقيه : ج2 ص 583 ح3184 .

( 97 )

ورجل بذل ماله لذريتي عند المضيق .

ورجل أحب ذريتي باللسان والقلب .

ورجل سعى في حوائج ذريتي إذا طردوا أو شردوا » (1) .

3 ـ صنع المعروف :

عن الإمام أبي عبدالله الصادق ( عليه السلام ) . قال :

« إن المؤمن منكم يوم القيامة ليمر عليه بالرجل وقد أمر به إلى النار . فيقول له : يا فلان أغثني ، فقد كنت أصنع إليك المعروف في الدنيا .

فيقول المؤمن للملك : خل سبيله .

فيأمر الله الملك أن أجز قول المؤمن .

فيخلي الملك سبيله » (2) .

وتارة يدخل المشفوع له الجنة بسبب ذلك العمل الذي رجح علي معصيته من دون أن يرى العذاب ، وتارة لا تناله الشفاعة حتى يدخل جهنم ويذوق ألم العذاب .

فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال :

« . . . . شفاعة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وشفاعتنا تحيط بذنوبكم يا معشر الشيعة ، فلا تعودوا ، ولا تتكلوا على شفاعتنا ، فوالله لا ينال أحد شفاعتنا إذا فعل هذا (3) حتى يصيبه ألم العذاب ،

____________

(1) الكافي : ج4 ص 60 ح9 .
(2) المحاسن : ص 294 ح 194 .
(3) فعل هذا : أي إذا زنى وفجر بجارية أخيه ، ولم يتب ، ولم يتحلل من صاحب الجارية ـ كما في الرواية ـ .

( 97 )

ويرى هول جنهم » (1) .

فبعض العصاة لا تطهرهم إلا جنهم ، ثم تنالهم الشفاعة .

وبعد هذا كله ، هل يبقى شك أو ريب في أن الشفاعة عامل إيجابي يدعو إلى الصلاح ، ويحفز على ترك الذنوب والمعاصي ؟

واتضح أن الشفاعة فيها إظهار لعظمة الخالق ، وعظمة الشافع ، وعظمة العمل المشفوع به ، فهي :

1 ـ إظهار لعظمة الخالق جل وعلا :

أرأيت الملك كيف ينصب الوزراء والقواد والحجّاب ، فيقومون بالوظائف والأعمال ، وتكون له جهة الإشراف والمراقبة ؟

فكذلك الأمر مع ملك الملوك والملك الحقيقي ، فهو تعال اسمه أوكل الوحي إلى جبرائيل ، وقبض الأرواح إلى عزرائيل ، وأمر الرياح والأمطار إلى ملائكة آخرين ، وأوكل هداية الناس إلى الرسل ، مع قدرته تعالى على كل ذلك بمجرد إرادة منه فيقول كن فيكون . ومن ذلك أن جعل الشفاعة لرسله وأوليائه ، وكله إظهاراً لعظمته ، وتجلّيا لقدرته ، وتبييناً لجلالته .

2 ـ وإظهار لعظمة العمل المشفوع به :

وقد مرّ عليكم مثل تلك الأعمال كزيارة المعصومين ( عليهم السلام ) ، وإكرام ذراريهم .

3 ـ وإظهار لعظمة الشافع :

درجة الشفاعة درجة سامية ، وكلما تعاظمت منزلة الشفيع عند الله ، كلما كانت شفاعته أكبر . فالشفعاء يوم القيامة على درجات ومراتب .

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج4 ص 39 ح5034 .

( 99 )

فمنهم من يشفع في جاره وحميمه .

قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :

« إنّ الجار يشفع لجاره ، والحميم لحميمه » (1) .

وسئل الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن المؤمن هل يشفع في أهله ؟

قال : نعم المؤمن يشفع فيشفع » (2) .

وعن الإمام الباقر ( عليه السلام ) :

« . . . وإن ادنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنساناً ، فعند ذلك يقول أهل النار : ( فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ (3) ) (4) .

ومنهم من تصل منزلته ليشفع في مثل ربيعة ومضر .

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

« من مات يوم الخميس بعد زوال الشمس إلى يوم الجمعة وقت الزوال ، وكان مؤمناً ، أعاذه الله عز وجل من ضغطة القبر ، وقبل شفاعته في مثل ربيعة ومضر » (5) . إلى أن تصل المنزلة إلى منزلة المقام المحمود ، وهي منزلة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) وهي أعلى منزلة .

____________

(1) المحاسن : ص 294 ح192 .
(2) المصدر السابق : ح 193 .,آق .
(3) سورة الشعراء ، الآية ( 100 و101 )
(4) الكافي : ج8 ص 101 ح72 .
(5) من لا يحضره الفقيه : ج4 ص 411 ح5896 ، وقوله « في مثل ربيعة ومضر » : أي بمثل عدد قبيلتي ربيعة ومضر .

( 100 )

قال الإمام الباقر ( عليه السلام) :

« إن لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) شفاعةً في اُمته » (1) .

بل عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال :

« ما أحد من الاولين والآخرين إلا وهو يحتاج إلى شفاعة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم القيامة » (2) .

واما السيدة المعصومة ، حفيدته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هي الأخرى لها درجة مرموقة من الشفاعة .

فقد روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال :

« ألا إن قم الكوفة الصغيرة ، ألا إن للجنة ثمانية أبواب ، ثلاثة منها إلى قم ، تقبض فيها امرأة من ولدي ، إسمها فاطمة ، بنت موسى ، وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنة بأجمعهم » (3) .

وهذا مما يدل على مدى عظمة السيدة المعصومة ( عليها السلام ) ، وعلو شأنها عند الله تعالى .

____________

(1) المحاسن : ص 294 ح 190 .
(2) المصدر السابق : ص 293 ح 188 .
(3) بحار الأنوار : ج60 ص 216 ح41 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث